الشرق الأوسطتقدير الموقفعاجل

بروز ملف الانتهاكات في السجون العراقية إلى الواجهة مجدَّدًا

إعداد الباحثة :ياسمين علاء الدين عبد العاطي – علوم سياسية،

كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة.

  • المركز الديمقراطي العربي

 

برز ملف الانتهاكات في السجون العراقية إلى الواجهة مجدَّدًا، بعد تقارير منظمات عالمية ومحلية تحدثت عن وجود ممارسات طائفية وتعذيب للمعتقلين، فيما تم تسريب مقطع مرئي يظهر إعدامًا ميدانيًّا لأحد الأشخاص، من قِبَل قوة عسكرية، وقالت النائبة في البرلمان العراقي هيفاء الأمين  في تصريح صحفي لها: “زرت سجن التاجي واطعلت على ظروف السجناء والعاملين فيه، إذ تبيَّن أن السجن يضم آلاف المعتقلين، وتم تصنيفهم بطريقة لا أتفق معها وسأتجنب ذكرها”، ورأت أن الحلول واضحة، أوَّلها إعادة النظر في العزل الطائفي للسجناء بشكل تدريجي، وبمساعدة من متخصصين في العمل، بعيدًا عن الأديان والسياسة، مؤكدةً ضرورة السرعة في الإجراءات القانونية لكن ليس على حساب البراءة للمتهم، لأن بعضهم يقبع بالسجن دون حكم محكمة منذ سنين”، وتنفي الحكومة العراقية -على الدوام- التقارير الصادرة من منظمات محلية وأخرى دولية بشأن مزاعم التعذيب في السجون الرسمية.

انتهاكات متنوعة:

أكد فاضل الغراوي -عضو مفوضية حقوق الإنسان- بوجود انتهاكات متنوعة داخل السجون العراقية لكن يتم إخفاؤها في الغالب وأشار في تصريح” إلى أن “المفوضية لم تتلق بلاغات من قبل ذوي المعتقلين بخصوص تلك الانتهاكات، وذلك يعود إلى الخوف من إمكانية ملاحقتهم أو عدم الثقة بتدابير الحكومة، لكن في الغالب يتم رصد بعض الانتهاكات عبر الزيارات التي تقوم بها المفوضية إلى السجون والدوائر الإصلاحية”، إن الدوائر الإصلاحية ووزارة العدل ما زالت ترفض إجراء الزيارات المفاجئة لتلك السجون وتشترط الحصول على موافقات وزارة الداخلية وإخطارهم قبل القدوم، وهو ما يعارض قوانين مفوضية حقوق الإنسان، التي لها الحق في القيام بتلك الزيارات، بشكل مفاجئ، وحسب تقرير لمركز بغداد لحقوق الإنسان، أعدَّه العام الماضي فإن عدد المعتقلين في جميع السجون العراقية بلغ 38 ألف رجل، وأكثر من 900 امرأة”، مبيّنًا في الوقت ذاته أن وزارة العدل العراقية تحجب البيانات الرسمية عن الرأي العام والمنظمات الحقوقية الدولية والمحلية؛ بسبب سوء ظروف الاحتجاز، وتفشي الأمراض الخطيرة، والإهمال الطبي-وتوجد العديد من روايات الأهالي التي تؤكد هذه الانتهاكات السالف ذكرها-.

وأكد أيضا مصطفي سعدون -مدير المرصد العراقي لحقوق الانسان- بما جاءت به التقارير العالمية والمحلية بشأن سوء معاملة المعتقلين واكتظاظ السجون بالأعداد الهائلة التي لا تتحملها مساحة السجون وعلى سبيل المثال وليس الحصر سجن الحوت -جنوب العراق- التي أنشئ من قبل الأمريكان واعتقاله بالمجرمين الذين أدينوا بجرائم التعاون مع الإرهاب بإنه يستطع ضم 2400 سجينًا فقط وإنما العدد الموجود بالفعل هو 9600 سجينًا بداخل كل غرفة اربعة سجناء، وهكذا يتبين الأمر بعدم قدرة السجون باستيعاب هذه الأعداد المهولة من السجناء وليس هذا فحسب بل ينتج أيضًا سوء التغذية وعمليات التعذيب المختلفة التي يتعرض لها السجناء.

انتهاكات التي تحدث في السجون منذ صدام إلى الوجود الأمريكي وصولًا إلى الآن:

حيث يعتبر من اشهر السجون الذي استطاع العالم الحديث عن الانتهاكات التي تحدث بداخله هو سجن أبو غريب، حيث يقع سجن أبو غريب على بعد 25 كلم غرب بغداد تم بناؤه في فترة الستينيات في عهد الرئيس العراقي صدام حسين، تم فيه إعدام أربعة آلاف سجين، كان في عهد صدام حسين سجنًا للتعذيب سمعته سيِّئة ويستمد هذا السجن اسمه من منطقة أبو غريب الواقعة غرب بغداد على الطريق الرئيسية المؤدِّية إلى الأردن، وفي بعض الأحيان كان يصل عدد السجناء الذين كانوا محتجزين إلى خمسين ألف سجين على الرغم من أنَّه لا توجد في هذا السجن سوى خمسة عشر ألف سرير، وكان التعذيب يتم فيه يوميًا وكذلك كان يتم فيه تنفيذ أحكام الإعدام، وغالبًا ما كان السجناء يبقون في هذا السجن طيلة أعوام من دون سبب ومن دون محاكمات قضائية. ومَنْ كان يهمس باسم “أبو غريب”، عندما كان يتم سؤاله عن مكان وجود أفراد من عائلته أو أصدقائه، كان يصف بذلك مدى جور وطغيان نظام صدام حسين.

وعندما دخل الجيش الأمريكي إلى العراق، كان الكثيرون من العراقيين يعقدون آمالهم على أن يتم ردّ الاعتبار لحقوق الإنسان وكرامة الفرد؛ إلى أن ظهرت صور السجناء الذين كابدوا العذاب والذلّ في سجن أبو غريب، وعلاوة على ذلك أظهرت في ربيع 2004 صور تبين الانتهاكات التي يتعرض لها السجناء والمعتقلين بهذا السجن وكان من الممكن مشاهدة هذه الصور في كلِّ مكان؛ وفي المقابل كانت هذه الصور تُشاهد في بغداد بأحجام كبيرة – في الأسواق وعلى جدران المنازل وفي وسط المدينة، كما كان يتم بيعها في ألبومات صور خاصة وفي أقراص مدمجة. وكذلك قام نحَّات بتشكيل تماثيل حسب هذه الصور وعرضها في معرض أُقيم في غاليري حوار المعروف، وحاليًا لا توجد أي دراسة علمية موثوق بها حول العلاقة بين الإهانات التي تعرَّض لها العراقيون في سجن أبو غريب وزيادة تقديم الدعم للمقاومة العراقية من جانب المواطنين العراقيين، ولكن في الأحاديث اليومية يقيم العراقيون هذه العلاقة، لاسيما وأنَّه لم تتم حتى يومنا هذا مساءلة المسؤولين عن هذه الجرائم ومحاكمتهم بصورة كافية، الأمر الذي يشكو منه العراقيون بمرارة.

وفي عام 2005 تحولت السجون العراقية إلى نموذج عالمي للمراكز التي يتم فيها تصفية البشر جسدياً ونفسياً -بعد احتلال العراق عام 2003- يؤكد ذلك جملة تقارير تناولت بالتفصيل عمليات التعذيب الممنهج، والتصفية بدم بارد، وقد ابتكر سجانو وزارة العدل العراقية أسلوباً جديداً في تصفية المخالفين للسلطة في السجون المكتظة، من خلال نشر الأوبئة والأمراض السارية، ومنع عزل المرضى المصابين بالأمراض المعدية عن الآخرين غير المصابين، بهدف تحويل السجون إلى قنابل جرثومية تقتل نزلاءها، وهو ما وثقه تقرير مشترك صدر عن المنظمة البلجيكية لحقوق الإنسان، ومركز بغداد لحقوق الإنسان تحت عنوان “مرض السل أداة جديدة لتصفية المعتقلين في سجون العراق”.

أكد التقرير قيام الجهات الرسمية بتصفية المعتقلين في السجون من الرجال والنساء، عبر نشر الأمراض في ظل استمرار التعذيب، ونقص الغذاء، وانعدام أدنى مستوى من الخدمات والنظافة في أماكن الاحتجاز التي يمكن أن تصلح للعيش البشري، مطالبين بإحالة المسؤولين عن الانتهاكات إلى التحقيق، وفي مقدمتهم رئيس الوزراء السابق، نوري المالكي، ووزير العدل إبان حكمه، حسن الشمري، إلا أن الأخطر من ذلك هو توجيه التقرير الاتهام لوزارة العدل العراقية بتصفية السجناء في العراق، وجعلهم عرضة لأمراض قاتلة منها التدرن الرئوى، والتدرن البريتونى، وتدرن الأمعاء، وتدرن العظام، وغيرها من الامراض وعدم استجابتها لمطالبات بتطبيب النزلاء وعرضهم على الأطباء أو نقلهم إلى المستشفيات أو عزلهم عن باقي السجناء، ما تسبب بعدم استجابة المرضى للعلاج؛ لطول فترة المرض.

وقال مهند العيساوي- مدير مركز بغداد لحقوق الإنسان في ذلك الوقت- “إن دائرة إصلاح السجون التابعة لوزارة العدل العراقية هي المسؤولة عن الانتهاكات”، مشيراً إلى أن “المركز سجل الكثير من الحالات في سجون بغداد بجانبي الرصافة والكرخ، بالإضافة الى سجون الحلة في محافظة بابل، والناصرية ومطار بغداد”، وأكد أيضًا أن سجون النساء تعاني هي الأخرى من تفشي الأمراض المعدية، وهناك حالات بدأت تنتقل إلى النساء المعتقلات اللواتي يرضعن أطفالهن داخل السجون؛ ما أدى إلى انتقال العدوى إلى الأطفال؛ لأن الوزارة لا تقبل بتطبيب النساء المريضات أو تهيئة أجواء مناسبة لأطفالهن للحيلولة دون إصابتهم وانتقال العدوى لهم”، بالإضافة إلى المنظمة البلجيكية لحقوق الإنسان عن مصادر وشهادات لعدد من موظفي السجون وأطباء في شعبة الطبابة السجنية، وشهادات سجناء ومحامين وعوائل سجناء، “سعيَ دائرة الإصلاح العراقية المشرفة على سجون وزارة العدل إلى نشر المرض القاتل في صفوف المعتقلين بالسجون التي ذكرها التقرير”، مؤكدين تعمّد الوزارة تفشّي مرض السل ورفضها الاستجابة لنداءات المنظمات الحقوقية، وإهمالها لأدنى معاملة نموذجية للسجناء اعتمدتها الأمم المتحدة، وكذلك أوضح التقرير أن السلطات “تمنع السجناء من ارتداء ملابسهم الخاصة، وتجبرهم على ارتداء ملابس تعرف بـ”البدلات السجنية”، مصنوعة من أقمشة رديئة جداً يزود بها السجين أثناء الاعتقال، مشيراً إلى أن “سوء التغذية وقلة الطعام ورداءته، وقلة مياه الشرب الصحية كانت أسباباً مباشرة لخفض المناعة الصحية لدى السجناء، في حين تواصل وزارة العدل بأعداد تفوق بثلاثة أضعاف الطاقة الاستيعابية القصوى لقاعات وزنازين الاحتجاز، ممّا أدى إلى اكتظاظها وانعدام التهوية وتعطل أجهزة التكييف، وعم توفر المرافق الصحية داخل القاعات والزنازين أدى إلى زيادة الرطوبة وتلوث الهواء، وهما من أبرز أسباب انتشار مرض السل”، وعن انتشار المرض في سجون النساء، ذكر التقرير أن “أعداد السجينات المصابات بالمرض ارتفعت في سجن بغداد المركزي (سجن السايدفور ببغداد)، وفي سجن الحلة المركزي بمحافظة بابل، وإصرار وزارة العدل على عدم عزلهن جعل المرض ينتقل إلى السجينات الأخريات، بالإضافة إلى أطفال بعض السجينات اللواتي يحتضن أطفالهن الرضع في السجن، وأوصلوا في التقرير  المقدم إلى منظمة العدل الدولية في لاهاي لكي يعرض على المسؤولين هناك؛ من أجل إحالة المتسببين للمحاكم المختصة، وطرح إمكانية تغيير حال وواقع السجون واستلامها والإشراف عليها من قبل منظمات دولية”

سجن أبو غريب بثوب جديد:

وفي خريف عام 2006 قرَّرت الحكومة العراقية إغلاق سجن أبو غريب وكان من المفترض تحويله إلى متحف، كان ينبغي أن يوثِّق وحشية نظام صدام حسين الدكتاتوري الذي تم إعدامه. وكذلك كان يدور الحديث أيضًا عن هدم هذا السجن، غير أنَّ الحكومة أعلنت أنَّه ستتم إعادة فتح سجن أبو غريب، باسم جديد وسيتم تجديده بتمويل من الولايات المتَّحدة الأمريكية، وقال نائب وزير العدل إبراهيم بوشو مبرِّرًا هذا الإجراء: “سجوننا مكتظة بالنزلاء”، وكان هناك أكثر من خمسة وثلاثين ألف سجين يقبعون في سجون أخرى، حيث كان يتحتَّم على نحو مائة وعشرين شخصًا تقاسم مهجع تبلغ مساحته خمسين مترًا مربعًا، وكذلك تحدَّثت هيئة الأمم المتَّحدة في تقرير تم نشره حديثًا عن أوضاع لا يمكن السكوت عنها، ​​ ويضاف إلى ذلك أنَّه يجب – طبقًا للاتِّفاقية الأمنية التي تم التوقيع عليها بين واشنطن وحكومة بغداد ودخلت حيِّز التنفيذ ؛ أنه يتم تسليم جميع السجناء المحتجزين لدى الولايات المتَّحدة الأمريكية إلى السلطات العراقية ويبلغ عدد هؤلاء السجناء خمسة عشر ألف سجين لم يتم عرضهم بعد على القضاء، وفي كلِّ شهر لا يتم فقط تسليم ألف وخمسمائة سجين منهم إلى السلطات العراقية، وكذلك نشرت العديد من المنظمات العالمية المعنية بحقوق الإنسان العديد من الفضائح والأدلة المادية التي تعرض لها السجناء بالأخص منذ 2003 حتي عامنا الماضي.

استمرار مسلسل التعذيب والإعتقالات:

كل الانتهاكات التي يتعرض لها المعتقلين سواء المعتقلين التابعين بوزارة الداخلية أو الدفاع أو وزارة العدل أو غيرها من السجون الخاضعة تحت نفوذ الحشد الشعبي أوالسجون غير الرسمية التي ليست مرتبطة بالدولة باستمرار مسلسل التعذيب والانتهاكات الحقوقية، فنحن بصدد اتجاهين مضادين الاتجاه الأول يمثله الحكومة الرسمية بنفيها كل ما يتردد من وجود انتهاكات وفصل عنصري بداخل السجون العراقية سواء بسبب الإنتماءات الطائفية أو المذهبية أو المناطقية، أما الاتجاه الثاني المناف له هو الذي أثارته من جديد النائبة هيفاء الأمين من وجود العديد من الادلة لوجود انتهاكات جسيمة بهذه القضية وان عدم اثارة هذا الملف من قبل المعتقلين هو خوفهم من الحراس وأسباب أخرى لم نعلمها حتي الان، ولكن بالنظر إلى هذه القضية فهل نحن بصدد شأن داخلى أم شأنًا دوليًا؟

وهذا لم يحدده بعد المجتمع الدولي -ولكن الاعتقاد أن ما يهمنا في الملف العراقي هو تصفية الإرهاب لوضعها من أولويات الاجندة العراقية منذ صدور الأزمة العراقية حتي الآن هو الأهم بالنسبة لنا أم الحديث عن حقوق الانسان كأحد اولويات المجتمع الدولي! ، اعتقد أن هذا التساؤل سيظل مستمرًا حيال المنطقة العربية بأكملها ليس فحسب العراق بل الدول العربية التي تعاني من الأزمات السياسية المختلفة خاصة بعد 2011، ولنتذكر مرة ثانية أن يكون من أولوياتنا الحديث عن محاربة الإرهاب والنظر في الشئون المتعلقة بالنواحي الأمنية والاستراتيجية والسياسية للدولة أم الاهتمام بقضايا معنية بحقوق الانسان أو ما شابه؟!، أظن ستكون الإجابة مرضية لجميع الأطراف للعمل على هذين القضيتين موضع عنايةً واهتمام.

References:

1.Sharon Otterman, IRAQ: The Prison System ,Council on Foreign Relations, February 2, 2005, available link:

https://www.cfr.org/backgrounder/iraq-prison-system

  1. Iraq Prison Abuse Scandal Fast Facts, CNN, March 18, 2018, available link:

https://edition.cnn.com/2013/10/30/world/meast/iraq-prison-abuse-scandal-fast-facts/index.html

  • خاص – المركز الديمقراطي العربي
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق