الأفريقية وحوض النيلالدراسات البحثية

الدبلوماسية المصرية : عوامل تحد من قدرتها علي حل أزمة سد النهضة

اعداد : السفير بلال المصري – ســفيـر مصر السابق لدي أنجولا وساوتومي والنيجر – 

 مدير المركز الديمقراطي العربي مصر – القاهره

مقدمة:

تري مصر في إقامة إثيوبيا لسد النهضة بالمواصفات الفنية الحالية ومنها فترة ملأ خزان السد والسعة التخزينية له والتي تُقدر بنحو 74 مليار متر مكعب تراه مُدياً إلي تناقص الوارد من مياه النيل للأراضي المصرية, فحصة مصر من مياه النيل تبلغ 55,5 مليار متر مكعب / عام طبقاً لإتفاقية الإنتفاع الكامل بمياه النيل المُوقعة في 8 نوفمبر 1959مع السودان وهي الإتفاقية الثنائية الوحيدة بين دولتين من دول حوض نهر النيل العشر والتي بموجب الجزء ” أولاً ” مادة 4 منها تنص علي أنه ” وبعد تشغيل السد العالي يكون نصيب مصر من صافي إيراد النيل 55,5 مليار متر مكعب/ عام ويكون للسودان (75% من مساحته واقعة في حوض النيل ويمد السودان بنحو 77% من  إحتياجاته المائية) 18,5 مليار متر مكعب / عام وفي حالة زيادة متوسط إيراد مياه النيل تُقسم هذه الزيادة مناصفة بين جمهوريتي مصر والسودان” , وبالتالي فقد خاضت مصر ما يمكن وصفه بمفاوضات عقيمة لم تتمخض عن شيء يُغير الواقع المائي بمصر والذي تفرضه إثيوبيا علي مصر فرضاً بإقامتها لسد النهضة بالمواصفات الفنية الإثيوبية الحالية والتي تؤيدها السودان الذي من المُفترض أن حكومته مُرتبطة مع مصر بإتفاق 1959 المُشار إليه والذي تشير فقرة منه   إلي ما نصه ” : رابعاً – التعاون الفني بين الجمهوريتين أنه ولتحقيق التعاون الفني بين حكومتي الجمهوريتين وللسير في البحوث والدراسات اللازمة لمشروعات ضبط النهر وزيادة إيراده وكذلك لإستمرار الأرصاد المائية علي النهر في أحباسه العُليا توافق الجمهوريتان علي أن تنشأ هيئة فنية دائمة من جمهورية السودان ومن الجمهورية العربية المُتحدة (مصر) بعدد مُتساو من كل منهم يجري تكوينها عقب توقيع هذا الإتفاق ويكون إختصاصها …….. ” , وهو ما يعني بواقعية أنه بسبب سد النهضة أولاً الذي أنيط تنفيذه لشركة Salini Costruttori الإيطالية بدون منافسين بعقد قيمته 4,8 بليون دولار وُقع في مارس 2011, وثانياً بسبب موقف السودان الداعم لإقامته بمواصفاته الفنية الإثيوبية التي ترفضها مصر , أصبحت هناك قوتان ضاغطتان علي مصر تُملي عليها واقعاً مائياً أشبه بالكارثة , هذه الكارثة التي يمكن وصفها “بجريمة ضد الإنسانية ” للأسف يشارك فيها السودان إنتقاماً من بعض حكام مصر غير الجديرين بحكمها ولا يميز السودان في موقفه هذا بين هذه النوعية الرديئة من الحكام والشعب المصري , لكن النتيجة النهائية لموقف السودان المُؤيد الداعم لإثيوبيا أن أصبح إتفاق الإنتفاع الكامل بمياه النيل بين مصر والسودان المُوقع بينهما عام 1959 منسوخاً أو كأنه كذلك , إذ أن هذا الإتفاق ذاته يشير الجزء الخامس منه إلي ما نصه ” (1) عندما تدعو الحاجة إلي إجراء أي بحث في شئون مياه النيل مع أي بلد من البلاد الواقعة علي النيل خارج حدود الجمهوريتين , فإن حكومتي جمهورية السودان والجمهورية العربية المتحدة (مصر) يتفقان علي رأي مُوحد بشأنه بعد دراسته بمعرفة الهيئة الفنية المُشار إليها , ويكون الرأي هو الذي تُجري الهيئة الإتصال بشأنه مع البلاد المُشار إليها ” , وها نحن نري أن أزمة سد النهضة كشفت فيما كشفت عنه أن إتفاق الإنتفاع الكامل بمياه النيل 1959 أصبح أثراً بعد عين وهو أمر يُعد من المكاسب الثمينة التي أحرزتها إثيوبيا  التي تُضاف إلي  تمكنها من إقامة سد النهضة ومصر مُنقسمة وفي أضعف مراحل تاريخها الحديث ومن دلائل ضعفها تحالفها مع دول آنية نشأت فوق ينابيع بترول وليس لها جذور في التاريخ ولا ظل لها وتُدافع عن وجودها ككيانات سياسية آلة الحرب الأمريكية كما قال وردد ذلك غير مرة رئيس الولايات المتحدة Donald Trump , ومن ثم فإن دخول مصر والحالة هذه في تفاوض مع إثيوبيا مع إضافة الموقف السوداني المواتي لإثيوبيا وإقامتها لسد النهضة بتصميمه الهندسي الفني الحالي يعتبر بلا أدني شك خارجاً عن نصوص إتفاق الإنتفاع الكامل بمياه النيل المُوقع مع مصر , وذلك يعني الكثير فهو في حده الأدني عدم توازن بين الأطراف الثلاث المُتفاوضة في أزمة سد النهضة , إذ أن الموقفين الإثيوبي والسوداني يكادا وأن يكونا موقفاً واحداً وبالتالي فإن وزن مصر يعد الأقل مبدئياً , كما أن السودان ومصر بإعتبارهما دولتي مصب لنهر النيل إختلفت نظرتهما لسد النهضة فالسودان سوف يستفيد من إقامته طاقوياً , فيما مصر ستُضار , ولهذا نجد أن التفاوض مُتعثر وتخلله تأجيلات وتوقف أكثر من مرة  كالذي حدث بعد أن فشلت جولة مفاوضات فنية ثلاثية في أكتوبر 2017 لذلك أُعلن عن توقف هذه المفاوضات في نوفمبر 2017 , ثم ما لبثت أن أُستؤنفت المفاوضات مرة أخري لكنها توقفت في 5 مايو 2018 عندما أعلن وزير الخارجية المصري عن ذلك مُلقياً باللائمة علي الجانبين الإثيوبي والسوداني لفشل إجتماع أديس أبابا الذي إنصب علي مناقشة خلافاتهم بشأن التقريرالذي وضعته مجموعة الخبرة الفرنسية (Artelia and BRL اللذي تم إختياره في سبتمبر 2016) والتي قبلت مصر بتقريرها المبدئي وكان بشأن الآثار الهيدرولوكية والإقتصادية والبيئية المُحتملة للسد علي دولتي المصب مصر والسودان فيما رفضه الجانبان الإثيوبي والسوداني في هذا الإجتماع معاً , وقد لفت وزير الخارجية المصري في تصريحه المُشار إليه إلي ” أن كل واحد يجب أن يعرف أن سوف لا تقبل فرض وضعية الأمر الواقع عليها مصر والتي تعني فرض طرف إرادته علي طرف آخر”  وهكذا أصبحت هذه المفاوضات التي أديرت بدوافع مختلفة أداة ثلاثية مرنة الإستخدام , فقد كان الهدف الإثيوبي منها إستهلاك الوقت مع المضي في إتمام إقامة سد النهضة علي اساس التصميم الهندسي الإثيوبي الخاضع للتفاوض والذي وضع بيت خبرة فرنسي رأيه بشأنه , ووفقاً لمتوسط النسب المُعلنة من كافة المصادر فقد إنتهي الإثيوبيين من إقامة السد بنسبة 65% , أما السودان فقد كان هدفه مزدوجاً فهو يريد الحصول علي أفضل وأقصي عائد إثيوبي ممكن مقابل دعمه السياسي لإقامة هذا السد , ومن بين ما سيتفيده السودان أيضاً إستيراد جزء من الطاقة الكهربائية المُولدة من سد النهضة وفقاً لتصميمه الحالي والبالغة 6450 Mega Watts , ومن جهة أخري فالسودان يستخدم موقعه كحلقة وسيطة في موضوع النزاع بإعتباره دولة مصب مع مصر بمقايضة خفض وتيرة دعمه لإثيوبيا مقابل تسوية النزاع مع مصر علي السيادة علي حلايب , أما مصر فكانت وما تزال تريدها تسوية فنية محضة بتعديل التصميم الهندسي الفني الحالي للسد بحيث تطول فترة الملأ لخمس سنوات و/ أو تُخفض السعة التخزينية لخزان السد وهو ما ترفضه إثيوبيا ولا تدعمه السودان , وللأسف فإن كثير من المواقع الإليكترونية التي تمثل خزانات إعلام أفريقي تتبني الطرح الإثيوبي حيال أزمة سد النهضة وتصف المواقف المصرية داخل جولات التفاوض الفني بأنها مُسيسة وهو أمر مُثير للدهشة إذ أن مصر لا تتحدث إلا عن تعديل فني يؤثر في طاقة التخزين المائي لخزان السد و / أو فترة الملأ  وهي أمور فنية صرفة , وإذا ما كان موقف الإعلام الأفريقي (علي الأقل) علي هذا النحو , فالتحرك الدبلوماسي المصري مُؤخراً بدول حوض النيل في شأن هذه الأزمة والذي يهدف – في ظل مفاوضات بلا طائل – إلي تكوين مجموعة دول نيلية ضاغطة علي الموقف الإثيوبي , هذا التحرك جاء بطيئاً رغم أنه مُحاط بظروف مُعقدة وفي توقيت مُتأخر مما يُثير قدراً غير قليل من الحيرة إن لم تكن الدهشة , وذلك علي النحو الآتي :

التحرك المصري بإتجاه الدول أعضاء مبادرة حوض النيل  :

كنت أتابع من موقعي كمدير لشئون ليبيا بالخارجية ثم كسفير لمصر في أنجولا ثم في النيجر أي في الفترة من عام 2002 حتي 2013 علاقات مصر مع دول حوض النيل بالتوازي مع مهامي الأصلية , وأذكر أني حذرت من مغزي إنضمام إثيوبيا إلي مبادرة حوض النيل NBI التي تقررت في مؤتمر لوزراء ري دول حوض النيل عام 1998 , لكنها كانت بإيعاز وبهندسة إنشائية من البنك الدولي , ولم يكن تحذيري بسبب الإنضمام في حد ذاته بل كان بسبب قبول إثيوبيا الإنضمام عضو كامل لهذه المبادرة , وذلك لأول مرة في تاريخ التجمعات التي أُنشأت لتجمع دول حوض النيل معاً , فإثيوبيا كانت دائماً ما ترفض الإنضمام كعضو كامل في أي تجمعات نيلية مثل مشروع الهيدروميت وهو تجمع فني بحت أُنشئ عام 1967 وكان أول وجه من أوجه التعاون بين الدول النيلية , وبالرغم من أنه كان فني الطابع ومعنياً بدراسة الأرصاد الجوية والمائية لدول الحوض العشر إلا أن خمس دول نيلية فقط هي من إنضم إلي هذا التجمع في بدايته وهي مصر, كينيا , تنزانيا , أوغندا والسودان ثم إنضمت فيما بعد رواندا وبوروندي والكونجو الديموقراطية وأخيراً إنضمت إثيوبيا إليه لكن بصفة مراقب , كذلك كان تجمع أندوجو وهو تجمع غير رسمي نشأ ليكون منتدي لتبادل وجهات النظر والمعلومات وتنسيق المواقف ودعم التعاون بين الدول الأعضاء وهو تجمع طرح فكرته د. بطرس غالي وزير الدولة المصري للشئون الخارجية وأُعلن عن إنشاءه خلال المؤتمر الوزاري الأول لدول حوض النيل في الخرطوم في نوفمبر 1983 وضم كلا من مصر والسودان وزائير وأوغندا وأفريقيا الوسطى , علي أن تُعقد إجتماعاته في إطار التعاون الإقليمي لخطة عمل لاجوس الإقتصادية الصادرة عام 1980, وقد عقد هذا التجمع أولي إجتماعاته في الخرطوم في الفترة من 2 إلي 4 نوفمبر   1983 لكن إثيوبيا رفضت الإنضمام له وعقد التجمع إجتماعات عدة لكنه في النهاية تحلل ,  كذلك الأمر في حالة إقامة تجمع تيكونيل TECCONILE الذي أُنشئ في ديسمبر 1992 وأستمر حتي 1998 وكان مقره أوغندا وضم 6 دول نيلية مصر والسودان وتنزانيا وأوغندا ورواندا والكونجو الديموقراطية , وشاركت إثيوبيا وكينيا وإرتريا وبوروندي فيه كمراقبين , وأخيراً وبعد ذلك تأسست مبادرة حوض النيل كآلية إنتقالية للتعاون بين دول الحوض وبديلة للتيكونيل وذلك بناءعلي إتفاق وزراء الموارد المائية لدول الحوض في أروشا في إجتماع إستثنائي يومي 23 و24 سبتمبر 1998 , ويتضح من مُسمي تجمع تيكونيل TECCONILE الطبيعة الفنية البحتة له فقد إستهدفت الدول المُنضمة إليه تحقيق التنمية وحماية البيئة , ويُذكر أنه خلال فترة تجمع تيكونيل TECCONILE طُرحت خطة شملت 22 مشروع أهمهم مشروع إطار التعاون الإقليمي والمؤسسي بين دول الحوض تنبثق عنه لجنة فنية قانونية تضم ممثلين عن دول حوض النيل تجتمع دورياً عدة مرات أثناء العام وتحولت هذه اللجنة إلي لجنة تفاوضية مُشتركة عام 2002 .

من الواضح إذن أن السياسة الإثيوبية المُتعلقة بمياه النيل مُؤسسة علي عقيدة عدم الإنضمام لتجمعات تعني بنهر النيل حتي لا تُجشم إثيوبيا نفسها عبء الإلتزام والتعهد وإلا فما هو مبرر عدم الإنضمام بصفة عضو كامل العضوية في هذه التجمعات , ولذلك ثارت تساؤلات بسبب كسر إثيوبيا هذه القاعدة بالإنضمام بصفة عضو كامل العضوية في مبادرة حوض النيل أو ما سُمي بمبادرة الرؤية المُشتركة (وهو أسم لأحد برنامجين تستهدفهما هذه المبادرة وهما برنامج الرؤية المُشتركة ويستهدف تنفيذ مشروعات علي مستوي الحوض ككل , وبرنامج العمل الفرعي الذي يتضمن تنفيذ مشروعات بعضها في النيل الشرقي والأخري في الإستوائي) , وهناك أكثر من تاريخ يُذكر بشأن ظهورهذه المبادرة للوجود فمن قائل أنها تأسست في ديسمبر من عام 1992 حينما وقع “عدد” من وزراء الموارد المائية بدول حوض النيل وثيقة إنشاء التيكونيل التي لم تكن إثيوبيا وإرتريا وبوروندي وكينيا إلا مراقبين فقط فيها , وقد أستهدفت مبادرة حوض النيل تلك وضع إستراتيجية للتعاون بين دول الحوض وتحسين معدلات التنمية الإقتصادية ومُحاربة الفقر , ومن قائل أنها تأسست في عام 1997 أنشأت دول حوض النيل منتدي للحوار يسعي إلي تشكيل آلية مُشتركة للتعاون فيما بينها , وأن هذه الدول إجتمعت بإستثناء إرتريا في23 و24 سبتمبر 1998 بأروشا – تنزانيا – وأقروا إنشاء آلية جديدة بديلة للتيكونيل كآلية إنتقالية للتعاون بين دول الحوض (ريثما يتم الإنتهاء من وضع الإطار القانوني والمؤسسي للتعاون بين هذه الدول) , وبالطبع فقد تعثرت المفاوضات بشأن هذا الإطار نظراً إلي الخلافات الجوهرية بين دولة المنابع أي إثيوبيا وأوغندا ودولتي المصب مصر والسودان حول بعض المبادئ القانونية والتي من بينها مبدأ الحق التاريخي الذي تتمسك به مصر ومبدأ إستمرارية الإتفاقيات القائمة , ومن قائل – وهو الأقرب للواقع – أن ممثلي هذه الدول وقعوا في تنزانيا في 22فبراير 1999 علي إتفاقية بالأحرف الأولي ثم جري تفعيلها في مايو من نفس العام ثم أُطلق عليها مُسمي ” مبادرة حوض النيل ” , وكما أشرت فهو التنظيم الوحيد الذي إنضمت إليه إثيوبيا كعضو كامل العضوية , بل إن الإجتماع الذي عُقد لهذه المبادرة في أديس أبابا دعا إلي ضرورة عقد إجتماعات وطنية بكل دولة عضو فيها للتعريف بأهمية هذه المبادرة وشرح فوائدها , كما عُقدت إجتماعات أخري علي مستوي الخبراء والفنيين بالتعاون مع البنك الدولي والبرنامج الإنمائي للأمم المُتحدة لمناقشة الإطار القانوني والمؤسسي لدول الحوض والذي يتم من خلال مفاوضات الدول العشر لإقتسام مياه النيل بمشاركة ثلاثة خبراء علي الأقل في المجالين الفني والقانوني وتتم علي ضوء نتائج إجتماعات المائدة المستديرة مع حوض نهر السنغال والزمبيزي , ومن الواضح بالطبع أنه كانت هناك ثمة إرادة دولية – خاصة من البنك الدولي والأمم المتحدة – لتنميط Standardization موضوع الأنهار وإقتسام مياهها  .

هناك ثمة ملاحظة مبدأية بشأن كل التجمعات التي ضمت دول حوض النيل وهي أنها تأسست وهناك قاسم مشترك يجمع دول حوض النيل – فيما عدا مصر والسودان – وهو رفضها جميعاً بشكل رسمي معلن للوضع الراهن بالنسبة لنظام الحصص المائية لمصر والسودان مياه النيل بناء علي إتفاقيتي مايو 1929 وإتفاق الإنتفاع الكامل من مياه النيل بين مصر والسودان 1959 , وتوثق هذا الرفض من خلال مذكرات عديدة تشير لرفض هذه الدول الإلتزام بما ورد في المعاهدات والإتفاقيات والمذكرات المُتبادلة بين القوي الإستعمارية التي كانت وكيلاً عنها وقت توقيعها ودول المصب , ومثال علي ذلك المذكرة التي أرسلتها تنجانيقا (قبل الوحدة عام 1964 مع زنزبار وتغيير مُسماها إلي تنزانيا لاحقاً) فور إعلان إستقلالها عام 1962 لحكومات مصر والسودان وبريطانيا تبلغهم فيها عدم إلتزامها بأي تعهد كانت قد قامت به الحكومة البريطانية يُنقص من سيادتها علي الأنهار أو البحيرات التي بأراضيها وأشارت المذكرة إلي البند 4 – باء – من المذكرة المصرية التي تبودلت بشأن إتفاق مياه النيل المُوقع بين مصر / بريطانيا نيابة عن السودان في 7 مايو 1929 وهي المتعلقة بالتعهد ” بألا تُقام أعمال ري أو توليد طاقة يكون من شأنها إنقاص مقدار المياه الواصلة إلي مصر , ولا تتخذ إجراءات علي النيل أو فروعه سواء أكان ذلك في السودان أو بالبلاد الواقعة تحت الإدارة البريطانية إلا بإتفاق مُسبق مع الحكومة المصرية ” , وقد ردت الحكومة المصرية بأنها تعتبر الإتفاقية سارية المفعول حتي يتم إستبدالها بأخري يوافق عليها الطرفان , أما أثيوبيا فقد دأبت علي إرسال مذكرات لمصر والسودان وباقي دول حوض النيل والمؤسسات المالية الدولية تكرر فيها هذا المعني كالتي سلمتها للخارجية المصرية في 23 سبتمبر 1959 تحتج فيها علي إقامة السد العالي دون إخطارها هي والدول النيلية الأخري وأخري بتاريخ 8 فبراير 1976 ضمنتها عدم موافقتها علي تحويل أي جزء من مياه النيل إلي خارج حوضه تلتها بأخري في 5 مايو 1980 تحتج فيها علي إعلان رئيس مصر نيته تحويل جزء من من مياه النيل إلي إسرائيل , وهو أمر أكد المسئوليين المصريين أنه عار عن الصحة وعدم النية في مد أو نقل مياه النيل إلي ما بعد حوضه الذي ينتهي عند بحيرة البردويل  .

في تقديري أن إنضمام إثيوبيا لمبادرة دول حوض النيل أو ” مبادرة الرؤية المُشتركة ” التي شارك في وضعها طرف من خارج دول الحوض وأعني به تحديداً البنك الدولي , وهو المبرر الوحيد الذي يجعل إثيوبيا تخرج عن قاعدة ثابتة في سياستها النيلية بعدم الإنضمامم لالتجمعات النيلية إلا كمراقب , لكنها إنضمت كعضو كامل العضوية بمبادرة الرؤية المُشتركة , وهو ما كتبته رسمياً في 20 أكتوبر 2001 لوزير الخارجية المصري وأشرت إلي أن إنضمام مصر لمبادرة الرؤية المُشتركة – أيا كان المصدر الذي وضعها -يمكن ضمنياً أن يؤثر علي حقوق مصر المُكتسبة (التاريخية) في مياه النيل وذلك في ضوء:

– أنه من واقع أحد الكُتيبات الصدرة عن وزارة الري المصرية فإن سياسة مصر المائية تنبني علي : (1) التعاون المُخطط مع دول حوض النيل في إطار وحدة الفكر المصري/ السوداني (وهو إطار لم يعد له وجود حالياً أو كاد أن يكون كذلك) و (2) الفصل بين الموارد الحقيقية وما يُطلق عليه إستقطاب الفواقد و(3) حصر قضايا المياه في إطارها الفني .

ما تقدم حرصت علي الإشارة إليه وبإختصار لبيان الجزء الأهم في مكونات الإستراتيجية المائية لإثيوبيا  القائمة علي عدة قواعد منها السياسية ومن أبرز خصائصها الحرص علي عدم الإلتزام أو عدم التعهد بشيئ ملموس للطرف الأخر ومن هنا يمكن أن نُقيم ما يُسمي بوثيقة إعلان المبادئ بشأن سد النهضة الإثيوبي التي وقعتها مصر وإثيوبيا وإثيوبيا بالخرطوم في 23 مارس 2015 والتي من أهم ما تضمنته وبشكل عام إيلاء دولتي المصب أولوية في الحصول علي الطاقة الكهربائية المُولدة من السد بعد إنجازه , ووضع آلية لحل الصراعات والتعويض عن الخسائر وكل ذلك بشكل عام غير , ومما يؤكد ذلك أن هذه الوثيقة لم يثبت حتي الآن أنها حلت أو علي الأقل أوقفت الخلافات المُتكررة التي أُثيرت في الإجتماعات الوزارية الثلاثية ثم التساعية والإجتماعات الفنية علي مستوي الخبراء بشأن سد النهضة وآثاره السلبية المُحتملة علي مصر , هذه الإجتماعات التي توقفت أكثر من مرة وسُوفت أكثر من مرة علي مدي السنوات الأربع الماضية علي الأقل , أنها وثيقة دعائية أو علي الأقل طبية بمعني أنها بمثابة عملية تخدير لمصر لتسكين ثورتها بسبب ما يمثله سد النهضة من خطر ماحق للأمن القومي المصري القائم أصلاً علي المياه , ومن هنا يمكن البدء في تتبع التحرك الدبلوماسي المصري في بعض دول حوض النيل لإستنتاج الهدف منه وتقييمه وفقاً للمتاح من معلومات .

في ضوء ما تقدم يمكن إلقاء نظرة مُتأملة للتحرك الدبلوماسي المصري في الأشهر المُنصرمة في نطاق دول حوض النيل وفي هذا الإطار وعلي المستوي الرئاسي قام الرئيس المصري بزيارة لأوغندا في 18 ديسمبر 2016 وُقعت خلالها مذكرة تفاهم بين البلدين بشأن مشروع الربط النهري بين بحيرة فيكوريا بأوغندا مروراً بجنوب السودان فالسودان فمصر حتي ميناء الأسكندرية علي البحر المتوسط , وقال الرئيس الأوغندي Museveni لدي توقيعها أن الطريق البديل علي مجري النيل الذي مصدره بأوغندا سيمضي شمالاً إلي ميناء الأسكندرية بمصر وهو طريق يستوعب 80% من حركة الصادرات والواردات المصرية , وأوضح فيما يُري علي أنه رد علي توقيت الإعلان عن هذا المشروع فيما الحرب الأهلية دائرة بجنوب السودان منذ منتصف ديسمبر 2013 ولا يتوقع نهايتها علي الأجل القصير علي الأقل , ” نحن , علي أية حال , نرقب المشاكل الأمنية في جنوب السودان والسودان ونبحث في كيفية التمكن من حلها ” , * (للأسف لا تلعب مصر دوراً ولا تستطيع أن تلعب دوراً في حل أزمة الحرب الأهلية بجنوب السودان إذ أنها طرف مُنحاز فهي تدعم نظام الرئيس Salva Kiir Mayardit في مواجهة تمرد Rick Machar نائبه السابق عليه ومعه كتل سياسية جنوبية خلافاً للموقف الإثيوبي الذي لعب دوراً مع منظمة IGAD في التوصل لإتفاق أديس أبابا في أغسطس 2015 الذي وقعه Kiir و Machar) ثم أشار إلي أنهم سيعملون مع الشراكة الجديدة لتنمية أفريقيا NEPAD لإستخدام هذا الطريق المجاني (؟) المُتجه للبحر المتوسط وأضاف أن حكومته ستتخذ إجراءات صارمة لتأمين الحفاظ على النيل حتي يمكن لمصر التي تعتمد على إمداداته وحدها ألا تتضرر , ويبدو أن الرئيس موسيفيني يكتفي بهذه العبارات الإيجابية قليلة الفائدة والتي لا يمكن أن تُبدد مخاوف مصر من الموقف الإثيوبي إزاء قضية مياه النيل ككل وليس سد النهضة فحسب فإتفاق التعاون الإطاري CFA أو إتفاق عنتيبي 2010 الذي روجت له إثيوبيا ومعها أوغندا (التي يقع 99% من أراضيها في حوض النيل) وباقي دول حوض النيل يلغي حقوق مصر التاريخية في مياهه , ومن اسف أن لدي مصر متسع من الوقت لتتحمل سياسة الرئيس الأوغندي موسيفيني ذات الأوجه المُتعددة , فالرئيس المصري هاتفه في 11 يونيو 2017 ليناقش – وفقاً لبيان الرئاسة المصرية – معه الخطط المُتعلقة بقمة دول حوض النيل بأوغندا  .

من جانبه قام الرئيس الأوغندي بزيارة القاهرة يوم الثلاثاء 8 مايو 2018 لمدة يومين , ووفقاً للمصادر الدبلوماسية فقد طُرح خلال هذه الزيارة عملية السلام في جنوب السودان وقضية المُشاركة في مياه النيل  (أصبح جنوب السودان الذي 95% من مساحته داخل نطاق حوض النيل عضواً في مبادرة حوض النيل NBI بموجب قرار مجلس وزراء المبادرة في إجتماعهم الإعتيادي العشرين في Kigali في 5 يوليو 2012) , ولذلك أشار الرئيس المصري في المؤتمر الصحفي المُشترك في ختام هذه الزيارة إلي ما نصه ” أوضحت للرئيس الأوغندى الموقف المصرى الخاص بملف سد النهضة ومدى حرصنا على التوصل الى حل للمسائل العالقة وفقا لاتفاق إعلان المبادئ الموقع فى 2015″ , ومن جانبه أشار الرئيس الأوغندي إلي أن بلاده مُهتمة جداً بحل المسائل العالقة في المفاوضات الخاصة بسد النهضة , وفي الواقع فإنه مما يُلاحظ أن هناك ثمة تركيز نسبي مصري علي إستخدام العلاقات مع أوغندا وجنوب السودان وأرتريا في توليد طاقة سياسية مؤثرة علي ملف مياه النيل وهو ما لم يثبت أنه إتجاه مُنتج , فأوغندا والرئيس يوري موسيفيني شخصياً  وهو شخصية مُتعددة الأوجه يمثل القاسم المُشترك في تحالف رباعي يضم مصر وجنوب السودان وأرتريا وهو تحالف مُشابه في بعض أهدافه للتحالف الرباعي الذي يضم مصر والسعودية والإمارات والبحرين  .

في عام 2017 قام الرئيس المصري في الفترة من 14 وحتي 17 أغسطس بزيارات لأربع دول أفريقية هي تنزانيا ورواندا والجابون وتشاد , ووفقاً للمتحدث باسم الرئاسة المصرية فإنه ” سيبحث خلالها التعاون الثنائي وآخر المُستجدات الإقليمية , وأنها تأتي في إطار إنفتاح مصر علي القارة الأفريقية ” , ففي تنزانيا وقبل وصول الرئيس المصري إليها صرح الأمين العام الدائم للخارجية التنزانية Aziz Mlima في 11 أغسطس“ بأن زيارة الرئيس المصري تهدف إلي تعزيز العلاقات في المجالات الإقتصادية والدبلوماسية والإجتماعية ” وأضاف ” أن الزيارة تأتي متوافقة مع أجندة تنزانيا لترويج التصنيع “, ولدي وصول الرئيس المصري لدار السلام في زيارة دولة State visit في 14 أغسطس إلتقي بنظيره التنزاني John Magufoli , وأعلن في المؤتمر الصحفي المُشترك أن مصر وتنزانيا ( يشغل نهر النيل  13% من مساحة تنزانيا ويصل من عند بحيرة  Victoria ولا تعد تنزانيا دولة مُشاركة بصفة مباشرة في مياه مجري النيل لكنها تشارك في مياهه من خلال إطلالها علي البحيرات الإستوائية العُظمي التي تغذي النيل الأبيض وهي بحيرات Victoria وTanganyika وRukwa  وNyasa) تتطلعان للمستقبل بثقة وتفاؤل للوفاء بآمال شعبهيما في تحقيق التنمية الدائمة والشاملة , وأشار فيما يتعلق بالهدف الأولي من زيارته لتنزانيا فقال ” أن إستخدامات مياه النيل  أحد الموضوعات التي علي قائمة ما نُوقش وأنه لم يستطع التوصل لإتفاق مع نظيره التنزاني لكننا إتفقنا علي المُضي في مزيد من المفاوضات بشأن أفضل السبل للمشاركة في مياه النيل ” , ومن جانبه قال الرئيس التنزاني ” لقد سمعنا منك سيادة الرئيس وأعتقد أن المقترحات ستفيد كل الأطراف , إذ أن 51% من بحيرة فيكتوريا والتي تمثل المصدر الرئيسي لمياه النيل (الأبيض) بتنزانيا , لذلك علينا أيضاً أن نستفيد ” , وفي ضوء إهتمام تنزانيا بتنمية مواردها المائية خاصة في مناطق Kigoma وKagera  و Mwanza وحوض المياه بالجنوب الغربي من تنزانيا بمناطقKatavi  وRukwa و Songwe و Mbeya للوفاء بإحتياجات مشروعاتها الزراعية الضخمة لذلك نجد تصريحاً كاشفاً عن ذلك أدلي به Mahmoud Hassan Mgimwa رئيس لجنة الزراعة والمياه بالبرلمان التنزاني يشير فيه إلي أن ” تنزانيا تفعل ما تستطيعه لحماية مصادر المياه والبحيرات  في الحوض وعلي نحو خاص بحيرات Nyasa و TanganyikaوRukwa و Victoria ” , منوهاً بأن الحكومة أنشأت مجالس لإدارة هذه البحيرات وأن تنزانيا تشارك وبنشاط في الإجتماعات الجارية التي تناقش أثر سد النهضة علي تدفق مياه النيل , وقال ” بالرغم من أن حوض نهر النيل يشغل 13% من من مساحة البلاد , إلا أن حدود الحوض ببحيرة Victoria يقدم فرصاً مُعتبرة للبلاد وذات أثر علي مجمل الإقتصاد التنزاني” , وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلي نسبة ما تشغله البحيرة من مساحة البلاد الثلاث المُطلة عليها هي : 6% لكينيا و51% لتنزانيا و43% لأوغندا , فيما هناك 6 دول تشارك في حوضها وهي : بوروندي والكونجو الديموقراطية ورواندا وتنزانيا وأوغندا وكينيا .

أما رواندا التي يعتمد سكانها في الزراعة علي مياه النيل بنسبة 84% وتستهلك 5 مليار متر مكعب من مياهه سنوياً , فقد وصل الرئيس المصري إلي عاصمتها Kigali في زيارة رسمية بدأت في 15 أغسطس وهو توقيت كان سابقاً للإحتفال الرسمي بتنصيب الرئيس Paul Kagame في 18 أغسطس بعد فوزه في الإنتخابات الرئاسية في يوليو الماضي بولاية رئاسية ثالثة بنسبة 98.79% , وكانت العلاقات الإقتصادية ودفع الإستثمارات المصرية إلي رواندا (وفقاً لبيانات وزارة التجارة الرواندية عن عام 2015بلغت الصادرات الرواندية لمصر 30 مليون دولار وبلغت الصادرات المصرية لرواندا 64 مليون دولار) هي الهدف المُعلن لهذه الزيارة , وقد أشارت سفيرة مصر هناك إلي ” إن الهدف الرئيسي من الزيارة توضيح موقف مصر من القضايا الجارية , وتمتين العلاقات السياسية والإقتصادية ومناقشة وسائل تناول الأزمات والتحديات التي تواجه أفريقيا خاصة الإرهاب ”, ومن المعروف أن رواندا أقامت تمثيلها الدبلوماسي المُقيم بالقاهرة عام 2015, لكن وعلي عكس مباحثات الرئيس المصري في تنزانيا التي بحث فيها مسألة مياه النيل مع نظيره التنزاني , فلم يُشر إلي أنه تم بحث هذه المسألة بين الرئيسين المصري والرواندي الذي تربطه بإسرائيل علاقات متينة ونشطة فقد صرح Emmanuel Nahshon المُتحدث باسم الخارجية الإسرائيلية  واصفاً إياه بأن ” الرئيس الرواندي Kagamé (من قبيلة Tutsi) هو مهندس الإستراتيجية التي أتاحت لإسرائيل تجديد علاقاتها بالدول الأفريقية , إذ بفضله صوتت دول أفريقية عدة لصالح إسرائيل في الأمم المتحدة وتقاربت معنا ” , وهو معني أكده مرة أخري Netanyahu رئيس الوزراء الإسرائيلي بنفسه حين وصف الرئيس الرواندي Kagamé بالجسر الذي عبره سارت إسرائيل بإتجاه أفريقيا , وهو ما يُشير بالقطع إلي أن إسرائيل تولي رواندا أهمية خاصة في إستراتيجيتها الأفريقية وانها ربما بأهميتها تلك يمكن أن تتبني موقفاً غير موات لإثيوبيا التي حاولت مؤخراً توسيع نطاق علاقاتها الثنائية برواندا – كما سيُشار لاحقاً – , ومع أهمية وضرورة شمول التحرك المصري كل دول حوض النيل (الإستوائي والشرقي بحسب مصطلح مبادرة حوض النيل) , إلا أنه من المهم أيضاً بيان موقع هذه الدولة النيلية أو تلك بحوض النيل لتحديد عام للوزن النسبي لأي من هذه الدول وتأثيرها لمصلحة أو لغير مصلحة التحرك المصري وكذا للوقوف علي الأهمية التي توليها أي من هذه الدول لقضية مياه النيل , فمن المعروف وفقاً لمبادرة الرؤية المُشتركة التي تشمل في عضويتها كل دول حوض النيل أنها وبمعرفة أو بواسطة أو بإيعاز من البنك الدولي صنفت دول الحوض علي أنها : (1) دول الحوض الشرقي ويضم إثيوبيا دولة المنبع والسودان ومصر دولتي المصب , و(2) دول الحوض الإستوائي ويضم أوغندا وبوروندي ورواندا وكينيا وتنزانيا والكونجو الديموقراطية وأفريقيا الوسطي , وتعد إرتريا دولة عضو لكن بصفة مراقب في مبادرة الرؤية المُشتركة NBI .

قام الرئيس المصري بزيارة رسمية لكينيا في فبراير 2017 وذلك لأول مرة , وأجري هناك مباحثات مع الرئيسUhuru Kenyatta وفي هذا الصدد أشار موقع INDEPENDENT في 30 أغسطس 2017 إلي أن الرئيس المصري قال أنه قدم إلي كينيا للتحدث في صفقة جيدة بشأن إستخدام النيل في التبادل وتحسين التجارة بين البلدين , ومن الواضح أن المباحثات تناولت موضوع سد النهضة خاصة في ضوء أن لكينيا رغم توقيعها علي الإتفاق الإطاري تحفظات محدودة علي هذا السد من وجهة بيئية .

إذا ما أعتبرنا الزيارة التي قام بها الرئيس المصري إلي تنزانيا ورواندا في 14 و15 أغسطس 2017  زيارة لدول حوض النيل الإستوائي (المصطلح المُستخدم في مبادرة الرؤية المُشتركة  NBI) فإن ذلك يعني ببساطة ووضوح أن إتجاه مصر للتحرك نحو إثيوبيا والسودان شركاؤها في الحوض الشرقي للنيل والمُتصل بكثافة بأمنها المائي يتناقص بالضرورة أو أنه بسبب وطأة الأزمة معهما إندفعت مصر صوب دول الحوض الإستوائي للنيل , وبالتالي فإن حركتها بإتجاه دولتين بالحوض الإستوائي قطعاً لا تتعلق بزيادة أو إستقرار كمية المياه الواردة لمصر من النيل الأبيض إذ لا خطر حتي الآن علي الوارد منه لمصر وهو يمثل نحو 16% من كمية المياه النيلية لمصر , وإنما تتعلق يقيناً بتوقيعهما علي الإتفاق الإطاري(إتفاق عنتيبي2010الذي وقعته أوغنداً أيضاً) الذي ترفض مصر التوقيع عليه لتحفظات أبدتها وتتعلق بحقها التاريخي في مياه النيل , ومن ثم فإن هذا التوقيع هو النطاق الضيق والمُحدد الذي يمكن أن تكون زيارة الرئيس المصري قد حاولت فعل شيئ إيجابي فيه , وهو أمر صعب تحقيقه لأسباب مختلفة فتنزانيا موقفها رافض لمبدأ الحق التاريخي الذي تؤسس عليه مصر نظرتها لمياه النيل الواردة إليها وذلك منذ عهد جوليوس نيريري أول رئيس لتنجانيقا (تنزانيا لاحقاً) بعد الإستقلال .

أما التحرك الدبلوماسي المصري علي المستوي الوزاري فقد كان متوازياً أيضاً مع إنخراط مصر والسودان وإثيوبيا علي المستوي الرئاسي والوزاري والفني في دورات ماراثونية تنعقد وتنقطع أو تؤجل فيما العمل ماض في إقامة سد النهضة طيلة السنوات السبع الماضية وذلك بعد الإعلان الإثيوبي في مارس 2011 عن بناء هذا السد , ولم تيأس مصر من الصعوبة التي أضافها التأييد السوداني الدعم للموقف الإثيوبي بشأن سد النهضة , فأنطلقت في إستخدام آلتها الدبلوماسية وشبكة علاقاتها المُمتدة بأفريقيا والتي أُهملت في عهد الرئيس مبارك , فأنطلقت في تحرك ضروري لإستجلاب الدعم أو علي الأقل التفهم من باقي دول حوض النيل حتي بالرغم من أن مواقف بعضها من الوجهة التاريخية تقترب من الموقف الإثيوبي , إلا أن هناك حيزاً قد يتيح الظفر بمواقف إيجابية من هذه الدول خاصة في ضوء أن للموقف الإثيوبي فيما يتعلق بسد النهضة علاقه جزئية بقضية مياه النيل وذلك من خلال نص الإتفاق الإطاري للتعاون أو إتفاق عنتيبي الذي روجت له إثيوبيا ووقعته حتي الآن 6 دول نيلية , وبناء علي ذلك فهناك ثمة حيز يمكن أن تتحرك فيه الدبلوماسية المصرية , وطبقاً لذلك تحركت مصر صوب تنزانيا أولي دول حوض النيل التي أعلنت رفضها لإتفاق الإنتفاع الكامل بمياه النيل الموقع بين مصر والسودان في نوفمبر 1959, ففي إطارعقد اللجنة المشتركة المصرية / التنزانية بالقاهرة في 10 يناير 2018 التي ترأسها وزيرا الخارجية التنزاني Augustine Mahiga و المصري , أشار الوزير التنزاني في المؤتمر الصحفي في نهاية الإجتماع إلي أنه تناول مع نظيره المصري المحادثات الجارية بشأن سد النهضة وأعرب عن ثقته في العلاقات الثنائية وتعظيم إستخدامات مياه النيل لكلا البلدين مسألة حيوية في حل الصراعات وأن مياه النيل تُعد وريد الحياة لكل دول حوض النيل وأن إستخدامها تنظمه الإتفاقيات الدولية وأن بلاده تؤيد التفاوض بين دول حوض النيل , ووفقاً لموقع الأهرام أون لاين في 10 يناير 2018 فإن وزير الخارجية المصري أعلن قبيل هذا المؤتمر الصحفي أن شركات مصرية ترغب في زيادة إستثماراتها في تنزانيا خاصة في مجال البتروكيماويات والزراعة والطاقة ومحاربة الفساد(؟) , بعد ذلك توجه وزير الخارجية المصري لأوغندا في 23 يناير 2017 لحضور الإجتماع الوزاري (لوزراء الري والخارجية) بشأن مياه النيل , ثم توجه مرة أخري في مايو 2017 لتسليم رسالة من الرئيس المصري لنظيره الأوغندي تتعلق بمسألة مياه النيل , وشملت تحركات الخارجية المصرية معظم دول حوض النيل , ففي 17 أبريل 2018 توجه وزير الخارجية إلي العاصمة البوروندية Bujumbura ( 49% من مساحة بوروندي تقع في نطاق حوض النيل) وألتقي هناك برئيس الجمعية الوطنية (البرلمان) Pascal Nyabenda الذي أشار لوزير الخارجية المصري إلي أن بوروندي – وفقاً للمتحدث باسم الخارجية المصرية – ستقف بإستمرار بجانب مصر في جهودها للحفاظ علي أمنها المائي , وأن بوروندي تتفهم حاجة مصر إلي المياه و إلي أي مدي تعتمد مصر علي مياه النيل , وقد تطرق وزير الخارجية المصري في محادثاته مع رئيس برلمان بوروندي إلي تطورات سد النهضة والعلاقات البرلمانية بين البلدين وجهود إنجاز السلام في بوروندي , وقد إلتقي الوزير رئيس بوروندي Alain Aimé Nyamitwe وناقش معه تطورات المفاوضات المُتعلقة بسد النهضة وفي تصريحاته بشأن هذه الزيارة شدد وزير الخارجية علي إهتمام مصر البالغ بتقوية العلاقات مع دول حوض النيل وخاصة مع بوروندي التي تدعمها مصر سياسياً وإقتصادياً وأشار إلي أنه أوضح لرئيس بوروندي مدي مرونة مصر وجديتها التي أظهرتها في المفاوضات بهذا الشأن مع السودان وإثيوبيا , هذا وقد إلتقي وزير الخارجية في 28 يونيو 2018 وزير خارجية بوروندي Ezechiel Nibigira علي هامش أعمال دور الإنعقاد العادي الثالث والثلاثين للمجلس التنفيذي للإتحاد الأفريقي بموريتانيا وخلال اللقاء أعرب وزير خارجية بوروندي عن نيته زيارة القاهرة في أقرب وقت ممكن وتطلعه لتنشيط التعاون بين البلدين مُشدداً علي إلتزام بوروندي بموقفها المعني بضرورة تحقيق توافق بين دول حوض النيل , مُشيراً في نفس الوقت إلي تفهم بوروندي لحقوق مصر في مياه النيل وأهمية ذلك بإعتبار أن مياه النيل هي المصدر الرئيسي للمياه في مصر .

قام وزير الخارجية المصري في 12 مارس 2018 بزيارتين مُتتاليتين الأولي لجنوب السودان والتالية لكينيا (التي تُشاطئ من غربي البلاد بحيرة Victoria منبع النيل الأبيض ويقع 9% من الأراضي الكينية في نطاق حوض النيل وتعتمد كينيا علي مياه النيل بما نسبته 52% من إحتياجتها المائية) , وقد أشار المتحدث باسم الخارجية المصرية إلي أن هاتين الزيارتين ” تهدفان إلي تنشيط التعاون بين البلدين الصديقين والتشاور بشأن عدد من الملفات ذات الإهتمام المُشترك ” ثم أشار إلي ” أنه وقبل زيارته لنيروبي سيتوجه الوزير مباشرة إلي جنوب السودان أولاً حيث سيلتقي هنا بالرئيس Salva Kiir Mayardit و مُستشاره السياسي ورئيس لجنة تسيير الحوار الوطني  Niall Deng Nyal” وسيُوقع هناك مذكرة تفاهم بشأن إقامة آلية تشاور دبلوماسي بين البلدين ” , أما في كينيا ” فسيلتقي هناك برئيسها Uhuru Kenyatta ويُلقي علي مسامعه رسالة شفوية من الرئيس المصري تتعلق بوسائل تعزيز العلاقات بين البلدين , ثم يلتقي بعد ذلك وزيرا الخارجية والدفاع الكينيين ” , ومن جانبه قام الرئيس الكيني بزيارة قصيرة للقاهرة في 22 أبريل 2018حيث إستقبله وزير الخارجية المصري في مطار القاهرة وتناولا بالنقاش – وفقاً للمتحدث باسم الخارجية المصرية – عدداً من المسائل  بما فيها التطورات الأخيرة المُتعلقة بسد النهضة والتعاون بين دول حوض النيل والحرب علي الإرهاب , وبعد شهرين من هذه الزيارة قام وزير الخارجية المصرية في 13 مايو 2018 بزيارة أخري لجوبا عاصمة جنوب السودان بمناسبة حضوره مجلس التحرير الوطني (التابع لحزب حركة تحرير شعب جنوب السودان SPLM الحاكم بجنوب السودان) , وخلال الإجتماع ألقي وزير الخارجية كلمة أشار فيها إلي أن مصر ستفعل كل شيئ لمساعدة فصائل الجنوب السوداني للمصالحة وجلب الأمن والإستقرار للجنوب , وتأتي زيارة وزير الخارجية المصري لجوبا علي خلفية تعاون ثنائي كثيف في كافة المجالات المُتاحة ومنها مجال المياه (جنوب السودان دولة مصب وسيطة يلتقي فيها نهر Achwa بالنيل الأبيض أحد رافدين لنهر النيل) , وعلي خلفية ما تحاول وسائل الإعلام المصري وبجنوب السودان أيضاً ترديده من أن هناك ثمة تفهم من قبل جوبا لوجهة النظر المصرية في المفاوضات الجارية بين مصر من جانب وإثيوبيا والسودان من جانب آخر فيما يتعلق بأزمة سد النهضة الذي ألقي وزير الخارجية المصري باللائمة علي الخرطوم وأديس أبابا بسبب تباطؤ المفاوضات بشأنه .

يُلاحظ أن موقف مصر فيما يتعلق بالحرب الأهلية بجنوب السودان منذ ديسمبر 2013 وحتي الآن داعم لنظام الرئيس Salva Kiir , والخطوط السياسية مقطوعة تماماً مع المعارضة المسلحة التي يتزعمها Riek Machar  ومن بين الأمثلة الدالة علي هذه العلاقة غير المتوازنة مع طرفي هذه الحرب ما تضمنه البيان الصادرعن حركة الجيش الشعبي لتحرير السودان في المعارضة  SPLA-IO التي يتزعمها Riek Machar خصم الرئيس Salva Kiir في الحرب الأهلية الجارية بينهما حالياً بجنوب السودان , والذي تضمن الإشارة إلي أن القوات الجوية المصرية أسقطت ما لا يقل عن 9 قنابل ومتفجرات علي مواقع تابعة لحركة SPLA-IO تقع علي مقربة من قرية Kaka بولاية أعالي النيل بجنوب السودان , كما حذر المتحدث العسكري للحركة العقيد William Gatjiath Deng ” من مغبة إستمرارالتمرد السوداني وتصعيد مصر لمشاركتها في الحرب القائمة حالياً بجنوب السودان , مُعتبراً ذلك من المؤشرات الواضحة لشعب جنوب السودان وللإتحاد الأفريقي وللأمم المتحدة والمجتمع الدولي بأن نظام جوبا يستفز المنطقة ويجر جنوب السودان لحرب إقليمية ” , وأوضح العقيد Deng أن عناصر من حركة العدالة والمساواة JEM وحركة تحرير جنوب السودان – قطاع الشمالSPLM-North تتسلل إلي أراضي جنوب السودان إنطلاقاً من قاعدة Angathna بولاية النيل الأزرق بشمال السودان بغية الهجوم علي وإستعادة بلدات المستقبل و Wadekona و  Detang من أيدي التمرد المُعارض التابع لريك مشار الذي يعتقد – أي مشار – أن هناك إتفاقات بين القاهرة وجوبا تدعوه إلي الشك في نوايا القاهرة إزاء الصراع بين حركته ونظام Salva Kiir , وأحالت وكالة أنباء جنوب السودان علي أحد كبار القادة العسكريين بحركة SPLA-IO المتمردة المناوئة للرئيس Salva Kiir قوله ” هناك ثمة صفقة قذرة تتم  بين  Kiir والسيسي , وأن سد النهضة الإثيوبي واحد من القضايا الرئيسية التي تمت في القاهرة , وأن مصادرنا المخابراتية في Kampala عاصمة أوغندا وفي جوبا أكدت أن مصر تريد من جنوب السودان وأوغندا أن يكونا حلفاءها الإقليميين حتي يمكنها أن تتقدم في مخططها الهدام الخفي ضد إثيوبيا , وأن الرجل (الرئيس Kiir) ما هو إلا عميل مزدوج فلسوف يتسبب في مشاكل كثيرة بمنطقة شرق أفريقيا ” , وأضاف هذا المسئول قوله بأن الخبراء العسكريين والمهندسيين المصريين متواجدين بجوبا منذ شهور وأن التعامل العسكري بين القاهرة وجوبا تعمل أوغندا علي تنسيقه منذ العام الماضي , ودعا هذا المسئول الإتحاد الأفريقي والأمم المتحدة إلي التحقيق في التورط المصري في الحرب الأهلية بجنوب السودان , أما علي الصعيد الدبلوماسي والسياسي فالدعم المصري لنظام الرئيس الجنوب سوداني يتضح بجلاء عندما إقترحت الولايات المتحدة في مشروع قرار وُزع علي أعضاء مجلس الأمن  إنشاء لجنة تابعة للأمم المتحدة للعقوبات علي جنوب السودان , ولم يُشرهذا المشروع إلي رئيس جنوب السودان Salva Kiir ولا Riek Machar قائد التمرد عليه بالإسم , وأستعاضت الولايات المتحدة عن ذكرهما بالإشارة إلي أن العقوبات ستطبق علي   ” قادة أي كيان من الكيانات ” ولم يتضمن المشروع أيضاً ذكراً لعقوبات معينة بل وضع آلية لها , ونقلت وسائل الإعلام عن الوفد الأمريكي بمجلس الأمن قوله أن فرض حظر علي السلاح  ممكن إن لم يستطع طرفي الحرب الإنخراط في عملية السلام , وكان الموقف المصري رافض لفرض حظر علي السلاح لجنوب السودان تماماً كالموقفين الروسي والصيني , ثم وفي الأسبوع الأول من أبريل 2016 قادت الولايات المتحدة جهوداً أخري لتمرير مشروع قرار بمجلس الأمن يقضي بحظر السلاح لجنوب السودان لكن الأمم المتحدة إرتأت تأجيل الأمر حتي يونيو 2016 بزعم أن هناك تحسناً في سلوك الأطراف المُتحاربة في الجنوب  *(حتي مايو 2016 فإنه إلي جانب الولايات المتحدة كانت الدول الآتية تؤيد فرض حظر سلاح علي جنوب السودان : السنغال – أسبانيا – فرنسا – نيوزيلاند – المملكة المتحدة – أنجولا التي تأرجح موقفها إزاء مشروع القرار , بالإضافة لدول أفريقية أخري كإثيوبيا , كما يدعم كلا من الإتحاد الأفريقي والإتحاد الأوروبي هذا الإتجاه) وظل الموقف المصري مُتحفظاً أو رافضاً لفرض الحظر .

تتبقي إشارة هامة بالنسبة لجنوب السودان وللإتفاق الإطاري للتعاون بين دول حوض النيل الذي ترعاه إثيوبيا وأوغندا منذ وضع مسودة نصوصه ومواده , فقد إكتسب هذا الاتفاق بعدا آخر عندما أعلن وزير الموارد المائية في دولة جنوب السودان في 18يونيو 2013 أن بلاده ستوقع على الاتفاقية الإطارية قريباً (لكنها لم توقعه رسمياً حتى الآن بسبب إندلاع الحرب الأهلية بالجنوب في ديسمبر 2013) , ولابد من التنبه إلي حقيقة جيوسياسية مباشرة ومؤثرة سلباً علي ما تعتقده مصر حالياً ومفاده أن سياستها بدعم نظام الرئيس Kiir يصب في صالح أمن مصر المائي , فالحقيقة الجيوسياسة تشير يقيناً بأن مصر لم تعد دولة جوار كما كانت لجنوب السودان – قبل إنفصاله عن الشمال – فجوار جنوب السودان الآن مع دول أفريقية هي إثيوبيا وكينيا وأفريقيا الوسطي وأوغندا والسودان الشمالي , بل يمكنني القول أن علاقة جنوب السودان بإسرائيل أقوي وأهم وأعمق من علاقاته بمصر التي يستخدمها رئيس جنوب السودان Salva Kiir كمخلب قط لا أكثر ولا أقل في مواجهته المُزمنة لحكومة الخرطوم , ومن ثم فالخطوط الحاكمة لعلاقات دول جوار جنوب السودان والتي نُسجت قبل إستقلال جنوب السودان بزمن طويل ستحكم إتجاهات سياسة جنوب السودان مع مصر وليس العكس , وبناء علي ذلك فجنوب السودان لابد وأنه سيوازن في فترة ما بعد الحرب الأهلية الدائرة حالياً والتي يمكن القول أنها إنتهت بعد إتفاق الخرطوم للسلام بين طرفي الحرب في5 يوليو2018 , ما بين مصالحه المائية وعلاقاته الإقليمية وبالولايات المتحدة والأخيرة نافذة في أمور التعامل مع البنك الدولي للإنشاء والتعمير وصندوق النقد الدولي , إذ أن جنوب السودان فيما بعد هذه الحرب بحاجة لإعادة التعمير وهو ما تملك مفاتيحه الولايات المتحدة وليست مصر الرازحة تحت نير مؤسستي بريتون وودز بلا حول ولا قوة ,  ولن يُفاضل جمنوب السودان بين إنخراطه في إتفاق جامع مع دول حوض النيل مدعوم من البنك الدولي أعني الإتفاق الإطاري للتعاون Comprehensive Framework Agreement (إتفاق عنتيبي) وبين إتفاق صيغ ليتناسب مع العلاقات الثنائية متميزة بين مصر والسودان أعني بذلك إتفاق الإنتفاع الكامل من مياه النيل 1959 , فجنوب السودان لم يعلن ولن يعلن إعترافه بهذه الإتفاقية رغم كل ما تفعله مصر بدعمها لنظام الرئيس Salva Kiir في الحرب الأهلية الدائرة , ومن المتوقع خاصة بعد توقيع إثيوبيا والسودان ومصر في 23 /3/2015 علي وثيقة إعلان مبادئ بشأن سد النهضة الإثيوبية والذي أعقبه تصديق البرلمان التنزاني علي الإتفاق الإطاري للتعاون في 25 مارس 2015  , أن يؤثر ذلك علي قابلية جنوب السودان وغيرها من دول حوض النيل علي الإقدام بتعديل ولو بسيط في مواقفها المُعلنة والتي أصبح الإتفاق الإطاري للتعاون الذي وقعت عليه هذه الدول النيلية الست إطاراً حاداً وثابتاً لها وحتي الآن تتحري جنوب السودان عدم التعبير عن ما يخالفه , ذلك أنها ستنضم إليه عاجلاً أم آجلاً .

فيما يتعلق بإثيوبيا فمن المنطقي أن يكون مضمون التحرك الدبلوماسي المصري معها مختلف عنه في حالة التحرك مع السودان إذ أن العلاقات المصرية / الإثيوبية محتواها مائي صرف أي مُنحصر بصفة تكاد وأن تكون حصرية في مياه النيل , أما السودان فمضمون علاقاته بمصر لا يقتصر علي مياه النيل التي – للأسف – أصبحت موضوعاً لنزاع مُعلن بعد أن كان مكتوماً بين مصر و السودان , وقد كان سد النهضة دافعاً لهذا النزاع إلي السطح كي يظهر وتتضح أبعاده , وهو نزاع كانت جذور منذ تفاوض مصر مع السودان بشأن بناء السد العالي في مصر وعلاقته برغبة السودان في بناء خزان الروصيرص بقرب الحدود مع إثيوبيا وكذا علاقته بتهجير أهالينا في النوبة السودانية , وكان ذلك في نهاية خمسينات القرن الماضي , بعد ذلك وفي فترة ما بعد الإنقلاب العسكري في 20 يونيو 1989بقيادة الرئيس عمر البشير وفي ظل التوتر المُضطرد في العلاقات المصرية / السودانية كانت هناك العديد من الأمثلة لتصريحات من مختلف المستويات تنتقد موقف إتفاقية 1959 وسياسة مصر النيلية ومن بين هذه الأمثلة تقدم عدد من نواب البرلمان السوداني في 23 أكتوبر 2004بطلب لمراجعة إتفاقية الإنتفاع الكامل من مياه النيل وذكر أحد هؤلاء النواب وهو السيد إبراهيم نايل إيدام أنها إتفاقية غير عادلة , وفي الواقع فلم يكن هذا الطلب غير مسبوق , ذلك أن وزير الري السوداني ذكر أمام برلمان بلاده في 30 يناير 1994 ” أن هناك مساع لإتفاقية شاملة تضم جميع دول حوض النيل تختص بتوزيع المياه وأن الوضع الحالي مُجحف للسودان ” أما بالنسبة لجنوب السودان فصلة مصر به لم تنقطع حتي خلال سنوات الصراع المُسلح بين حكومة السودان وتمرد الجنوب أي فيما بين 1955 حتي يناير 2005 تاريخ توقيع إتفاقية السلام الشامل بين الخرطوم والحركة الشعبية لتحرير جنوب السودان بزعامة جارانج , وتطورت هذه العلاقات أكثر فأكثر بعد إعلان إستقلال جنوب السودان عن شماله في 9 يوليو 2011 وذلك خصماً من علاقات مصر بالسودان التي هوت تدريجياً إلي وهدة سحيقة منذ ما بعد 1990 لأسباب تتعلق معظمها بالإختلاف في هوية النظامين بالقاهرة والخرطوم والنزاع علي حلايب وأسباب أخري مُشتقة من هذين السببين , ولقد أضاف سد النهضة رافداً جديداً إنطلاقاً من هذين السببين إضافة إلي وجود فريق لا يُستهان به في الري السوداني وفي أوساط الساسة السودانيين يري أن إتفاق 1959 غير عادل بل وفي غير مصلحة السودان , لكن فيما يتعلق بالتحرك الدبلوماسي المصري في دول الحوض الإستوائي لنهر النيل أي في أوغندا وبوروندي ورواندا وكينيا و تنزانيا فالأمر مختلف كثيراً فهناك ثمة مساحة أكبر للحركة المصرية لكن الخلاف يثور في مدي تأثيرها علي  مساهمة هذه الحركة في التأثير علي أزمة سد النهضة التي موقعها إثيوبيا المُنتمية للحوض الشرقي للنيل  .

يُلاحظ أن إتصالات مصر مع جمهورية الكونجو الديموقراطية في شأن أزمة سد النهضة ضعيفة للغاية , بالرغم من أن موقف الكونجو الديموقراطية(زائيرسابقاً) إبان عهد الرئيس موبوبوتو كان إيجابياً جداً ومؤيداً للموقف المصري من قضايا مياه النيل وكان الكونجو وقتها عضواً في تجمع إندوجو الذي رفضت إثيوبيا الإنضمام إليه كعضو كامل العضوية , وكانت العلاقات الثنائية بين القاهرة وكنشاسا متنوعة وتتضمن تعاوناً عسكرياً مُتميزاً حيث كانت لمصر بعثة عسكرية لتدريب الحرس المدني الزائيري في مستهل ثمانينات القرن الماضي , وعلي وجه العموم فجمهورية الكونجو الديموقراطية لا تولي قضايا حوض النيل من الوجهة المائية أولوية قصوي كحالة مصر والسودان دولتي المصب , لأسباب مختلفة منها أن نصيبها من حوض النيل لا يتعدي ما بين 1 إلي 3% من مياهه , وكذلك فإهامام الكونجو مُركز علي حوض نهر الكونجو , لكن إيلاء مصر الإهتمام المناسب للكونجو في قضية مياه النيل لا يجب أن يتأسس علي هذه النسب الصماء بل يجب تأسيسه علي التأثير السياسي الضخم للكونجو الديموقراطية في منطقتي وسط وغربي أفريقيا والأهم  داخل نظاق دول حوض النيل , فالكونجو الديموقراطية لها حدود مع 5 دول أعضاء في مبادرة حوض النيل NBI هي بوروندي ورواندا وجنوب السودان وأوغندا وتنزانيا , كما أنها تشارك في مياه البحيرات العُظمي : Albert و Edward و Tanganyika وبحيرة Kivu , ولكن وبالرغم من ضعف إتصالات مصر وإثيوبيا مع الكونجو الديموقراطية إلا أن الأخيرة من جانبها – في إعتقادي – مُصنفة حالياً علي أنها مُؤيدة لوجهة النظر الإثيوبية في قضية مياه النيل ذلك أن وزير البيئة والموارد الطبيعية الكونجولي Jose Bononge Endundo توجه في 12 مايو 2009 إلي رواندا في زيارة إستهدفت بلورة ضغوط لحمل مصر والسودان علي الإنضمام لإتفاق التعاون الإطاري بين دول حوض النيل أو ما عُرف لاحقاً بإتفاق عنتيبي والذي ترفض مصر والسودان الإنضمام بالتوقيع عليه بسبب أن المادة 14 فقرة باء منه المُتعلقة بالأمن المائي تنص علي” عدم التأثير سلبًا على الأمن المائي والاستخدامات والحقوق الحالية لأي دولة أخرى في حوض النيل “بدلاً من النص التالي ” عدم التأثير بشكل كبير على الأمن المائي لأي دولة أخرى من دول حوض النيل” , وفي هذه الزيارة المُشار إليها ناقش الوزير الكونجولي مع نظيره الرواندي Stanislas Kamanzi إنماط للإتفاق الإطاري للتعاون الذي توقف توقيعه (وقتذاك) بسبب ممانعة مصر والسودان وفي المؤتمر الصحفي الذي عُقد في ختام هذه الزيارة قال الوزير الكونجولي  ” آمل أن يتمخض عن رحلتي عبر جميع الدول الأعضاء في مبادرة حوض النيل (NBI) تبني جميع الدول التسع هذا الإتفاق الواقع في 39 مادة , وذلك خلال اجتماع مجلس الوزراء دول حوض النيل القادم الذي سيعقد بين 21 و 22 مايو 2009 في كينشاسا بجمهورية الكونجو الديمقراطية ” مُضيفاً أنه ” خلال السنوات العشر الماضية ، نجتمع من أجل حل هذه القضايا لتحويل الهيئة إلى هيئة دائمة … ومن المهم أن نضع جميع هذه الدول في موقف مشترك قبل أن نعتمد اتفاقية الإطار التي ستمكننا من الاستفادة من مياه النيل على قدم المساواة والفعالية ” , وفي هذا المؤتمر الصحفي أعرب وزير الموارد المائية الرواندي Stanislas Kamanziعن تأييد بلاده للإتفاق الإطاري للتعاون وقال ” لقد ساهمت رواندا بشكل كبير في هذه المناقشات ونحن ملتزمون برؤية المياه في المنطقة تستخدم بكفاءة لدعم الزراعة وتوليد الطاقة والمياه الصالحة للشرب للاستخدام الداخلي ” , إذن هناك موقف كونجولي / رواندي مُعلن منذ عام 2009علي الأقل يعني وبوضوح دعم الكونجو الديموقراطية ورواندا للتوقيع علي الإتفاق الإطاري للتعاون الذي مازالت مصر والسودان ترفضان توقيعه حتي اليوم , يُضاف إلي هذا الموقف الكونجولي أن الكونجو الديموقراطية تولي حوض نهر الكونجو – كما أشرت – الأهمية الأولية والقصوي خاصة بالمناطق الشرقية بالكونجو في كيفو وبوكافو والإكواتور لكن من الواضح أن العلاقات الثنائية الكونجولية / المصرية حالياً محدودة للغاية لأسباب يضيق المقام لبيانها لكن وبغض النظر عما أشرت إليه , أكرر قولي بأن قضية مياه النيل كانت توجب علي الدبلوماسية المصرية حركة أكبرعلي محور الكونجو الديموقراطية وعدم الإكتفاء بالرسائل المُرسلة للجانب الكونجولي والمُتضمنة موقفنا من قضية سد النهضة ومياه النيل في إطار أوسع مدي بالحقيبة الدبلوماسية لسفارتنا في كنشاسا , فالأمر يستحق لخطورته علي أمن مصر المائي , لكن خلاصة ما يمكن قوله أن الأداء السياسي والدبلوماسي المصري في أفريقيا وفي نطاق دائرة المصلحة المائية الحيوية أي في دول حوض النيل منذ 1981 وحتي الآن أعتقد أنه محدود ومن سيئ لأسوأ والنتيجة كما نراه الآن في قضية سد النهضة الإثيوبي التي أظهرت أمور سلبية كثيرة في هذا الأداء المصري الذي لا يستحقه الشعب المصري المُضار الأول من تناقص دور ومكانة مصر إقليمياً ودولياً لأسباب متداولة .

التحرك المصري مع جيبوتي وأرتريا :

إرتــــــريــــأ :

لم تكتف الدبلوماسية المصرية بالتحرك داخل نطاق دول حوض النيل فأدخلت جيبوتي وأرتريا في دائرة هذا التحرك , وهذه الإضافة في حد ذاتها تعني وبصفة نسبية أن تحركاتها في نطاق دول حوض النيل الشرقي (إثيوبيا والسودان) غير مُثمرة إن لم تكن غير كافية ومن ثم فهي بحاجة لضغط ما من قبل دول الجوار المباشر لإثيوبيا أي من إرتريا وجيبوتي علي إعتبار إهمية والتأثير المُتعدد الأبعاد والمباشر لجيبوتي ولإرتريا علي المصالح الأمنية والإقتصادية لأديس أبابا وللخرطوم خاصة وأن لمصر علاقات نشطة وتتنامي بإرتريا التي ظل عداءها المُتبادل مع إثيوبيا لعشرين عاماً وكان من بين المواقف الأرترية الرسمية العلنية المُؤيدة لوجهة النظر المصرية في قضية مياه النيل هو ذلك البيان الإرتري الصادر عن الحكومة الإرترية في أبريل 2013 بشأن من له الحق في مياه نهر النيل , ففي هذا البيان أيدت إرتريا وبوضوح الموقف المصري بشأن الإتفاقات التي عُقدت إبان فترة الإستعمار وتتعلق بمياه النيل والتي بموجبها مُنحت مصر حق ونصيب كبير من مياه النيل , وكان هذا الموقف أيضاً مضمون رسالة بعث بها الرئيس الإرتري لنظيره المصري محمد مرسي سلمها وزير خارجية إرتريا عثمان صالح في زيارته للقاهرة التي رافقه فيها مستشار الرئيس الإرتري للشئون الخارجية Yemane Gebreab , وقد حيا الرئيس المصري الموقف الإرتري بشأن الحق التاريخي في مياه النيل وصرح بأنه يتطلع للقاء الرئيس الإرتري , وكان هذا التطور مثاراً لغضب إثيوبي زاد من توتر العلاقات , ولهذا أفاد مسئول إثيوبي موقع Bikyanews.com بأن ” هذا الأمر ليس صائباً , ولقد طلبنا إعتذاراً من الحكومة الإرترية وترك ما لإثيوبيا لإثيوبيا , فنهر النيل لا يمكن أن يكون قضية تؤدي للعنف ” .

لكن يثور تساؤل مُعقد إلي حد ما وهو : هل سيُؤدي تطور العلاقات الإرترية / الإثيوبية الذي تم في 8 و 9 يوليو 2018 من خلال الزيارة التاريخية لرئيس الوزراء الإثيوبي لأسمرا بشكل ثوري إلي إعادة تقييم مجمل العلاقات الخارجية لإرتريا وخاصة مع مصر التي تعتبرها إثيوبيا خصماً بل عدواً لها ؟ فبعد أن أعلن رسمياً في 9 يوليو 2018 عن توقيع الدولتين في أسمرة علي إتفاق للسلام خلال الزيارة التاريخية لرئيس الوزراء الإثيوبي لأسمرة في 8 يوليو 2018 سوف لا يمكن لإرتريا إتخاذ مواقف عدائية لإثيوبيا – بصفة علنية علي الأقل – فهذا الإتفاق أنهي حالة الحرب بين إثيوبيا وإرتريا وبموجبه سيبدأ عهد التعاون الثنائي والذي كان من بين مظاهره الأولي إعلان رئيس الوزراء الإثيوبي أن بلاده الحبيسة جغرافياً سوف تبدأ في إستخدام إستخدم أحد الموانئ الأرترية علي البحر الأحمر وهو أمر له علاقة بأمور إستراتيجية مؤثرة في علاقات أرتريا الخارجية , ومن المظاهر الأخري إعلان الخطوط الإثيوبية في 10 يوليو 2018 عن إستئناف رحلاتها لأسمرة بدءاً من 17 يوليو إعادة إنشاء شبكة الإتصالات الهاتفية وغيرها وكذا وإستعادة الدولتين للعلاقات الدبلوماسية بينهما التي قُطعت بسبب الحرب الأرترية / الإثيوبية عام 1998 التي أسفرت عن قتل ما يُقدر بنحو 80,000 من مواطني البلدين  وقد أعلنت وزارة الخارجية السودانية في 26 يونيو 2018 عن تأييدها لهذا الإتفاق واصفة إياه ” بالتطور الإيجابي” في العلاقات الإثيوبية / الإرترية ’ وأشار بيان الخارجية إلي عزم السودان علي بذل الجهود بصفة مُستمرة لتعزيز التعاون بين كل الدول أعضاء تجمع IGAD ( السلطة عبر الحكومية للتنمية في أفريقيا) كما رحبت الأمم المتحدة بهذا الإتفاق وكذلك مجلس الأمن الدولي , كذلك أصدر البيت الأبيض بياناً رحب فيه بالإتفاق . بإستعادة إثيوبيا وإرتريا لعلاقتهما الثنائية التي يُقال أنها تمت برعاية سعودية وإماراتية * (Khaleej Times . 11 يوليو 2018) ومتابعة أمريكية لتحقيق بعض الأهداف منها ضرب جيبوتي إقتصادية بعد أن رفضت ما سبق وأن إتفقت مع السعوديين عليه بشأن إقامة السعودية قاعدة عسكرية لها جنباً إلي جنب مع الواعد الصينية والأمريكية والفرنسية والألمانية وكذلك التوجه الإماراتي لميناء عصب الإرتري عوضاً علي فسخ جيبوتي عقدها مع “دبي للموانئ العالمية” وطردها من الصومال التي إستعانت بالإتراك والقطريين بدلاً من الثنائي المُثير للشكوك : السعودية والإمارات , وكذلك لتكوين حلف أرتري / إثيوبي / سعودي / إماراتي في القرن الأفريقي لمواصلة مسلسل عدم الإستقرار من خلال كتلة رباعية كهذه ونطاق عملها سيكون موجهاً للصومال وجيبوتي , وبناء علي ذلك يمكن القول بأن الحرب الباردة بين إثيوبيا وإرتريا قد إنتهت , لكن مازالت هناك حرب ساخنة علي شواطئ جيبوتي والصومال , وبالتالي فسيبدأ فصل جديداً في العلاقات الإرترية بكل من مصر وإثيوبيا , إذ لا يمكن إنكار أن إنتهاء العداء الأرتري / الإثيوبي سوف يؤثر بالتناقص علي المسار العسكري والأمني وهو الأهم في العلاقات المصرية / الأرترية التي كان أحد قواسمها المُشتركة قبل 8 يوليو 2018 العداء الأرتري / المصري لإثيوبيا وللسودان علي التوازي بالنظر إلي كون العلاقات السودانية / الإثيوبية منذ تسعينات القرن الماضي تتنامي وتتعزز إلي أن وصلت إلي حد ” العلاقات الإستراتيجية ” .

من جهة أخري فإن إضافة مصر لأرتريا وجيبوتي لمصفوفة القوي الضاغطة علي الموقفين الإثيوبي / السوداني بشأن سد النهضة أمر يقع بين الإفتراض والمبالغة إذ أن الضغط من خلالهما علي الموقف الإثيوبي في أزمة سد النهضة يكاد وأن يكون إفتراضياً إن لم يكن مبالغة في التقدير السياسي لوزنهما في قضة سد النهضة , لكن رما إستهدفت مصر من التحرك إزاء جيبوتي وإرتريا في قضية السد تشكيل وصياغة ما يمكن وصفة ” رأي عام ” موات ومُؤيد أو لنقل مُتعاطف مع وجهة النظر المصرية بشأن الأضرار المُحتملة من إقامة سد النهضة وفقاً للمواصفات الفنية الإثيوبية التي تُعد خلافية مع مصر , لكن وبالرغم من أصوبية إضافة مصر لإرتريا ولجيبوتي لدائرة تحركها وهي أصوبية نسبية , إلا أن لهذه الإضافة أثر محدود – لكنه مطلوب في ضوء إتباع إثيوبيا لسياسة الأمر الواقع وإستهلاك الزمن في دورات تفاوضية ثبت عقمها –  , لكن من الوجهة المبدأية يمكن القول أن الموقف الإرتري من قضية مياه النيل يعتبر موقفاً مؤيداً لوجهة النظر المصرية ويتضح ذلك من مُجمل المواقف الأرترية في هذا الشأن وأكده الرئيس الأرتري Isaias Afwerki خلال زيارته للقاهرة في 9 يناير 2018 خلال بحثه مع نظيره المصري في جلسة مُغلقة للتطورات في منطقتي حوض النيل والقرن الأفريقي , لكن الموقف الإرتري أيضاً أثره محدود للغاية ذلك أن إرتريا عضو مُراقب وليس عضواً عاملاً كامل العضوية في مبادرة دول حوض النيل , كما أنه موقف مبني علي عداءها لإثيوبيا وبالتالي فهو سابق لأزمات مياه النيل الحالية ومنها بالطبع أزمة سد النهضة , فتاريخ العداء الإرتري / الإثيوبي بدأ منذ زمن بعيد أي منذ عام 1936 عندما ألحق إمبراطور إثيوبيا هيلاسيلاسي إرتريا قسراً بإثيوبيا رسميا وهو ما كافحت إرتريا من خلال حركة التحرير الإرترية لنيل إستقلالها عن إثيوبيا وساندتها مصر والسودان ودول عربية أخري , وفي ضوء ذلك فإن إرتريا وبالإنفصال التام عن أزمة سد النهضة بين مصر وإثيوبيا لا يمكن أن يُتوقع منها غير دعم الموقف المصري وإن بصوت خافت , ومن ثم فأزمة سد النهضة محمولة علي أزمة تعتبرها إرتريا أكبر وهي أزمة علاقة العداء التاريخي مع إثيوبيا وبداية تآكل هذه الأزمة بعد الزيارة التاريخية لأسمرة في 8 يوليو 2018 سيعني وإن بصفة غير مباشرة أن أزمة سد النهضة لن تكون محمولة علي قضية العداء التاريخي إذ أنه آن له أن يتبدد , وهو ما يعني أن إرتريا ستتجنب الجهر بتأييد موقف مصر من أزمة سد النهضة إكتفاء بالتأييد الضمني أو بالتأييد السابق الذي أصبح دفترياً فقط , ومع ذلك وفي تقديري أن إرتريا التي عانت طويلاً من تداعيات العزلة الدولية وتلك التي فرضتها علي نفسها بعداءها لدولتين تقعان في محيطها المباشر هما إثيوبيا والسودان , من الممكن أن تستفيد إن أرادت – وهذا غير مُستبعد – من تقاربها مع إثيوبيا , إذ أن إرتريا ضعيفة إقتصادياً خاصة في مجال الطاقة فالطاقة الكهربائية المُتوفرة لديها لا تزيد عن 60 MW وسد النهضة سيتولد عنه طاقة كهربائية تبلغ 6450 Mega Watts وتخطط إثيوبيا لتصديرها لدول الجوار وفي مقدمتهم السودان ومن ثم لم يكن طلب إثيوبيا إستخدام ميناء عصب الإرتري خلال زيارة رئيس الوزراء الإثيوبي في 8 يوليو بلا مقابل  , فإرتريا هي الفناء الخلفي لإثيوبيا , ولا يمكن لنظام الرئيس الإرتري Esaias Afeworki أن يفي بوعوده عن التصنيع بميناء عصب إلا بتموين مُنتظم وأقل تكلفة من مصادر الطاقة ومنها الكهربائية وهي مُتوفرة نتيجة سد النهضة وقد يكون تصدير طاقة سد النهضة أمراً واقعاً بالرغم من الرئيس Afeworki دأب علي وصف مشروع سد النهضة بأنه محض “خيال سياسي” وأنه لم يخضع لدراسة كافية وأنه ضرب من الهدر والتبديد من الوجهة الفنية وبالتالي فلا فوائد منه توازي الصخب الإعلامي الإثيوبي بشأنه وأعاد الرئيس للذاكرة عهد الرئيس الإثيوبي السابق Mengistu Hailmariam مُشيراً إلي أنه كان يستخدم نهر النيل كسلاح سياسي , وحتي يؤكد الرئيس الإرتري الدوافع السياسية والعاطفية التي إنبثقت عنها فكرة إقامة سد النهضة أشار إلي حديث دار بينه وبين رئيس وزراء إثيوبيا الراحل  Meles Zenawiعلي هامش قمة منظمة الوحدة الأفريقية بالقاهرة عام 1993 فقد أسر إليه الرئيس Zenawi أنه سيُفاتح كبار المسئولين المصريين في شأن نهر النيل في ضوء ما تردد عن نية المصريين شق قناة من نهر النيل لتصل بمياه النهر إلي إسرائيل , ويعلق الرئيس Afeworki فيقول ” لقد حذرت Zenawi من مغبة ذلك فالوقت لم هو المناسب لحديث من هذا النوع , وفي نفس الوقت وعلي مائدة العشاء وجدت الرئيس Zenawi مُكفهراً وعصبياً وأخبرني أن شخصية مصرية هي الثانية في الأهمية بعد الرئيس مبارك رفض مض مون حديثة موجهاً السؤال التالي إليه ” من أنت لتسألنا النقاش في أمر كهذا؟ ” وقال لي Zenawi ” سوف أنتقم وسأجعلهم يركعون ” ¸ و لقد إستمر الرئيس Afeworki ناقداً لمشروع سد النهضة ففي مؤتمر صحفي عام 2015 قال ” إن المشروع عبارة عن تشويش وتضليل للشعب الإثيوبي” , ثم وفي مؤتمر صحفي آخر عام 2016 قال ” إن المشروع قائم علي دافع سياسي ولا علاقة له بالتنمية ” , وفي الواقع فإن وصف الرئيس الإرتري للمشروع بأن دوافعه سياسية يتعارض مع حقيقة أخري تتبناها مصر مفادها أن المشروع سيسبب أضرار لأمن مصر المائي وذلك بسبب  التصميم الفني للسد وطاقة ملأ الخزان (74 مليار متر مكعب) وفترة الملأ القصيرة بالنسبة للرؤية الفنية المصرية , وإثيوبيا ترفض مطلب مصر بخفض طاقة الملأ ومد فترة الملأ , وهذا يعني أن ذلك يتعارض مع الهدف الرئيسي الإثيوبي من السد بهذا التصميم الهندسي الذي طبقاً له سيُولد 6000 ميجاوات كهرباء ستصدر إثيوبيا الجانب الأعظم منها لدول جوارها لتجني عملة صعبة تعينها علي تنفيذ مشروعات تنمية أخري بإثيوبيا . *

  Esaias Afeworki and the Great Ethiopian Renaissance Dam: Inferences vs.) References . Yemane Zeray Mesfin, Mekelle University)   

لكن إرتريا من جهة أخري مازالت تمثل مصدر تهديد للحليف الرئيسي لإثيوبيا أي السودان فالنظام القائم في إرتريا ولأسباب متعددة يتبني إستراتيجية هجومية ولا اٌقول سياسة هجومية ضد السودان ومن بين الأدلة العديدة أسوق أكثرها خطورة , فقد صرح رئيس لجنة الحسبة بالمجلس الوطني السوداني (البرلمان) لصحيفة ” ألوان ” اليومية الصادرة بالخرطوم في 12 مارس 1997 ” أن أرتريا نشرت مؤخراً خريطة جديدة تضم فيها مساحة واسعة من الأراضي السودانية في منطقة ” طوكر” , وأن لها مطامع توسعية في المنطقة الواقعة علي ساحل البحر الأحمر وتسعي لضم أربع محليات بالقرب من طوكر ” وأضاف مؤكداً ” أن هناك مُخططاً أرترياً لإنتهاك حرمة المياه الإقليمية السودانية وتهديد موانئ السودان علي البحر الأحمر , وأن القوات الأرترية تربض علي بعد أميال من السودان وتريد ضرب مينائي بورسودان وسواكن , وأن القوات الأرترية وُضعت قبالة الحدود في كل من رأس قصار وجبل حليباي ” كذلك فقد تردد وبقوة في يناير 2018 تواجد قوات وأسلحة مصرية نُقلت إلي قاعدة Sawa غربي إرتريا علي مقربة من الحدود الإرترية / السودانية وهو ما نفته مصر وإرتريا في حينه * (AFRICA TIMES . 15 Jan 2018) , وهو ما أدي إلي إستدعاء السودان سفيره بالقاهرة للتشاور, وبررت بعض المصادر هذا التحرك المصري بأنه رد علي صفقة رددت وسائل الإعلام أنها تمت بين السودان وتركيا لتطوير تركيا للجزيرة سواكن القريبة من ميناء بورسودان , وذلك خلال زيارة الرئيس التركي للخرطوم في وقت سابق مباشرة علي التحرك العسكري المصري بإرتريا .

جــــبــــوتـــي :

خلال زيارة رسمية قام بها للقاهرة وزير خارجية جيبوتي محمد علي يوسف علي هامش الإجتماعات التحضيرية لقمة الإتحاد الأفريقية في نواكشوط إلتقاه وزير الخارجية المصري في 28 يونيو 2018 الذي أكد في تصريح صحفي أن مصر وجيبوتي سيعملان علي إقامة شراكة لتطوير الأمن في البحر الأحمر ومنطقة القرن الأفريقي , وفي هذا الإطار إقترح وزير الخارجية المصري إقامة منطقة تجارة حرة لمصر في جيبوتي (إفتتحت الصين بجيبوتي في 5 يوليو 2018 أكبر منطقة تجارة حرة بأفريقيا) , وفي لقاءهما ناقش الجانبان التطورات “الإيجابية” بمنطقة القرن الأفريقي ونفوذهما الإيجابي في سبيل السلام والأمن بهذه المنطقة , كما ناقشا الوضع في اليمن والصومال والتنسيق المُشترك في المحافل الدولية , كذلك تناول الجانب المصري مع الجانب الجيبوتي ” التقدم في المفاوضات بين مصر وإثيوبيا بشأن سد النهضة “, وحول هذا اللقاء أورد موقع The Arab Weekly في8 يوليو 2018 بالإحالة علي الناطق باسم الخارجية المصرية قوله ” إن التعاون (مع جيبوتي) مهم جداً لتقوية الأمن والإستقرار في المنطقة ” , و ” أن مصر وجيبوتي يواجهان نفس التحديات ولديهما نفس التطلعات إزاء أمن وإزدهار المنطقة ” و ” أن العلاقات المصرية الجيبوتية علاقات خاصة جداً وموقع جيبوتي يجعلها حيوية لأمن المدخل الجنوبي للبحر الأحمر ولذلك فإن جيبوتي جزء لا ينفصل عن أمن مصر القومي” , وعلق الموقع علي هذا اللقاء بقوله ” أن مصر تعتمد علي جيبوتي فيما يتعلق بأمن المدخل الجنوبي للبحر الأحمر”, ويُذكر أن آخر زيارة لرئيس جيبوتي للقاهرة في 25 ديسمبر 2016 وأستغرقت يومان وُقعت خلالها سبع إتفاقات ومذكرات تفاهم في المجال الإقتصادي .

إهتمت الدبلوماسية المصرية بإطلاع الجانب الجيبوتي علي موقفها من سد النهضة الإثيوبي في سياق عرض آخر مُستجدات التفاوض مع إثيوبيا بشأنه , لكن في خلفية ذلك لابد من النظر إلي أن جيبوتي أحد المُستفيدين المُرتقبين من إنجاز سد النهضة فجيبوتي وكينيا أحد وجهتي تصدير جزء من الطاقة الكهربائية المُولدة من سد النهضة الإثيوبي , ووفقاً لما صدر عن هيئة الكهرباء والقوي الإثيوبية EEPCo وأُعلن عنه في 6 أكتوبر 2014 فإن إثيوبيا تصدر في الوقت الحالي 100 ميجا وات من الكهرباء للسودان , بينما يتم إمداد جيبوتي بنحو 35 ميجاوات وكينيا بنحو 60 ميجاوات * ( SUDAN TRIBUNE . 8 أكتوبر 2018)

من المعروف أن المكون الرئيسي في العلاقات الجيبوتية / الإثيوبية مكون لوجيستيكيLogistic  , لكن من الواضح كذلك أن هناك ثمة مكون مائي أُضيف إلي هذه العلاقات , إذ أن إثيوبيا كدولة حبيسة يهمها بغض النظر عن إهتزازات علاقاتها أو ثباتها مع جيبوتي أن تحافظ علي الحد الأدني من إستقرار علاقاتها مع جيبوتي بإعتبار أن ميناء جيبوتي له في إستراتيجية الأمن القومي الإثيوبية أهمية مُضطردة إذ تعتمد عليه إثيوبيا بنسبة 65% لحركة الوارد والصادر منها وإليها , ففي ميناء جيبوتي عقدة مواصلات تفك الإحتباس الجغرافي الإثيوبي وتمنح الإقتصاد الإثيوبي درجة معقولة من الحيوية , ولهذا فليس لجيبوتي مصلحة مباشرة أو غير مباشرة لإتخاذ موقف سلبي إزاء سد النهضة الإثيوبي , فقد تتعاطف جيبوتي مع وجهة النظر المصرية لكن هذا التعاطف سوف لا يتطور ليكون موقف عملي مُضاد لوجهة النظر الإثيوبية بشأن سد النهضة الذي ستستفيد منه جيبوتي وغيرها من دول الجوار الإثيوبي , ولذلك وفي سياق منظومة جديدة للعلاقات الثنائية الإثيوبية / الجيبوتية نجد أنه قد أُضيف إليها مكوناً مائياً أدي إلي إرساء وترسيخ مبدأ المنافع المُتبادلة (الماء الإثيوبي مقابل الإعتمادية الإثيوبية علي ميناء جيبوتي) , وتأكيداً لهذا الخط المدعم سياسياً أورد موقع شبكة World Bulletin الإخبارية في 10 ديسمبر 2015 نقلاً عن سفير جيبوتي في إثيوبيا محمد إدريس فارح قوله ” أن شركة سويسرية وديبلوماسي كويتي إتصلوا بنا وسيزورون جيبوتي ويجرون مناقشات أخري أكثر ” وأوضحت الشبكة أن وفداً من شركة Mai Resources International وممثل ديبلوماسي عن سفارة الكويت في إثيوبيا إلتقوا الرئيس الإثيوبي Mulatu Teshome ووزير المياه Alemayehu Tegenu ليناقشوا مشروع نقل المياه الجوفية من إثيوبيا إلي جيبوتي , وأوضحت السفارة الكويتية في بيان عنها أن ” المشروع لا علاقة له بمياه نهر النيل , فالمشروع المُقترح يقع بالمنطقة الشرقية الإثيوبية والتي تبعد بنحو 1165 كم عن نهر النيل ” وأشارت الشبكة نقلاً عن سفير جيبوتي قوله ” أن هذا المشروع سيُنفذ بمدينة Adigala بمنطقة صومالي الإثيوبية ” , كما أشارت الشبكة إلي أنه وفي عام 2013 إتفقت إثيوبيا وجيبوتي علي تنمية وتطوير المياه الجوفية لتصديرها إلي جيبوتي , وأن شركة صينية تقوم الآن علي تطوير هذه المياه لتُستخدم في الشرب , وأن وزير المالية والتنمية الإقتصادية الإثيوبي سفيان أحمد ونظيره الجيبوتي Ilyas Moussa Dawaleh وقعا إتفاقاً لتسهيل التعاون في مجال الإمداد بالمياه , وطبقاً لهذا الإتفاق فسوف يقوم الجانب الجيبوتي بتركيب خط أنابيب بطول 70 كم من مدينة Adigala وحتي Guelileh علي الحدود ثم تصل إلي جيبوتي العاصمة , كذلك نشرت وكالة أنباء الأناضول التركية في 10 أبريل 2017 تصريحاً أدلي به للوكالة Shamebo Fitamo Adebo سفير إثيوبيا في جيبوتي غلي هامش معرض جيبوتي التجاري قال فيه ” أن شعب جيبوتي ( والذي يبغ تعداد نحو مليون نسمة) سيشرب الماء مجاناً من مصدر إثيوبي للمياه ” وأوضح السفير ذلك بقوله ” خلال فترة ثلاثة أشهر من الآن سيكون خط الإمداد بالمياه لجيبوتي قد أتي من آبار Adigala  بشمال شرقي إثيوبيا والتي ستمد جيبوتي يومياً بنحو 104,000 متر مكعب مياه ” وبرر ذلك بقوله ” إن قرار إمداد جيبوتي بالمياه مجاناً إنبثق من حقيقة كون شعبي البلدين تربطهما وشيجة الدم , وتطبيقاً لذلك أشار السفير الإثيوبي إلي بلاده فتحت حدودها لحركة أبناء شعب جيبوتي للدخول للأراضي الإثيوبية بدون تأشيرة وبرر عدم إتخاذ حكومة جيبوتي لإجراء مماثل بقوله ” إن لدي خيبوتي مخاوف مفهومة بأنهم إذا ما فتحوا حدودهم  فسوف لا يُصبح هناك ثمة بلد يُدعي جيبوتي ” .

علي الجانب الآخر تجدر الإشارة إلي أن مصر روجت لمشروع لوجيستي هو إقامة خط ملاحي لربط دول حوض النيل العشر ومن بينها إثيوبيا بواسطة خط نقل نهري لمواعين النقل ذات الحجم الصغير والمتوسط وذلك علي طول مجري النيل بطول 4,000 كم ويبدأ هذا الخط من بحيرة فيكتوريا حتي البحر المتوسط , وقد تناول الرئيسين المصري والأوغندي هذا المشروع في إطار الزيارة الرسمية للرئيس المصري لأوغندا في 18 ديسمبر 2016 , وقد أشار الرئيس الأوغندي في المؤتمر الصحفي في نهاية هذه الزيارة إلى أن دول حوض النيل يجب أن تطور طريقاً عبر النيل حتى يمكن للبلاد الحبيسة الواقعة عليه مثل أوغندا وجنوب السودان وإثيوبيا أن تقلل من المسافة التي تفصلها عن أوروبا وعن ميناء الأسكندرية في مصر , وقد أشارموقع RT الروسي باللغة العربية إلي ما ورد ببيان الرئاسة الأوغندية عن ” أهمية العمل على اتخاذ الخطوات اللازمة لتنفيذ مشروع الربط بين بحيرة فيكتوريا والبحر المتوسط عبر نهر النيل المُقترح في عام 2015، وذلك عقب انتهاء الدراسات الخاصة به بالإضافة إلى التزامهما بمواصلة الجهود المشتركة لتحقيق الاستقرار والتنمية في إفريقيا وخاصة في منطقة حوض النيل ومنطقة البحيرات العظمى والقرن الإفريقي ” , وبالرغم من أن هذا المشروع يعد ضرباً من الخيال , فمن بين ما يثبت ذلك أن التقرير السنوي لمبادرة الشراكة الجديدة لتنمية أفريقيا  NEPADلعام 2015 والذي أُدرج هذا المشروع في قائمة بهذا التقرير أشار إليه تحت مُسميConstruction of Navigational Line between Lake Victoria and the Mediterranean Sea , أشار إلي أن الدول والمنظمات المسئولة عن المشروع وهي : مصر وكينيا وأوغندا والسودان وجنوب السودان وبوروندي وإثيوبيا والكونجو الديموقراطية وتنزانيا(لم يُشر إلي رواندا) وتجمعات COMESA وIGAD وEAC وSADC , لكنه أشار أيضاً وفي خانة ” وضعية المشروع ” إلي ما نصه ” أن مصر نجحت في إكمال دراسة ما قبل الجدوي وفقاً للجدول الموضوع , وهذا إنجاز مثير جداً وضعاً في الإعتبار تعقيدات المشروع ونقص التمويل الخارجي (قدم بنك التنمية الأفريقي تمويلاً بمبلغ 650,000 دولار لدراسة ما قبل الجدوي والتي حُدد لتقديمها الربع الثالث من عام 2015) , وقد تضمن الجدول المُشار إليه إيجازاً للمشروعات المُدرجة المُتعلقة بالبنية الأساسية علي المستوي الإقليمي بالقارة وعددها 13 مشروع منها مشروع Lamu Port Southern Sudan- Ethiopia Transport –Corridor Project وتشترك فيه جنوب السودان وإثيوبيا وأوغندا وكينيا ومنظمات تجمع الساحل والصحراء و COMESA وIGAD و EAC , ومشروع North – South Corridor Road \ Rail Project ومشروع Kinshasa – Brazzaville Bridge Road\ Rail Project ومشروع Dakar –Ndjamena – Djibouti \ Rail Project ومشروع Missing Links on the Trans – Sahara Highway , لكن لوُحظ أن تقرير NEPAD عمد إلي بيان نقطتين سلبيتين بمشروع الخط الملاحي بين بحيرة فيكتوريا والبحر المتوسط وهما ” أن المشروع تواجهه تعقيدات ونقص التمويل الخارجي ” , وفي إعتقادي أن هذه العبارة ما هي إلا تقدير سلبي مُكثف جامع  من إدارة مُبادرة NEPAD للمشروع بل و لمستقبله , خاصة وأن هاتين النقطتين السلبيتين لم يأت لهما ذكر بالنسبة للإثني عشر مشروعاً الأخري , ومن ثم فهناك قدر من الضبابية يعتري هذا المشروع ولكن الذي يهمنا الإشارة إليه أن هذا المشروع – نظرياً – يتضمن إثيوبيا التي تعتمد علي جيبوتي في حركة الصادر والوارد إليها , وبالتالي فإن جيبوتي قد تنظر إلي المشروع المصري بإعتباره وإن بدرجة محدودة جداً كمشروع منافس لميناء جيبوتي , لكن الذي يلغي هذه النظرة أن جيبوتي توقن – كغيرها من الدول التي يتضمنها هذا الخط الملاحي النهري – أنه مشروع خيالي ومن ثم عليها ألا تعبأ بأي قدر من التنافسية قد تترتب عليه .

أثر التحرك المصري في أزمة سد النهضة :

قبل بيان العوامل المُؤثرة في تقييم التحرك المصري بشأن قضية مياه نهر النيل وعلي نحو خاص الأثر السلبي لسد النهضة علي مستقبل مصر المائي , لابد علي التوازي من بيان عامل ثابت ذا أثر مباشر علي نتائج أي تحرك سواء من مصر أو غيرها في قضية مياه النيل وهو عامل علاقة أي من دول حوض النيل بمياه النيل أعني علاقتها الجغرافية به , وبمعني محدد الأنصبة المساحية لهذه الدول من حوض النيل , فبيان هذا العامل الثابت يُحدد إلي حد كبير موقف أي من دول النيل الحوض من قضايا مياه النيل وخاصة مشروعات السدود , وذلك كما يلي :

المساحة الكلية بالكيلو متر المربع لكل دولة من دول حوض النيل :

بوروندي 27,834 – رواندا 26,340- تنزانيا 945,090- كينيا 580,370 – الكونجو الديموقراطية 2,344,860 – أوغندا 235,880- إثيوبيا 1,100,010 – إرتريا 121,890- السودان (قبل إنفصال جنوب السودان الذي تبلغ مساحته الكلية 619,745) 2,505,810 – مصر 1,001,450

مساحة الجزء من الدولة الواقع بحوض النيل بالكيلو متر المربع :

بوروندي 13,834- رواندا 19,876- تنزانيا 84,200- كينيا 46,229- الكونجو الديموقراطية  22,143 – أوغندا 231,366- إثيوبيا 365,117- إرتريا 24,921- السودان (قبل إنفصال جنوب السودان الذي تبلغ مساحته الكلية 619,745) 1,978,506- مصر  326,751  .

نسبة مساحة الجزء من الحوض بالدولة من مساحة حوض النيل الإجمالية :

بوروندي 0,4% – رواندا 0,6%- تنزانيا 2,7%- كينيا 1,5% – الكونجو الديموقراطية0,7% – أوغندا  7,4% – إثيوبيا 11,7% – إرتريا 0,8% – السودان (قبل إنفصال جنوب السودان الذي تبلغ مساحته الكلية 619,745)  63,6%- مصر 10,5%  .

نسبة مساحة الجزء من حوض النيل بالدولة من مساحة الدولة الإجمالية :

بوروندي 47,6% – رواندا  75,5 % – تنزانيا 8,9% كينيا 8,0% – الكونجو الديموقراطية 0,9% – أوغندا 98,1% – إثيوبيا 33,2% – إرتريا 20,4% – السودان (قبل إنفصال جنوب السودان الذي تبلغ مساحته الكلية 619,745) 79,0% – مصر  32,6% .

إن تحرك مصر الدبلوماسي في نطاق دول حوض النيل الشرقي (أي إثيوبيا والسودان وجنوب السودان) وفي نطاق دول حوض النيل الإستوائي (ماعدا الكونجو الديموقراطية) وكذلك في نطاق دولتي الجوار المباشر للحوض الشرقي إرتريا وجيبوتي يقوم علي أساس ما تعتقد الدبلوماسية المصرية بأنه تحرك يمكن أن يؤثر سواء بإضافة قوة للموقف المصري أو بإضعاف مصداقيىة الموقف الإثيوبي لدي باقي دول حوض النيل   (جنوب السودان ودول الحوض الإستوائي) من خلال مجرد توضيح الموقف المصري من سد النهضة الإثيوبي , صحيح أن هذا التحرك ضروري ومُبرر وهادف إلي تكوين كتلة تعتقد الدبلوماسية المصرية أنها ستكون ضاغطة Lobby علي الموقف الإثيوبي , لكن الواقع يُشير إلي أن هذا التحرك المصري تعترضه عوامل وحقائق غير مواتية تؤثر سلباً في الغالب في إنتاجيته , وهذه العوامل والحقائق ربما تعلمها الدبلوماسية المصرية لكنها لم تكن كلها أو بعضها واقعة بشكل كامل في مجال إدراك الدبلوماسية المصرية لوقت طويل سابق علي هذا التحرك , وفيما يلي عرض تقديري لما يمكن إعتباره عوامل وحقائق سلبية تعترض هدف تحقيق نتيجة ملموسة تؤثر في الميل الهجومي الإثيوبي في قضية سد النهضة أو تضيف قوة إلي الموقف المصري , ومن بين أهم هذه العوامل والحقائق :

1- أن هناك تحركاً إثيوبياً في الإتجاه المُضاد للتحرك المصري :

هناك سياسة أفريقية واضحة لإثيوبيا ويعطي هذه السياسة الواضحة زخماً مؤتمرات القمة الأفريقية والمؤتمرات الوزارية التي عادة ما تُعقد في أديس أبابا التي تُشكل عقدة إلتقاء للإجتماعات واللقاءات بين الساسة الأفارقة علي كافة الأصعدة , وهو ما يُعوض نسبياً التمثيل الدبلوماسي الأقل كثافة لإثيوبيا مع الدول الأفريقية قياساً علي التمثيل الدبلوماسي المصري مع حوالي 40 دولة أفريقية , وتعد قضية مياه النيل من القضايا المهمة التي توليها إثيوبيا في نطاق سياستها الأفريقية أهمية قصوي وخاصة بعد الإعلان في 31 مارس 2011 عن إقامة سد النهضة الخلافي مع مصر , ولذلك نشطت إثيوبيا في تحركاتها صوب معظم دول حوض النيل حتي لا تترك المجال حراً لمصر ولقد تداخلت الزيارات الرئاسية والوزارية الإثيوبية زمنياً مع الزيارات المماثلة لمصر في هذه الدول , وفيما يلي أهم التحركات الإثيوبية الأخيرة علي مدي العامين المُنصرمين بدول حوض النيل , مع ملاحظة مماثلة لتلك التي لُوحظت علي الجانب المصري وهي العزوف عن التحرك الدبلوماسي مع الكونجو الديموقراطية في شأن الأزمة المُتعلقة بسد النهضة  :

قام رئيس الوزراء الإثيوبي Hailemariam Desalegn بزيارة ” دولة ” إلي تنزانيا بدعوة من رئيسها  John Magufuli إستغرقت يومان بدأت في 31 مارس 2017 حيث إلتقي الرئيس التنزاني, وأستهدفت الزيارة تمتين العلاقات الدبلوماسية القائمة وإستكشاف مجالات تعاون تشمل التجارة والإستثمار وقد وقع البلدان 3 إتفاقيات تعاون , ووفقاً لبيان صادر عن الخارجية التنزانية أشار إلي ” تنزانيا وإثيوبيا يتمتعان بعلاقات ممتازة وستفتتح الأخيرة سفارة مُقيمة لها في دار السلام ” , وفي هذه الزيارة إتفقت الجانبين علي إقامة مستود بضائع حديث بمطار Julius Nyerere الدولي بدار السلام لدفع التبادل التجاري , وكما أشار الرئيس التنزاني فإن ” كون إثيوبيا بلد حبيس جغرافياً عن البحر , لهذا وافق الزعيم الإثيوبي علي البدء في إستخدام مطارنا لإستقبال بعض من بضائعهم , التي ستُخزن بمستودع المطار وتُشحن جواً لإثيوبيا عبر الخطوط الجوية الإثيوبية ” , وفي 24 أبريل 2017 وعلي مدي يومين عُقدت مباحثات في إطار دور الإنعقاد الثاني للجنة الإثيوبية / الرواندية الدائمة (التي تأسست عام 2012) علي المستوي الفني في العاصمة Kigali تناولت وفقاً للسكرتير الدائم للخارجية الرواندية Claude Nikobisanzwe إقامة شراكة في مجالات التعليم والسياحة والمساعدة القانونية المُتبادلة , وأشار Nikobisanzwe إلي أن ” التعاون بين رواندا وإثيوبيا يظل قوياً وقد حقق نتائج ملموسة في عددة مجالات من بينها الدفاع (تبادل الخبرات في قوات حفظ السلام ودعم العمليات) والطيران وبناء القدرات , وهو ما أمر سيستمر شعبي البلدين في الإستفادة منه ” , وقد أشار موقع The New Times الرواندي في 27 أبريل 2017 إلي أن البلدان وقعا عام 2016 علي إتفاق فتح المجالين الجويين للبلدين يتيح للناقل الجوي الوطني العمل بدون قيود , كما أن الدولتين وقعتا إتفاقيات عام 2012 تغطي مجالات التعاون في المجالات السياسية والإقتصادية والتجارية والإستثمارية والتعليمية والصحية ومجالات أخري وذلك إنبثاقاً عن إتفاق عام للتعاون بينهما , بعد ذلك قام رئيس الوزراء الإثيوبي Abiy Ahmed بزيارة رسمية إلي كينيا يومي 6 و 7 مايو 2018 , وتناولت المُباحثات المسائل الثنائية والإقليمية ووسائل تقوية التكامل والسلام والأمن  الإقليمي والتعاون مُتعدد الأطراف , ومن المعروف أن كينيا تستضيف علي أراضيها الآف الإثيوبيين الذين فروا من مدينة Moyale الحدودية بسبب عنف الجنود الإثيوبيين , كما قام رئيس الوزراء الإثيوبي Hailemariam Desalegn بزيارة ” دولة ” إلي رواندا إستغرقت 3 أيام بدأت في 27 أبريل 2017 تم خلالها التوقيع علي 11 إتفاق عززت العلاقات الثنائية منها إتفاق بشأن “إدارة موارد المياه” , وقد وصف رئيس الوزراء العلاقات مع رواندا بأنها ” فريدة “وبأن بلاده تريد لهذه العلاقات أن تتوسع , وفي هذا السياق أشار رئيس الوزراء الإثيوبي إلي أن إثيوبيا ستفتتح سفارة مُقيمة لها في Kigali ( تبادلت إثيوبيا التمثيل الدبلوماسي مع رواندا من خلال سفارة إثيوبيا بأوغندا  , فيما إفتتحت رواندا سفارتها بإثيوبيا في 1978) , هذا وقد وقعت الدولتين مذكرة تفاهم بشأن إدارة موارد المياه *( ALL AFRICA . 10 مايو 2017) , كذلك وخلال مشاركتها في حفل أقامته سفارة رواندا في أديس أبابا في 6 أغسطس 2017 بمناسبة يوم التحرير وإنتصار الرئيس Paul Kagame في الإستفتاء علي رئاسة الجمهورية ألقت وزير الدولة للخارجية الإثيوبية Hirut Zemene كلمة أشارت فيها إلي ما وصفته ” بالإنجازات الضخمة ” للرئيس الرواندي   Kagameوإلي مغزي إعادة إنتخابه بموافقة الشعب في الإستفتاء الذي جري في ديسمبر 2015علي إعادة إنتخابه لفترة رائاسية ثالثة وبنسبة 98,66% , ومما يعكس قوة العلاقات التبادلية بين الدولتين فقد قام رئيس رواندا Paul Kagame بزيارة رسمية إلي إثيوبيا في 24مايو 2018 وأستغرقت يومان وألتقي رئيس الوزراء الإثيوبي Abiy Ahmed وتركزت مباحثات يوم الزيارة الأول علي تناول العلاقات الثنائية , وقد أثني الرئيس الرواندي علي رئيس الوزراء الإثيوبي قائلاً أن إثيوبيا تثق فيه لحكمته , ورد رئيس الوزراء الإثيوبي فأعرب عن إعجابة بالرئيس Kagame لنضاله من أجل الحرية والتي هي أعظم هدية لشعب رواندا وللقارة الأفريقية , مُضيفاً قوله أن بعد هذا النضال كان من الصعب تأسيس المؤسسات بالدولة لكنك عندما تذهب إلي رواندا فإنك تجد كيف أن هذا الزعيم غير البلاد .

تنبهت إثيوبيا في وقت مبكر جداً بمخاطر الحرب الأهلية وتداعيتها علي أمن إثيوبيا والقرن الأفريقي ككل , ولهذا تحركت مع كينيا ولذلك توجه وزيرا خارجية إثيوبيا وكينيا معاً إلي جوبا في 26 ديسمبر 2013 أي بعد 11 يوم من بدء الحرب الأهلية وشملت 10 من ولايات وجوبا عاصمة جنوب السودان , وهناك إلقيا بالرئيس Salva Kiir وتركز الحديث معه علي وسائل وقف العنف بالبلاد وبدء محادثات سياسية من أجل ذلك بعد أن دب الخلاف بينه وبين نائبه Riek Machar , ورغم أن إثيوبيا كغيرها تدرك أن جنوب السودان ليست باللاعب المؤثر في سياسات حوض النيل إلا أنها   توليها إهتماماً خاصاً لأسباب أمنية خاصة في ضوء أن هناك درجة ما من عدم الإستقرار الداخلي بإثيوبيا , وهذا مما دفع بإثيوبيا إلي البحث عن وإيجاد وسائل لإدارة تدفقات اللاجئين بسبب الحرب الأهلية المُستعرة بجنوب السودان منذ 2013 ففي منطقة Gambella الإثيوبية وحدها يوجد 288,000 من هؤلاء معظمهم من النوير قبيلة خصم الرئيس Salva Kiir , وكذلك بسبب حرص إثيوبيا علي عدم ترك جنوب السودان بالكامل في مدي الإهتمام السياسي المصري , ذلك أن ترك جنوب السودان بعيداً عن إهتمام إثيوبيا يتيح الحركة الحرة لمصر في جوبا ومن ثم ضمها للدول الحليفة أو علي الأقل المؤيدة لمصر في حوض النيل , ومن هذا المنطلق قام رئيس الوزراء الإثيوبي Haile Mariam Desalegn في هذا الإطار وفي إطار تنشيط العلاقات الثنائية ومتابعة تطبيق إتفاق السلام الموقع في أديس أبابا في أغسطس 2015 بين رئيس جنوب السودان Salva Kiir والمعارضة المُسلحة بقيادة Riek Machar , قام Desalegn بزيارة لجنوب السودان في 28 أكتوبر 2016 إستغرقت يوماً واحداً ألقي خلالها كلمة أمام الجمعية التشريعية الوطنية بجوبا أشار فيها إلي  “أن بلاده لن تؤيد جماعة تخوض معارك مُسلحة أو أيا كان ممن إختاروا مسار الحرب , ولذلك فنحن لن نسمح لأي حركة مُسلحة تسلب السلام من منطقتنا سواء أكانت في إثيوبيا أو جنوب السودان , وسوف يكون هناك تعاوناً بين الجيشين الأإثيوبي والجنوب سوداني , ولقد وافق الرئيس الجنوب سوداني علي إيفاد رئيس أركان الجيش لأديس أبابا بسرعة وسيتفقون هناك علي التعاون المُشترك لتأمين الحدود وما وراءها” , وقد تضمنت كلمة رئيس جنوب السودان Salva Kiir Mayardit الإشارة إلي ” أننا ناقشنا مسائل علي جانب كبير من الأهمية خاصة الثنائية منها ووقعنا عدة مذكرات تفاهم , وفي المجال الأمني وافقنا علي أن أي منا لن يسمح لأي قوة سلبية إستخدام أراضينا لشن أنشطة عدائية , وسيكون الطريق مفتوحاً أمام السلع الإثيوبية للدخول لأراضينا , وبدلاً من توجهنا لأماكن بعيدة لبيع بترولنا فسوف يحصل عليه الإثيوبيين منا , خاصة وأننا الآن في سبيلنا لإقامة مصفاة تكرير ” , ويُذكر أن هناك 5 مشروعات لإقامة طرق بين جنوب السودان وإثيوبيا تمول الأخيرة إثنان منهم من خلال قرض إثيوبي لحكومة جنوب السودان , وهناك أيضاً إتفاق بخصوص التجارة والبترول الجنوب سوداني  , في إطار خشية جنوب السودان من دور إثيوبي سلبي فيما يتعلق بوضعية رئيس جنوب السودان Salva Kiir قام   Kiirبزيارة رسمية إستغرقت يوماً واحداً لإثيوبيا في 30 مايو 2018 رافقه فيها مفاوض عملية السلام بجنوب السودان وبعض الوزراء , وكانت هذه هي الزيارة الأولي لرئيس جنوب السودان لإثيوبيا بعد إستقالة رئيس الوزراء الإثيوبي  Hailemariam Desalegnفي فبراير 2018, وتأتي أهمية الزيارة بسبب إخفاق الجولة الثانية في مايو 2018 للمنتدي عالي المستوي لتنشيط  “عملية السلام بجنوب السودان أو High Level Revitalization Forum , وذلك بعد أن رفض طرفي الحرب الأهلية مُقترح المُشاركة في السلطة التي وضعتها منظمة IGAD , وكان من المُفترض عقد جولة أخري لمنتدي تنشيط عملية السلام في جنوب السودان بإثيوبيا إلا أن الأحداث الناتجة عن الموقف السياسي المُضطرب بإثيوبيا قبل إستقالة Desalegn أجلت الإنعقاد وأقترح عقدها إما في جيبوتي أو كينيا أو أوغندا .

لكن هناك ثمة تصريح أدلي به رئيس وزراء إثيوبيا السابق Hailemariam Desalegn نُشر علي مــوقــع   today ngبتاريخ 30 أبريل 2018 أعتبره كاشفاً عن الرؤية الإثيوبية الحقيقية لوضعية ودور الرئيس الجنوب سوداني  Salva Kiirفي الحرب القائمة بجنوب السودان , فقد أشار Desalegn في تصريحه إلي حاجة جنوب السودان إلي تخلي رئيسها Salva Kiir عن السلطة كي يتيح للبلاد وجه جديد لقيادتها , وأن الأمر يبدو واضحاً بصفة مُضطردة في أن إتفاقيات السلام التي بين حكومة جنوب السودان والجماعات المُتمردة أصبح من غير الممكن إحترامها  , وقال ما نصه ” إن الإتفاقيات وُقعت لكنها أبداً لم تُنفذ ولقد رأيت أن هناك ثمة إتفاقيات أكثر منها يمكن أن تُوقع , لكني لم أعتقد أنها الأخري ستُنفذ كما يثبت التاريخ ذلك ” , وما قاله رئيس وزراء إثيوبيا السابق يثبت أن إثيوبيا لم تكن لتثق في رئيس جنوب السودان Salva Kiir ليس فيما يتعلق بإتفاق أديس أبابا الذي وقعه مع خصومه في الحرب الأهلية بأديس أبابا في أغسطس 2015 فحسب بل أيضاً في الإتفاقيات ومذكرات التفاهم المُوقعة بينه وبين إثيوبيا .

2الموقف السوداني  بشأن قضية مياه النيل عموماً وسد النهضة :

قبل بيان موقف السودان من قضايا مياه النيل تجب الإشارة إلي حقيقة أن 77% من مجمل المياه بالسودان مصدرها أنهار النيل والجاش وبركة وأزوم وكلها تنبع من خارج حدود السودان تماماً كحالة مصر التي تعتمد بنسبة 99% علي مياه نهر النيل فقط , وهذا يعني أن هناك قاسم مُشترك بين الحالتين المصرية والسودانية فيما يتعلق بدرجة الأمن المائي فهو مُهدد في الحالتين , مع إحتلاف النسبة فهي 100% في الحالة المصرية و75% في الحالة السودانية , فهل الأمن المائي السوداني كاف بهذه النسبة ؟ المسألة معيارية لدي متخذ القرار السوداني .

الإختلاف بين الرؤيتين المصرية والسودانية فيما يتعلق بمياه النيل ليست حديثة أو ناتجة عن الخلاف السياسي بين البلدين فقط , فهذا الإختلاف يمتد إلي الجانب الفني أيضاً , وقد وضح ذلك في المفاوضات المصرية / السودانية بشأن إقامة مصر للسد العالي وما يترتب عليه من إصطناع بحيرة تُخزن فوائض مياه نهر النيل (بحيرة السد العالي أو ناصر) وما ترتب عن إيجاد هذه البحيرة من تهجير قسري لسكان النوبة علي جانبي الحدود , وكانت أولي بوادر الخلاف عندما بدأت المفاوضات المصرية مع السودان بالخرطوم قبل إستقلاله عن مصر في سبتمبر 1954 وخلالها قدم وزير الري السوداني الدراسة الخاصة بالخزان , علي حين إستغل الجانب المصري الفرصة وقدم مشروعات متعددة للري من أهمها السد العالي وبدا الأمر وكأنه مقايضة ولهذا تدخل السيد Humphrey Morris مستشار وزير الري السوداني (إنجليزي وكان يعمل بالري إبان عهد الحكم الثنائي) وأوضح أن هدف الإجتماع ينحصر في موضوع إقامة خزان الروصيرص فقط , وأن الجانب السوداني لذلك يرفض الربط بين الأمرين , وهو ما لم يقبله الجانب المصري وأنفضت أول جولة تفاوض بدون إتفاق في 9 سبتمبر 1954 , وكان هذا أول تباين في الرؤي بين الجانبين , وللحقيقة فإن ما دفع الجانب المصري للمقايضة أن الأمر له سابقة فقد أقامت مصر خزان جبل الأوليا لمصلحتها مقابل إقامة خزان سنار علي نفقتها لصالح السودان , بعد ذلك قام وزير الري السوداني ميرغني حمزة بزيارة للقاهرة في أكتوبر 1954 لإستئناف التفاوض وأعاد الجانب السوداني رفضه للربط بين مشروعه ومشروع السد العالي , وكان السيد ميرغني حمزة ميالاً لإبداء مرونة لكن السيد  Humphrey Morris أصر علي عدم الربط موضحاً مضار إقامة السد العالي للسودان ومنها إغراقه لمنطقة حلفا وهو ما قبله السيد  ميرغني حمزة , واثار الجانب السوداني مسألة إعادة توزيع مياه النيل بتعديل الحصص التي نص عليها إتفاق 1929 من أجل مواجهة التوسع في مشروع الجزيرة , وأوضح الجانب المصري أن أي حديث عن إعادة توزيع مياه النيل لا يمكنه النقاش بشأنه قبل البت في موضوع إقامة السد العالي  ( المرجع للدكتور سلمان محمد سلمان .خفايا وخبايا مفاوضات اتفاقية مياه النيل لعام 1959(1– 14)- نهر النيل- الاخبار – شبكة المناصير) .

كانت مساحة الخلاف أو المسائل غير المُتفق عليها في شأن تقاسم المياه واضحة , فالسودان يري تحديد الكميات مقدماً قبل إنشاء السد العالي فيما تريد مصر التحديد بناء علي ما ينتج عن إنشاءه بالإضافة إلي تقاسم فوافقد البخر في السد العالي وهو ما رفضه الجانب السوداني بإعتبار البخر يحدث داخل الأراضي المصرية , وبعد الإنقلاب العسكري بالسودان بقيادة الفريق عبود تشكلت في 18 نوفمبر 1958 حكومة شبه عسكرية بعد الإنقلاب تضمنت تولي 8 عسكريين حقائب وزارية منهم وزير الري وعضو المجلس الأعلي للقوات المُسلحة الأميرالاي أحمد عبد الله حامد , فيما تولي 5 وزراء مدنيين الحقائب الأخري , ولم تكن القيادة السوداني ولمدة تقترب من العام بمستعدة لإستئناف التفاوض بسبب الصراعات الداخلية والخلافات بين أعضاء المجلس الأعلي للقوات المسلحة الأمر الذي أدي لعزل البعض ومنهم الأميرالاي أحمد عبد الله وخلفه في منصبه الأميرالاي المقبول الأمين الحاج في سبمبر 1959 والذي وُجه بإيلاء ملف التفاوض مع مصر بشأن مياه النيل  , وكانت مصر في هذا الوقت قد توصلت إلي إتفاق مع الإتحاد السوفيتي لتمويل إقامة السد العالي وحصلت علي موافقة من اليونسكو للمساهمة في إنقاذ آثار النوبية بمنطقة أبو سنبل قبل أن تغرقها مياه النيل الناتجة عن المشروع , وتبقي لمصر موافقة السودان علي إقامة المشروع لذلك أتفق الطرفان في سبتمبر 1959 علي إستئناف التفاوض في العاشر من أكتوبر 1959 ورأس الجانب السوداني في هذه الجولة التي كانت الأخيرة الأميرالاي طلعت فريد وزير الإستعلامات والعمل وتضمن هذا الوفد المكون من 11 عضو وزير الري السوداني الأميرالاي المقبول الأمين الحاج , فيما رأس الوفد المصري المكون من خمسة أعضاء وزير الأشغال  أحمد الشرباصي إضافة إلي مجموعة من المستشارين من وزارات مختلفة , السيد زكريا محي الدين وزير الداخلية المركزي , وقد إستمرت المفاوضات أربعة أسابيع وكانت التوجيهات للوفدين بالإمتناع تماماً عن الإدلاء بأي تصريحات للإعلام , وكانت المفاوضات صعبة وعُلقت مرتين ليعود الوفد السوداني لإستشارة المجلس الأعلي للقوات المسلحة وفي 7 نوفمبر 1959 أعلن الطرفان عن توصلهما لإتفاق حول كل المسائل وفي منتصف نهار 8 نوفمبر 1959 وفي قاعة الإحتفالات بالخارجية المصرية وبحضور ممثلي السلك الدبلوماسي المعتمد بالقاهرة , وقع رئيس الجانب المصري ورئيس الجانب السوداني ثلاث إتفاقيات هي : إتفاقية الإنتفاع الكامل من مياه النيل والإتفاق المالي والتجاري وإتفاقية المسائل الجمركية , وقد صادق مجلس الوزراء السوداني علي إتفاقية الإنتفاع الكامل من مياه النيل في 11 نوفمبر 1959 وأصدر المجلس القانون الخاص بها كما قامت مصر من جانبها بتسجيلها لدى الأمم المتحدة في نيويورك في 7 فبراير عام 1963 , لكن يبدو أن ذلك تم لإشراك الوزراء المدنيين الخمسة بمجلس الوزراء , وقد أيدت الأحزاب السودانية في معظمها الإتفاق بما فيها حزبي الأمة (عبد الله خليل والصديق المهدي) والإتحادي , ثم وبعد شهرين من توقيع الإتفاقية أي في يناير 1960 بدأ العمل في إقامة السد العالي وأنتهي تنفيذه في منتصف 1970 بتكلفة بلغت حوالي 600 مليون دولار  .

لم تشر إتفاقية الإنتفاع الكامل بمياه النيل 1959 لخزان خشم القربة الذي كان الغرض منه توطين مهجري وادي حلفا التي أغرقها السد العالي ببحيرته , الأمر الذي تعثر بسبب خلافات نشبت بين شركة Turf المُنفذة لبناء بيوت هؤلاء المُهجرون بمنطقة خشم القربة فطلبت حكومة السودان إرجاء تخزين المياه وراء السد لستة أشهر وهو ما رفضته الحكومة المصرية ( أرغم السد العالي حوالي 70,000 من النوبيين المصريين، و50,000 من النوبيين السودانيين على النزوح وفقد السودان نتيجة امتداد بحيرة السد العالي في أراضيه  مدينة وادي حلفا و27 قرية جنوبها وشمالها شلالات دال وسمنه ونحو  200,000 فدان من الاراضي الزراعية الخصبة وحوالي مليون شجرة نخيل وحوامض كذلك) . * ( السفير بلال المصري . كتاب قيد الطبع بعنوان : ” رؤية لواقع العلاقات المصرية / السودانية)

ظلت الأمور مُستقرة وكانت الخلافات حول المسائل الثانوية بشأن مياه النيل تُحل بواسطة أعضاء الجانبين المصري والسوداني في اللجنة الفنية المُشتركة الدائمة لمياه النيل التي نشأت بموجب نص بإتفاقية الإنتفاع الكامل بمياه النيل وكانت حصناً مناسباً أعان علي إبعاد جزء كبير من قضية مياه النيل عن أيدي رجال الأمن والسياسيين إلي حد كبير , لولا أن هذه اللجنة نفسها عُصف بها في مرحلة الإنهيار الأولي للعلاقات الثنائية المصرية / السودانية وتفكك أجزاءها والتي تغطي الفترة من1990 إلي  2000 فعُلقت إجتماعاتها السنوية عام 1992بعد أن شهدت هذه العلاقات فترة إزدهار في عهدي الرئيسين السادات وجعفر نميري اللذين نجحا في الإرتقاء بالعلاقات من خلال التوقيع عام 1974علي إطار التكامل بين البلدين والذي كان بحق إنجازاً عزز من الأمن القومي للبلدين , لكن مع تولي الرئيس المخلوع مبارك الحكم والذي في إعتقادي طُلب منه من جهة خارجية مُتسلطة عليه القضاء علي جيل وروح أكتوبر من الجيش المصري وهو ما فعله وتجاوزه لمهام أخري منها تحطيم العلاقات مع السودان لمجرد أن قادة إنقلاب 30 يونيو 1989 أعلنوا عن رؤية إسلامية للحكم بالتضافر مع جبهة الميثاق الإسلامي أو الجبهة الإسلامية بقيادة المرحوم د . حسن الترابي فبدأت مصر التحرش والتحريض علي السودان الذي بادل مصر العداء بعداء داخل دائرة مُفرغة من الفعل وردود الفعل , فصدرت تصريحات عديدة أظهرت مزيداً من التباين الحاد وليس مجرد الإختلاف بين البلدين في قضية مياه النيل منها علي سبيل المثال فقط :

– صرح وزير الري يعقوب أبو شورة في جلسة للمجلس الوطني السوداني (البرلمان) في 3 يناير 1994 بما نصه ” هناك مساع للوصول لإتفاقية شاملة تضم دول حوض النيل تختص بتوزيع المياه , فيما الوضع الحالي مجحف للسودان ” .

– وكالة أنباء السودان الحكومية ونُشر في نشرتها بتاريخ 7 أغسطس 1995 ونصه ” إن أي حديث عن زيادة إستغلال السودان لمياه النيل يضايق الحكومة المصرية علي الرغم من التطورات في دول حوض النيل بما في ذلك الجفاف وحاجة الدول التي لا نصيب لها من مياه النيل والتوسع في إستخدام المياه في السودان بسبب الهجرة ” * (وكالة أنباء السودان الحكومية . نشرة يوم 7 أغسطس 1995) , وكان إعتقادي ومايزال أن هذا التصريح من رأس الدولة مقصود منه إيصال عدة رسائل لمصر أهمها أن السودان بصدد زيادة إستغلاله لمياه النيل وأن هناك تطورات في دول حوض النيل منها الجفاف تستدعي تطوير سياساتها النيلية لمواجهة الجفاف من أجل تحقيق الأمن الغذائي , كما أن الرئيس السوداني يبدي تعاطف بلاده مع دول حوض النيل التي لا نصيب لها من مياه النيل ثم أن للسودان – من وجهة نظره – مبرر إضافي لزيادة إستغلاله لمياه النيل بسبب موجات الهجرة الأرترية والإثيوبية في شرق ووسط السودان ( تربو عن المليون نسمة) .

– تقدم عدد من النواب بالبرلمان السوداني في 23 أكتوبر 2004 بطلب لمراجعة إتفاقية الإنتفاع الكامل من مياه النيل الموقعة مع مصر في نوفمبر 1959 , ونقلت عن السيد / إبراهيم نايل إيدام وهو أحد أعضاء البرلمان الموقعين علي هذا الطلب قوله ” إن هذه الإتفاقية غير عادلة ولذلك أتساءل لماذا ننتظر الغد لمراجعتها ” فيما أشار عضو آخر إلي أن مهددات التصحر وحاجة السودان لمشروعات زراعية تدعو السودان لطلب مراجعة هذه الإتفاقية , كما أشارت الصحيفة إلي رد وزير الري السوداني علي ذلك بقوله ” أن السودان لا يتوقع إيجاد مياه نيلية كافية لري كل الأراضي الزراعية فيه ” , وأشارت الصحيفة أخيراً إلي أن لجنة الزراعة بالبرلمان السوداني إقترحت زيادة منسوب بعض السدود مع أساليب أخري . *(صحيفة Khaleej Times في عددها بتاريخ 24 أكتوبر 2004)

هذا فيما يتعلق برؤية السودان لقضية مياه النيل في إطار مصري / سوداني , أما في الإطار الثلاثي الذي يضم إثيوبيا والذي تكون بعد إعلان إثيوبيا في 31 مارس 2011 عن شروعها في إقامة سد النهضة فقد ظل موقف السودان الرسمي مُساند لوجهة النظر المصرية التي رأت في إقامته بالمواصفات التي يجري العمل بها ضرراً علي مصالحها ومصالح السودان المائية , لكن وفي تطور مفاجئ وقبل نهاية عام 2013  تحول الموقف السوداني وعلي أعلي مستوي إلي دعم وتأييد  إقامة إثيوبيا لسد النهضة علي النيل الأزرق , فوفقاً لما ورد في خطاب جماهيري للرئيس السوداني عمر البشير  في 4 ديسمبر 2014 بمناسبة تدشينه ورئيس الوزراء الإثيوبي لشبكة الربط الكهربائي بين البلدين بولاية القضارف المُتاخمة للحدود مع إثيوبيا أشار إلي ” أن السودان تدعم إقامة هذا السد لأنها ستحظي بنصيب كبير من الكهرباء المُولدة من السد ” وأوضح  قائلاً ” ساندنا سد النهضة لقناعتنا الراسخة أن فيه فائدة لكل الإقليم بما فيها مصر وسنعمل عبر اللجنة الثلاثية الدولية لتقييم سد النهضة يداً بيد لما فيه مصلحة شعوب المنطقة ” وفي إشارة لها أكثر من مدلول قال” نحن أصلاً شعب واحد والسودان هو جزء من الحبشة الكبري التي كانت تضم الصومال وإرتريا وجيبوتي وإثيوبيا لكن الحدود التي وضعها المُستعمر هي التي فرقتنا ” , ويُعد هذا التصريح من رأس الدولة قاعدة أو الإطار الذي تقع داخل مساحته مواقف الوفد السوداني في كل جولات التفاوض الثلاثية الوزارية والفنية والجولات التساعية التي شُكلت مُؤخراً إذ أن هناك فريق من خبراء الري بالسودان لا يتفق مع وجهة النظر السودانية المُعلنة بشأن آثار سد النهضة فالموقف في أغلبه مبني علي أساس سياسي , علي كل حال فقد سارعت مصر بالتحفظ علي ما ذهب إليه الرئيس السوداني في تصريحه المُشار إليه من أن لسد النهضة فوائد للسودان ومصر والمنطقة وقد نقلت صحيفة الشرق الأوسط السعودية الصادرة بلندن في ديسمبر 2013 بالإحالة علي مصدر مسئول بوزارة الري المصرية  قوله ” إن الرئيس البشير تحدث عن إيجابيات السد مُتجاهلاً السلبيات وتأثير السد علي حصة مصر من مياه النيل ” , ولقد ظل الموقف السوداني داعماً لوجهة النظر الإثيوبية في كل الإجتماعات الوزارية الثلاثية والتسعية وإجتماعات الخبراء ,  هذه الإجتماعات التي كانت وستظل أداة لإستهلاك الوقت فيما سد النهضة يجري العمل علي إنجازه علي قدم وساق حتي وصلت نسبة إنجازه 64% أو أكثر , فالبيانات الإثيوبية مُضللة لأن المشروع يُدار وكأنه ميدان حرب مع مصر التي تساعد من يضلولنها علي الإستمرار في تضليلها حتي تُعفي نفسها من الثأر … وأنا أعني هذه الكلمة لأن سد النهضة وأكررها مرة أخري ليس مشروعاً مائياً فحسب بل هو “جريمة ضد الإنسانية” , ومن غير المفهوم الإستمرار في تحركات دبلوماسية مجردة عن سلاح ماض آخر يُساند هذا التحرك , إذ لا يمكنك أن تكسب حرب وعدوك لا يخشاك , فالتحركات الدبلوماسية المجردة تفتح شهية المعتدي الذي إستظل بالإجتماعات الثلاثية والتساعية العقيمة التي تجري منذ 4 سنوات وأكثر وتؤجل حتي يجري الإتفاق علي إستئنافها ثانية وهكذا .

لم يتوقف تفكك أجزاء العلاقات الثنائية بين مصر والسودان علي ما تقدمت الإشارة إليه , فقد وصل الأمر إلي حد إعلان الرئيس البشير في مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس الوزراء الإثيوبي هايلي ماريام ديسالين بثته وكالة الأنباء السودانية في 4 أبريل 2017 أشار فيه إلي ” إنه لا سقف للتعاون بيننا في المجال الأمني إذ إن أمن أثيوبيا هو أمن السودان , وأمن السودان هو أمن أثيوبيا ” , وهو ما أمن رئيس الوزراء الأثيوبي ديسالين عليه بقوله ” إن ما يمس أثيوبيا ينعكس على السودان ، وإن ما يمس السودان ينعكس على إثيوبيا , لذلك فإن البلدين مصممان على التعاون الوثيق في هذه المجالات كلها ” , هذا الإعلان من جانب الرئيس السوداني يعني بكل وضوح إنكاره وحدة الأمن القومي المصري / السوداني وما يتأسس أو تأسس علي هذه الوحدة من مصالح ومواقف , ومن ثم فهناك أزمة بالفعل فيما يتعلق بقضية وحدة الأمن القومي لمصر والسودان بعد هذا التصريح الخطير من الرئيس السوداني , ومن ثم فجزء من جهد مصر لحل الأزمة مع السودان يجب أن يُوجه إلي إستعادة المفهوم المشترك لنظريتي الأمن القومي للبلدين , وهو أمر أستبعده لأسباب مختلفة وتراكمية , ومع ذلك أشير إلي أن ذلك هو السبيل الأنسب لحل أزمتي حلايب ومياه النيل وهو طريق صعب تعرض لتدمير مُتبادل منذ عام 1991 .

تتذرع مصر بصبر تجاوز حده الأقصي فيما يتعلق بالمفاوضات الكرتونية الجارية بشأن أزمة سد النهضة والتي تطور مستوي تشكيلها من المستوي الثلاثي إلي المستوي الثساعي الذي يضم وزراء الخارجية والري ورؤساء أجهزة مخابرات الدول الثلاث , لكن تعثر وتسويف وعقم جولات التفاوض علي هذه المستويات أخرج مصر أحياناً عن صبرها , فقد أعرب وزير الخارجية المصري في تصريح له نُشر في 20 أبريل 2018 عن أسفه من تجاهل إثيوبيا والسودان لدعوة وجهتها مصر إليهما لعقد إجتماع آخر بشأن أزمة سد النهضة وقال ” إن بلادي أسفت لفشلهما (أي إثيوبيا والسودان) في الإستجابة في لعقد الإجتماع وفقاً لما هو مُخطط في 20 أبريل 2018 ” وأردف قائلاً ” إن ضياع مزيد من الوقت سيجعل الأمر أكثر صعوبة في الوصول لحل لهذه المشاكل الفنية , فلقد تجاوزنا 15 يوماً ” ثم علق علي موقفهما فقال” بالرغم من كل جهود مصر فنحن لا نري جهد مُتبادل من الجانب الآخر… لهذا فسوف ننتظر حتي  يُظهر شركاؤنا رغبة لطرح الموضوع مرة أخري ” , أي أن مصر قررت تعليق الوصول إلي حل للأزمة علي رغبة هؤلاء , علماً بأن مصر أعلنت في حينه عن فشل الإجتماع الوزاري الثلاثي الذي عُقد بالخرطوم في مُستهل أبريل 2018 , ثم عقب تصريحات أدلي بها وزير الخارجية المصري ألقي فيها باللائمة علي السودان وإثيوبيا في فشل إجتماع فني شمل حضور وزراء وخبراء الري والموارد المائية للدول الثلاث بأديس أبابا في 5 مايو 2018 , ونوقشت فيه إختلافاتهم بشأن تقرير بيت الخبرة الإستشاري الفرنسي بشأن سد النهضة وتأثيره علي مصر , عقب ذلك صدر بيان عن وزارة الري السودانية في 9 مايو 2018 تضمن الإعراب عن أسف السودان لتصريحات وزير الخارجية المصري تلك , وبيان أن هدف إجتماع أديس أبابا الوحيد هو الاتفاق على منهجية لرفع الاستفسارات إلى الاستشاري في تقريره التمهيدي وأشير في البيان إلى أن الاجتماع إنتهي في جو إيجابي بعد أن قدم السودان اقتراحا متكاملا للتوصل إلى اتفاق وأن الدول الثلاث قبلت النظر في الاقتراح والرد في غضون أسبوع على ما إذا كان سيتم تبنيه أم لا كوسيلة للتغلب على الطريق المسدود  , ووفقاً لهذا البيان أيضاً فقد جدد السودان   الإنتباه إلي موقفه الواضح من سد النهضة ، مشدداً على ” الإيمان العميق بأن المعرفة العلمية المستنيرة والتعاون المخلص واحترام الآخرين هو الطريقة الوحيدة للتغلب على كل التحديات”المتعلقة بالسد .  *(Sudan Tribune  . 10 مايو 2018)

3-  التوقيت المُتأخر للتحرك المصري :

في الواقع فإن هناك أسباب مختلفة وراء التوقيت المُتاخر للتحرك المصري لمواجهة فرض إثيوبيا لواقع ما بعد سد النهضة وفقاً لتصميمه الفني الذي تعترض عليه مصر , ومن بين هذه الأسباب الظروف التي أحاطت بتوقيت الإعلان الإثيوبي في 31 مارس 2011 عن الشروع في إقامة السد , فقد تزامن هذا الإعلان مع الفوضي السياسية التي سادت مصر بعد ثورة 25 يناير مباشرة , بين المؤسسة العسكرية والقوي السياسية المختلفة وبالتحديد القوة السياسية الوحيدة المُنظمة , ولإن نظام مبارك لم يترك فرصة لنمو أشجار الديموقراطية في مصر لثلاثين عاماً  , لذلك لم تكن القوي السياسية المصرية بلا إستثناء مُدربة علي التعامل مع المؤسسة العسكرية المصرية ولا هي مُدركة بشكل كاف أنها قد شغلت منذ 23 يوليو 1952 الحيز السياسي المصري بالكامل وليس لديها إستعداد لتركه لآخرين تري أنهم غير راشدين وطنياً أو علي الأقل لا يستحقون حمل تبعة وطن , المهم أن المؤسسة العسكرية وجهازي المخابرات المصريين لم يكن في مكنتيهما الإبتعاد عن الإهتمامات الوقتية الظرفية للمؤسسة العسكرية التي كان هدفها الوحيد “إنقاذ مصر” من المُتربصين بها , ولم تدخل إثيوبيا في هذا التصنيف تصنيف المُترصين بمصر مع إنها أول وأخطر المُتربصين بأمن مصر القومي شأنها شأن إسرائيل التي كان جهاز مخابراتها “الموساد” بالقطع علي علم تام وتفصيلي بإقامة إثيوبيا لسد النهضة وهو في مرحلة ” النية ”  أو ” التخطيط “, ولذلك لا أعتقد أن مصر فوجئت بالإعلان الإثيوبي فلدي مصر عيون في إثيوبيا وفي السودان يمكنها إمداد القاهرة بالمعلومات عن السد وهو في مرحلة ” النية ” أيضاً , لكن من يتتبع سياسة نظام مبارك خلال 30 عاماً يدرك الإجابة علي هذا التقصير الفاضح , فالسبب أن نظام مبارك نظام غير مُستعد للمواجهات أيا كانت وهو نظام يميل إلي الثبات لدرجة السكون وربما قبول الخضوع علي المغامرة أو المخاطرة ثم أنه نظام كانت الأغلبية الكاسحة من المناصب القيادية فيه يتولاها من سدد فاتورة الولاء أو أنه مُرتبط بشبكة العائلات التي كانت تخدم هيكل العبودية لنظام ميزته الوحيدة أنه قادر علي البقاء ولو ذليلاً , والإستثناء الوحيد الذي كان يكسر فيه نظام مبارك قاعدة البعد عن المواجهات هو الشعب المصري نفسه فهذا الشعب هو مسرح المواجهة الوحيد ولم تكن المواجهات مع الشعب مُستمرة أو علي وتيرة واحدة بل كانت مواجهات مُدارة عن بعد حتي لا تصل لحالة الإصطدام كتلك التي حدثت في 25 يناير 2011 ولم يستطع هذا النظام المُتبلد فتبلده وثقته الزائدة التي ضلل بها الشعب بلغت درجة جعلت من إحساسه بخطورة الموقف بطيئاً ومُتقطعاً , وترجم هذا النظام طول مدة بقاءه بأنها بسبب قوته وليس بسبب ضلاله وتضليله , مع إن العكس هو الصحيح فجذوره لطول المدة تعفنت لأنها كانت تروي بفيض من دموع ودم والعمر الضائع للشعب المصري , ولأنه فيض فقد تعفنت الجذور من غزارة ريها بكل ذلك , المهم أن إثيوبيا إختارت توقيتاً كانت مصر فيه ثائرة ليس فقط علي نظام كانت مصر غير جديرة به , بل أيضاً ثائرة علي نفسها حتي تلد جيلاً غير جيل يوليو 1952 وجيل أكتوبر 1981 (جيل زمن مبارك) , وبالتالي فقد إنخرطت المؤسسة العسكرية المصرية في تأمين قبضتها علي السلطة في مصر تلك السلطة التي ظلت في قبضتها منذ يوليو 1952 بالرغم من الهزائم المُدمرة التي لحقت بمصر في أكتوبر 1956 حين إجتاح أحدث جيوش الشرق الأوسط سيناء فإحتلها في وقت وجيز جداً , كذلك هزيمة يونيو 1967 عندما إجتاح نفس هذا الجيش المُعادي سيناء فأحتلها في ساعات قليلة فيما الإذاعة المصرية تغدر بضمير الشعب المصرية وتعلمه بأن “قواتنا” علي أبواب تل أبيب , كان من الممكن أن تشكل أي من الهزيمتين توقيتاً مناسباً لتسليم السلطة للشعب وغرس أشجار الديموقراطية …. لم يحدث …. , ولذلك هناك إرتباط بين الهشاشة السياسية في مصر منذ 1952 و نجاح دولة أضعف كثيراً من مصر بمعيار ” القوة الشاملة للدولة ” في فرض واقع مائي مُهين علي مصر , وفي الحقيقة , لن يقف الأثر السلبي لفرض إثيوبيا لهذا الواقع المهين علي الأمن المائي لمصر بل سيمتد ليصل إلي “مكانة مصر ”  كدولة في الإقليم وفي العالم ولهذا في إعتقادي أن هناك دولتين إحداهما في إقليم الشرق الأوسط وهي إسرائيل , وأخري في إقليم حوض النيل وهي إثيوبيا إستفادتا بأقصي ما أمكنهما الإستفادة من إفتقاد مصر للديموقراطية الحقة ” فحق علي مصر قوله سبحانه وتعالي في سورة الإسراء ” فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا ” (5) .

هناك ثمة سبب آخر في وصف هذا التحرك ” بالمُتأخر” وهو أن مصر لم تكن بحاجة للتحرك الحالي والذي يُوصم بأنه ” مُتأخر” لو أنها بدأته وأستمرت فيه وعلي أصعدة مختلفة منذ مرحلة إعداد إثيوبيا وأوغندا لما يُسمي بإتفاقية الإطار التعاوني لحوض النيل التي التي وقعت عليها خمس دول حتى الآن من دول حوض النيل هي إثيوبيا وأوغندا ورواندا وتنزانيا وكينيا ثم وقعته بوروندي في 28فبراير 2011 ثم صادق عليه برلمانها كما فعلت إثيوبيا وأوغندا وتنزانيا (أي بعد ثورة يناير 2011) وأصبح عدد الدول المُوقعة 6 دول بما يعني وفقاً لما صرح به دانيال ميبوما المتحدث الإقليمى باسم مبادرة حوض النيل ومقرها فى عنتيبى بأنه ” … وبعد توقيع بوروندي للإتفاق الإطاري في الأول من مارس 2011 بات من الممكن أن تدخل الإتفاقية الإطارية حيز التنفيذ ” , مضيفا ” أنه وبموجب القانون الدولى السارى كان لابد من أن توقيع ست من الدول الأطراف على الإتفاقية حتي تكون نافذة وهو ما حدث بالفعل ” وهو ما يُضيف صعوبة أمام التحرك المصري الحالي فهناك 4 دول زارها الرئيس وزير الخارجية المصريين هي بوروندي ورواندا وأوغندا وتنزانيا , وقعت بالفعل بل وصادقت برلمانتها علي الإتفاق الإطاري للتعاون بين دول حوض النيل ” إتفاق عنتيبي” الذي مازالت مصر والسودان مُعترضتين عليه للآن مما يمثل حائط مانع للتفاهم بين مصر وهذه الدول لأنها تبنت وصادقت برلمانتها عليه فأصبح بالتالي جزءاً من تشريعاتها الوطنية , فهذا الإتفاق الإطاري يمثل رؤية رسمية تبنتها بالفعل هذه الدول بشأن حقوقها في مياه النيل وهو من ثم ليس مجرد وجهة نظر قابلة للمراجعة , ومما زاد من صعوبة وتناقض الموقف المصري توقيع الرئيس المصري بالخرطوم في 23 مارس 2015علي ما يُسمي بوثيقة إعلان المبادئ بشأن سد النهضة والتي وُقعها  رؤساء دول حوض النيل الشرقي أي إثيوبيا والسودان ومصر (فيما عدا جنوب السودان التي يبدو وأنها تحتفظ بموقف يبعد أكثر عن الموقف المصري وقليلاً عن الموقف السودان لكنه بالقطع يتماس مع مواقف الدول النيلية الأخري) , وفي تقديري أن الرئيس المخلوع مبارك هو المُتسبب الرئيسي في توقيع الرئيس الحالي لوثيقة سد النهضة فمكانة مصر تم تدمير معظمها في عهد مبارك وقضية مياه النيل وعلاقات مصر الإفريقية في إطار أوسع اهملها هذا النظام غير المُتفرغ لإدارة دولة بمعيار الحكم الصالح Good Governance بل بالأدوات الأمنية والخداع الجماهيري عن طريق إعلام ضال , ولهذا وجد النظام الحالي نفسه في مركز لا يُحسد عليه فست دول بحوض النيل وقعت الإتفاق الإطاري , كما أن المصادر الحكومية الإثيوبية بالإضافة إلي ذلك تشير إلي أن وزير الإستثمار المصري أرسل خطاباً للبنك الدولي عام 2008 بالنيابة عن دول حوض النيل الشرقي الثلاث يطلب فيها تقديم البنك الدولي للعون التمويلي من قبل المانحين لتمويل أول مشروع هيدروليكي كبير إقليمي بمنطقة Abbai Gorge علي النيل الأزرق , وبناء عليه وضع البنك الدولي من خلال لجنة مستقلة شاركت مصر فيها دراسة أكدت جدوي إقامة المشروع ( الذي سُمي فيما بعد بسد النهضة أو سد الألفية) في إطار مبدأ ” الكل رابح” أو Win – Win والذي تستفيد من الكهرباء المُولدة عنه الدول الثلاث بل والجزيرة العربية , لكن توقيع وثيقة سد النهضة أضافت بعداً جديداً لرؤية مصر للإتفاق الإطاري الذي دأبت مصر والسودان علي رفضه ذلك أن  وثيقة إعلان المبادئ الثلاثية بشأن سد النهضة المُشار إليها ذات علاقة  بالنص الإثيوبي الذي كانت مصر والسودان يرفضانه للإتفاق الإطاري الموقع من 7 دول نيلية فهي وإن كان عنوانها التعاون كالإتفاق الإطاري إلا أنها أي وثيقة سد النهضة لم تحسم من خلال تعهد ما مسألة الإضرار بحصة مصر من مياه النيل وفقاً للمواثيق الدولية وأهمها المادة السابعة من معاهدة الأمم المتحدة لقانون الإستخدامات غير الملاحية للمجاري المائية الدولية لعام 1997 والذي أصبح سارياً في أبريل 2014 التي يشير نصها إلي ” عدم التسبب في ضرر بالغ من جهة دول الأحباس العليا لدول الأحباس السفلي ” , وربما كان في توقيع وثيقة إعلان المبادئ تلك نهاية صيغت بشكل يتسم بالعمومية لإيقاف وليس لإنهاء الصراع المصري الإثيوبي علي مياه النيل , فقد كانت الدبلوماسية المصرية تتحرك وحتي وقت قريب قبل توقيع هذه الوثيقة للتصدي لتحركات بعض دول حوض النيل لاسيما إثيوبيا لإخراج الخلاف مع مصر من الإطارين الثنائي ومبادرة الرؤية المشتركة التي تضم عشر دول أفريقية , إلي الإطارين الأفريقي والدولي  وهي تحركات رأتها مصر سلبية من وجهة نظرها ولذلك ظلت الدبلوماسية المصرية تتابع بإهتمام وقلق هذه التحركات التي كان من بينها  ما حدث أثناء المشاورات التي جرت خلال الدورة الرابعة والستين للجمعية العامة للأمم المتحدة في شأن المشروع الذي تقدمت به بوليفيا حول “الحق في المياه والمرافق الصحية ” , وفي إعتقادي أن توقيع إثيوبيا علي وثيقة سد النهضة لا يجعلنا نحيد عن حقيقة مفادها أن تعهدات إثيوبيا لا تحترمها إثيوبيا نفسها , وأمامنا حالة معروفة للكافة فمحكمة العدل الدولية سلمت في 13 أبريل 2002حكمها لحكومتي أسمرا وأديس أبابا بشأن النزاع الإثيوبي / الإرتري علي منطقةBadme   الحدودية  , وعلي أي الأحوال إثيوبيا ماضية بعزم لا يتزعزع في إقامة هذا ولان الحكم كان مُلتبساً فقد فسره كل جانب علي هواه , وهو ما يمكن أن يتكرر في حالة وثيقة سد النهضة التي لا ترقي – من الوجهة القانونية – إلي مستوي الإتفاق فهي لم تُعرض علي برلمان بالدول الثلاث المُوقعة لذا إجراء شكلي أو دعائي في النهاية , لكن من الواضح أن موافقة مصر عام 2008 علي تمويل البنك الدولي للسد تعني أن من وقع خطاب موافقة مصر علي ترويج البنك للتمويل الخارجي لهذا السد فعل ذلك  بدون دراسة مُسبقة لا للسد وتصميمه الفني ولا للسلوك التاريخي لإثيوبيا في شأن مياه النيل مع مصر وهو سلبي ومراوغ للغاية , ولا لتداعيات ذلك علي الأمن القومي المصري الذي يوجب عند التعامل بشأنه توخي أقصي درجات الحيطة والحذر, ومما يثبت ذلك أن الإجتماعات الثلاثية والتساعية علي المستويين السياسي والفني لم تحقق نتيجة حاسمة ملموسة تجعل الأزمة منتهية أو في حكم المُنتهية , بل إن هذه الإجتماعات كانت عرضة لإعلان فشلها و / أو تسويفها , وكان التحرك المصري مع الدول المُشار إليها يجري وسط هذه الظروف .

كذلك أشير إلي علاقة التوقيت المُتأخر للتحرك الدبلوماسي المصري الحالي بإعلان مصر عن مشروع توشكي عام 1997 , ففي هذا التوقيت كان من المناسب أن يكون بداية مناسبة لتحرك ديبلوماسي مصري يشمل كل دول حوض النيل لتبرير تنفيذ مصر لهذا المشروع نظراً لإقتراب مصر من حد الشح المائي , لكن متخذ القرار السياسي بهذا المشروع كان يوجه حديثه للداخل المصري وأفتعل بواسطة أجهزة إعلامه ومسئوليه صخباً صاحب وأعقب إعلان مبارك ونظامه عن مشروع توشكي “القومي ” , والبدء فيه بإعتباره أحد المشروعات القومية الكبري التي شملت معه مشروعات ترعة السلام وشرق العوينات وشرق التفريعة وكوبري اسوان الدرع الواقية لجسم السد العالي لتحقيق توسع في مساحة 3,4 مليون فدان بتوشكي ومعه المشروعات الأخري في إطار الخطة المائية لمصر حتي عام 2017 , هذا الصخب كان يجمل بمصر ألا تتعمده فلا ضرورة له إذ أنه كان يعبر عن ضيق في أفق من يتولون القرار السياسي بمصر وذلك – في تقديري مرجعه – سببين (أولهما) أن المشروع ببساطة قائم علي فكرة الإستفادة من فائض مياه النيل جراء الفيضانات العالية وهي إستثنائية وكان الدافع إليه بل السبب من وراء تبنيه هو تخلي مصر بإذعانها لضغوط إسرائيل للتخلي عن المشروع القومي لتنمية سيناء الذي وضعته مصر إبان عهد الرئيس السادات الذي كان عازما علي تنفيذه وبقوة فحولت تمويله المرصود والجزء الأعظم منه كان إماراتي لمشروع توشكي غير المدروس , (ثانيهما) أن هذا الصخب مثل إستفزازاً لإثيوبيا علي نحو خاص وللسودان بدرجة أقل , فإثيوبيا – كما يعلم ويدرك خبراء الري في مصر – تتبني وجهة نظر عدائية وشديدة التباين عن  وجهة نظر مصر بشأن مياه النيل , فعلي حين تري إثيوبيا وفقاً لآراء مفكريها ومن بينهم مثلاً Wondimneh Tilahun وكان أستاذاً بجامعة أديس أبابا أورد في كتابه Egypt,s Imperial Aspirtions over lake tana and the Blue Nile , آراء تردد حق إثيوبيا المُطلق في مياه النيل , وهو ما تردد في تصريحات مسئوليها ومنهم وزير خارجيتها الذي قال ” ما من أحد عاقل يمكنه أن يُشكك في حق إثيوبيا الذي لا يُنازع في الإستفادة من مواردها الطبيعية لمصلحة جماهيرها المُناهضة … وتود إثيوبيا الثورية أن توضح بجلاء لا يقبل اللبس أن لها مُطلق الحرية وكامل الحق في إستخدام مواردها الطبيعية من أجل تقدم شعبها ” * ( أزمة مياه النيل . مجموعة من كبار لمفكرين المصريين منهم د . رشدي سعيد . دار الثقافة الجديدة . الطبعة الأولي 1988 . صفحة 72) , صحيح أنه حتي تسعينات القرن الماضي لم ينفذ الإثيوبيين شيئاً من المشروعات المُتمثلة في 36 سد وخزان التي إقترحها المكتب الأمريكي لإستصلاح الأراضي الزراعية في دراسته المسحية والتي إستغرقت الفترة من 1958 حتي 1964 , والإستثناء كان إكمال مشروع علي طول رافد فينشيا عام 1975 ويشمل نطاقاً مروياً ومحطة طاقة قدرتها 100 ميجاوات تعمل بمياه النيل , لكن كانت هناك نُذر تحرك إثيوبي أوسع مدي إذ وضعت إثيوبيا أمام مؤتمر الأمم المتحدة للبلاد الأقل نمواً قائمة لأربعين مشروع ري يقع بعضها علي حوضي النيل الأزرق والسوباط , وأعلن المسئولين الإثيوبيين وفتذاك أنه في حالة عدم توفر إتفاق مع جيرانهم بأدني نهر النيل ( مصر والسودان) فإنهم سيحتفظون بحقهم في تنفيذ مشروعاتهم من جانب واحد * ( المرجع السابق . صفحة 22) , إذن الموقف الإثيوبي المُتبع في حالة إقامة سد النهضة ليس بالمفاجأة بل هو متوقع جداً , وكان حرياً بمصر الضغط علي إثيوبيا من خلال وضع إستراتيجية قابلة للتنفيذ للعلاقات وليس للتحرك مع أفريقيا وتنفيذها بما يتوفر لديها من تمويل بل وجذب تمويلات عربية (التي ذهبت عمداً بإتجاه إثيوبيا دعماً لسد النهضة من دول عربية تستمد وجودها من مجرد طبعها علي خرائط ورقية أو كرتونية) .

إكتفت مصر بسياسة أفريقية ينهض بالقسم الأعظم منها سفاراتها المُنتشرة بأفريقيا وكثير منها يعمل في ظل سياسة تقشف إنفاقي وبإمكانيات محدودة , وقلما كان وزراء الخارجية ووزراء المجالات الفنية كالزراعة والطاقة والبترول والري …. ألخ المصريون يتوجهون للقيام بزيارات رسمية في إطار علاقات ثنائية للدول الأفريقية , وهو ما طالبت به في حينه كثيراً بلا صدي , وكانت زيارت قليلة جداً لهؤلاء لهذه الدول تتم في إطار مناسبات كحضور مؤتمر تحت رعاية الإتحاد الأفريقي أو الأمم المتحدة , وصحيح أن الخارجية المصرية كانت تميل إلي تكثيف التحرك علي محور حوض النيل وكان وزير الخارجية أحمد أبو الغيط مُتنبهاً لجدوي الإتصالات المباشرة مع نظراءه من خلال زيارات قليلة جداً يقوم بها لأفريقيا بسبب أن القيادة السياسية إبان عهد مبارك فضلت ” النظام البريدي ” عن الإتصالات المباشرة في التعامل مع هذه القضية (التي تطورت بإقامة سد النهضة لتكون أزمة) بمعني الإكتفاء بإرسال خطابات رسمية أو شفهية عن طريق السفارة المصرية في هذه الدولة النيلية أو تلك .

4- إختلاف مواقف الدول التي شملها التحرك المصري عن موقف مصر من قضية مياه النيل :

شمل التحرك المصري دول حوض النيل الإستوائي إضافة لجنوب السودان , وهذه الدول هي بوروندي ورواندا وأوغندا وتنزانيا وكينيا وهي دول وقعت الإتفاق الإطاري للتعاون بين دول حوض النيل الذي مازالت ترفض مصر توقيعه لإعتراضها منذ المراحل الأولي لوضعه عام 2000 حين عهد مجلس وزراء دول حوض النيل في إجتماعه العادي الثامن بالخرطوم في أغسطس 2000 عملية إعداد مشروع هذا الإتفاق إلي لجنة شُكلت من عضوين من كل دولة وفي فبراير 2002 أقر المجلس الوزاري تشكيل لجنة تفاوضية من دول الحوض التسع للتفاوض معاً  بشأن المواد التي لم يتم الإتفاق الجماعي عليها من أجل الوصول إلي صيغة يتوافقون عليه , وبالفعل شُكلت اللجنة عام 2003 وبدأت عملها من أديس أبابا في ديسمبر 2003 , وبعد عدة إجتماعات تالية تم الإتفاق علي معظم هذه المواد , إلا أنه تبقت مادتان لم يُحسما واحدة تتعلق بعلاقة الإتفاق الأإطاري بالإتفاقيات السابقة بشأن مياه النيل كإتفاق الإنتفاع الكامل بمياه النيل المُوقع عام 1959 بين مصر والسودان وإتفاق 1929 بين مصر وبريطانيا وأصرت مصر والسودان علي ألا يعني توقيعهما للإتفاق الإطاري إنكار إتفاق 1959 وإتفاق  1929, والثانية تتعلق بالإخطار المُسبق عن المشروعات التي تخطط أي من دول الحوض تنفيذها , وقد كان للبنك الدولي دور في عملية التفاوض الجارية إذ أنه تقدم في الإجتماع الوزاري غير العادي في مارس 2006 بإثيوبيا بمقترح تحت عنوان” الأمن المائي” بدلاً من التعريف بالإتفاقيات القائمة , لكن لم تتمكن الدول من التوصل لتوافق في هذا , فقد أصرت مصر علي تضمين “الأمن المائي” شرط عدم المساس بالإستخدامات والحقوق الحالية والتاريخية , وفي إجتماع بوجمبورا عام 2006 تقدم الوفدين المصري والسوداني بمقترحين للمادتين وقبلته دول المنابع لكن إثيوبيا تحفظت علي النصين , وأعقب ذلك تراجه كل دول المنبع عن موافقاتأعقب ذلك تراجع كل دول المنبع عن مةوافقتها السابقةأع في إجتماع المجلس الوزاري لدول الحوض في رواندا في فبراير 2007 أعلنت كل دول المنبع عن تراجعها عن موافقتها السابقة بدفع إثيوبي وأنسحب وفدي مصر والسودان من هذا الإجتماع وشكلت لجنة رباعية للبحث عن  صيغة توافقة إلا أنها لم تحرز نتيجة , وفي إجتماعه بأوغندا في يونيو 2007 أحالو نقطة الخلاف الرئيسية المُتعلقة بالأمن المائي لرؤساء الدول للوصول لتسوية بشأنها و أما بند الإخطار المُسبق فقد إهتدوا لمخرج مطاط له , إذ اُتفق علي أن تقوم مفوضية دول حوض النيل المنصوص عليها بالإتفاق الإطاري وبعد إنشاءها بإقتراح خطوات وإجراءات الإتفاق الإخطار المُسبق , وفي الإجتماع الوزاري بكنشاسا في 2009 ضغطت دول المنبع بتنسيق مُسبق علي دولتي المصب لتوقيع الإتفاق الأإطاري بالتوازي مع إعلانها في الإجتماع علي أنه ستعد صياغة توافقية لبند الأمن المائي في مدي 6 أشهر من تاريخ إنشاء المفوضية , لكن مصر أصرت علي موقفها بعدم الموافقة علي صيغة مشروع الإتفاق الإطاري وكانت مصر تري :

  • عدم تعديل مواد الإتفاق الإطاري المؤثرة إلا من خلال توافق بين دول الحوض أو بالأغلبية التي يجب أن يكون منها مصر والسودان .
  • لابد من بند مُتعلق بالأمن المائي يؤكد الحفاظ علي الحقوق والإستخدامات الحالية لكل دول الحوض .
  • لابد من أن يتضمن الإتفاق الإطاري الخطوات والإجراءات المُتعلقة بالإخطار المُسبق .

ظل التباين في المواقف كما هو في إجتماعات جرت في الأسكندرية في يونيو 2009 ثم اوغندا في سبتمبر 2009 وبعدها تنزانيا في ديسمبر 2009 وفي كل هذه الإجتماعات تمسكت مصر بقرارات إجتماع كينشاسا التي تراجعت عنها دول الحوض عدا السودان الذي كان يُنسق موقفه مع مصر .

رأت مصر أن تستغل ما صدر عن إجتماع كينشاسا لتعاود الكرة فقام وفد عن الخارجية والري المصري بزيارة لأوغندا وورواندا وبوروندي والكونجو الديموقراطية وإثيوبيا لتقديم نص توافيق للمواد الثلاث الخلافية , وهو النص الذي رُفض في الإجتماع الوزاري بدار السلام من قبل كل دول المنابع , بل وصل الأمر إلي أن تنزانيا وكينيا إعتذرتا عن إستقبال الوفد المُشار إليه , وبذلك وصلت المفاوضات لطرق مسدود فأرسل مصر والسودان رسالتين رئاسيتين لرؤساء دول حوض النيل في مارس 2010 لكنها تضمنت مسألة أخري تتعلق إقتراحاً بإصدار إعلان رئاسي بشأن إقامة مفوضية تتولي إقامة مشروعات مُشتركة والحصول علي تمويلات لها ( وهي خطوة الإتفاق عليها في إجتماع ثلاثي بمقر البنك المركزي المصري القاهرة في 3 و4 يوليو 2018ضم إثيوبيا والسودان ومصر نُوثش فيه إنشاء صندوق مُشترك للإستثمار وتمويل مشروعات تتعلق بسد النهضة الإثيوبي) .

عُقد إجتماع وزاري لدول حوض النيل بشرم الشيخ في 13 أبريل 2010 وكان إجتماعاً في غاية السلبية إذ تبنت فيه تنزانيا ( بالتنسيق مع إثيوبيا وأوغندا) موقفاً مُتطوراً وهجومياً حيث دعت إلي فتح باب التوقيع علي مشروع الإتفاقية الإطارية بدءاً من 14 مايو 2010 ,  وكررت مصر والسودان رفضهما , لكن كل من إثيوبيا وتنزانيا وأوغندا ورواندا بالتوقيع علي الإتفاق الإطاري وبعدهم وقعت كينيا ووقعت بوروندي ليصبح عدد من وقعوا عليها 6 دول فيما لم توقع مصر والسودان وجنوب السودان والكونجو الديموقراطية حتي الآن , وبعد إعلان إثيوبيا في أبريل 2011 عن إقامتها لسد النهضة تداخلت قضية عدم توقيع مصر علي الإتفاق الإطاري مع أزمة سد النهضة والذي كان ببساطة تطبيقاً لإنكار إثيوبيا ومعها الدول المُوقعة مبدأ الإخطار المُسبق والذي تصر مصر والسودان علي تضمينه داخل بند ” الأمن المائي ” , وتري مصر والسودان أن  الإتفاق الإطاري حتي مع توقيع 6 دول نيلية عليه من مجموع 10 دول لا لم يكتمل بعد نظراً لعدم الإتفاق علي نص توافقي للمادة (14 ب) , كما أن مصر تري أنه في ضوء القواعد الإجرائية التي كانت تحكم التفاوض والتي إتفقت عليها الدول المفاوضة ومن بينها ” قاعدة توافق الآراء ” وليس ” قاعدة الأغلبية” لتبني القرارات (مادة 6 من الإتفاق الإطاري) , فبالتالي لا يصح ما قاله دانيال ميبوما المتحدث الإقليمى باسم مبادرة حوض النيل ومقرها فى عنتيبى من أنه ” … وبعد توقيع بوروندي للإتفاق الإطاري في الأول من مارس 2011 بات من الممكن أن تدخل الإتفاقية الإطارية حيز التنفيذ ” , و” أنه وبموجب القانون الدولى السارى كان لابد من أن توقيع ست من الدول الأطراف على الإتفاقية حتي تكون نافذة وهو ما حدث بالفعل ”  .

هذا هو التباين في إطاره العريض بين مصر ودول حوض النيل التي شملها التحرك الدبلوماسي المصري الأخير وهو التباين الذي يظلل مساحة تقع في خلفية المفاوضات الثلاثية والتساعية الوزراية وعلي مستوي الخبراء بشأن حل أزمة سد النهضة , ويمكن في هذا الإطار الواضح لهذا التباين , الإشارة بإيجاز شديد لبعض المواقف لهذه الدول كما يلي :

السودان : يؤيد السودان وجهة النظر المصرية بشأن التحفظ علي الإتفاق الإطاري وبالتحديد التحفظ علي المادة(14 باء منه)  وبالتالي عدم التوقيع عليه , لكن نفس الوقت يدعم السودان الموقف الإثيوبي من سد النهضة وفقاً للمواصفات التي تعترض عليها مصر (حجم وفترة ملأص خزان السد) والسد يعتبر بشكل أو بآخر أحد تطبيقات نصوص الإتفاق الإطاري الذي تتحفظ نفسها عليه , ويعتبر السودان أحد الدول النيلية المُستفيدة من الطاقة الكهربائية التي سيُولدها السد وتبلغ 6000 ميجاوات حيث سيستورد جزءاً منها وفقاً لإتفاق مع إثيوبيا .

جنوب السودان : صرح وزير المياه والري لجنوب السودان Paul Mayom Akech لمحطة إذاعية محلية بجنوب السودان في 20 مارس 2013 بأن جنوب السودان لا تعترف وتؤكد أنها لن تعترف بمضمون إتفاق 1929 بين مصر وبريطانيا , فقد كنا ضمن السودان آنئذ وليس لنا كلمة في هذا الشأن , واليوم نقول , ليس لنا صلة بهذا الإتفاق ” وأضاف ” لقد إنضممنا إلي مبادرة دول حوض النيل وأمامنا طريق طويل للإنضمام للإتفاق الإطاري للتعاون ” ثم قال ” إن مصر والسودان والكونجو الديموقراطية رفضوا التصديق(يقصد التوقيع) علي هذا الإتفاق لأسباب ترجع إلي مخالفة هذه الإتفاق لإتفاق 1959″ . وبناء علي هذا التصريح المُبكر الذي صدر بعد عامين من إعلان دولة جنوب السودان فإن الموقف المتوقع لجنوب السودان هو الإنضمام للإتفاق الإطاري التعاوني لدول حوض النيل Cooperative Framework Agreement إن عاجلاً أو آجلاً في ضوء عدم إعتراف جنوب السودان بإتفاق الإنتفاع الكامل بمياه النيل المُوقع بين مصر والسودان في 8 نوفمبر 1959 والذي يعد سبباً رئيسيا تبرر به مصر والسودان رفضهما للإتفاق الإطاري , بالإضافة إلي أن دعم مصر سياسياً وعسكرياً لنظام الرئيس Salva Kiir Mayardit في الحرب الأهلية الدائرة مع خصومه منذ 15 ديسمبر 2013 وللآن تمنعه من إتخاذ خطوة لا ضرورة لها الآن , لكن هذه الخطوة حتمية , لأن البنك الدولي كان داعماً لمبادرة الرؤية المُشتركة لدول حوض النيل التي تضمنت وضع إتفاق الإطاري التعاوني CFA , وسيتيح هذا الإنضمام المتوقع دعم البنك الدولي لمشروعات الري بجنوب السودان لاحقاً .

رواندا : صادقت الجمعية الوطنية الرواندية علي الإتفاق الإطاري للتعاون وأصبح هذا الإتفاق بذلك جزءاً من قوانينها الوطنية , وبالتالي فرواندا مُلتزمة بهذا الإتفاق الذي تشير أحد مواده إلي أن من حق دول حوض النيل أن تقيم مشروعاتها علي النهر دون حاجة لموافقة دولتي المصب مثر والسودان , وبذلك فبينها وبين مواقف إثيوبيا وأوغندا وتنزانيا وكينيا قاسماً مُشتركاً كبيراً في رؤيتهم جميعاً لقضية مياه النيل من خلال إرتباطهم جميعاً بنص الإتفاق الأإطاري للتعاون , يُضاف إلي ذلك أن العلاقات الرواندية / التنزانية قد عادت لطبيعتها بغد فترة طويلة من التوتر بعد الزيارة التي قام الرئيس التنزاني Jakaya Mrisho Kikwete لرواندا لحضور القمة التاسعة لمشروعات تكامل الممر الشمالي Northern Corridor Integration Projects , هذا وقد صرح Vincent Biruta وزير البيئ الرواندي بأن ” التعاون بين دول حوض النيل ليس جياراً بل إنه ضرورة حتمية لضمان الأمن المائي للمنطقة , وأن التعاون يعد حالياً أقل تكلفة , والحل الناجع الوحيد للتحديات ذات الصلة بالمياه , والمنطقة تتصارع اليوم , وبينما تعيش الشعوب داخل حدود مُحددة , لفإن المياه لا تعرف مثل هذه الحدود الوهمية ” *  (NEW VISION  . 2 نوفمبر 2017)  .

أشار وزير الأراضي والبيئة الرواندي في كلمة ألقاها بمناسبة الإحتفال بيوم النيل بمدينة Goma بشرقي جمهورية الكونجو الديموقراطية في 21 – 22 فبراير 2011 إلي ضرورة التوقيع والتصديق علي الإتفاق الإطاري للتعاون بين دول حوض النيل لما يمثله من حماية ووقاية لمستقبل دول الحوض بإعتباره ملاذاً مُشتركاً ” .

بوروندي: بمناسبة مشاركته في قمة رؤساء دول حوض النيل ممُثلاً للرئيس في Kampala في 22 يونيو 2017 أدلي Joseph Butore النائب الثاني لرئيس بوروندي بتصريح قبل مغادرته العاصمة البوروندية  أشار إلي ” أنه لطالما كان  نهر النيل مهم , وأن النقطة الأولي منه تغادر بوروندي وتتجه نحو مصر عابرة بلاد عدة , ولذلك من الضروري أن تتمكن الدول التي يمر فيها النهر من الإلتقاء معاً من أجل تبادل وجهات النظر والتحدث للإتفاق علي الطريقة التي تُستخدم بها مياه نهر النيل , وكيفية استخدام التنوع البيولوجي لحوض النيل في مصلحة الجميع ، أي تجنب المشاريع التي قد تكون ضارة بالنسبة لجار قريب أو بعيد ، أو بالأحرى كما تعتقد بوروندي لصالح مشاريع أو برامج ذات أهمية إقليمية ” .* French.CHINA.ORG.CN) 22 يونيو 2017)

أوغندا : وضعت مع إثيوبيا ( بمشاركة غير مُعلنة من البنك الدولي) نص إتفاق التعاون الإطاريCFA  أو ما سُمي بإتفاق عنتيبي المُعلن في 2010 والذي لم تزل مصر والسودان ترفضان توقيعه والتحفظ علي بعض مواده – كما أشرت –  , لكن ما يجب إدراك معناه هو أن  70% من المياه المُتجددة بأوغندا تأتي من دول الأحباس العُليا بنهر النيل مثل بوروندي ورواندا وتنزانيا وهو ما يعني ببساطة أن مصالح أوغندا المائية مع دول البحيرات الكبري تلك أولاً ثم مع إثيوبيا (التي ستًصدر لأوغندا من طاقة الكهرباء المُولدة من سد النهضة والبالغة علي الأقل 6000 ميجاوات) .

في كلمته بمناسبة الإحتفال بيوم النيل بمدينة Goma بشرقي جمهورية الكونجو الديموقراطية في 21 – 22 فبراير 2011 أشار مدير إدارة الموارد المائية بوزارة المياه والبيئة الأوغندية إلي ” ضرورة التوقيع علي الإتفاق الإطاري للتعاون بين دول حوض النيل ” .

تنزانيا: الموقف التنزاني معروف منذ عهد رئيسها الأول جوليوس نيريري الذي أعلن رفض بلاده لكل الإتفاقات المُتعلقة بالنيل والتي وُقعت إبان العهد الإستعماري خاصة إتفاقية 1929 بين بريطانيا ومصر , بل وكذلك إتفاقية الإنتفاع الكامل بمياه النيل بين مصر والسودان بعد إستفلال الأخيرة عن مصر في اول يناير 1956 .

كينيا : بالرغم من أنها من الدول التي وقعت الإتفاق الإطاري للتعاون بين دول حوض النيل , إلا أن هناك ثمة تعارض أو قل معارضة كينية لإقامة سد النهضة , لكن من وجهة بيئية خلافاً للمعارضة المصرية التي يمكن وصفها بأنها معارضة ذات صلة بالأمن المائي المصري بصفة حصرية , فهناك ناشطون كينيون ومعهم International Rivers ومقرها Oakland بولاية California الأمريكية بل ومنظمات غير حكومية إثيوبية يروجون بأن إقامة سد النهضة بتوسعاته في حوض نهر Lower Omo الأدني علي النيل الأزرق والتي تأخذ 90% من مياهها من هذا النهر الإثيوبي سيضر ويهدد البيئة والأمن الغذائي والإقتصاد المحلي في محيط بحيرة  Turkana بشمال غربي والتي يتحلق في محيطها الصحراوي 300,000 نسمة تعد تراثاً إنسانياً وفقاً لمنظمة UNESCO كونها مهد الإنسان  , بل وبالإضافة إلي ذلك أشاروا إلي التأثير السلبي لسد النهضة حال إكتماله علي مشروع Kuraz Sugar Development Project  و مشروع ميناء Lamu (LAPSETT) المُزمع إقامته علي ساحل كينيا علي المحيط الهندي ليربط إثيوبيا وجنوب السودان بهذا الميناء , وعموماً فإن السؤال الذي يُطرح بالنسبة لهذه المسألة هو : هل تعادل المنفعة التي ستحصل عليها كينيا من إستيراد الطاقة الكهربائية المُولدة من سد النهضة الأضرار البيئية المتوقعة والمُشار إليها ؟ .

الكونجو الديموقراطية : بالرغم من أن الكونجو الديموقراطية لم تُوقع علي الإتفاق الإطاري (إتفاق عنتيبي) إلا أن زير البيئة وحماية الموارد الطبيعية والسياحية الكونجولي أشار في كلمته التي ألقاها بمناسبة الإحتفال بيوم النيل بمدينة Goma بشرقي جمهورية الكونجو الديموقراطية في 21 – 22 فبراير 2011  إلي أهداف مبادرة حوض النيل وإلي ضمان تأمين وحماية مياه النيل كماً وكيفاً , وكانت الإشارة الأهم والتي تُوضح الموقف الكونجولي بجلاء من الإتفاق الإطاري عندما أشار الوزير الكونجولي إلي أهمية الأخذ في الإعتبار إجتياجات الدول المائية كحالة مصر علي سبيل المثال والتي تعتمد إعتماداً كاملاً علي مياه النيل , ومازال الموقف الكونجولي رافضاً للإتفاق الإطاري .

5 – باب الوساطات مُوصد :

تضمن التحرك المصري حث البنك الدولي علي الإنخراط في عملية البحث عن حل لأزمة سد النهضة , وبالفعل أعلن البنك في نهاية ديسمبر 2017 عن إستعداده المبدئي للتدخل وفقاً لإقتراح تقدمت به مصر للبنك بواسطة وزارة الخارجية المصرية تضمن طلب مشاركة البنك الدولي في اللجنة الثلاثية الخاصة بتناول الأزمة من الوجهة الفنية , وبالتالي يكون له حق إبداء الرأي الفني بشأن إقامة السد , وكانت القاهرة في إنتظار رد البك بهذا الشأن قبل الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء الإثيوبي لمصر في يناير 2018 ,  * ( EGYPTIAN INDEPENDENT .30 ديسمبر 2017) , لكن القادة الإثيوبيين رفضوا مشاركة أو تدخل البنك الدولي من خلال التحكيم في هذه الأزمة , وكرر رئيس الوزراء الإثيوبي Hailemariam Desalegn خلال زيارته للقاهرة في 20 يناير 2017رفضه للمقترح المصري الذي أُبلغ للبنك الدولي في ديسمبر 2017 وقال مانصه ” إن إثيوبيا سوف لا تقبل طلب مصر لضم البنك الدولي في المحادثات الجارية في إطار اللجنة الفنية الثلاثية حول سد النهضة”  , وبرر رفضه ذاك عندما قال مُستدركاً ” هناك ثمة فرصة أمام الدول الثلاث لحل النزاعات المُحتملة بأنفسهم” وهو تبرير واه ذلك أن المفاوضات أو المباحثات وفقاً للتوصيف الإثيوبي إستغرقت من الوقت الطويل ما يكفي لإستنتاج فشلها أو علي الأقل عقمها , وأستعاض رئيس الوزراء الإثيوبي بتأكيد غير ملموس عندما قال للصحافة في القاهرة بأن ” شعب إثيوبيا لم يُعرض ولن يُعرض أبداً المصريين للخطر” , وبالطبع فإن معيار ما هو خطر أمر مُختلف عليه للآن , خاصة لو علمنا أن إثيوبيا تكرر مقولة “أن السد مسألة حياة أو موت لشعبها ” فيما تقول مصر” إن المياه مسألة حياة أو موت لشعبها” فأي المعيارين أقرب للواقعية ؟ .

كذلك فقد بدا لبعض المتخصصين المصريين أن هناك إمكانية أو إستعداد أوروبي لوساطة ما ومن بين هؤلاء د. أيمن شبانة أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة ونائب مدير مركز دراسات حوض النيل بالجامعة الذي صرح لموقع Al-Monitor ونُشر في 10 سبتمبر 2017 بقوله ” إن توضيحاً للرؤية المصرية لدول الإتحاد الأوروبي سيساهم في تطابق وجهات النظر , خاصة وأن الشركة العاملة في إقامة سد النهضة شركة إيطالية” , كما صرح السفير السابق وعضو المجلس المصري للسياسة الخارجية رخا حسن هاتفياً لنفس الموقع قائلاً ” إن مصر تعمل علي الصعيدين الدولي والإقليمي للضغط علي إثيوبيا كي يكون إقامة سد النهضة بعيد عن التأثير علي حصة مصر المائية في حدها الأدني , وأن مصر لجأت لأوروبا في ضوء إستمرار النزاعات مع دول حوض النيل بشأن إتفاق عنتيبي” . * (REUTER . 10 سبتمبر 2017) ,  كما نشرت وكالة REUTER في 26 ديسمبر 2017من ADDIS ABABA ما صرح به وزير الخارجية المصري في مؤتمر صحفي بالعاصمة الإثيوبية أشار فيه إلي أن مصر تقترح علي إثيوبيا والسودان أن يدعوا ثلاثتهم الخبراء الدوليين لتسوية النزاع بشأن مشروع سد النهضة  , وهو ما رد عليه  وزير الخارجية الأثيوبي في نفس المؤتمر بقوله أنهم يعملون في إطار رؤية ” الكل يكسب” , لكنه لم يعلق علي مقترح الوزير المصري . * (Reuters . 26 ديسمبر 2017)

ليس لدي الولايات المتحدة إستعداد أو لنقل بصراحة مصلحة في التدخل من أجل تسوية أزمة سد النهضة علي وجه ما من الأوجه وإستعاضت عن ذلك – ذراً للرماد في العيون – بالإكتفاء بإرسال وفد من وزارة الخارجية الأمريكية محدود المستوي برئاسة Eric Stromayer نائب مساعد وزير الخارجية للشئون الأفريقية , وقام هذا الوفد بجولة تضمنت الدول الثلاث أطراف أزمة سد النهضة (لجمع المعلومات والإستماع ” , ووفقاً للمركز الإعلامي السوداني فإن النية من إرسال هذا الوفد تنحصر في تكوين نظرة محايدة للمساهمة في إمداد أطراف الأزمة بالمساعدة الضرورية لإيجاد أرضية مُشتركة للبحث في تفاهمات وحلول نرضي جميع الأطراف . * (MEMO . 28 مارس 2018) , لكن من غير المُستساغ لمن راقب وتابع الدور الأمريكي بل وحتي الدور الإثيوبي في أزمة إقامة مصر لسد أسوان العالي أن يكتفي عند تكوينه لقناعة ما أو رأي ما عن الموقف الأمريكي , بما تعلنه الخارجية الأمريكية عن أنها ترسل وفداً دبلوماسياً لتكوين نظرة محايدة عن أزمة خطيرة كأزمة سد النهضة تتعلق بالحياة والموت بين دولتين يمثلان أهمية إستراتيجية قصوي للأمن القومي الأمريكي وفي منطقتين في منتهي الخطورة هما الشرق الأوسط والقرن الأفريقي , مع العلم أن لدي الخارجية الأمريكية أرشيف ضخم مليئ بالمعلومات عن هذه الأزمة ومن جذورها فمكتب إستصلاح الأراضي الأمريكي الذي أجري مسحاً لأراضي إثيوبيا مكنه من تحديد ما يزيد عن 30 موقع لسدود إثيوبية محتملة كان منهم موقع سد النهضة الحالي  مما يعني أن لدي الأمريكيين ما يكفي لتكوين “هذه النظرة المحايدة” لكن جماع القول أنه ليس لدي الأمريكيين الدافع المصلحي للتدخل والأهم أن إض عاف مصر أكثر فأكثر أمر يحقق إضافة لأمن إسرائيل وهو ما يؤكد عليه المسئوليين الألأمريكيين وتوثقه مذكرات التفاهم الإستراتيجي المتوالية والموقعة بين واشنطن وتل أبيب ,  من جهة أخري فالتاريخ المُوثق يُشير من بين عناصر متنوعة مختلفة عند المقارنة بين أزمة سد النهضة وأزمة تمويل السد العالي بمصر إلي أن إثيوبيا إتجهت لمعارضة مشروع مصر لإقامة السد خاصة وأن الولايات المتحدة التي عقب الإعلان عن المشروع تعهدت بتمويله – بدون إستشارة إثيوبيا – كما أشارت دراسة حكومية إثيوبية – ثم ما لبثت أن سحبت تعهدها في 16 يوليو 1956 بدعاوي منها عدم توصل دول حوض النيل لإتفاقية بين دوله وإثر ذلك إتخذ الرئيس جمال عبد الناصر قرار مؤثر علي الصعيدين الدولي والإقليمي بتأميم قناة السويس لتمويل هذا المشروع الطموح وغير المسبوق في العلاقة بين مصر والنيل  (وهذا وجه من أوجه إرتباط قناة السويس بالنيل في السياسة المصرية) , ولما كانت الإرتباطات الإثيوبية قوية بالولايات المتحدة خاصة بعد إبرام إثيوبيا معها معاهدة عسكرية عام 1953  ومع حلفاءها وفي مقدمتهم إسرائيل التي عينت قنصلها العام الأول في أديس أبابا عام 1956 زادت قوتها بطبيعة الموقف الذي نشأ نتيجة تخلي الولايات المتحدة والبنك الدولي بضغط منها عن تعهد تمويل السد العالي وتحول الرئيس المصري للإتحاد السوفيتي بحثاً عن التمويل فأبرم إتفاقية معه عام 1958تضمنت التمويل بالروبلات السوفيتية وتسديدها بالعملة المصرية  وإمداد مصر بكل المعدات والخبرة اللازمة وأسهم هذا التحول في تصعيد أهمية إثيوبيا لدي الولايات المتحدة التي زادت من معوناتها لها وصدقت علي سياسة جديدة تجاهها خلال أكتوبر 1956 , وكان أن زاد التوتر في العلاقات الإثيوبية / المصرية الأمر الذي إنعكس – من وجهة نظر إثيوبية – علي إتخاذ الرئيس جمال عبد الناصر قرار عام 1956 وما تلاه بدعم الحركات ” الإنفصالية ”  في إرتريا وتحقيق إنشاء دولة “الصومال العظمي” و ” تحريض ” مسلمي إثيوبيا علي الثورة والعصيان لإضعاف إثيوبيا وإخضاعها لقبول الشروط المصرية بشأن مجري النيل , ولهذا فلا أري أن هناك داع للشك في الموقف الصلب والثابت والمستمر من جانب إثيوبيا حيال قضية مياه النيل والقائم علي قاعدة أن ” إثيوبيا ومياه النيل كيان واحد ”  فقد سبق وأصدرت الحكومة الإثيوبية  مذكرة Aid – Memoire في 23 سبتمبر 1957 وجهتها بتعليمات من أديس أبابا سفارة إثيوبيا للبعثات الدبلوماسية بالقاهرة ثم كررتها عام 1958 ورد فيها ما نصه ” إن إثيوبيا لديها الحق والإلتزام في إستغلال موارد المياه الواقعة في أراضي الإمبراطورية … لصالح الأجيال الحالية والمستقبلة من مواطنيها … وأن إثيوبيا ” تؤكد وتحتفظ  الآن وفي المستقبل بالحق في إستخدام مياه النيل الأزرق دون الإعتراف بأي محددات علي حريتها في العمل , كما وأن إثيوبيا تُلزمها إحتياجاتها الإقتصادية التحرر من إلتزامات الإتفاقيات القديمة التي تحد من حريتها في العمل فيما يتعلق بمياه النيل ” . * ( السفير بلال المصري . رؤية لواقع العلاقات المصرية السودانية  . قيد الطيع . صفحة 22)

اليوم ونحن نتابع الدور الأمريكي في أزمة سد النهضة بين مصر التي تعد – كما يحلو للمسئوليين الأمريكيين وبعض المصريين أن يصفوها علي أنها حليف الولايات المتحدة – لا نري ما سبق أن رأيناه في أزمة تمويل السد العالي التي إنتهت بسحب الولايات المتحدة وبريطانيا والبنك الدولي لتمويلهم للسد , وكان هناك تنسيق مُعلن بين هذه الأطراف الثلاث في إتخاذ هذا الموقف , ولابد من الإشارة هنا إلي وجود إختلافات بين حالتي أزمتي سد النهضة الإثيوبي والسد العالي المصري فبينهما سبعين عاماً علي الأقل تغيرت خلالها السياسات الدولية وألوان نسيج السياسات الدولية والإقليمية , لكن يبقي أن الأمر الثابت والمُشترك بين الحالتين هو الأمن المائي المصري والأمن الإقتصادي الإثيوبي كما أن مصر في الخمسينات كان لها دور إقليمي مؤثر علي صعيدين هما الأفريقي والشرق أوسطي أما الآن فقد فقدت مصر أو تكاد دورها علي هذين الصعيدين وأصبحت للأسف لا يُخشي بأسها إذ لم يعد لها بأس فها هي تطلب من دولة كالإمارات العربية أُسست كدولة عام 1970 أن تتدخل في أزمة سد النهضة فيما تعلم مصر أن إستثمارات الإمارات و السعودية وغيرهما من دول الخليج في إثيوبيا من الكثافة بحيث لا يمكن ترجمتها كقوة ضغط لصالح مصر بل إن ترجمتها الصحيحة أنها تفضيل إستثماري خليجي لإثيوبيا وعزوف عن الإستثمار في مصر , تلك هي الترجمة المُبسطة للأمر , لذا من المُحال أن يكون لدي الإمارات أو غيرها نية للإستجابة لرغبة مصرية للضغط علي الإثيوبيين فعندما تفقد دولة بأسها لا يُخشي جانبها .

واليوم وبالنسبة لعلاقة الولايات المتحدة بهذه الأزمة التي طرفاها إثيوبيا ومصر تلك الدولة التي دأب المسئوليين الأمريكيين علي وصفها ” بالمحورية ” ووصف العلاقة معها ” بالإستراتيجية ” وبأن دورها هام جداً لعملية السلام في الشرق الاوسط ,, فيما الطرف الآخر هو إثيوبيا التي نهضت وتنهض بدور مهم للإستراتتيجية الأمريكية في القرن الأفريقي , فإن الولايات المتحدة آثرت الحفاظ علي مسافة تمكنها من رؤية التطورات المُتلاحقة بشأن هذه الأزمة التي من شأنها – إن إستمرت بلا حل ناجز – أن تضعف أحد أهم الدول التي تعتمد عليها الإستراتيجيتين السياسية والعسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط  وأعني بها مصر , ومن ثم فإن في إبقاء الولايات المتحدة علي مسافة تمكنها فقط من المُتابعة والمراقبة وليس التدخل , ما يحمل علي الإعتقاد بأن مصر أصبحت أقل أهمية في الإستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط  أو أنها مهمة لكن أصبحت من الضعف بحيث لا تقوي علي رفض عزوف الولايات المتحدة عن ممارسة نفوذها , وهو إعتقاد سبق أن كتبه  john waterburyالرئيس الأسبق للجامعة الأمريكية ببيروت ورئيس مركز الدراسات الدولية وخبير النيل المعروف ونُشره بمقال له في دورية BROWN JOURNAL OF WORLD AFFAIRS عدد شتاء / ربيع 1997 تحت عنوان : هل الوضع الراهن بحوض النيل قابل للإستمرار ؟ وذكر فيه ” أنه منذ 1959 ومصر والسودان إستخدما بصفة حصرية مياه النيل بموجب إرتباطهما بإتفاقية الإنتفاع الكامل من مياه النيل 1959 وتعاملا من خلالها مع التحديات التي تواجه هذا الإستخدام ومنها أن البرلمان الإثيوبي في عام 1966 فوض الحكومة لبناء سدين متعددا الأغراض- مُضيفاً قوله- أن هذا الوضع الراهن شكل لصانعي السياسة الأمريكية معضلة غريبة خاصة وأن الولايات المتحدة إرتبطت منذ منتصف السبعينات بعلاقات وثيقة مع مصر لدفعها قدماً في عملية سلام الشرق الأوسط مع إسرائيل كسباً لصديق إستراتيجي في الوقت الذي تسعي فيه الولايات المتحدة للحيلولة دون حدوث المجاعات والحروب الأهلية وإنهيارات الدول في منطقة القرن الإفريقي وأن السؤال الذي يُشار إليه هو ما إذا كانت إثيوبيا تتمتع بمركز مالي يمكنها من تنفيذ مشروعات ضخمة في الجزء من حوض النيل الذي يقع في أراضيها ؟ وأن الدولة الوحيدة التي تصر علي تغيير الوضع القائم هي إثيوبيا وهي مُهيأة للدخول في معارك دبلوماسية لإثبات حقها , ويبني الإثيوبيين موقفهم علي أساس أن متانة العلاقات المصرية الأمريكية لن تدوم عند إيجاد حل للمشكلة العربية / الإسرائيلية – وهو ما يحدث الآن – كما ستفقد مصر مكانتها بين الدول العربية , ومن ثم لن تلقي الدعم الذي تتلقاه من الولايات المتحدة وربما من الغرب عامة , يُضاف لذلك عدم قدرة النظام المصري علي الخروج من الكماشة الإقتصادية التي تُطبق علي عنقه بسبب تضخم القطاع العام وشيوع البطالة ووجود نظام عسكري ريعي RENT – SEEKING يؤجر خدماته , ويعتقد صانعي السياسة في إثيوبيا أن الإحتمالات قائمة بشأن حدوث مواجهة عسكرية مُستقبلاً مع مصر , وقد تضعف العلاقات بين مصر والولايات المتحدة التي لن تتخلي تماماً عن مصر التي تعتبرها الولايات المتحدة حليف إستراتيجي في منطقة إستراتيجية حيث تتوسط منابع النفط ولها حدود مع إسرائيل , ولو إنهار نظام مبارك أو أي نظام علي شاكلته من بعده فإن من شأن ذلك التأثير عكسياً وبعمق علي نفوذ الولايات المتحدة بالمنطقة وعلي أمن إسرائيل , وأنهي الكاتب مقاله بإبداء رأيه ومفاده أن الإثيوبيين مُحقين في أنه من المُحتمل بالنسبة لهم أن يتجهوا نحو إعادة التفاوض بشأن ما الوضع الراهن الذي فرضته  إتفاقية الإنتفاع الكامل من مياه النيل , وهم يعتقدون أن موقفهم قوي حيث أن كل دول الأحباس العليا للنيل تشاركهم فيما يعتقدونه لكنهم ليسوا بمستعدين لفرض موقفهم , كما أن السودان سيأتي عليه اليوم ليتجه لتكثيف إعتماده علي الزراعة علي مدي أوسع خاصة في الأراضي الواقعة بين النيلين الأبيض والأزرق وعليه فستكون هناك ثمة أسباب موضوعية صلبة تكشف إلي أي مدي سيكون هناك موقف مُشترك لإثيوبيا والسودان معاً , كما أنه وأيا ما آل إليه الوضع في جنوب السودان سواء كان ذلك إنفصالاً أو كونفيدرالية فإن وضعا جديداً سينشأ , إن المجتمع الدولي كان مستريحاً بالوضع الراهن الذي أنشأته إتفاقية 1959 لا لأنها منصفة ولكن لأن أي من الدول الأكثر تضرراً لم تطرح القضية بصفة مستمرة , وربما غيرت إثيوبيا هذا الوضع في السنوات القادمة (وقد حدث) وهي عندما تفعل ذلك فإن هذه القوي والمانحين الأكثر نشاطاً في المنطقة بإمكانهم أن يساعدوا الرواد الباحثين عن سبل لتغيير المعادلة الصفرية الناشئة عن إتفاقية 1959 إلي معادلة تفيد الجميع .

تقديري الشخصي أن رأي خبير النيل john Waterbury المُشار إليه وهو واقعي إلي حد بعيد , لابد وأن يدعو إلي التساؤل عن الموقف الحالي للولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي إزاء الوثبة الكبري التي وثبتها إثيوبيا في شأن إستراتيجيتها بشأن مياه النيل بشروعها الفعلي في إقامة سد النهضة أو سد الألفية والذي يلقي معارضة مصرية لتأثيره المُرجح علي الوارد لمصر من مياه النيل وهو الأمر الذي من شأنه التأثير بقسوة وحدة علي الزراعة المصرية وعلي أمن مصر الغذائي علي المديين المتوسط والطويل , إن إثيوبيا ماضية قدماً في إكمال سد النهضة ( تم تنفيذ 40% من أعمال السد) وهذا بالطبع أمر يؤكد توفر التمويل ومضاء الإرادة السياسية وعدم إلتفاتها إلي المعارضة المصرية , ولما لم يُعلن رسمياً عن تمويل أمريكي أو أوروبي للحكومة الإثيوبية لإقامة سد النهضة كثيف التمويل (سبق أن قامت السوق الأوروبية المُشتركة بدراسة لتنمية رافد البارو لنهر السوباط لإقامة خزان عند مدينة جامبيلا قرب الحدود مع السودان لإستصلاح 250,000 فدان ) , إلا أن المعارضة المصرية لسد النهضة بتصميمه الفني الحالي لم تلق للآن آذاناً صاغية لدي المانحيين الدوليين , وهو وضع يختلف كلية عن مثيله إبان عهد الرئيس السادات قبل توقيعه علي معاهدة السلام مع إسرائيل في 26 مارس 1979, وبالتالي فإن الموقف الأامريكي الحالي المُكتفي بالمتابعة يُشير وإن بصفة غير مباشرة إلي أن الضغوط الدولية علي إثيوبيا في هذا الشأن إما أنها غير كافية أو أنها لا تُمارس أصلاً . * ( السفير بلال المصري . رؤية لواقع العلاقات المصرية السودانية . صفحة 39 . قيد الطبع)

مرة أخري أؤكد في ضوء ما تقدم علي أنه يمكن من بين وسائل أخري الوقوف علي سبب أو أسباب إحجام البنك الدولي والولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي وغيرهم – وبينهم إرتباط وتنسيق في مثل هذه الأزمات – عن التقدم للوساطة أو علي الأقل الإتصال بأطراف الأزمة لتخيف حدتها توطئة للبحث عن تسوية ما , ويمكن الوقوف علي ذلك بمقارنة أزمتي السد العالي في مصر عامي 1955 و 1956 وأزمة سد النهضة 2011 حتي الآن ودور القوي الدولية فيهما فقد كان نشطاً سريع الإستجابة في أزمة سد مصر العالي وسلبياً وبعيداً في أزمة سد النهضة , فلا وساطة بدون مصلحة , ومصالح الولايات المتحدة في مصر منذ توقيعها معاهدة السلام مع إسرائيل في 26 مارس 1979 بواشنطن أصبحت محدودة ومُتناقصة ومما يؤكد ذلك الموقف الأمريكي الحالي من أزمة كهذه ربما تهدد وجود دولة كمصر حليفة لها أو أنها تُوصف علي أنها كذلك , إن أزمة سد النهضة أحد الثمار المرة لمعاهدة السلام المصرية / الإسرائيلية فلا سلام ولا ماء .

6- كثافة وتداخل وتمدد شبكة المصالح بين دول حوض النيل أو منطقتي شرقي أفريقيا والقرن الأفريقي :

نقطة الضعف الأساسية للأمن القومي المصري هي الأمن المائي فمصر دولة نهرية بكل ما تعنيه الكلمة من معني عريض وعميق فكل الأنشطة الحياتية تعتمد علي مياه نهر النيل بنسبة 99% إذ لا مورد آخر للمياه سوي المياه الجوفية في باطن الصحراء الغربية أو ما يُسمي حوض الحجر الرملي النوبي , وإستغلاله في الزراعة مُكلف وتغشاه صعوبات لوجيستيكية وديموجرافية , وبالتالي فأزمة سد النهضة بين مصر وإثيوبيا مسألة حياة أو موت أما بالنسبة لإثيوبيا فهي مسألة حياة أو حياة أفضل إذا ما قيس الأمر بالندرة المائية التي تعاني منها مصر بصفة مُزمنة , وبالتالي فأزمة سد النهضة تعني مصر وإثيوبيا بصفة جوهرية لكن فيما يتعلق بباقي دول حوض النيل , نجد أن قضية سد النهضة تتداخل أو تتقاطع مع إتجاه دول حوض النيل في تنمية مواردها أو لنقل ثرواتها المائية وبالتالي فهي دول تُعني بتحقيق الوفرة المائية , فدول الحوض الإستوائي للنيل مخازن مائية دائمة حتي وإن تحدثنا عن ظاهرة التغير المناخي , لكن ماذا عن مصر وهي آخر محطات نهر النيل وهو يقذف بفائض مياهه في البحر المتوسط أليست المُضار الأكبر من سلبيات ظاهرة التنغير المناخي ؟ , علي أي الأحوال فأزمة سد النهضة تنظر إليها دول حوض ومنابع النيل نظرة سياسية محضة , لا تجد فيها معايير الوفرة والندرة ولا معايير الإنسانية والعدوانية , لكنك إن تعمقت في النظر إليها تجد لها خلفية تاريخية تعود لعصر منليك الثاني إمبراطور الحبشة ومحمد علي باشا والخديو إسماعيل الذي أدرك أن روح مصر خارج جسمها لذلك لابد من نمو هذا الجسد لتكون قدمه قريبة من منابع النيل , وقد كان , لكن الجسد المصري عاد فتقلص ثانية عندما إنفصل السودان عن مصر في أول يناير 1956بعد توقيع مصر وبريطانياعلي إتفاقية الحكم الذاتي وتقرير المصير للسودان بالقاهرة في 12 فبراير 1953 , ثم إنفصال جنوب السودان عن السودان في 9 يوليو 2011بموجب إتفاق السلام الشامل الموقع في كينيا في يناير 2005 و فقدت مصر عمقها الإستراتيجي الذي أخفقت مصر في تعويضه أو إحلاله ببدائل سياسية كإقامة علاقة إستراتيجية حقيقية مع عمقها الإستراتيجي مُتمثلاً في السودان وجنوب السودان الذي كشفت أزمة سد النهضة عن أن وجهته الرئيسية تتجه جنوباً وشرقاً أي نحو القرن الأفريقي وشرق أفريقيا لا شمالاً حيث القاهرة وشمال أفريقيا , وليس أوضح من قول الرئيس السوداني في مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس الوزراء الإثيوبي هايلي ماريام ديسالين بثته وكالة الأنباء السودانية في 4 أبريل 2017 أشار فيه إلي ” إنه لا سقف للتعاون بيننا في المجال الأمني , إذ إن أمن أثيوبيا هو أمن السودان وأمن السودان هو أمن أثيوبيا ” , وهو ما أمن رئيس الوزراء الإثيوبي ديسالين عليه بقوله ” إن ما يمس أثيوبيا ينعكس على السودان ، وإن ما يمس السودان ينعكس على إثيوبيا , لذلك فإن البلدين مصممان على التعاون الوثيق في هذه المجالات كلها “, فالعبارتين تؤكدان ما قلته , ودع عنك زيارات الرئيس السوداني والرئيس المصري المُتبادلة إذ أن الحلف الإثيوبي / السوداني قد تكون علي أنقاض العلاقة المصرية / السودانية التي لم يتبق منها غير عبارتين تلمعان هما ” العلاقات الأزلية ” و ” أبن النيل”  , لتحل محلها عبارة الرئيس السوداني المُشار إليها , وهي مؤلمة لكن الحقيقة دائماً ما تكون كذلك .

سلم أولويات الأمن القومي المصري يبدأ من الماء وينتهي صعوداً بالماء أيضاً , أما كل دول حوضي النيل الشرقي والإستوائي فالماء من بين أولوياتها الهامة لكن هناك ما يسبقه في ضوء الوفرة النسبية للموارد المائية لدي دول هذين الحوضين , هناك مصفوفة من المشروعات المُشتركة التي تُنفذ بالفعل وتجد من التمويل ما يكفي للبحث عن غيرها لتنفيذه , فهذه الدول بها مخزون من الموارد المعدنية والأولية تغري الممولين الدوليين سواء أكانوا دولاً أم مصارف كبري , وهذه المشروعات المختلفة والتي يقوم بعضها علي إستغلال الموارد المائية الوفيرة لدي دول حوضي النيل ويقوم بعضها الآخر علي البحث عن وسائل تصريف الموارد الأاولية لهذه الدول فبعضها يقع في تصنيف ” الدول الحبيسة ” فيما بعضها الآخر يستهدف ربط دول الحوضين ببعضهم البعض  , ولعلك تجد أن مصر بعيدة ونائية عن همعظم إن لكن كل هذه المشروعات , التي من بين ما تحققه خاصة لإثيوبيا مزيد من الأإنصهار الجماعي لدول الحوضين في أهداف إقتصادية مُشتركة مما يجعل من موقف هذه الدول أقرب للموقف الإثيوبي في أزمة سد النهضة فإثيوبيا ” شريك في مصالح مُشتركة وطويلة الأمد” فيما مصر تنفق جل إهتماماتها وجهودها السياسية والدبلوماسية في النطاق الشرق أوسطي وعواصم الدول الكبري التي لم تنفك تتآمر علي مصر من إضعافها بل وشل حركتها , فهي تعلم أن مصر إن إستردت روحها سوف لا يستطيعون ترويضها كما روضوها في السابق في معاهدة لندن 1840 .

وقبل أن أذكر هنا بعض المشروعات المُشتركة بين دول القرن الأفريقي أو شرقي أفريقيا ( التي سجلت عام 2017 وفقاً لتقرير صادر في كينيا متوسط نمو قدره 5,9% هو الأعلي علي مستوي أفريقيا فيما كان متوسط النمو في غثيوبيا فوق 8%) من أجل الإستدلال علي أن رابطة المصلحة الإقتصادية المُشتركة بين هذه الدول تؤثر بل تسيطر علي مواقفها من أزمة مياه النيل وتجعل من هذا المواقف قريبة جداً من قبل بعض الدول ومُتطابقة من قبل البعض الآخر من ومع الموقف الإثيوبي في أزمة سد النهضة , وهنا أُشير إلي أن التقارب الذي تم بين إثيوبيا وإرتريا وبين الصومال وإرتريا  سيفتح الطريق أمام تحقيق دعوات تتردد بقوة في إعلام وصحافة والأوساط الإقتصادية بالقرن الأفريقي لإقامة محور كومونولث شرقي أفريقيا أو Commo Wwealth of the Great East African Axis , وبالتالي لنا أن ندرك أن إهتمامات هذه الدول ومعظمها نيلية تتجاوز الموارد المائية التي تُعد ضمن إهتمامات هذه الدول وليست إهتمامها الوحيد , والمشروعات والمصالح التي سأوردها مشروعات ومصالح مُشتركة ليس لمصر حيز ما أو مُشاركة فيها , وهذا أمر له مغزاه , لذا فمن البديهي أن تجعل المواقف السياسية في معظم القضايا الآخري ومنها المياه مؤسسة علي نظرة جماعية مُشتركة , ومن بين أهم الأمثلة العديدة عن هذه المشروعات والمصالح ما يلي :

– صدر إعلان في 30 يونيو 2015 يتضمن الإشارة إلي توصل جيبوتي وإثيوبيا وجنوب السودان والسودان إلي توافق بشأن تأسيس سلطة لوجيستيكية أو ما يُدعي Djibouti Corridor Authority والعمل بمبدأ المنفذ الحدودي ذا التوقف الواحد أو One Stop Border Post من أجل تسريع إنسياب السلع والأشخاص , وأتفقت هذه الدول علي أن تبدأ سلطة جيبوتي بنهاية 2015 بهدف تقدم وإضطراد الأنشطة الإقتصادية بهذه المنطقة بمد طريق لنقل السلع براً وبالبحر لهذه الدول الأربع , وسوف تسير هذه السلطة علي هدي لائحة السوق المشتركة للشرق والجنوب الافريقي COMESA , ولهذا فستمنح هذه الدول الأربع لبعضها البعض الحق في المرور وتيسير حركة السلع عبر منطقتهم , وستستفيد كل من إثيوبيا وجنوب السودان من ذلك بحيازة الحق في الوصول ببضائعهما للتصدير و/ أو للإستيراد عبر موانئ السودان وجيبوتي , وذلك علي غرار ما يتم فعلاً في حالة سلطة تنسيق مسار النقل والعبورالشمالية Northern Corridor Transit and Transport Coordination Authority التي تأسست عام 1985 وتضم كل من بوروندي والكونجو الديموقراطية وأوغندا ورواندا وكينيا حيث تتمتع الدول الحبيسة الأعضاء بهذه السلطة أيضاً بميزة الوصول وإستخدام ميناء Mombasa الكيني .

– تمثل الطاقة الكهربائية المُولدة من السدود علي مجاري الأنهار 90% من الطاقة الوطنية لكل من إثيوبيا وومالاوي وموزمبيق ونامبيا وزامبيا وأوغندا التي إستوردت منها كينيا في الأشهر الثماني الأولي من عام 2017 طاقة كهربائية ( 168 مليو كيلووات / ساعة) بمبلغ 3,5 بليون شلن بموجب إتفاق أبرمته الدولتان عام 2014 , وتجني أوغندا من تصديرها للكهرباء لكينيا أرباحاً كبيرة فقد دخل الخزانة الأوغندية مليار شلن عن المدة المُشار إليها , كذلك ترتبط تنزانيا وزامبيا بما يُعرف بنظام مشاريع نقل الطاقة الكهربائية البينية أو ما يُعرف بنظام  Batoka Gorge Hydro Electric Scheme والذي تم عرضه ضمن برامج تنمية البني التحية في أفريقيا (PIDA) بالمؤتمر السادس لمنتدي الإتحاد الأوروبي ورجال الأعمال الأفارقة , وعُرض هذا المشروع كذلك في 27 نوفمبر في مؤتمر بأبيدجان ضمن 5 مشروعات أخري منها مشروع نقل الطاقة من إثيوبيا للسودان ومشروع طريق برسم مرور وهو طريق Chalinze بتنزانيا المُتجه إلي دار السلام ميناء تنزانيا الرئيسي  .

– تضمن بيان مُشترك صدر في 24 يونيو 2017عقب إجتماع بين وزيرة الأشغال العامة والنقل الأوغندية وسكرتير مجلس الوزراء الكيني للنقل , أعادت الدولتان فيه التأكيد علي إلتزامهما بإقامة طريق سكك حديدية وفقاً لما سبق الإتفاق عليه والذي بموجبه تُمد سكك الحديد الكينية من  Naivasha إلي  Malaba عبر   Kisumu وربطه بالخط الذي سيُقام بأوغندا والذي يبدأ من Malaba إلي Kampala  وأشار الإتفاق إلي أن كينيا تعهدت بتوفير التمويل للجزء من الطريق بين Kisumu-Malaba , ومن خلال هذا الطريق ستقوم أوغندا بنقل صادرتها عبر عبارات نهرية لتصل عبر هذا الطريق الحديدي لميناء Mombasa الكيني .

– أُعلن في 17 مارس 2017 عن أن محادثات جادة ومُطولة جرت في 16 مارس بين وزيرة الطاقة والتنمية التعدينية الأوغندية ووزير الطاقة والمعادن التنزاني بشأن وضع إتفاق يتعلق بإقامة خط أنابيب ناقل للبترول الخام الأوغندي من حقوله في Albertine Graben إلي ميناء  Tangaالتنزاني, وأشارت الوزيرة الأوغندية إلي أنه من المُتوقع إتمام الخط الذي يبلغ قطر أنابيبه 24 بوصة الذي يبلغ طوله 1445كم علي مدي عام 2020 , ويعد هذا الخط من أكبر الخطوط بالعالم .

– من بين أهم المشروعات اللوجيستيكية التي تقوم علي تنفيذها الشركات الصينية ذلك المشروع الذي أشارت إليه صحيفة The Guardian البريطانية في 16 فبراير 2017حيث تولت شركتان صينيتان إنشاء خط سكك حديدية يُدار بالكهرباء تماماً بطول 752,7 كم يربط بين العاصمة الإثيوبية أديس أبابا وميناء جيبوتي علي البحر الأحمر وقد أُفتتحت المحطة الأولي لهذا الخط خارج أديس أبابا في 5 أكتوبر 2016 بحضور رئيس الوزراء الإثيوبي Hailemariam Desalegn ونظيره الجيبوتي إسماعيل عمر جيله وشارك وفد صيني عال المستوي في هذه المناسبة , وأشار رئيس الوزراء الإثيوبي في كلمته الإحتفالية إلي أن ” أن هذا الخط سيُسرع من الصناعة الإثيوبية ويمد إثيوبيا بفوائد ضخمة سواء بالنسبة للمجمعات الصناعية بها أو للمزارع التي ستنشأ مستقبلاً , وسيعطي بلادنا فرص للتوظيف “, وأشارت الصحيفة إلي أن هذا المشروع تبلغ تكلفته 3,4 بليون دولار مول 70% منه بنك الصيني Exim Bank وقامت علي تنفيذه شركة China Railway Group and China Civil Engineering Construction أو (CCECC) وستجري عليه قاطرات ملونة بألوان العلم الإثيوبي وسيبدأ تشغيله لنقل الركاب والبضائع خلال عام 2017 بسرعة 120 كم / ساعة لنقل البضائع و160كم / ساعة للركاب وسيربط هذا الخط أديس أبابا بميناء جيبوتي في 12 ساعة بعد أن كان يستغرق الوصول لأيهما ثلاثة أيام مما سيخفض من تكلفة النقل والوقت بصفة ملموسة , من جهة أخري أشار موقع South China Morning Post – DIPLOMACY & Deffence في 11 يناير 2017 إلي أن هذا المشروع – وهو الثاني بعد المشروع الذي نفذته شركات صينية أيضاً ليربط بين تنزانيا وزامبيا – يمثل علي مدي أوسع البداية لأول مشروع سكك حديدية مُدارة بالكهرباء بأفريقيا , وهو مشروع السكك الحديدية العابرة لأفريقيا Trans-African railway الذي سيقطع مسافة 2000 كم بحيث يُتوقع أن يربط إثيوبيا بجنوب السودان والذي يمكن في يوم واحد أن يعبر القارة من البحر الأحمر للمحيط الأطلنطي لكن – وحسب الموقع- علي هذا المشروع أن يعبر بلدان تمزقهما الحرب هما جنوب السودان وأفريقيا الوسطي , وأشار الموقع إلي أن هذا المشروع يعني الكثير للصين فبكين تبحث في القيام بدور أكبر في معظم هذه القارة التي لم تحقق معظم بلدانها التنمية المنشودة والتي تعودت علي أن تبقي تحت سيطرة الغرب , وبحسب نفس الموقع فإن الصين تعد المُستثمر الأكبر في جيبوتي فمعظم المشروعات ومجموعها 14 مشروع للبنية الأساسية تبلغ قيمتها 14,4 مليار دولار بتمويل من بنوك صينية تقوم شركات مملوكة للدولة الصينية علي تنفيذها ومنها مثلاً إقامة ميناء مُتعدد الأغراض وخط أنابيب عابر للحدود ينقل مياه الشرب من إثيوبيا تبلغ تكلفتهما 590 مليون دولار ومشروع خط أنابيب وتسييل للغاز الطبيعي من إثيوبيا ومحطة إستقبال له بجيبوتي بتكلفة 4 مليارات دولار .

– هناك مشروعات طرق رئيسية أخري في القرن الأفريقي بمفهومه التقليدي والأمريكي (منطقة القرن الأفريقي الكبير أو Greater Horn of Africa ) وهي منطقة تشهد منذ سنوات عمليات تنمية إقتصادية متعددة الأوجه من بينها مشروعات الطرق واللوجيستيكية والتي – من غير المُحدد حتي الآن – الوقوف علي درجة تكاملها أو تنافسيتها مع مشروع الربط النهري النيلي بين بحيرة فيكتوريا والأسكندرية , وأهم هذه المشروعات بهذه المنطقة مشروع ممر النقل Transport Corridor الذي يربط ميناء Lamu بكينيا علي المحيط الهندي بجنوب السودان وبإثيوبيا , وقد نشرت صحيفة Guardian Mail في 26 يوليو 2015 أن هذا المشروع الذي يقع في إطار برنامج يُدعي Lapsset تبلغ تكلفته التقديرية 26 مليار دولار , ويتضمن أعمال إنشاء ستة مراسي Berths بالمياه العميقة ووحدة تحلية مياه ومحطة لتوليد الكهرباء تعمل بالغاز السائل وخط بترول , وأشارت الصحيفة إلي أن الحكومة الكينية (شركة Aeolus Kenya Ltd أو AKL) ومجموعة من الشركات الأمريكية منها شركة Bechtel تتفاوض بشأن توقيع إتفاق ببلايين الدولارات ويُعد أكبر مشروع تنمية للبني الأساسية بكينيا , وتزامن بدء هذه المفاوضات مع زيارة الرئيس الأمريكي Barack Obama لكينيا , وأشار بيان صادر عن الرئاسة الكينية في 25 يونيو إشارته 2015 إلي أن وزير النقل الأمريكي Anthony Foxx قال ” لدينا بالغ الإهتمام بهذا المشروع ونريد أن توضع الصفقة الأمريكية بشأنه في الإعتبار ” , وتزمع الحكومة الكينية أيضاً في إطار أوسع مدي إقامة مطار دولي آخر ومنتجعات بالساحل الكيني وطريق علوي يربط كينيا بدول الجوار , ونقلت صحيفة عن مسئول كبير بشركة AKL ” إن هذه المشروعات مُصممة لتحمي مصالح كينيا ” , من جهة أخري فقد أوردت شبكةALL AFRICA الإخبارية في 27 فبراير 2017 بالإحالة علي المسئول الرئيسي عن قطاع النقل بالحكومة الكينية Irungu Nyakera قوله ” أن نحو 20% من أعمال مشروع ميناء Lamu تمت وأن الحكومة سترصد 10 بليون شلن كيني له في العام المالي القادم , وأن الحكومة سددت بالفعل مبلغ 4,6 بليون شلن للمقاول وأن مبلغ 2,9 بليون شلن سيُدفع نهاية العام الحالي ” , وأشار إلي ” أنهم يتوقعون إنهاء تنفيذ المرسي الأول بهذا الميناء – الذي تبلغ تكلفته الكلية 8 بليون شلن – بنهاية يونيو 2018 وأن المرسي الثاني والثالث مُخطط الإنتهاء منهما عامي 2019 و2020 ” , وأوضح ” أن الحكومة عزمت علي إكمال هذا الميناء الثاني لكينيا ليكون إحتياطيا لميناء Mombasa وأنه يعتبر مشروعاً مفتاحياً لدفع التجارة بين كينيا وجنوب السودان وإثيوبيا , كما أن الحكومة جنبت مبلغ 10 بليون شلن لإقامة طريقLamu-Witu-Garsen الذي يبلغ طوله 132 كم والذي سيعزز من طاقة نقل البضائع والمواطنين بين مينائيLamu و Mombasa ” .

– أشارت شبكة ITS International . com في 27 فبراير 2017 بالإحالة علي Engineering News-Record قولها أن هيئة التمويل الدولية التابعة للإتحاد الأوروبي و AFDالفرنسية وبنك التنمية الأفريقي إلتزموا بتمويل ما يزيد عن 400 مليون دولار لمشروع إقامة طريق بأوغندا بطول 77 كم تكلفته 1,1 مليار دولار , وسيربط هذا الطريق العاصمة Kampala بمدينة  Jinjaالصناعية بشرق أوغندا وقد صُمم هذا الطريق ليسرع من تدفق الشحنات المنقولة إلي بوروندي ورواندا ( الحبيستين) وشرق الكونجو من ميناء Mombasa الكيني علي المحيط الهندي , ومن المتوقع أن تنشر الوكالة الوطنية الأوغندية للطرق UNRA العطاء النهائي لعمليات البناء والتمويل والعمليات والصيانة للمشروع الذي يستهدف خفض الرحلة من Kampala إلي Jinja بمقدار 70 دقيقة قبل نهاية 2017 , كما نشرت صحيفةThe Guardian البريطانية بتاريخ 28 فبراير 2017 أن النقاش مُستمر بشأن إقامة سكك حديدية بتكلفة 3,2 مليار دولار تربط العاصمة الأوغندية Kampala بميناء Mombasa بطول 1,152 كم شرقاً وهي مسافة تقل بضعفين عن المسافة بين Kampala والقاهرة ( وفقاً للبنك الدولي يقع ترتيب أوغندا في المرتبة 58 من بين 168 علي سلم الأداء اللوجيستيكي) , بالإضافة إلي مشروع إقامة مصفاة لتكرير البترول يُقام قريباً بتكلفة 4 مليار دولار وخط أنابيب بترول دعماً لقطاع البترول والغاز الأوغندي الناشئ حديثاً , وأوضحت الصحيفة أن هذه المشروعات وغيرها تعتمد علي الإقتراض من الصين أساساً , وأوردت نفس الصحيفة تعليقاً أدلي به Enock Nyorekwa الإقتصادي المُتخصص في مجال البني الأساسية بوفد الإتحاد الأوروبي في Kampala قوله ” إن مخاطر(الدين) أصبحت أكثر من واضحة وتظل المسألة ما إذا كان (هذا النوع) من الديون ينتج عنه نمو من عدمه ؟ ” , وعلقت الصحيفة بقولها ” إن الدين الخارجي لأوغندا ينمو بدرجة مُتسارعة وأنه بلغ 7,10 مليار دولار بصفة تقديرية في نهاية أكتوبر 2016 وفقاً لأرقام بنك أوغندا ” , وأشارت إلي أن Christine Lagarde مديرة صندوق النقد الدولي في زيارتها لأوغندا في يناير 2017 قالت “إن تعبئة وحشد الإيرادات الداخلية أمر أساسي لتجنب السقوط في وهدة الدين ” و” أن الإعتماد علي الإستدانة فقط لتمويل البنية الأساسية لن يكون مجدياً لأن الدين سيصبح مرتفعاً جداً , فالمزيد من الإيرادات من الضرائب بحاجة إلي دفعة ” , من جهة أخري علق البنك الدولي في سبتمبر 2016 سلفة جديدة لأوغندا وقال المسئول عن أوغندا بالبنك ” إن السلطات الأوغندية يجب عليها إصلاح قضايا أدائها الحالي فيما يتعلق بمحفظة ديونها بما في ذلك التأخيرات في أداء مشروعاتها والضعف في مراقبة الأمان والإنفاذ ألخ ” وأضاف المسئول قوله ” إن البلاد لم تجن فائدة مالية عن إستثماراتها في أغلب المشروعات العامة في العقد الماضي , إنك لتجد المشروعات في أوغندا تتسم بتأخيرات مزمنة في تنفيذها والفساد هناك يعني أن المشروعات أحياناً ما تتكلف ضعف التكلفة الأصلية ” وأضاف بشأن مشروع طريق Kampala-Entebbe السريع والذي يبلغ طوله 51 كم ويتكلف 476 مليون دولار وينتهي تنفيذه في عام 2018 ” إنه ربما سيغير من وجه العاصمة Kampala لكن الفوائد منه ربما لا تكون متكافئة مع التكلفة العالية له ” , ولذلك ليس من الغريب والحالة هذه أن يصدر البنك المركزي لأوغندا تحذيراً في ثنايا تقريره السنوي عام 2016 يشير فيه إلي أن ” هناك ثمة مفاهيم في السوق تشير إلي أن أوغندا ربما لا تكون قادرة علي خدمة مستويات دينها المتصاعد ” , وهذا صحيح إلي حد كبير فحوالي 12% من الموازنة العامة لأوغندا للعام المالي 2017 – 20188 موجهة لخدمة الدين , وهي نسبة أعلي من المخصصة لقطاع الصحة والتعليم والزراعة .

– في إطار توجه جنوب السودان هي الأخري لفك عزلتها الجغرافية من خلال مشروعات الطرق التي تربطها بدول الجوار ولكن بقوة أقل نتيجة إستمرار الحرب الأهلية بها بوتيرة مضطردة , فقد إتفقت مع كينيا علي إقامة طريق يربطها بميناء Lamu الكيني علي المحيط الهندي وفي هذا الإطار نفسه قام رئيس جنوب السودان Salva Kiir بزيارة رسمية إلي إثيوبيا لمدة 3 أيام بدأت في24 فبراير 2017 أجري خلالها مباحثات لتعزيز التعاون الإقتصادي وأمن الحدود مع إثيوبيا , وأشار رئيس الوزراء الإثيوبي في تصريح له بشأن هذه الزيارة قوله ” إننا لا نريد أن نذهب بعيداً لنشتري البترول فيما جنوب السودان قريبة منا ” وأضاف فيما يتعلق بإنشاء طريق يربط البلدان ” إن إثيوبيا تنشئ حالياً طريقاً من Dima إلي Raad وتنوي مد هذا الطريق لمسافة أطول حتي يصل إلي Boma كجزء من خططنا لتقوية الروابط الإقتصادية مع دولة جنوب السودان”, ويُشار في هذا الصدد إلي أن هناك طرق من المُخطط إنشاؤها تربط إثيوبيا وجنوب السودان علي محور Gambella-Pagak-Palouge مع المحور الثاني الذي يربط Dima-Raad-Boma-Bor , وبالنظر إلي شبكة المصالح المُمتدة التي تتكون حالياً بين إثيوبيا وجنوب السودان تمثل مشروعات الطرق الداعم الرئيسي لها , لذلك صرح وزير شئون رئاسة جنوب السودان Mayiik Ayii, Gai أثناء هذه الزيارة الرئاسية بقوله ” إن إنشاء الطريق يتزامن مع إقامة مصفاة لتكرير بترول جنوب السودان في ولاية أعالي النيل مُمولة من شركات سويسرية وأمريكية وتبلغ طاقتها 100,000 برميل بترول / يوم ” .

– صرحت وزيرة الطاقة الأوغندية Irene Muloni  بأنهم يولدون 947 ميجاوات من الطاقة كهربائية وأنهم يتعاقدون حالياً مع شركات لإقامة خطوط ضغط عالي ناقلة للطاقة الكهربائية من أوغندا إلي تنزانيا وجنوب السودان وجمهورية الكونجو الديموقراطية  * , كما أن رواندا وتنزانيا وبوروندي يقيمون معاً  محطة توليد بطاقة 80 ميجاوات بمنطقة Rusumo  برواندا علي نهر Kagera ممُولة بقرض بمبلغ 340 مليون دولار من البنك الدولي بالإضافة إلي قرض من بنك التنمية الأفريقية بمبلغ 126 مليون دولار لمد خطوط الضغط العالي الناقلة للطاقة للدول الثلاث * , كذلك فقد صرح المياه والري والكهرباء الإثيوبي Seleshi Bekele أن بلاده ستمد بالطاقة الكهربائية المُولدة من سد النهضة كل من السودان وجيبوتي وكينيا وجنوب السودان وتنزانيا ورواندا بعد إستكمال السد , فيما تمد إثيوبيا كل من السودان وجيبوتي حالياً بنحو 300 ميجاوات و100 ميجاوات علي التوالي من خلال خط ناقل بقدرة 230  Kv (New Vision . 2 نوفمبر 2017)

– أُعلن في 8 مايو 2018 عن أن الرئيس الكيني Uhuru and Ethiopian ورئيس الوزراء الإثيوبي Abiy Ahmed إتفقا في 7 مايو علي المُضي قُدماً في تنفيذ عدد من مشروعات البنية الأساسية المُشتركة منها تنمية وتطوير مشروع النقل المعروف باسم ممر النقل بين Lamu Port-South Sudan-Ethiopia-Transport أو إختصاراً LAPSSET وكذلك الممر الشمالي الذي يتضمن شبطة طرق بين Isiolo و Moyale عبر أديس أبابا والخط الحديدي الرابط ما بين أديس أبابا ونيروبي , كما أتفق الرئيسان أيضاً علي   تعزيز التعاون بين الناقلين الجويين لكلا البلدين بصيغ مختلفة , وستمد إثيوبيا كما هو معروف بجزء من الكهرباء المُولدة من سد النهضة الإثيوبي والتي تبلغ 6,450 ميجاوات والذي إكتمل بنسبة 66% , كما تناول الرئيسان إلي موضوع الموارد المائية علي الحدود المُشتركة وخاصة نهري Daua و Omo وبحيرة Turkana ومعلوم ان البلدين دخلا في إطار ترتيبات ثلاثية مع منظمة IGAD لشرق أفريقيا حوض نهر Daua ومع برنامج الأمم المتحدة للبيئة بشأن حوض بحيرة Turkana .

– كانت الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء الإثيوبي  Abiy Ahmed لكل من جيبوتي والسودان وكينيا تهدف من بين أهداف أخري إلي فك العزلة الجغرافية الإثيوبية بالتوجه نحو البحر الأحمر والمحيط الهندي ولهذه الدول منافذ بحرية مينائية علي هذه السواحل , وقد صرح Fitsun Arega رئيس الأركان بمكتب رئيس الوزراء الإثيوبي بشأن هذه الزيارة وهدفها بقوله ” إن جيبوتي وإثيوبيا وكينيا والسودان سيعملون من الآن بإتجاه تكوين إتحاد إقتصادي حقيقي بإستثمارات مُشتركة وتملك المشروعات لأن شعوبنا تتشارك في تتطلعاتها للإردهار والأمن الذي يعتمد علي هذه المشروعات ” * (The New Times . 11 مايو 2018) , ولما كان سد النهضة نفسه والطاقة الكهربائية المُولدة منه ستؤدي إلي تحقيق وفورات إقتصادية , بشكل سينقل الإقتصاد الإثيوبي نقلة نوعية غير مسبوقة مما ينتج عنه إضطراد القدرات الصناعية والزراعية لإثيوبيا وكنتيجة ستضطرد الصادرات الإثيوبية , ومن ثم فإن إثيوبيا تتطلع لتصريف صادراتها بالإعتماد علي موانئ دول الجوار وبحيث لا تعتمد علي ميناء واحد , ومن هنا يمكن رؤية التقارب الأرتري / الإثيوبي والصومالي / الأرتري وتراكمهما إيجاباً مع العلاقة الإستراتيجية التي إرتقت إلي مستوي التحالف بين إثيوبيا والسودان , وبالتالي فمواني دول الجوار Port Sudan و  Port de Djiboutiو Massawa بإرتريا و Mogadishu و Kismayu و Berbera بالصومال و Mombasa و Malindiبكينيا ودار السلام و  Tangaو Mtwaraبتنزانيا ستحقق لإثيوبيا ولدول المنطقة مصالح مُتبادلة تجعل من المنطقي القول بأن سياستهم بشأن مياه النيل ستكون إما مُتطابقة أو مُعبرة عن تلك الشبكة القوية من المصالح المُتبادلة المُتنوعة بين إثيوبيا ومحيطها بشرقي أفريقيا / القرن الأفريقي , وهو عمق تفتقده مصر التي لا تستطيع حتي الدول العربية الخليجية (السعودية والإمارات تحديداً) ذات العلاقة الخاصة مع مصر تحقيق إختراق ولو محدود يجعل من دول شرقي أفريقيا النيلية أن تبحث عن تسوية حقيقية مُتوازنة مع مصر بشأن أزمة سد النهضة , ولو تأملنا أوضاع السياسات الخارجية بوجه عام للسعودية ودولة الإمارات لوجدناها تتراوح ما بين العجز والإخفاق , إذ ليس هناك من نقطة أبعد من هاتين النقطتين لتتجاوزهما سياسات هاتين الدولتين رغم الوفرة المالية أو Solvency لهما , فالسعودية والإمارات بعد التقارب الأرتري مع إثيوبيا والصومال لم تعد المساحة أمامهما حرة مفتوحة في فضاء القرن الأفريقي وبالتالي فإن تطلعاتهما وصلت لنقطة حدية أو لحدها الأقصي حالياً مع دول القرن الأفريقي , وبالتالي تواجه كلاهما صعوبة ما في إقامة قواعد عسكرية بالصومال وجيبوتي وحتي إرتريا مما يمكنهما من توسيع مدي الحرب في اليمن التي يروق إستمرارها لجماعات الضغط العسكرية في الرئاسة والبنتاجون الأمريكي أو بمعني مُحدد جماعة ضغطLobby  الصناعات العسكرية الأمريكي , ومن ثم فلا ظهير عربي يُعتد به لمصر لدي دول القرن الأفريقية النيلية وخاصة إثيوبيا , فما سبقت الإشارة إليه من أمثلة محدودة العدد من المشروعات والمصالح المُتبادلة والمُشتركة بين دول حوضي النيل الشرقي والإستوائي كاف إلي حد كبير للإستدلال علي أنه لا حيز متاح لمصر للقيام بعمل عسكري ما برياً وبحرياً علي محور إتجاهها العسكري الإستراتيجي الجنوبي يُساند تحركها الديبلوماسي بصفة مُؤثرة ولو بدرجة محدودة علي هذا الإتجاه أو يكون بديلاً عن هذا التحرك الدبلوماسي عندما تنتهي جدواه ولا يكون أمام مصر سوي البديل العسكري , وفي الواقع فليس ذلك تقصير من الآلة الدبلوماسية المصرية بقدر ما هو نظام المصالح اوالمشروعات المُشتركة الذي تقوم إثيوبيا بدور رائد في بناءه وتعزيزه بالتوازي مع إنهاء سد النهضة الذي ستستفيد دول الإتحاد الاوروبي وإسرائيل من بناءه علي أكمل وجه وبالمواصفات الإثيوبية ( فترة ملأص قصيرة بقدر الإمكان وحجم ملأ للبحيرة يتجاوز 74 مليار متر مكعب) لأن معظم المشروعات التي أشرت إلي بعضها القليل فيما تقدم تقوم بتنفيذها شركات صينية وأوروبية وإسرائيلية ومن مصلحة الدول التي تنتمي إليها هذه الشركات أن تنفذ مشروعاتها مع توفر بنية أساسية جاهزة ووفيرة وهو ما سيكون بالطاقة المُولدة من سد النهضة التي تبلغ 6,400 ميجاوات , إذن هناك مصلحة صينية وأوروبية وأمريكية وإسرائيلية من مضي إثيوبيا قدماً في إنهاء بناء سد النهضة , أما مصر فهم يريدوها طافية علي سطح بحر لجي لا هي غريقة ولا هي سابحة تتقدم , فهكذا فعلوا بها منذ أن إرتقي محمد علي باشا دست الحكم عام 1805 , فالمهمة صعبة خاصة وأن الرئيس المخلوع مبارك أنفق من حساب الزمن 30 عاماً وهو يحقق الإستقرار الإجرامي الإستقرار الذي تستخرجه من الخمود والسكون والشلل وظل لثلاثين عاماً بلا حركة مُنتجة في أفريقيا التي مضت في مشروعات تنمية جماعية وثنائية فيما نظام مبارك مُصاب بحالة حادة من الإنفصال الشبكي عيناه مفتوحتان لكنه ومن معه لا يرون شيئاً , ومن ثم وجد النظام الذي تلاه والنظام القائم حالياً نفسه في موقف لا يُحسد عليه , فقبل أن يتوليا الحكم تكونت تحالفات في القرن الأفريقي أهمها التحالف الإثيوبي / السوداني وتغيرت الأرض ومادت من تحت قدمي مصر منذ أكتوبر 1981 تاريخ تولي مبارك للحكم وحتي الآن , لذلك ففي تقديري فإن قدرة أي نظام مهما بلغ من قوة لن تفعل شيئاً لحل أزمة نُسجت خيوطها بين إثيوبيا والبنك الدولي والقوي الكبري خاصة إيطاليا والصين وغيرهما بإحكام منذ وقت طويل .   

7- الأثر السلبي لظاهرة التغير المناخي وتهديد دورات الجفاف للإستراتيجيات الزراعية بدول حوض النيل :

من بين العوامل التي دفعت إثيوبيا وأوغندا (دولتي منابع النيل) لوضع الإتفاق الإطاري للتعاون بين دول حوض النيل والذي ترفضه مصر بسبب إنكاره مبدأ الإخطار المُسبق بالنسبة لأي مشروعات علي مجري النهر وكذا لإنكاره عليها حقها التاريخي في مياه النيل إستناداً لإتفاقات معينة منها إتفاق مايو 1929 الموقع بين مصر وبريطانيا , هناك أيضاً عامل آخر وهو ظاهرة التغير المُناخي التي من بين مظاهرها نقص الأمطار والجفاف والتصحر مما أدي إلي تهديد الأمن الغذائي لدول الحوض بدرجة أو بأخري مما يتطلب مزيد من التعاون المُؤسس علي تفاهم مُشترك بين دول الحوض لكن مع تجنب الإضرار بأي من هذه الدول , وظاهرة التغير المُناخي تتناولها الأمم المتحدة مع الدول الصناعية والنامية والأقل نمواً من خلال مؤتمراتها الدولية ومن خلال تعاطي المبعوث الأممي للتغير المناخي (Mary Robinson الآيرلندية التي عينها أمين عام الأمم المتحدة في يونيو 2014)  .

صحيح أن لظاهرة التغير المناخي علاقة مباشرة بإيراد نهر النيل من المياه , لكن – في تقديري- كان من الأنسب أن يكون من بين مواد إتفاق التعاون الإطاري لدول حوض النيل Comprehensive Framework Agreement مادة تتعامل مع ظاهرة التغير المناخي , لكن ما صدر من تصريحات من قادة ومسئوليب بعض دول حوض النيل يُفهم منها أن ظاهرة التغير المُناخي نُظر إليها كأحد عوامل وضع إتفاق التعاون الإطاري الشامل لدول حوض النيل , وبالرغم من أن ذلك صحيح إلي حد كبير , إلا أن الأنسب من ذلك كما أشرت أن تتعامل هذه الإتفاقية من خلال مادة بها مع الظاهرة , ومن بين التصريحات العديدة في هذا الأمر ما قاله الرئيس السوداني نفسه وفي وقت مبكر سابق علي إعلان إثيوبيا عن إقامتها لسد النهضة حين أدلي بتصريح لوكالة أنباء السودان في 7 أغسطس 1995 أشار فيه إلي ما نصه ” إن أي حديث عن زيادة إستغلال السودان لمياه النيل يضايق الحكومة المصرية , وذلك علي الرغم من التطورات في دول حوض النيل بما في ذلك الجفاف وحاجة الدول التي لا نصيب لها من مياه النيل والتوسع في إستخدام المياه في السودان بسبب الهجرة ” , وبالطبع فهذا التصريح إستهدف الرئيس السوداني منه حينذاك إيصال عدة رسائل لمصر أهمها أن السودان بصدد زيادة إستغلاله لمياه النيل وأن هناك تطورات في دول حوض النيل منها الجفاف تستدعي تطوير سياساتها النيلية لمواجهة الجفاف من أجل تحقيق الأمن الغذائي , كما أن الرئيس السوداني يبدي تعاطف بلاده مع دول حوض النيل التي لا نصيب لها من مياه النيل ثم أن للسودان مبرر إضافي لزيادة إستغلاله لمياه النيل بسبب موجات الهجرة الأرترية والإثيوبية في شرق ووسط السودان ( تربو عن المليون نسمة) . * (السفير بلال المصري . رؤية لواقع العلاقات المصرية السودانية . صفحة صفحة 147 . قيد الطبع) , كما أن وزير المياه الإثيوبي أشار في كلمة ألقاها بمناسبة الإحتفال بيوم النيل بمدينة Goma بشرقي جمهورية الكونجو الديموقراطية في 21 – 22 فبراير 2011 حيث أشار إلي ” حساسية مسألة التغير المناخي ومواجهة أخطار الفيضانات والتي يعقبها مجاعات ” , وهو ما أمن عليه وزير البيئة وحماية الموارد الطبيعية والسياحة الكونجولي عندما أشار إلي  أن لظاهرة التغير المناخي علاقة بالفيضانات التي تشهدها منطقة حوض النيل نتيجة الأمطار الغزيرة .

لكن هناك ثمة مُلاحظتين مُتعلقتان بتركيز البعض والآخرين علي تكبير أثر عامل التغير المناخي عند الحديث عن الموارد المائية السطحية بل وتبرير بعض التصرفات التي تقترفها بعض الدول كإثيوبيا وأوغندا مثلاً وغيرهما خروجاً علي القانون الدولي فيما يتعلق بالأنهار العابرة للحدود كنهر النيل , فعلي سبيل المثال نجد علي موقعMail and Guardian – Africa –  بتاريخ 14 مارس 2017 مقالاً كتبه Ludger Schadomsky  بوكالة الأنباء الفرنسية بعنوان ” الجوع في القرن الأفريقي لم يُسببه التغير المناخي ” ويشرح الخبر فيشير إلي أن الجوع الذي يُواجه 17 مليون نسمة في شرقي أفريقيا ليس إلا أزمة من صنع يد البشر, ويستطرد   فيشير أيضاً إلي أنه ” عندما ناشدت وكالات الأمم المتحدة العالم لمساعدة جيبوتي وإرتريا وإثيوبيا وكينيا والصومال وأوغندا لم يمد أحد يد المساعدة , لكن لُوحظ أن هذه البلدان تُحكم بواسطة سياسيين فاسدين لا تعنيهم الديموقراطية في شيئ ويتجاوزون حقوق الإنسان ويشعلون الصراعات العرقية والدينية فقط للقبض علي السلطة بقوة , وضرب Schadomsky أمثلة لهذه الدول منها إثيوبيا التي وصفها بأنها بلد غني لكنه يُعاني من الظلم وأشارت إلي أنه ما من بلد منهم يبدو منه بوضوح أن هناك رابطة بين الحكم السيئ والجوع قدر ما يبدو ذلك في حالة إثيوبيا التي تعاني الجوع منذ سبعينات القرن الماضي وينزح منها تدفقات من اللاجئين …… ” وفي نهاية المقال أشار Schadomsky إلي أن ” هناك وهم مُتداول مفاده أن الجوع في أفريقيا ظاهرة مناخية , إلا أن هذا محض وهم ولا غير, فالجوع خاصة في القرن الأفريقي صناعة بشرية من عمل السياسيين والنخب ” , وفي الواقع فإني أتفق معه فيما ذهب إليه وفقاً لخبرتي ومعايشتي لنظم حكم في أفريقيا فدول القارة علي الأقل من ناحية الموارد الرزراعية ثرية للغاية , لكن لا توجد أنظمة حكم مُؤهلة أو مخلصة لشعوبها هذه هي المسألة ولا غير , لكن – ومع ذلك – لا يمكن تجاهل حقيقة وجود آراء عكسية أخري تناقض ما ذهب إليه Ludger Schadomsky بموقع  صحيفة Mail and Guardian – Africa , لكن علي أي الأحوال هناك إمكانية للتوصل إلي حل لأزمة سد النهضة لو أن  إثيوبيا والدول المُوقعة علي إتفاق التعاون الإطاري الشامل لدول حوض النيل  Comprehensive Framework Agreementعدلوا المادة 14 فقرة باء منه المُتعلقة بالأمن المائي بهذا الإتفاق , خاصة وأن هناك نماذج سابقة لدول نجحت في تجاوز خلافاتها علي مياه الأنهار فوقعوا جميعاً علي إتفاق  كحالة معاهدة نهر Indus  وحالة معاهدة نهر  Senegal ألخ , علماً بأن معاهدة الأمم المتحدة للمجاري المائية UN Watercourses Convention تركت لكل دولة من الدول المُوقعة عليها أمر التفاوض علي ما تراه مناسباً لها فيما يتعلق بمبدأ التوزيع المُنصف والمعقول للمياه , وفي تقديري أنه مع الإعتراف الجزئي بعلاقة ظاهرة التغير المناخي بالموارد المائية النهرية ( وهناك حالات عديدة مماثلة كحالة تناقص بحيرة تشاد Lake Chad التي تقلصت مساحتها فأصبحت 2,500 كم مربع بعد أن كانت 25,000 كم مربع في ستينات القرن الماضي لاسباب مختلفة أقلها شأناً ظاهرة التغير المناخي , فليد الإنسان الدخل الأعظم فيما آلت إليه) , إلا أنه لابد أولاً من الإعتراف بأن الأثر السلبي لهذه الظاهرة مُوزع علي الدول المشاركة في حوض النهر , وفي حالة نهر النيل تعد مصر الأسوأ في نسبة الأضرار الناتجة عن ظاهرة التغير المناخي ولذلك ليس هناك منطق لا من إثيوبيا أو غيرها من دول الحوض في نسبة أو تبرير ربط طموحاتهم المائية بظاهرة التغير المناخي لأن مصر المُضار الأكبر لآثار الظاهرة , لكن عندما يصوغ الساسة إتفاقيات تتعلق بقضية فنية محضة , فعلي المرء والحالة هذه توقع صياغات ماورائية ومُلتفة بالضبط كحالة المادة 14 باء المُتعلقة بالأمن المائي في الإتفاق الإطاري والتي من بين مبرراتها حاجة الدول إلي إقامة مشروعات علي مجري النيل للوفاء بالمُتطلبات المائية المُتزايدة بدون إخطار مُسبق لدولتي المصب (مصر والسودان) وهي المشروعات التي يبررها ساسة هذه الدول بأن مرجعها تزايد الطلب علي المنياه بسبب زيادة أعداد السكان وهذا حقيقي 100% وبسبب الآثار السلبية لظاهرة التغير المناخي وهذا هو الأمر الخلافي 100% .

بالرغم مما سبق شرحه ويتعلق بتدني أثر ظاهرة التغير المناخي علي الموارد المائية لنهر النيل , إلا أن الإثيوبيين والأوغنديين بل ومعظم دول حوض النيل في أحباسه العُليا يصطنعون رابطة يريدونها قوية الأثر بين موارد مياه النيل الحالية وتداعيات ظاهرة التغير المناخي , مما دعاها مع اسباب أخري إلي إنكار حقوق مصر التاريخية في مياه النيل وكذلك حقها ومعها السودان في ضرورة إخطارهما مُسبقاً بأي مشروعات مائية تُقام علي مجري نهر النيل كسد النهضة مثلاً مع أن أحد أوجه ظاهرة التغير المناخي حدوث فيضانات هائلة أي مياه فائضة قد تستحوز عليها دولتي المصب دونما حاجة آنية أو لاحقة إليها لا لشيئ إلا لتوفير أكبر قدر من المياه وراء عدد مُرتقب من السدود لأغراض توليد الطاقة الكهربائية كسد النهضة وسد Bujjagali الأوغندي لتوليد الطاقة حيث سيُولد 250 ميجاوات (وهو سد غير مؤثر سلباً علي موارد مصر المائية) .

8- غلبة التناول السياسي للقرارات المُتعلقة بمياه النيل داخل مصر ومع دول حوض النيل :

إرتكبت الإدارة السياسية المصرية منذ أكتوبر 1981تاريخ تولي الرئيس المخلوع مبارك للسلطة بعد مصرع الرئيس السادات غيلة وغدراً في 6 أكتوبر 1981 , إرتكبت هذه الإدارة أخطاء سياسية متنوعة بالإضافة إلي كونها غير مُحتملة لتأثيراتها متعددة الأبعاد , وكان أعظمها جرماً ما تعلق بقضية مياه النيل , وبالرغم من أن هذه القضية كان لبعض الساسة والفنتيين المعنيين بالري في مصر وجهة نظر صائبة بشأنها , إلا أن الكلمة الفصل فيها لم تكن في أغلب الأحوال لوزارة الري وخبراؤها بل لأجهزة الأمن المصرية ولوزارة الخارجية بدرجة محدودة جداً , وبالتالي فقد كانت القرارات المُتعلقة بمياه النيل بل ومشروعات الري في مصر نفسها قرارات سياسية محضة وبالتالي فإن ما يُوصف بأنه تسيس لقرارات الري المصري أمر لا شك في مطابقته للواقع , وأورد هنا – من بين أمثلة عديدة ومختلفة – مثالين فقط أحدهما يتعلق بعلاقتنا بإثيوبيا في قضية سد النهضة وثانيهما مشروع توشكي الذي إنتهي قبل أن يسقط ما يُسمي “بنظام” مبارك وإنتهي تماماً أي حديث عنه بعد أن أهدر هذا “النظام ” ما لايقل عن 18 مليار جنيه مصري في رمال الصحراء الغربية .

المثال الأول ويتعلق بسد النهضة , فقد بدأت مقدمات الخطأ المصري عندما لم يتحسب مُتخذ القرار السياسي إلي مغزي قبول إثيوبيا الإنضمام كعضو كامل العضوية لمبادرة حوض النيل – التي من وجهة نظري وُضعت خطوطها الرئيسية بمعرفة البنك الدولي – فقد ظلت إثيوبيا مُحجمة عن الإنضمام كعضو كامل بمعظم التجمعات المعنية بنهر النيل وهي مشروع الهيدروميت وهو تجمع فني نشأ عام 1967 وكان أول وجه من أوجه التعاون بين الدول النيلية وتجمع إندوجو (الأخوة بالسواحلية) وكان تجمعاً غير رسمي إبتكره د. بطرس غالي ليكون منتدي لتبادل وجهات النظر والمعلومات وتنسيق المواقف ودعم التعاون بين دول حوض النيل الأعضاء به , و تجمع تيكونيل الذي نشأ في ديسمبر 1992 وأستمر حتي 1998 , ويتضح من أسمه طبيعته الفنية البحتة فقد إستهدفت الدول المُنضمة إليه تحقيق التنمية وحماية البيئة وكان تشكيله – الذي خلا من إثيوبيا أيضاً – ثمرة الجهود المصرية , بعد ذلك وعقب إجتماع وزاري في أروشا بتنزانيا في 23 و24 سبتمبر 1998 أقر المجتمعون إنشاء آلية جديدة بديلة للتيكونيل كآلية إنتقالية للتعاون بين دول الحوض وذلك ريثما يتم الإنتهاء من وضع الإطار القانوني والمؤسسي للتعاون بين هذه الدول , وقد كانت مبادرة حوض النيل المُقدمة الأولي لإتفاق التعاون الإطاري أو إتفاق عنتيبي 2010 الذي أنكر علي مصر والسودان – كما سبقت الإشارة –  حقهما التاريخي في مياه النيل كماعمد إلي إسقاط حق آخر هو حق الإبلاغ المبكرعن المشروعات التي تُقام علي مجري النهر , وما أعنيه بشأن قبول إثيوبيا الإستثنائي للإنضمام لمبادرة حوض النيل أنه مسلك غير إعتيادي من إثيوبيا كان علي مصر أن تتوجس خيفة منه وتتحري الحذر فسياسة إثيوبيا بشأن مياه النيل لم تكن يوماً موافقة لمصر والعكس صحيح , خاصة في ضوء معلومات عديدة مُتداولة عن خطط إثيوبيا لإستغلال أقصي لمياه النيل ومن بين هذه المعلومات أنه وبدعوة من الإمبراطور هيلاسيلاسي أعد مكتب إستصلاح الأراضي التابع للحكومة الأمريكية دراسات مسحية لمواقع علي النيل الأزرق في الفترة من 1956 حتي 1964 وأقترح المكتب الأمريكي 4 مواقع لمشروعات هيدرولوكية علي النهر تُقدر إمكانياتها 3 أضعاف ما نتج عن إقامة سد أسوان العالي بمصر , وقد أختارت الحكومة الإثيوبية أحد هذه المواقع الأربعة لإقامة سد النهضة وهو يبعد عن شمال غربي أديس أبابا بـ 750 كم  ولا يوجد به توطن سكاني ملحوظ ولا أنشطة إقتصادية , وقبل ذلك وفي عام 1962 قام فريق من المهندسين الألمان بوضع دراسات أخري عن مياه نهر Abbai , وفي عام 2008 قامت Eastern Nile Power Trade Studies بإعداد دراسة جدوي تمهيدية بمنطقة Abbai Gorge تحت رعاية مبادرة حوض النيل الشرقي في إطار برنامج عملها الفرعي والذي – وفقاً للحكومة الإثيوبية ثم تعاقبت دراسات أخري لتحديث السابقة فأُجريت دراسة في أكتوبر 2009 وفي يوليو إلي أغسطس 2010 بمعرفة  Studio Petroangeli ,  وكل هذه الدراسات أشارت إلي أن أنسب موقع من الوجهة الموروفولوجية والجيولوجية والبيئية معاً هو الحالي لإقامة سد النهضة الذي سيبلغ إرتفاعه 145 متر وعرضه 1780 متر وسيُنشأ وراءه خزان يغطي منطقة مساحتها 1,680 كم مربع يستقر فيها 63 بليون متر مكعب من مياه النيل (الحد الأدني للتخزين 12 بليون متر مكعب) , ومن المُقدر إنهاءه في يوليو 2017 , ومما يُثير الأسي ما نشرته المصادر الإثيوبية ويدل علي الغفلة المصرية القاصرة عن إدراك مجمل الصورة والعلاقات القائمة بين أجزاء المواقف للأطراف المختلفة تلقي البنك خطاباً من وزير الإستثمار المصري برعاية من برنامج العمل الداعم لدول النيل الشرقي ENSAP و مبادرة حوض النيل NBI يطلب فيه حشد البنك الدولي للمانحين لتمويل المرحلة الأولي من هذا المشروع الإقليمي الأول (أي سد النهضة) وقد قام البنك في ذات العام بوضع دراسة مُستقلة شاركت فيها مصر – التي تعترض الآن علي هذا المشروع الذي وُضع ضمن 5 مشروعات مُزمع إقامتها , في هذا التوقيت المُبكر وفقاً لهذه المُقدمات المُنذرة كان علي مصر إطلاق تحرك دبلوماسي لتكوين رأي عام أفريقي موات لوجهة النظر المصرية ليس علي مستوي دول حوض النيل فقط بل علي الصعيد الأفريقي ككل , ذلك أن قضايا الأنهار الأفريقية قضايا مطروحة علي النطاق الأفريقي وستجد مصر من يسمعها , وبتكوين رأي عام أفريقي علي المستوي الرسمي وبعض الفضاء الإعلامي الأفريقي ستجد إثيوبيا بعض الصعوبة في الترويج لمشروع يحرم بلد كمصر لا بديل لها عن مياه النيل , بلد تعاني من الندرة المائية , لكن مصر آثرت التحرك بعد الإعلان عن إقامة سد النهضة عام 2011 وهي تعاني من مخاض ثورة تم الإجهاز علي جسدها ليُمزق فيما روحها مازالت تغطي سماء مصر .

في تقديري أن إنضمام إثيوبيا لهذه المبادرة التي سُميت أيضاً ” مبادرة الرؤية المُشتركة ” وهو مُسمي مُوحي لم يكن ليتم لولا أنها جاءت من خارج دول الحوض وتحديداً من قبل البنك الدولي , وقد قسمت المبادرة دول حوض النيل إلي قسمين أولهما دول الحوض الشرقي ويضم مصر والسودان وإثيوبيا وأُنشئ له المكتب الفني الإقليمي للنيل الشرقي (الإنترو) في مارس 2001 بالإتفاق بين مصر والسودان وإثيوبيا ومقره أديس أبابا , وثانيهما دول الحوض الإستوائي وتضم باقي الدول النيلية , وهناك ثمة تساؤل يستحق الإجابة ألا وهو : لماذا عمدت هذه المبادرة إلي تقسيم دول حوض النيل إلي قسمين شرقي وإستوائي ؟ هل كان ذلك لأسباب تمويلية أم تراها إدارية أم سياسية أم فنية جغرافية ؟ وإذا كانت الإجابة أحد أو بعض أو كل هذه الأسباب , فإنها جميعاً لا تبرر إحداث هذا الإنقسام الذي لم يحدث في التجمعات السابقة التي ضمت دول هذا النهر , بل ولا في التجمعات النهرية الأفريقية الأخري كتجمع دول حوض نهر النيجر مثلاً , مع العلم أن المنطق يشير إلي أن الرقم واحد أي جعل دول حوض النهر تنضوي داخل كتلة واحدة متماسكة أدعي للقوة والتنسيق والتجانس فالرقم واحد إذا ما أنقسم أدي للضعف . *( بلال المصري . كتاب مُعد للطبع بعنوان “رؤية لواقع العلاقات المصرية / السودانية . صفحة 31)

المثال الثاني يتعلق بتوقيع مصر لوثيقة مبادئ سد النهضة فهذا التوقيع كان قراراً سياسياً محضاً فمضمون هذه الوثيقة التي وقعت من جانب مصر والسودان وإثيوبيا في الخرطوم في 23 /3/2015 يعبر فقط عن إرادة سياسية إذ لا علاقة له بالجوانب الفنية لسد النهضة ولا مياه النيل بوجه عام فقد خلا منها مضمون هذه الوثيقة التي صيغت بعمومية واضحة , وأميل إلي الإعتقاد إلي ان مُتخذ القرار المصري كان لديه أمل في تبديد أي إعتقاد لدي الجانب الإثيوبي بأن مصر ترفض إقامة السد من حيث المبدأ وأنها لمحو هذا الإعتقاد وقعت علي وثيقة تنصرف كل معانيها علي تأكيد معني التعاون بين “دول النيل الشرقي” , لكني أعتقد أن سد النهضة وهذا ما دأب الإثيوبيين علي تأكيده “مشروع قومي ويعبر عن إرادة الشعب الإثيوبي في التنمية” , وأنه ممارسة سيادية لحقوق إثيوبيا في إستغلال مواردها المائية علي الوجه الذي يحقق أقصي درجات التنمية , ولهذا فقد كان الإثيوبيين يعملون علي تنفيذ مشروع سد النهضة فيما هم في نفس الوقت  يوقعون مع مصر والسودان علي وثيقة “إعلان مبادئ” لم تتضمن إشارة ولو غير مباشرة لوقف البناء فيه حتي تنتهي المهمة الإستشارية لبيوت الخبرة الفنية وتبت في مساءل فنية حاسمة لمصر مثل إرتفاع السد وفترة الملأ وحجم المياه في البحيرة أو الخزان , ومن ثم كانت “وثيقة إعلان مبادئ سد النهضة” مسلكاً غير تفاوضي أو بمعني أدق لم يخدم المفاوض المصري , بل أسهم – وهذا ما إستغلته إثيوبيا – في رسم صورة لدي الرأي العام الدولي والأفريقي خاصة في أنه لا نزاع بين مصر وإثيوبيا فيما النزاع كان يحتدم والقيادة المصرية في أوج غضبها من التكتيك الإثيوبي في إستهلاك وحرق الوقت وبالتالي ساهمت “وثيقة إعلان المبادئ” تلك في مزيد من إستهلاك الوقت فقط ولا غير بدليل أن هذه الوثيقة لم تمنع أو تحد من الإخفاقات المُتتالية للإجتماعات الوزارية الثلاثية والتساعيةعلي المستويين السياسي والفني , بإختصار كان من الأنسب عدم الإقدام علي توقيع وثيقة سد النهضة التي أستخدمت إستخداماً دعائياً فقط .

تأكيداً لما تقدم نجد أن مجال الري علي عظم أهميته لأمن مصر المائي كان نصيبه مُتدنياً في الإنفاق العام للدولة , فقد عانت وزارة الري المصرية بعد الإنتهاء من مشروع السد العالي في سبعينات القرن الماضي من ضيق الموارد المالية المرصودة لها ففي عهد الرئيس السادات كان السبب وجيهاً ومنطقياً إذ مان معركة تحرير الأرض أولوية عظمي دونها أي شيئ آخر , لكن ما هو المبرر إبان عهد مبارك 1981 – 2011 , ففي عهد مبارك كان واضحاً بجلاء تغليب العوامل السياسية والأمنية علي النواحي الفنية المهنية للري المصري والذي تُعتبر وزارته أحد اقدم  الوزارات المصرية , ومما يؤكد ذلك أن الوزن الحقيقي للقطاعات ذات الصلة المباشرة بأمن مصر القومي مثل المياه الري لم تحظ بما تستحقه من إنفاق في الموازنة العامة للدولة المصرية فعلي سبيل المثال تضمن التقرير العام للجنة الخطة والموازنة بمجلس الشعب المصري عن حساب ختامي الموازنة العامة للدولة عن السنة المالية 2003 / 2004 عرضاً لأوجه الإنفاق العام علي الوزارات والقطاعات المختلفة من بينها قطاعي الزراعة والري اللذان كان نصيبهما من إجمالي الإنفاق العام مبلغ 6888,7 مليار جنيه بما يمثل نسبة 4,2 % من مجمل الإنفاق العام وفيما كانت نسبة قطاع الزراعة وإستصلاح الأراضي 1,7 % من مجمل الإنفاق العام كانت نسبة قطاع الموارد المائية والري 2,3% من مجمل الإنفاق العام , وهي نسبة أقل من نسبة الخدمات الرئاسية (رئاسة الجمهورية) التي بلغت 2,7 % من إجمالي الإنفاق العام فيما بلغت نسبة الإنفاق علي الدفاع والأمن والعدالة ( يُلاحظ الدمج بين ثلاث عناصر) 12,5 % من إجمالي الإنفاق العام .  * (مضبطة الجلسة التاسعة والأربعين للفصل التشريعي التاسع بدور الإنعقاد العادي الأول . بتاريخ 2 أبريل 2006)

9- القوي الدولية لا تعتبر سد النهضة أزمة تهدد مصالحها :

لم تبادر قوي دولية واحدة بالتدخل أو الوساطة في “أزمة” سد النهضة , إذ أن أي متابع للشئون السياسية الدولية يعلم أن تدخلات القوي الدولية في الأزمات الإقليمية تنشأ بغرض الدفاع إستباقياً أو في الوقت المناسب لحماية وصيانة مصالحها الحالية أو المُرتقبة , ولعلي أؤكد هذا المبدأ من واقع عملي كسفير لمصر لدي النيجر 2009 – 2013 فقد ثارت أزمة دستورية داخلية بالنيجر عام 2009 عندما قرر رئيس النيجر Mamadou Tandja  وضع دستور جديد للنيجر لتغيير عدد مرات تولي منصب الرئاسة ليكون لثلاث مرات خلافاً لدستور النيجر السابق الذي وُضع في أغسطس 1999 وينص علي أن فترات الرئاسة لا تتجاوز مدتان , تدخلت أطراف عديدة ومختلفة في هذه الأزمة الدستورية منها الأمم المتحدة وفرنسا والولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي والتجمع الإقتصادي لدول غرب أفريقيا وغيرهم بل وجماعة سانت أجيديو  St. Egido الكاثوليكية التي تدخلت في النواع في جنوب السودان بالتوازي مع منظمة IGAd في تسعينات القرن الماضي وتدخلت في الأزمة الدستورية في النيجر عام  وفي غيرهما 2009 , والسبب الرئيسي لهذه التدخلات هي المصالح الإقتصادية ففي حالة النيجر مثلاً تدخلت القوي الدولية (فرنسا والولايات المتحدة تحديداً) فهي ثالث أو رابع أكبر منتج لليورايوم علي مستوي العالم وتغذي فرنسا مفاعلاتها البالغ عددها 48 مفاعل بالكعكة الصفراء  Yallow Cakeمن يورانيوم النيجر , كما أن النيجر بدأت في هذا الوقت من عام 2008 تتنامي أهميته للقيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا AFRICOM لمحاربة الإرهاب في الساحل نظراً لقوة شكيمة التيارالإسلامي الجهادي في منطقتي الساحل والصحراء , كما أن هناك مشروعات طاقة عملاقة كان مسرحها هاتين المنطقتين وللنيجر مشاركة ضرورية فيهما وهما مـــشروع توليد الطاقة من آشعة شمس الصحراء الكبري المعروف باسم DESERTEC وهو المشروع الذي  أعلنت عنه مؤسسة DESERTEC في 18 يونيو 2009 وأشارت إلي أن هناك إتجاهاً من ألمانيا وأوروبا لإستخلاص الطاقة الكهربائية من شمس الصحراء الكبري وتُقدر تكلفته 555 مليار دولار , أما المشروع الثاني فهو مــــشروع خط الغاز العابر للصحراء الكبري يُعتبر هذا المشروع أحد مشروعات الطاقة العملاقة بأفريقيا وهو أيضاً من المشروعات التي يعول عليها الإتحاد الأوروبي في إطار إستراتيجيته لأمن الطاقة والمشروع مُصمم بحيث يمد أوروبا بالغاز من خلال ربطه بخط الغاز القائم  وبخطوط أخري هي خط عبر المتوسط TRANS – MEDITERRANEAN وخط المغرب – أوروبا وخط MEDGAZ وخط GALSI وكلها خطوط تعبر المتوسط ويُقدر طول خط الغاز العابر للصحراء والقادم من نيجيريا حتي المتوسط 4,200 كم منهم 1,030 كم داخل أراضي نيجيريا و853 كم داخل أراضي جمهورية النيجر و2,310 كم داخل أراضي الجزائر ويسير الخط  في 50% من طوله في إقليم السافانا الإستوائي شبه الجاف قبل أن يصل إلي جبال الأطلس وأخيراً يصل إلي منطقة حاسي الرمال وهي منطقة إلتقاءلأنابيب البترول و الغاز الطبيعي الواصلة للساحل الجزائري علي المتوسط , وتقدر تكلفة المشروع 10 بليون دولار لإنشاء الخط و3 بليون دولار لتجميع الغاز والبنية الأساسية اللازمة للخط .

ظلت ضغوط وتدخلات القوي الدولية تُمارس علي رئيس النيجر Mamadou Tandja إلي أن تم الإنقلاب العسكري عليه في 18 فبراير 2010 وتخلصت فرنسا أكبر مُستفيد من هذا الإنقلاب علي الرئيس الذي رفض الإنصياع لشروط فرنسا في تسعير بخص ليورانيوم النيجر وأستطاع تغيير أسعار توريده لفرنسا صيانة لثروة بلاده , لكنه أطيح به في النهاية وعادت فرنسا لمسلكها القديم في إستغلال يورانيوم النيجر بفضل العسكريين , وحالة النيجر شبيهة بحالات صراعات وأزمات أفريقية أخري مثل قضية كابيندا في أنجولا والتوجو والكونجو الديموقراطية وبوروندي تتدخل فيها القوي الدولية لدعم إتجاه يصب في مصلحتها الإقتصادية المباشرة أو لا تتدخل تماماً أيضاً حفاظاً علي مصالحها مع أحد طرفي الأزمة أو النزاع كما هو الحال في أزمة سد النهضة الإثيوبي فمصالحهم الأثقل وزناً مع إثيوبيا فمصر أخذوا منها ما يريدون : أمن إسرائيل بموجب معاهدة السلام الموقعة بين مصر وإسرائيل في 26 مارس 1979 وسلسلة التنازلات اللاحقة ولم يتحقق سلام كل ما تحقق هو تحييد مصر وإضعافها إلي أن أتي زمن تسيطر فيه إثيوبيا علي مصر .

10- تزايد إستبعاد فرضية الحل العسكري :

لابد أولاً من الإشارة إلي أنه علي مُتخذ القرار السياسي وكذا المفاوض المصري أن يدركا أن سد النهضة ليس إحتياجاً أو لم يعد مع إقترابة من الإكتمال إحتياجاً إقتصادياً إثيوبياً فقط بل أصبح بالإضافة إلي ذلك إحتياجاً إقتصادياً إقليميا إذ أنه مورد للطاقة الكهربائية لدول الجوار الإثيوبي وهي فيما عدا جيبوتي دول نيلية , كما أنه إحتياج إقتصادي للإتحاد الأوروبي وللدول الأوروبية إستثماراتها وشبكة أعمالها التي تتضمن تنفيذ مشروعات مفتاحية Mega بالقرن الأفريقي منها الشركة الإيطالية التي تُنفذ سد النهضة والتي أُسند إليها تنفيذه بالأمر المباشر , ومع ذلك وحتي مع إدراك مصر لهذه الحقيقة  إلا أن هناك مازال ثمة حيز لمنطق ومبرر يبرر لمصر الحل العسكري بإعتباره البديل الوحيد المُتاح بعد إستنفاذ المسلك التفاوضي الدبلوماسي الذي كانت آخر جولاته الإجتماع التساعي بأديس أبابا والذي وقعوا في ختامه علي وثيقة تضمنت 5 بنود تؤسس لخارطة طريق جديدة بغيدة عن المسارات السابقة التي لم تُؤد لنتيجة وتعهدت الدول الثلاث في متنها بالتعاون وفقاً لما تضمنه إعلان مبادئ سد النهضة المُوقع بالخرطوم في مارس 2015 , لكن وثيقة هذا الإجتماع التساعي لم تحسم الجدل والخلاف بين مصر وإثيوبيا فيما يتعلق بإجراء دراسات فنية لتحديد تأثيرات السدّ السلبيّة على مصر أو الاتّفاق على آلية تخزين السدّ وتشغيله بدون التسبّب في ضرر بالغ لمصر , والمحصلة النهائية بعد كل ذلك أن أزمة سد النهضة الإثيوبي لا تعتبرها إثيوبيا ولا السودان أزمة بأي مقياس , فهي مازالت وستظل “أزمة” مصر وحدها للأسف , وعليها وحدها أيضاً أن تمارس حقها في الدفاع المشروع عن النفس لإحباط ” جريمة ” تقترفها إثيوبيا برضي السودان ضد مصر فهي “جريمة ضد الإنسانية ” , ولكن وبفرض صواب الفرضيات المانعة لإستخدام مصر بديل الحل العسكري في ضوء الإصرار الإثيوبي مع المساندة السودانية في المضي قُدماً في إنجاز سد النهضة وفقاً للتصميم الهندسي الإثيوبي الذي تتحفظ مصر عليه , فإن المناخ السياسي السائد في منطقة القرن الأفريقي أصبح غير موات تماماً لمصر لتأييد إقليمي ودولي لمثل هذا البديل , فها نحن أمام مسرح سياسي إقليمي يتبدل لمصلحة إثيوبيا ففي 9 يوليو 2018 أعلنت كل من إرتريا وإثيوبيا رسمياً إنتهاء حالة الحرب بينهما بعد عقدين من العداء المُتواصل خلال الزيارة التاريخية لرئيس الوزراء الإثيوبي Abiy Ahmed لأسمرا في 8 يوليو 2018 والتي أعلن خلالها أيضاً عن تطبيع العلاقات الثنائية في مجالات عدة , كذلك قام الرئيس الصومالي بدعوة من الرئيس الإرتري بزيارة تاريخية لإرتريا في 28 يوليو 2018 فيما يُعد نقلة نوعية لعلاقة كانت بين خصمين تبادلا الإتهامات بدعم المعارضة لكنها الآن وبعد هذه الزيارة أصبحت بين شقيقين لتكتمل النسخة الجديدة للقرن الأفريقي نسخة بلا مواجهات مُسلحة وعنوانها التنمية والإستقرار , مما سيُغير من تحالفات الأمس التي كانت فيها مصر تملأ مكان إثيوبيا في علاقات إرتريا الخارجية وكانت الحركة المصرية الحرة في إرتريا مصدر تهديد قض مضاجع إثيوبيا , لكن اليوم وبعد إنتهاء حالة الحرب بين إثيوبيا وجارتها التي ظلت منذ قامت إثيوبيا بإحتلال مناطق أخري وفرضت الإتحاد الفيدرالي علي إرتريا عام 1925 بدعم بريطاني ثم ألحقتها بإثيوبيا رسمياً عام 1936 حتي إستقلال أرتريا عام 1994 ومن ثم عادت إرتريا للنطاق الإيجابي في نظرية الأمن القومي الإثيوبي بعد أن وصل الأمر بالتنسيق المُتبادل في إطار علاقات إرترية / مصرية قوية أن راجت أخبار أشارت إليها صحيفة SUDAN TRIBUNE علي موقعها في 17 أبريل 2017بالإحالة علي منظمة عفار البحر الأحمر الديموقراطية RSADO المُعارضة لنظام الحكم القائم بإرتريا تفيد بأن حكومة أسمرا أعطت مصر الضوء الأخضر لبناء والحصول علي قاعدة عسكرية علي الأراضي الأرترية في جزيرة (محلية) Nora أو Norah ثاني أكبر الجزر المسكونة بأرخبيل  Dahlak  وتبلغ مساحتها حوالي 105 كم مربع , وأشارت هذه المصادر إلي أن وفداً عسكرياً وأمنياً مصرياً قام بزيارة لأسمرا مطلع أبريل 2017 للإتفاق علي تمركزعدد يتراوح ما بين 2000 إلي 3000 من عناصر البحرية المصرية بهذه القاعدة البحرية , كما تكررت إتهامات إثيوبيا لمصر وأرتريا بتهديد أمنها حتي أن الرئيس الأرتري في 26 مايو 2017 هون من شأن تقاريرإعلامية تفيد بأن بلاده عمقت علاقاتها بمصر من أجل القيام بعمل تخريبي لسد النهضة الإثيوبي وتمررت إتهامات إثيوبية أخري نفتها مصر تفيد بأن ثمة تحالف ثلاثي مُكون من مصر وجنوب السودان وأوغندا بهدف عمل تخريبي ضد سد النهضة ونشرت africanews  في 16 أبريل 2017 أن المحكمة العليا بإثيوبيا أصدرت حكمها علي مجموعة من المُتمردين المُنتمين لحركة بني شنقول ” Benishangul Gumuz People’s Liberation Movement   ” لقيامهم بعمل من شأنه إعاقة العمل بسد النهضة ,  وفي 22 أبريل 2017 نشر نفس هذا الموقع أن جهات الأأمن الإثيوبية ألقت القبض علي 98 من الإرتريين بإعتبارهم عناصر مُناهضة للسلام .

إستطاعت إثيوبيا مد شبكة أمنها القومي في محيط دول الجوار وربطتها بمصالح إقتصادية مُضطردة وقابلة للتحقيق في الأمد القصير , ومن ثم فقد أمتدت الآن شبكة أمن إثيوبيا القومي من الصومال وجيبوتي وإرتريا والسودان ثم دعمتها بتحرك ديبلوماسي شمل كينيا ورواندا وبوروندي وأوغندا , بحيث لم يعد ممكنا – من الوجهتين النظرية والعملية – إمكانية مبادرة مصر بعمل عسكري ما ضد إثيوبيا وسد النهضة تحديداً .

نــــتيـــجــة :

تفاوض مصر مع إثيوبيا بشأن أزمة سد النهضة التي يدعم موقفها السودان عملية في غاية الصعوبة في ضوء العوامل العشرة المُشار إليها , كما أن التحرك الدبلوماسي المصري يكاد وان يكون تحركاً محدود التأثير بالنظر للعوامل المُشار إليها وغيرها مما لا يمكن إيضاحه هنا , بالرغم من أنها أنها ستؤثر في الأمن القومي المصري سلباً , إذ بسببها سيتناقص أمن مصر القومي تناقصاً تدريجياً – إن إكتمل سد النهضة وفقاً للرؤية الإثيوبية – وقد تجد هذه الأزمة سبيلاً لحل ما من خلال (1) تدخل مفاجئ لقوة دولية كبري في ظروف لاحقة وقبل إكتمال السد وهو ما أستبعده لكنه أمر ممكن خاصة إن كان ذلك التدخل  في مقابل تنازلات مصرية في قضية أخري , أو (2) من خلال إجراء عسكري مصري مبرره المنطقي “الدفاع الشرعي عن النفس ”  , لكن ومع ذلك يظل كلا البديلين أيضاً رهناً بالتغلب علي العوامل سابق الإشارة إليها أو علي بعضها , ذلك أن تدخل القوة الدولية الكبري أمر مُستبعد حدوثة حتي الآن , فالأزمة متواصلة منذ 7 سنوات والتدخل في بدايتها كان منطقياً ومناسباً أما وأن السد قد إكتمل ثلثيه علي الأقل فلا منطق يدعم فرضية التدخل , لأن الواضح أن إضعاف مصر يمثل الآن فرصة بعد أن كان مطلباً يمكن قراءته في الخطوط الخفية لسياسات القوي الدولية الكبري منذ إنتصار الجيش المصري في موقعة نصيبين 1839 إبان حكم محمد علي باشا  ونجاحه في عبور خط بارليف في حرب 6 أكتوبر 1973حتي يومنا هذا , فمن بين نتائج قوة مصر وتمددها خارج إقليمها بعد موقعة نصيبين مثلاً أنها نقلت ما يُعرف “بالمسألة الشرقية” إلي مستوي حرج لتأثيره علي الصراع بين القوي الدولية وتوازناتها وعلاقاتها بالدولة العثمانية آنئذ , ولذلك عُقد مؤتمر لندن 15 يوليو1840 وتم تقزيم مصر, وبالتالي فقد ظل تقزيم مصر أي إضعافها وتركها طافية في بحر لجي لا هي غارقة ولا هي سابحة بقوة نحو وجهتها صوب مكانتها الجديرة بها , وهو ما يحدث حتي الآن , وبالتالي فإن نجدة أحدي هذه القوي الدولية أمر مُستبعد ما لم يكن هناك ثمن باهظ , فهذه القوي لا تحركها عواطف وإنما مصالح وفي الغالب ولإن مصر أصبحت لا تملك غير سيادتها فالثمن قد يكون جزءاً من سيادتها , أما الإجراء العسكري فهو يعتمد علي جاهزية متخذ القرار السياسي في مصر لتحمل تبعات هذا الإجراء العسكري , هذا بفرض أنه سيكون حاسماً أو أن متخذ القرار السياسي المصري لا يدرك تبعاته , بل إنه يدركها تمام الإدراك , ولذلك وفي ضوء كل ما تقدم  وبعد أن وصلت أزمة سد النهضة إلي مستوي الكارثة القومية لمصر , فلا مناص من أن تتعامل مصر مع “عدوها ” الذي يبغي دفعها وهي علي حافة جرف هار لتهوي تعاملها مع قاتل يدعي أنه يقيم مشروعاً للتنمية في بلاده غير عابئ بما ستدفعه مصر من ثمن باهظ هو حياتها لا أقل .

مرة أخري أكرر أن أزمة سد النهضة بالنسبة لمصر أزمة حياة أو موت أما بالنسبة لإثيوبيا فهي مسألة حياة أو حياة أفضل , وعلي مصر أن تناضل حتي تنأي عن خطر الفناء الذي بات من الواضح أنه أمر تتمناه القوي الدولية لمصر وآية ذلك عزوفها عن التدخل وهي المعروف عنها تدخلاتها في الأزمات التي تهدد مصالحها , ومصالحها مع إثيوبيا في هذه الأزمة  , فعلي مصر ألا تتوقع منهم خيراً فهي معركة مصر , وستبقي معركتها وحدها .

قال الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور :

  • إذا كنت ذا رأيٍ فكن ذا عزيمةٍ … فإنَّ فساد الرأي أن تترددا
  • ولا تمهل الأعداء يوما بقدرةٍ … وبادرهم إن يملكوا مثلها غدَا

 

خاص – المركز الديمقراطي العربي – الـــــــســــفـــيـــر بــــــلال الـــمـــصـــري –

 سفير مصر السابق لدي أنجولا وساوتومي والنيجر

القاهرة تحريراً في 5 يوليو 2018

الوسوم