الشرق الأوسطتقدير الموقفعاجل

النزاع السوري في 2019: مؤشرات التسوية ـ التحديات ـ وسيناريوهات المستقبل

اعداد : أميرة أحمد حرزلي، باحثة في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، المركز الديمقراطي العربي

  • المركز الديمقراطي العربي

 

مقدمة:

دخل النزاع السوري أواخر العام 2018 وبداية العام الجاري 2019 مرحلة جديدة تتسم بالتفاؤل الحذر عنوانها ” التسويات السياسية والعسكرية” لنزاع يدخل عامه التاسع، سجل العام المنصرم عدة احداث وتطورات سياسية وعسكرية شهدتها سوريا منها ما هو إيجابي يصب في مصلحة تسوية النزاع السوري ومنها ما هو سلبي يهدف لعرقلة جهود تسويته.

تجدر الإشارة ان النزاع السوري من أعنف النزاعات الدولية المسلحة التي عرفتها المنطقة العربية في السنوات الاخيرة، لكثرة الدول الإقليمية والدولية المتدخلة فيه، ولتداعياته الاجتماعية والاقتصادية الكارثية على الدولة السورية والمنطقة عموما.

الحديث عن التسويات لا يمكن ان يكون بمعزل عن وجود مؤشرات إقليمية ودولية واقعية قوية على المستويين السياسي والعسكري تدل عليه، لعل أبرزها قرار واشنطن بالانسحاب من سوريا فبغض النظر عن دوافعه وخلفياته، أفرح حلفاء سوريا وأزعج خصومها.

في المقابل ما يزال التمدد التركي في شمال سوريا بطريقة غير شرعية وتهديدها بعملية عسكرية هناك ضد التنظيمات الكردية، تنافس التنظيمات المسلحة بين بعضها للسيطرة على مناطق جديدة، الغارات (الإسرائيلية) المتكررة على سوريا، كل تلك تحديات تقف عائقا في طريق استكمال التسوية في سوريا.

  • في هذا المقال نحاول البحث في مؤشرات التسوية ومدى انجاحها أمام العراقيل المتبقية، في إشكالية محددة والمتمثلة في:

كيف ستنجح الأطراف الداعمة للتسوية في سوريا في تحقيق التسوية في ظل التحديات القائمة ؟

نبحث الموضوع في المحاور التالية:

  • أولا: مؤشرات التسوية في سوريا
  • ثانيا: معيقات التسوية في سوريا
  • ثالثا: مستقبل التسوية في سوريا

أولا: مؤشرات التسوية في سوريا: وتنقسم الى مؤشرات داخلية وإقليمية ودولية بشكل التالي:

  • مؤشرات على مستوى داخل سوريا: فاذا بدأنا بالشق السياسي يمكن ملاحظة أن هناك اتفاق سوري وروسي وإيراني وتركي برعاية الأمم المتحدة على أعضاء لجنة اعداد الدستور السوري، ومن المرتقب بدء عملها مطلع هذا العام.

أما على المستوى العسكري حقق الجيش السوري عدة انتصارات ميدانية في 2018 ومنها[1]:

ــ جانفي: حرر الجيش السوري بدعم من القوات الروسية مطار أبو الظهور العسكري في ريف محافظة ادلب وهو ثاني أكبر مطار عسكري في شمال سوريا من هيئة تحرير الشام، وهذا ما مكنه من السيطرة على 95 بلدة وقرية في المحافظة.

ــ فيفري: حرر الجيش السوري والقوات الرديفة عدة بلدات وقرى في جنوب شرقي خناصر في ريف حلب الى غرب سنجار و السعن في ريفي ادلب و حماة، واعلن سيطرته على بلدات الهرتا و ثلجة ومريجب الشمالي و رسم النرجس و صغيرة والعزيزية وجدوعة شمالية و جنوبية و البارونية …وغيرها في رفي حماة في الشمال الشرقي وحلب و ادلب الجنوب الشرقي.

ــ مارس: سيطرت الجيش السوري على قريتي حوض رزيقة وحوض الضواهر الاستراتيجيتين بهجوم مباغث على جيش الإسلام في الغوطة الشرقية.

ــ أفريل: توصل وزارة الدفاع الروسية الى اتفاق مع ” جيش الإسلام ” مع يقضي بخروج كامل للمختطفين لديها في دوما مقابل خروج المسلحين الى جرابلس خلال 48 ساعة، وبمقتضاها يسيطر الجيش السوري بالكامل على الغوطة الشرقية احدى أكبر معاقل الإرهاب في سوريا.

هذه الانتصارات المدعومة من الحلفاء تأتي لتدعيم وتقوية أوراق التفاوض لدى الحكومة بعدما كانت في سنوات سابقة في 2013 وما بعدها قد خسرت مناطق استراتيجية مهمة بسبب تمدد الإرهاب.

عسكريا أيضا يلاحظ انكفاء واضح للتنظيمات الإرهابية والمعارضة المسلحة خاصة الجيش الحر التي كانت مدعومة من دول الخليج التي انطوت نسبيا هي الأخرى على نفسها لترتيب أولوياتها كما سلف الذكر، وهذا تلقائيا سمح بتخفيف التوتر والعنف في عدة المناطق السورية وعودة اللاجئين السوريين من لبنان ومن الأردن عبر معبر نصيب الحدودي، وقد قدر عدد اللاجئين العائدين الى وطنهم أزيد ألف لاجئ سوري، فضلا عن ذلك توقعت مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة عودة 250 ألف لاجئ سوري خلال 2019 [2].

أدى تزويد روسيا سوريا بمنظومة S 300 عقب اسقاط ( إسرائيل) طائرة روسية الى تغير نوعي في ميزان القوى وقواعد الاشتباك في سوريا ، بحيث اسقطت بموجبها سوريا 14 صاروخ من أصل 16 صاروخ ( إسرائيلي ) في اعتداء ها الأخير حسب ما أفاد به بيان لوزارة الدفاع السورية.

  • مؤشرات على المستوى الإقليمي العربي: وتصب جلها من الناحية السياسية في الحراك الدبلوماسي من والى سوريا سواء الرسمية وغير الرسمية وخفض الدعم عسكريا للتنظيمات المسلحة.

في 16 ديسمبر من العام الماضي أجرى الرئيس السوداني عمر البشير زيارة رسمية لسوريا وهي الزيارة الأولى لرئيس عربي منذ بداية الاحداث في سوريا 2011، ومعروف عن السودان قريبها من دول الخليج العربي ما حلله كثيرون بأنه قد تحمل رسائل من دول الخليج لعودة العلاقات السورية الخليجية و العربية عموما، في ذات السياق أعلنت الامارات العربية المتحدة رسميا  27 / 12 / 2018 عن إعادة فتح سفارتها في دمشق بعد 7 سنوات على اغلاقها، ممثلة على مستوى قائم بالأعمال وهذا مؤشر على تغير سياسة الامارات الخارجية بعد ان كانت من الداعمين للمعارضة بالسلاح والمال، وقد علق نائب وزير الخارجية و المغتربين فيصل مقداد على الخبر “نحن نرحب بأي خطوة من أجل أن تعيد كل الدول العربية التي أغلقت سفاراتها العمل على أرض الجمهورية العربية السورية، وقرار إعادة السفارة يخص الإمارات وهي دولة ذات سيادة، وهي التي تعلن وتذيع هذا الخبر”[3] ومن المتوقع أن تحذو حذوها كل من البحرين والكويت وسلطنة عمان، أما قطر والبحرين فقد أعلنتا ان سفارتيهما ما تزلان تعملان رغم ما كل جرى.

أما السعودية فحسب ما تؤكده مصادر إعلامية انها لم تعد تمانع في عودة سوريا الى مقعدها في الجامعة العربية، وهو ما اعتبرته الدول الحليفة لسوريا بداية صحيحة نحو التسوية، يأتي موقف دول الخليج عموما والسعودية بشكل خاص على خلفية تضرر مكانة المملكة بعد اتهامها بالضلوع في مقتل جمال خاشقجي وارتكاب جرائم حرب في اليمن وحصار قطر، فالضغوط الدولية عليها اضطرتها لإعادة ترتيب أولوياتها إقليميا.

أما في منطقة المغرب العربي كان لافتا تصريح حركة النهضة أكبر الحركات السياسية الناشطة في تونس ترحيبها ودعمها للمصالحة في سوريا بعد ان كانت المغالين في انتقاد الحكومة السورية، وقد زار في وقت سابق وفود برلمانية تونسية لسوريا وأبدوا دعمهم لإنهاء النزاع، واستأنفت الرحلات الجوية بين تونس وسوريا.

أما الجزائر أخذت موقف حيادي إيجابي بعيد عن التدخل في شؤون الدول الأخرى ولكنها في نفس الوقت تدعم جهود عودة الاستقرار وانهاء الحرب في سوريا، وقد كانت هناك زيارات متبادلة لوزيري خارجية الدولتين ووفود برلمانية جزائرية لسوريا، كذلك أبدى الرئيس الموريتاني نيته زيارة رسمية الى سوريا في جانفي الحالي.

  • مؤشرات على المستوى الدولي: وتتمثل في جملة تصريحات دولية توضح اسقاط شرط تنحي الرئيس السوري عن السلطة قبل التسوية وانسحاب القوات الامريكية عسكريا من سوريا.

أبدى الجانب الأوروبي والأمريكي مؤشرات إيجابية نسبية يمكن رصدها من خلال إسقاط شرط ” رحيل الأسد ” قبل التسوية السياسية، ليس حبا في الرئيس السوري طبعا ولكنه رهان خاسر في ظل ما حققته قواته وحلفاءه من انتصارات ميدانية وإعادة بسط سيطرته على مناطق واسعة من سوريا، في ذات السياق أعلنت تركيا ” أنها مستعدة للتعامل مع الأسد في حال فاز في انتخابات ديمقراطية “.

كما أكد من جهة أخرى سفير بريطانيا السابق في البحرين و سوريا بيتر فورد انه قد حان الوقد لعودة العلاقات الطبيعية مع سوريا، و الولايات المتحدة الامريكية، ليس بمقدورها منع ذلك.

والحدث الأكبر والمفاجئ للحلفاء والخصوم هو ما أعلنته الولايات المتحدة في أواخر العام الماضي سحب قواتها من سوريا بعد أن كانت تربط ذلك بالقضاء النهائي على تنظيم ” داعش” وخروج مماثل للقوات الإيرانية من سوريا.

فالحدث كان مفاجئ للحلفاء والخصوم على اعتبار شخصية دونالد ترامب العدوانية والتي لا يمكن التكهن بما سيصدر عنها من أفعال فضلا تبنيه سياسة هجومية غير عقلانية تهدف الى حماية (إسرائيل)، والى حد الان ما يزال القرار في تفاعل مستمر ولا ندري ما اذا كان هذا الانسحاب جزائي أو كلي، لكن الواضح انه بالفعل بدأ تفريغ مستودعات عسكرية في منطقة الحسكة في شمال شرق سوريا، ولوحظ مغادرة عدد من الاليات نحو العراق.

ثانيا: معيقات التسوية في سوريا: لا يمكن الجزم نهائيا بانتهاء الحرب السورية، فهناك عدد من المسائل والقضايا ما تزال عالقة من شانها إعاقة جهود التسوية نذكر منها:

  • العملية العسكرية التركية في شرق الفرات: صعَد الرئيس التركي رجب طيب اردوغان من خطابه مجددا وهدد بشن حملة عسكرية ضد التنظيمات الكردية لتطهير منبج وشرق الفرات منها، ومن المرجح أن تأخذ تركيا دور الولايات المتحدة في سوريا بذريعة محاربة بقايا تنظيم ” داعش” ، هذا يسبب مزيدا القتل ونزوح وحالة عدم الاستقرار في المنطقة، خاصة أن الوجود التركي بشكل عام وجود غير شرعي وجاء بدون اذن الحكومة السورية.
  • تنافس التنظيمات الإرهابية بين بعضها على السيطرة مناطق جديدة: ما تزال تشهد مناطق بسوريا من وجود جيوب للتنظيمات الإرهابية وتحاول السيطرة على مناطق جديدة، فصراع جماعة نور الدين الزنكي وجبهة النصرة وتنظيم ” داعش ” وفصائل فرعية أخرى بين بعضها البعض على مناطق في حلب وادلب ما يزال يقف عائقا أمام خروج المدنيين سالمين منها، خاصة انها تمول أنشطتها من عمليات الخطف وطلب الفدية.
  • القصف الإسرائيلي على سوريا: استباحت (إسرائيل) الأراضي السورية بطريقة غير قانونية ووحشية ، استغلت ظروف الحرب في قصف اهداف مدنية وعسكرية، بحجة تدمير اهداف إيرانية ، لا يوجد عدد واضح عن عدد الطلعات الجوية و القصف ، لكن بعض المصادر الإعلامية رجحت ان ذلك يفوق 1000 انتهاك عسكري اليومي طيلة الحرب، فضلا عن ذلك تقديم (إسرائيل) دعم عسكري و سياسي لفصائل المعارضة والإرهابيين وعلاجهم في مستشفياتها، وما يزيد من عرقلة جهود التسوية هو تأكيدها باستمرار استهداف سوريا بعد الانسحاب الأمريكي وهو ما حصل بالفعل قبل نحو أسبوع حين اطلقت 16 صاروخ أدى الى إصابة طفيفة .

ثالثا: السيناريوهات المستقبلية: في خضم كل مؤشرات التسوية التي عرضناها والتحديات التي تواجهها يواجه النزاع السوري في 2019 ثلاث سيناريوهات مستقبلية أساسية:

  • السيناريو التفاؤلي / الإصلاحي: الذي يفيد بقرب إيجاد حل للنزاع السوري وحصول تسوية توافقية في المدى المنظور وهذا ما تعززه التقدم في وتيرة الاقتراحات السياسية كما لاحظنا في المؤشرات السابقة.
  • سيناريو بقاء الوضع الحالي: الذي يفيد بتأرجح النزاع السوري بين جهود الحل الدولية والأممية وبين المعيقات الإقليمية والدولية.
  • السيناريو الفشل / التشاؤمي: الذي يفيد باستمرار حالة الانسداد وغياب افق التسوية للنزاع للسوري ويعززه تصريح مشروط لوزير الخارجية المصري سامح شكري مؤخرا بان عودة سوريا مرهونة بتنفيذ بنود الاتفاق الدولي 2254، فضلا عن شكوك روسية حول نية الولايات المتحدة الامريكية بالتراجع عن سحب قواتها من سوريا لاسيما ان ليس لها استراتيجية واضحة، هذا من شأنه إعادة الوضع الى المربع الجدال.

خاتمة:

نستنتج في الختام ان النزاع السوري بعد ثماني سنوات من حرب دموية عنيفة، استطاعت قطع أشواط كبيرة نحو الحل والتسوية السياسية والعسكرية بجهود سورية وروسية وبرعاية أممية، ولكن في نفس الوقت لا يمكن الجزم بشكل نهائي بحله لاسيما ان التمدد التركي شمال وشرق الفرات وتهديده بعملية عسكرية هناك وصراع التنظيمات الإرهابية فيما بينها على الاستيلاء على مناطق جديدة، والقصف الإسرائيلي العشوائي بات يهدد بنسف جهود التسوية رغم تقدمها.

[1] ـ مكاسب الجيش السوري خلال 2018 …” نصيب الأسد”، 10 / 04 / 2018، موقع وكالة سبوتنيك : على الرابط الالكتروني :

https://arabic.sputniknews.com/arab_world/201804101031480353

[2] ـ مفوضية اللاجئين: من المتوقع عودة 250 الف لاجئ سوري الى وطنهم في العام المقبل، 12 / 12 / 2018 ، موقع اورونيوز، على الرابط الالكتروني:

https://arabic.euronews.com/2018/12/12/unhcr-250-000-syrian-refugees-can-return-home-in-2019

[3] ـ سوريا تعلق على انباء فتح الامارات سفارتها في دمشق، 18 / 11 / 2018، موقع وكالة سبوتنيك، على الرابط الالكتروني:

https://arabic.sputniknews.com/arab_world/201811181036839733

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق