fbpx
احدث الاخبارعاجل

استفاقة الشعب المغربي: الناشطية الالكترونية والبديل النضالي من خلال حملة المقاطعة

اعداد : د.نبيل زكاوي – رئيس مركز تفكر للدراسات والابحاث الاستراتيجية

  • المركز الديمقراطي العربي 

 

 

لقد فندت شبكات الوسائط الالكترونية في السياق المغربي الراهن صفة الافتراضية اللصيقة بها، حيث صارت تمثل نموذجا الكترونيا للتفاعلات المجتمعية، وفد ظهر دلك بجلاء مع حملة مقاطعة ثلاث علامات تجارية تعتبر كل منها في مجال إنتاجها الأكثر استحواذا على الأسواق المغربية.

وجاءت حملة المقاطعة ضمن سياقين: الأول متعلق بمتغير الفاعل الاجتماعي المتمثل في تصاعد دور الحركات الاجتماعية الجديدة، والثاني مرتبط بالمتغير الجيلي الموسوم باتجاه الشباب إلى استهلاك التكنولوجيا الحديثة، حيث أغرقت وسومات المقاطعة بمختلف شعاراتها شبكات التواصل الاجتماعي سيما فايسبوك وواتساب وقناة يوتوب وذلك في مسعى للحشد والتعبئة ضد المنتوجات المستهدفة، حتى أن التدفق الانتشاري للمعلومات من رسائل وفيديوهات بين المستعملين جعلها لم تخل من سخرية أبدعها ما يسمى ب”النشطاء المهرجين”.

وهكذا تبلورت هذه الحملة الشعبية المنقولة عبر وسائل الاتصال الفردي والجماهيري في ارتباط مباشر بهيكل الظروف السوسيواقتصادية وليس بالوضع السياسي، أي دون أن تناقش أي محتوى سياسيا وإنما قضايا اجتماعية في ظل حالة الانغلاق السياسي.

فمن جهة أولى، ورغم أن حملة المقاطعة هي حراك للكرامة ومطلب للعيش إلا أنها في العمق حركة مقاومة للنموذج الاقتصادي السائد القائم على احتكارات رجال الأعمال فيما يطلق عليه اختطاف أو أسر الدولة.

ولهذا فاختيارات المقاطعة كانت واعية، إذ حتى وان كانت تأخذ شكل رفض ممنهج لثلاث سلع فقط كنوع من العقاب لإجبار الشركات المنتجة لها على الرضوخ والامتثال لسلوك خفض الأسعار، فان هذا الاستهداف الموجه لرؤوس الهيمنة التجارية سيعني إسقاط كامل الجسد الاحتكاري، وفي هذا الإطار صاحب حملة المقاطعة رفض المصالحة مع الشركات المستهدفة وهجرها ونبذها والاستهامة بها وفضح ممارساتها إلى حين تحقيق الهدف المنشود.

ومن جهة ثانية فان غلق المساحات السياسية هو الذي أدى إلى انزياح الفعل النضالي من المجال العام نحو الفضاء الالكتروني، حيث تنامت الممارسات الاحتجاجية وضمنها حملة المقاطعة بالساحة الافتراضية، وذلك لارتفاع تكلفة الاحتجاج بالشارع أمام واقع الاقتطاع من أجور المضربين بالنسبة للموظفين وآلة القمع التي تطغى على مقاربة الدولة في التعاطي مع مختلف الحركات الاحتجاجية. فضلا عن أن الفرد يمكنه أن ينخرط في الحملة في الوقت الذي يحدده هو ولا يخضع لأوقات تحددها له نظم أو مؤسسات كما يمكنه الاتصال الآني دون الحصول على موافقة سلطة معينة وتشبيك روابط جديدة مع المواطنين.

إن حملة المقاطعة التي أطلقها وانخرط فيها واستجاب لها ناشطون إلكترونيون بقدر ما تعد مؤشرا للمواطن السلمي غير الساعي لإثارة الشغب بل لحل مشكلاته، بقدر ما جعلت البنى التواصلية والتعبوية التقليدية )الأحزاب والنقابات (متجاوزة، وهكذا صار المجتمع يأخذ بزمام مبادرته الخاصة أكثر من التعويل على القنوات الوسيطة المتعارف عليها.

وبذلك فنجاح حملة المقاطعة المشهود جاء نتيجة ما توفر لقطاعات واسعة من المجتمع المغربي من مساحات التعبير الالكتروني وهو ما يعكسه مصطلح “الجماعات المتخيلة” للمؤرخ الانجليزي “بينيديكت أندرسون”، والذي يجسد درجة من درجات التضامن والشعور بالانتصار. إن حملة المقاطعة بدأت كتمرد سيبراني لكنها اخدة في تمكين المجتمع من استعادة السيطرة على الواقع عن طريق الخيالي، وهو ما تعكسه الروح السحرية المهيمنة على حشد الرسائل التي تنتشر في كل لحظة عبر الانترنيت.

إن تصاعد هكذا قوة مدنية لمجتمع غير راض عن الوضع الراهن هو ما جعل معادلة الصراع، بين مجتمع اخذ في التحدي وشركات مهيمنة، تتجاوز قدرة مؤسسات الدولة وقوانينها )البرلمان والحكومة( على ضبط الأمور نتيجة اهتزاز ثقته بهذه المؤسسات كونها متحيزة لمصالح الشركات الاحتكارية.

أخيرا وفي سبيل استشراف مستقبل أو سيناريوهات المقاطعة، وبالنظر إلى استمرار الحملة في جذب قوى اجتماعية أخرى إلى مسار المقاطعين، يظهر بأن الحملة قد تخطو بوضوح نحو عصيان مدني أوسع وهو ما يؤشر عليه التداعي إلى استهداف مهرجان موازين بالمقاطعة كذلك، كما يرجح أن تنتقل الحملة من مقاطعة جزئية تقتصر على سلع ثلاث إلى مقاطعة كلية لمجموعة من السلع، حيث ظهرت دعوة جديدة إلى ضم شركة جودة للحليب ومشتقاته وذلك بعد شيوع خبر تواطئها مع نظيرتها شركة سنطرال دانون المستهدفة منذ بداية الحملة، أي أن الحملة قد تنتقل من مقاطعة مباشرة ضد الجهات المستهدفة إلى مقاطعة غير مباشرة كمعاقبة من يتعاون أو مجرد يتعامل مع تلك الجهات.

على أن إمكانية أن تصبح الحملة خطوة أو حلقة في سلسلة طويلة تتبعها حلقات إقناع قاعدة شعبية عريضة بجدوى المقاطعة، رهين بتنظيم شبكة اجتماعية قوية وخطة دعائية ناجعة في سبيل تحقيق الهدف، وطرح مقترحات موازية للمقاطعة حتى لا تتحول إلى عمل سلبي ينحصر فقط في الامتناع، وإنما ينبغي تطويره نحو فعل ايجابي يحقق غايته، كالمطالبة بإصدار قانون خاص بحظر التضارب بين المصالح لشاغلي المنصب العام وذلك على خلفية حالة أخنوش الذي يجمع بين منصبه الوزاري ورئاسته لشركة إفريقيا للمحروقات المستهدفة بالمقاطعة.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق