الدراسات البحثيةالعلاقات الدوليةالمتخصصةتقارير استراتيجية

مسارات متراجعة – مستقبل الصراع السوري في ضوء التفاهمات الدولية

اعداد : آية عبد العزيز – باحثة ماجستير في العلاقات الدولية

  • المركز الديمقراطي العربي

 

يقترب الصراع السوري على نهايته بعد أكثر من سبع سنوات من بداية الاقتتال في 2011، وتدخل القوى الإقليمية والدولية في الشأن الداخلي السوري، وفقًا لعدد من المحددات تأتي في مقدمتها؛ حماية النظام واستمرار بقاءه، وقمع المعارضة الداخلية لاستعادة الشرعية، فضلاً عن خلق موطئ قدم لهم في الشرق الأوسط لاستعادة مكانتهم الدولية باعتبارهم فاعلاً دوليًا مؤثرًا على مسار التفاعلات الداخلية.

كانت في مقدمة هذه الدول إيران وروسيا، علاوة على رغبة بعض القوى الإقليمية مثل تركيا استغلال حالة الفوضى وعدم الاستقرار بالتدخل العسكري لحماية أمنها القومي من خلال القضاء على الطموح الكردي في إقامة دولتهم بالشمال السوري على الحدود مع تركيا.

المآلات العكسية للأزمة السو رية:-

عانت الدولة السورية من الفوضى على غرار ما تعرضت له إبان الثورة، التي تحولات إلى صراعًا داخليًا بين النظام الحاكم والشعب السوري أسفرت عن عددًا من التحولات العسكية على سيادة الدولة الوطنية على النحو التالي:

  • تنامي الفاعلين من غير الدول؛ ساهمت حالة الاقتتال الداخلي بين النظام والشعب السوري إلى تنامي الجماعات المسلحة والتنظيمات الإرهابية مثل تنظيم “داعش”، و”جبهة النصرة” الساعي في الإنخراط في الصراع الدائر، كما تمكنوا من السيطرة على الأراضي السورية، كفاعلين موازين للدولة السورية.
  • ساحة للحرب بالوكالة؛ خلقت حالة الفوضى مبررًا للقوى الدولية للتدخل في سوريا لحماية النظام السوري، والحفاظ على الشرعية الدولة، والسيادة الوطنية كهدفًا معلنًا، إلا إن التدخل كان وفقًا لما تقضتيه المصلحة الوطنية لهذه الدول، التي تتبلور حول التواجد بالقوة في مسار تفاعلات الشرق الأوسط، والتنافس على مقدرات هذه الدول من خلال بعض الفاعلين غير الدوليين.
  • تزايد الحركات الانفصالية؛ أدى تراجع سيادة الدولة الوطنية في السيطرة على أركان الدولة، ومقدراتها إلى بزوغ الانتماءات الأولية، والمطالبة بحق تقرير المصير والانفصال عن الدولة وذلك من قبل الجماعات الإثنية مثل الأكراد المتمركزين في الشمال السوري، علاوة على الانفصال القسري لبعض الجماعات المسلحة مثل تنظيم “داعش” الذي استولى على مساحات واسعة من الأراضي السورية.
  • تنامي تكلفة الصراع؛ أسفر الصراع الدائر عن زيادة عدد القتلى والنازجين واللاجئين فقد بلغ عدد قتلى الصراعات 49.044 قتيلًا، فيما بلغت التكلفة الاقتصادية للعنف 58.9 مليار دولار، في مقابل زيادة تدفقات النزوح واللجوء؛ حيث بلغ عدد النازحين 6.325.978، ووصل عدد اللاجئين 5.524.377، وذلك وفقًا لمؤشر الصراع في الشرق الأوسط لعام 2016[1].
  • تراجع وظائف الدولة السورية؛ في سياق الصراع الداخلي فإننا بصدد “دولة منقوصة السيادة” تتحكم فيها أطراف خارجية علاوة على إنها “دولة متقطعة” تنتشر على حدودها الكانتونات التي تحاول أن تتوافق مع بعضها البعض للانفصال عن الدولة مُستغلة حالة السيولة وعدم الاستقرار لتحقيق أهداف إقامة دولتهم[2].

وعليه؛ فقد حاولت الأطراف الخارجية الاستفادة من الصراع الدائر من خلال الدافع عن بقاء النظام، ودعمه في استعادة الأراضي السورية التي تم السيطرة عليها من قبل الفاعلين من غير الدول، تمهيدًا لاستعادة الاستقرار السياسي، والدخول في مرحلة التسوية السياسية والسلمية، ولكن في سياق تواجد هذه القوى الراغبة في إعادة التمركز والانتشار في الشرق الأوسط من خلال البوابة السورية.

تجلت هذه المصالح في المعركة الأخيرة في استعادة محافظة “إدلب” أخر معاقل المعارضة المسلحة. التي شهدت تحركات عسكرية، وتجهيزات من قبل النظام السوري والدعم الروسي، إلا أن الهجوم توفق وفقًا لتوزنات القوى الدولية.

“استعادة إدلب”… المسار الأخير لنهاية الصراع السوري

اعتزم النظام السوري استعادة إدلب من خلال عملية عسكرية واسعة النطاق بعد التدخل العسكري لاستعادة محافظتي درعا والقنيطرة في يوليو/ تموز 2017، وذلك بمساندة موسكو التي ساهمت في بقاء النظام السوري. فقبل الهجوم على إدلب صعدت موسكو من خطابها مشيرة إلى أنه يجب محو “الإرهابيين” في إدلب، فضلاً عن القصف الجوي الروسي والسوري المكثف مستهدفة جيوب التنظيمات الإرهابية، بالرغم من كونها منطقة “خفض تصعيد” وتنتشر بها قوات تركية على شكل نقاط مراقبة، فيما تسيطر موسكو على مجالها الجوي، وهو ما يعكس أن الحرب الدائرة على الأراضي السورية هي حرب مصالح[3].

وفي هذا السياق؛ حذرت القوى الدولية من الهجوم ومآلاته العكسية على المدنيين في مدينة إدلب؛ فقد أصدرت فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية بيانًا في 21 أغسطس/ آب 2018 متوعدة فيه “بالاستجابة بشكل مناسب لأي استخدام آخر للأسلحة الكيميائية من قبل النظام السوري”.

وذلك خوفًا من قيام النظام السوري بشن هجومًا كيماويًا في إدلب إذا قامت قوى المعارضة بإبطاء تقدم النظام. فيما حذر وزير الخارجية التركي في 29 أغسطس/ آب من قصف إدلب وإنشاء “مجزرة”. لكن “دوافع تركيا تبدو مرتبطة أكثر بالتخلص عناصر حزب العمال الكردستاني وعودة اللاجئين السوريين أكثر من حمايتهم”، في المقابل صرحت روسيا وسوريا بأن أفعالهما في إدلب استهدفت الإرهابيين[4].

إلا إن الهجوم لم يتم وذلك نتيجة التوافقات الدولية التي تمت بين القوى الفاعلة في الأزمة التي أدت إلى تراجع الحل العسكري مقابل تسوية سلمية بموجب اتفاق قمة سوتشي.

سياسة المهادنة بين القوى الفاعلة في الصراع السوري:-

في سياق حالة الترقب الدولي للتدخل العسكري في إدلب من قبل النظام السوري والدعم الروسي، والتحذير المستمر من إمكانية حدوث كارثة إنسانية للمدنيين الموجودين داخل المدينة، أعلن الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” إنه اتفق مع الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” خلال قمة جمعت بينهم في سوتشي على تسوية الأوضاع بشكل سلمي لإدلب الواقعة تحت سيطرة المعارضة المسلحة، من خلال إقامة منطقة منزوعة السلاح بين قوات النظام السوري والمعارضة تصل مساحتها من 15 إلى 25 كم، يتم إنشاؤها في 15 أكتوبر/ تشرين الأول 2018، كما ستخضع للسيطرة الأمنية من قبل القوات الروسية والتركية، مع سحب جميع الأسلحة الثقيلة، وانسحاب المعارضة المسلحة بما فيها جبهة النصرة، تمهيدًا لفتح حركة السير على طريقي حلب – اللاذقية، وحلب – حماة قبل نهاية  عام 2018[5].

يعد الاتفاق الروسي التركي ما هو إلا نتاج للسياسة المهادنة الروسية التي تتبعها مع القوى الدولية لتخفيف حدة التنافس، وإزالة مسببات الصراع من خلال تقديم بعد التنازلات السياسة[6]. وتعكس هذه السياسة عددًا من المسارات تتجسد أبرزها على النحو التالي:

  1. طمأنة الحلفاء؛ ساهم هذا الاتفاق في خفض حدة التوتر لدى تركيا، وتعزيز الشعور باستقرار وضعها في سوريا، فقد جاء هذا الاتفاق في الوقت الذي ترغب فيه روسيا في شن حملة عسكرية قوية على إدلب. في مقابل دعوة أنقرة إلى هجوم محدد على معاقل الجماعات المسلحة؛ حيث تتخوف أنقرة من تزايد موجات الهجرة إليها فرارًا من ويلات الحرب، بالإضافة إلى استغلال الأكراد تطورات التدخل العسكري في فرض سيطرتهم على مناطق خروج المعارضة بعد سقوط إدلب لبسط نفوذهم.
  2. الاحتواء؛ يقصد بهذا المسار احتواء وجهات نظر الطرف الأخر، ومحاولة إرضاءه بشكل غير مباشر لسياساته التوسعية؛ لذا فقد حاولت موسكو إرضاء أنقرة من خلال الاتفاق على إقامة منطقة منزوعة السلاح، فقبل عشر أيام من هذا الاتفاق أخفق كل من “بوتين” و”أردوغان” في التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في إدلب خلال القمة الثلاثية بأستانا.
  3. ردع تدريجي؛ مثل هذا المسار آلية يمكن من خلالها ردع الجماعات المسلحة، والتمهيد للاختراق في مرحلة مقبلة إذا لم يخضعوا لشروط الاتفاق، كما يعد هذا المسار الخروج الآمن للأطراف المتنازعة وحماية للمدنيين، مع ضمان عدم التصادم بين الفاعلين المسلحين والقوى الدولية.
  4. تصفية الخصوم؛ يمثل هذا المسار أهم مسارات سياسة المهادنة التي تتبعها موسكو؛ حيث تدفع بسياستها بشكل سلمي، ولكنها تحمل في طياتها تأثيرًا عميقًا على الطرف الأخر، وهو ما تجلى في الاتفاق القاضي بتسليم الأسلحة الثقيلة والخروج الآمن للمسلحين، فموسكو لن تؤوي إرهابيين على الأراضي السورية.

لذا فإنها تعد مناورة سياسة تحمل تحذيرًا بشن عملية عسكرية قريبة للتطهير الأراضي السورية مع تصفية الجماعات المسلحة من مضمونها بعد تخليها عن موقعها وأسلحتها. فاحتمالات وقوع صدام عسكري بين القوات التركية، وهيئة تحرير الشام هو احتمال قائم، وربما يكون بدوره في مصلحة القوى الداخلية والخارجية التي تتربص بالاتفاق.

مسار التفاهمات بعد إدلب؟

يتسم المشهد السوري بحالة من التعقيد والتشابك حول مآلات التفاهمات السياسية التي تمت بشأن التدخل العسكري في إدلب، فحتى الآن لم تحدد القوى الفاعلة في سوريا بشكل واضح أولوياتها في التحرك داخل سوري، في مرحلة ما بعد إدلب.

هذا بجانب إعلان الرئيس الأميركي قرار الانسحاب من سوريا، وإن تقوم القوات التركية في استكمال ما تبقى من مهام بدلًا من القوات الأميركية التي حققت أهدافها التي تبلورت في هزيمة داعش. فضلًا عن التفاهم التركي الروسي بتفعيل “اتفاق أضنة” الذي يعود إلى عام 1998، الذي يسمح للقوات التركية بمطاردة “حزب العمال الكردستاني” في الشمال السوري بعمق 5 كليو مترًا بدلًا من تنفيذ التفاهم الأميركي بإقامة منطقة عازلة بعمق 32 كيلومترا في شمال سوريا.

وهنا لابد من طرح تساؤل مهم حول الأهمية الجيواستراتيجية لـ “إدلب”؛

  • قاطني إدلب؛ تعد إدلب من مناطق “خفض التصعيد” وفقًا للاتفاق المبرم بين روسيا وإيران وتركيا منذ العام الماضي، كما أكد عليه مؤتمر “أستانا-9” في مايو/ أيار 2018، يقطنها ما يقرب من 2.5 مليون نسمة، ويبلغ نصفهم من النازحين من حمص وحلب وحماه وقد تم إجلاءهم من القتال. بجانب سيطرة فصائل مسلحة على أجزاء منها مثل “جبهة النصرة” التي تحارب تحت لواء “تحالف هيئة تحرير الشام”، كما تمثل نقطة ارتكاز مهمة للفصائل السورية المسلحة[7].
  • الموقع الجغرافي؛ تكمن أهمية الموقع الجغرافي لـ”إدلب” من كونها تقع في منطقة الشمال الغربي لسوريا، كما إنها توازي بلدة عفرين السورية الخاضعة حالياً للقوات التركية بعد عملية “غضن الزيتون” التي تمت في 21 يناير/ كانون الثاني 2018؛ حيث كانت خاضعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، فيما يحدها من الغرب قوات النظام السوري المتمركزة في اللاذقية، ومن الشرق تحُدها مدينة حلب، بجانب محاذاتها للحدود التركية.

لذا تكمن الأهمية الجيواستراتيجية لـ”إدالب” فى أنها تمثل بوصلة أولويات الأطراف الفاعلة في الصراع السوري؛ حيث التخلص من عناصر “هيئة تحرير الشام”، وقطع السبيل أمام الطموح الكردي في إعادة التمركز والانتشار في إدلب بعد التدخل العسكري التركي في “عفرين”.

كما تكشف هذه التفاهمات عن جوهر المقايضات بين روسيا وتركيا وإيران بشأن تقسم سوريا إلى مناطق نفوذ بين القوى الإقليمية –طهران و أنقرة- برعاية دولية –روسيا- تتجلى في منح إدلب لأنقرة لمقاومة التنظيمات الإرهابية، وتصفيتهم. مقابل إطلاق يد طهران في الجنوب وخاصة في المناطق التي تتواجد فيها قوات لحزب الله، وهنا تكمن حماية المصالح الأمنية لموسكو في سوريا وخاصة في قاعدة طرطوس العسكرية.[8]

حسابات القوى الدولية في الصراع السوري:-

                في إطار حالة الزخم السياسي التي تشهده سوريا، تتطلع القوى الدولية إلى حماية مصالحها في المستقبل حتى تتضمن لنفسها دورًا جديدًا ومستمرًا على الأراضي السورية في مرحلة ما بعد الصراع فقد اختلفت الأهداف الجيوسياسية للتدخل في سوريا نتيجة المتغيرات المتلاحقة لمسار الأحداث وعليه فقد حدد كل فاعل دوره القادم وفقًا لما تقضيه المصلحة الوطنية الخاصة به على النحو التالي:

أولًا: على المستوى الإقليمي:-

  • تركيا؛ انتهجت أنقرة سياسة خارجية تجاه سوريا مرتكزة على تفعيل آليات القوة الذكية، باعتبار أن الساحة السورية تعد بمثابة عمقها الاستراتيجية. ولابد من التعاطي مع تفاعلاتها الداخلية لحماية أمنها القومي. فمازالت تتخوف أنقرة من عودة النفوذ الكردي في الشمال السوري وإعادة انتشارهم بما يعزز من إمكانية انفصالهم على غرار إقليم كردستان العراق مستغلًا تراجع السلطة المركزية.

لذا يعد الهدف الرئيس من التواجد التركي هو تطويق النفوذ الكردي في سوريا. فيما تحاول القيادة السياسية التركية فرض نفسها كطرف دولي فاعل في إعادة إعمار سوريا، وإعادة ترتيب الحدود وتأمنيها[9].

  • إيران؛ تسعى طهران من خلال التعاون مع النظام السوري بدعمه ماليًا وعسكريًا في استعادة المناطقة الخاضعة للتنظيمات الإرهابية من خلال أذرعها الموالية لها من أجل توسيع نشاطها الاقتصادي والعسكري والسياسي وحتى الديني والثقافي على المدى الطويل. ومع تطور مجريات الأحداث بشن إسرائيل عددًا من الهجمات على سوريا، أصبح هدف طهران ليس مجرد أهداف هجومية ولكنها ترتكز على ردع إسرائيل وغيرها من الأطراف الأجنبية الرئيسة في سوريا.

لذا فقد باتت حسابات طهران مرتكزة على الحفاظ على الحكومة السورية كجزء من “محور المقاومة” بدلاً من الدخول في مواجهة عسكرية مع إسرائيل، علاوة على توسيع مصادرها التقليدية للطاقة ومنشآتها العسكرية خارج حدودها بهدف ردع إسرائيل، فضلاً عن حماية أذرعها مثل “حزب الله” من خلال التواجد في سوريا، لذا فإن أفضل طريقة لتحقيق أهدافها هو استمرار سوريا كمحور مقاومة، بعد القضاء على الجماعات المسلحة والتنظيمات الإرهابية[10].

ثانيًا: على المستوى الدولي

  • روسيا؛ تعد موسكو الحليف الاستراتيجي لسوريا؛ حيث دعمت نظام الأسد لفترة طويلة، لصمود أمام المتغيرات المتلاحقة، من خلال الدعم العسكري والمادي الذي تمثل في إمداد القوات السورية وخاصةً الدفاع الجوي بأحداث الأسلحة لصد الهجمات الموجهة على الدولة السورية. بجانب الدعم الدبلوماسي داخل المنظمات الدولية، والاعتراض على رحيل النظام في الأمم المتحدة وفي محادثات السلام الدولية، كما رعت المحادثات بين الحكومة السورية والمعارضة في العاصمة الكازخية “أستانا” التي بدأت في يناير/ كانون الثاني 2017.

لذا يعد الهدف الرئيسي لموسكو داخل سوريا هو الحفاظ على استمرار النظام السوري، والقضاء على الإرهابيين للحفاظ على مصالحها. فمن خلال سوريا استعادة موسكو مكانتها الدولية، كما أوُجدت موطئ قدم راسخًا لها عبر إقامة قاعدة عسكرية في سوريا جديدة بجانب قاعدة “طرطوس” النافذة المطلة على المياه الدافئة لموسكو التي ستعزز من أمن الطاقة الروسي في المستقبل[11].

  • الولايات المتحدة الأميركية؛ برغم من اختلاف حسابات الولايات المتحدة الأميركية باختلاف تغير الإدارة الأميركية، إلا إن مواقفهم كانت واحدة فيما يتعلق برحيل النظام السوري، ولكن اختلفت إدارة الرئيس السابق “باراك أوباما” بكونه كان رافضًا الانخراط في الصراع الداخلي، ولكن مع إعلان تنظيم “داعش” إقامة دولته على الأراضي السورية، قامت الإدارة الأميركية بالتدخل العسكري لمحاربة الإرهاب تحت المظلة الأممية بالتعاون مع القوى الإقليمية والدولية، وذلك للقضاء على تنظيم “داعش”، كما قدمت الإدارة الأميركية الدعم المالي والعسكري للقوات الكردية لمواجهة تنظيم “داعش” والتصدي لتحركاته التوسعية.

ولكن مع التدخل العسكري الروسي، وتمكنه من ترسيخ نفوذه في سوريا، وتغير الإدارة الأميركية بتولي “دونالد ترامب” فقد تغيرت حسابات البقاء في سوريا إلى أجل غير مسمى بحجة الدفاع عن المصالح الأميركية بعد القضاء على “داعش”، وحماية المصالح الإسرائيلية من التمدد الإيراني. بجانب ضمان رحيل “الأسد” وخلق وضع أفضل لعودة اللاجئيين، فضلاً عن منافسة الصعود الروسي، واستخدامه كورقة الأكراد للضغط على تركيا في وقت الأزمات معها. لذا فقد مثلت هذه الأهداف توسعًا في النهج الأميركي تجاه سوريا التي كانت قاصرة في السابق على مكافحة الإرهاب[12].

  • الاتحاد الأوروبي؛ اختلفت المواقف الأوروبية في تعاطيها مع الصراع الدائر في سوريا، كما اتخذ الاتحاد الأوروبي موقفًا صارمًا من النظام السوري من خلال فرض عقوبات دولية عليه وتمديدها لردعه عن سياساته، وقام بتعليق تعاونه مع الحكومة السورية. إلا إنه أكد على أهمية الحل السياسي وفقًا لقرار مجلس الأمن الدولي رقم (2254) وبيان جنيف لعام 2012بدلاً من العسكري. الذي يضمن عودة الاستقرار، والقضاء على التنظيمات الإرهابية.

لذا ارتكزت استراتيجية الاتحاد لأوروبي في سوريا على إنهاء الصراع والانتقال إلى الحل السياسي، وتلبية الاحتياجات الإنسانية للسوريين، وتعزيز الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وحرية التعبير عن طريق تعزيز منظمات حقوق الإنسان. تعزيز المساءلة عن جرائم الحرب بهدف تيسير عمليات المصالحة الوطنية وتحقيق العدالة الانتقالية ودعم الشعب السوري[13].

وفي هذا السياق، أعربت بعض الدول الأوروبية عن ضرورة إنهاء الصراع والانتقال للحل السلمي لوقف تدفقات الهجرة غير النظامية وطلبات اللجوء، كما أكدت على مشاركتها في جهود إعادة الإعمار في سوريا تمهيدًا لعملية الاستقرار وفي مقدمة هذه الدول ألمانيا.

مستقبل الصراع السوري:-

جاء الاتفاق الروسي التركي عقبة في مسيرة الصراع الذي كاد أن ينتهي بسيطرة النظام السوري على إدلب والقضاء على المعارضة الإرهابية، لتسود حالة من الغموض حول مستقبل الصراع، والدور القادم للقوى الفاعلة في الصراع، إلا أن المواجهة المرتقبة لتحرك النظام السوري ستكون نحو منطقة شرق الفرات، ودير الزور؛ حيث المناطق الخاضعة لقوات “سوريا الديمقراطية” المدعومة من الولايات المتحدة الأميركية، التي تسعى إلى إقامة حكم ذاتي والانفصال عن الدولة السورية.

لذا فمن المحتمل أن يشهد الصراع السوري في المرحلة القادمة تنافس وتوافق بين القوى الإقليمية والدولية حول تقاسم مناطق النفوذ الأمر الذي سينعكس على مسار الصراع رغم تعقد المشهد السوري على النحو التالي:

  1. تقارب إيراني سوري؛ من المتوقع أن يوثق النظام السوري علاقته مع طهران، من أجل مزيد من التعاون والتنسيق العسكري لدخول منطقة شرق الفرات، ومواجهة قوات سوريا الديمقراطية، لفرض سيطرته عليها لحين إنتهاء الهدنة في إدلب والتحرك عسكريًا تجاهها بالتنسيق مع الجانب الروسي، خاصة بعد توقيع اتفاقية التعاون العسكري ومنح طهران دورًا أكبر في سوريا مع تنامي نشاطها الاقتصادي. وفي هذا الإطار هناك احتمالية للمواجهة الأميركية السورية الأمر الذي سيدفع لتدخل روسي للتهدئة والتفاوض بشأن بقاء القوات الأميركية بدون ظهير من الفاعلين من غير الدول.
  2. تدخل العسكري الروسي؛ يمكن اعتبار الاتفاق الروسي التركي مرحلة مؤقتة ضروروية نتيجة الضغوط الدولية، ومنح فرصة للتنظيمات الإرهابية للخروج الآمن ولكن من غير المحتمل أن تظل روسيا بدون تدخل عسكري في إدلب الذي سيمكنها من حماية مصالحها في المستقبل بالقضاء على الإرهابيين بشكل نهائي على غرار المناطق المحررة. وفي هذا السياق، من المتوقع أن تدعم أنقرة الحل العسكري لإنها إذا لم تتمكن من إبرام اتقاف لتفكيك التنظيمات الإرهابية، واستطاعت التفاوض معهم، ستتعرض لمخاطر فرارهم إلى داخل أنقرة نتيجة محازاة إدلب لتركيا.
  3. صدام القوى الدولية والإقليمية؛ في سياق العملية العسكرية المرتقبة في إدلب للقضاء على الإرهابين من المحتمل أن تتصادم روسيا مع الولايات المتحدة وإسرائيل الرافضين لاستمرار التواجد الروسي بسوريا في مرحلة ما بعد الصراع، لذا فمن المتوقع أن تحدث عملية تفاوض بشأن حماية أمن إسرائيل من قبل قوات النظام السوري والأذرع الإيرانية لتفادي الصدام المحتمل بينهم.

ختامًا؛ ستفرض خريطة الصراع السوري على الدول الفاعلة في سوريا على الاحتفاظ بظهير من الفاعلين من غير الدول تحت سيطرتهم، كأوراق ضغط وعناصر للمواجهة للحد من الصدام بينهم بشكل مباشر، كما إن الحرب بالوكالة من خلال هذه الأذرع ستكون تكلفتها أقل لأنهم آليات للدول تضمن لها حماية مصالحها، ويمكن تصفيتهم في أي وقت لضمان بقاء العلاقات بين الدول في سياق توازن القوى، وتوافق المصالح لذا فمن مصلحة الأطراف الخارجية تسوية الصراع وفقًا لأهدافها وليس للنظام الحاكم أو الشعب السوري.

[1] مصطفى ربيع، “مؤشرات الصراعات: استرار حالة عدم الاستقرار الإقليمي”، تقرير المستقبل، مركز المستقبل للدراسات المتقدمة، العدد 24، ديسمبر 2017. ص 11

[2] “الدولة المعقدة: اضطراب الأركان الرئيسية لمفهوم الدولة”، مفاهيم المستقبل، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، العدد 24، نوفمبر/ ديسمبر 2017. ص3

[3] لماذا تهتم تركيا وروسيا وإيران بإدلب؟”، سكاي نيوز عربي، 14 يناير 2018. http://cutt.us/g0v9p

[4]  RACHEL ROSSI AND AISHA HAN, ” Escalations and Military Build-Up: What is Happening in Idlib?”, Atlantic council ,31/8/2018. http://www.atlanticcouncil.org/blogs/syriasource/escalations-and-military-build-up-what-is-happening-in-idlib

[5] “بوتين وأردوغان يتفقان على إنشاء منطقة منزوعة السلاح في إدلب”، هيئة الإذاعة البريطانية، 18 سبتمبر 2018. متاح على الرابط التالي: http://www.bbc.com/arabic/middleeast-45546705?ocid=socialflow_facebook

[6] إيمان فخري، “اختبارات الاسترضاء: إشكاليات “المهادنة” في إدارة الصراعات الدولية”، اتجاهات الأحداث، مركز المستقبل للدراسات المتقدمة، العدد 26، 2018. ص 34.

[7] مصطفى صلاح، ” معركة إدلب: تشابك إقليمي ومسارات متعددة”، المركز العربي للبحوث والدراسات، 28/8/2018. http://www.acrseg.org/40896

[8]آية عبدالعزيز، ” دوافع متعددة.. ركائز التحرك الإقليمي في إدلب”، مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية، 24/10/2017. http://cutt.us/lNTlO

[9] أنظر آية عبدالعزيز، مرجع سبق ذكره

[10] PAYAM MOHSENI, HASSAN AHMADIAN, “What Iran Really Wants in Syria“, foreign policy, 15/5/2018. https://foreignpolicy.com/2018/05/10/what-iran-really-wants-in-syria/

[11] Syria conflict: What do the US, Russia, Turkey and Iran want?” DW. https://www.dw.com/en/syria-conflict-what-do-the-us-russia-turkey-and-iran-want/a-41211604

[12] “US military to maintain open-ended presence in Syria, Tillerson says”, The Guardian, 17-1-2018. https://www.theguardian.com/us-news/2018/jan/17/us-military-syria-isis-iran-assad-tillerson

[13] “The EU and the crisis in Syria“, European Union External Action, 16-4-2018. https://eeas.europa.eu/headquarters/headquarters-homepage_en/22664/The%20EU%20and%20the%20crisis%20in%20Syria

  • خاص – المركز الديمقراطي العربي
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق