الشرق الأوسطتقدير الموقفعاجل

الحراك الدبلوماسي الدولي على خط سوتشي ــ وارسو: بين العمل على بناء السلم في سوريا والحشد لمواجهة إيران

اعداد : أميرة أحمد حرزلي، باحثة في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، المركز الديمقراطي العربي

 

مقدمة:

وكأن الحرب الباردة تأبي أن تكون جزء من تاريخ مضى، اجتمع قطبا النظام الدولي روسيا والولايات المتحدة الامريكية في اجتماعين متزامنين وبلدين منفصلين لبحث مسألة واحدة وهي أزمات المنطقة العربية وعلى رأسها النزاع السوري وتنامي دور إيران في المنطقة، ولكن شتَان بين أليات وأهداف كل منهما.

اجتمعت روسيا مع حليفتيها إيران وتركيا في سوتشي وكلها أمل في الدفع بالتسوية السورية قدما على ضوء المستجدات الحاصلة على الساحة السورية، في المقابل تحشد الولايات المتحدة الامريكية وحلفاؤها (إسرائيل) والسعودية والامارات… في وارسو كل الجهود لمواجهة ما تسميه بالخطر الإيراني في الإقليم في إطار خطتها الجديدة المعروفة باسم (صفقة القرن).

بات واضحا اليوم أن الحرب الباردة تعيد نفسها على مستوى إقليمي في سوريا وإيران، فلسطين …وحتى على مستوى دولي في الازمة الفينزويلية وأوكرانيا … وان الاستراتيجية الامريكية في حالة هجوم ونظيرتها الروسية في موقع الدفاع.

  • نبحث في هذا الموضوع عن مدى نجاح روسيا في تسريع وتيرة التسوية في سوريا ومدى نجاح الولايات المتحدة الامريكية في التعبئة الدولية لمواجهة إيران؟

محاور الموضوع:

  • أولا: مضامين قمة سوتشي… مواصلة العمل على بناء السلم في سوريا
  • ثانيا: مضامين مؤتمر وارسو للأمن والسلام في الشرق الأوسط … والحشد لمواجهة إيران

أولا: مضامين قمة سوتشي …مواصلة العمل على بناء السلم في سوريا

عقد الثلاثي الضامن (الروسي والإيراني والتركي) في سوتشي 14 / 02 من هذا العام القمة الدورية الرابعة لمناقشة ومراجعة ما وصلت اليه الأوضاع الأمنية ــ العسكرية والإنسانية والسياسية في سوريا ومراجعة الاتفاقيات السابقة الخاصة بها، وقد تصدر الوضع المتدهور في محافظة ادلب ـــ شرق البلاد ــ مناقشات القادة الثلاثة، بالإضافة الى الوضع العسكري في منطقة شمال سوريا ومخاوف تركيا الأمنية من الملف التركي، كما ناقش القادة اللجنة الدستورية السورية، تداعيات اعلان واشنطن من الانسحاب من سوريا.

فاذا بدأنا بالوضع في ادلب يمكن القول أن سيطرت “جبهة النصرة” على المحافظة بنسبة اكثر من 95% تسبب في فشل تطبيق منطقة خفض التصعيد / التوتر هناك، وأضحى الالاف من سكان المحافظة في خطر كبير من استعمالهم كدروع بشرية من طرف التنظيمات الإرهابية في الاشتباكات وقتلهم، والوضع الإنساني فيها كارثي بفعل الحصار وغياب المساعدات الدولية عنها، وقد صرح الرئيس الروسي خلال اشغال القمة ” بؤرة الإرهاب في ادلب لا يمكن التسامح معها ويجب اتخاذ الإجراءات للقضاء عليها”، وأكد في ذات السياق الرئيس الإيراني أن هيئة تحرير الشام العمود الفقري لجبهة النصرة تسيطر على 99% من منطقة وقف اطلاق النار منذ جانفي الماضي وهو ما حال دون التطبيق الكامل لاتفاق ادلب وأشار الى ضرورة مضاعفة الجهود الإيرانية و الروسية والتركية لتطبيق الاتفاق كاملا[1].

اما الرئيس التركي فقد أعاد طرح مقترحه السابق حول إقامة ” المنطقة الامنة” في الشمالي السوري وإقناع الطرفين الروسي والإيراني بذلك، والجديد في هذه القمة يكمن في التغير الطفيف الذي يشهده الخطاب التركي وسياسته في سوريا، في تأجيل العملية العسكرية الجديدة لها في شرقي ادلب ومحاولة تنسيق ذلك مع الضامنين الاخرين، فضلا عن ذلك طرح اردوغان مقترح اشراك لبنان والعراق في عملية استانة المقبلة، اما عن علاقة تركيا بسوريا فتركيا ما ترتبط في اتصالات غير مباشرة معها على المستوى الاستخباراتي، وقد اعتبر المتابعون أن هذه القمة أرادتها روسيا  لإجراء مصالحة سورية تركية ما سنعكس إيجابا على الوضع في سوريا وتركيا، سبق ذلك ترحيب موسكو في 23 جانفي من هذا ودعوتها لإعادة العمل بالبروتكولات و الاتفاقيات التي تحكم العلاقات السورية التركية ومنها اتفاقية أضنة بين سوريا وتركيا التي وقعت 1998 والتي تنص في احدى بنودها على التعاون بين البلدين في مكافحة الإرهاب كأساس ممكن او محتمل للتفاوض بين دمشق وأنقرة، وقد سبق وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في السابع من جانفي المنصرم اقتراح التوسط بين دمشق وأنقرة وأعاد الرئيس الإيراني طرح المقترح في القمة[2].

هذا التجاوب المحدود في الأداء التركي والاستجابة الإيرانية والروسية ضمن اشغال قمة سوتشي لا يعنى البتة تتطابق في المصالح والرؤى في سوريا، ولكن القمة تعد فرصة سانحة لتقديم تنازلات أكبر من كل الأطراف في سوريا ان ارادت القضاء على الإرهاب واجراء تسوية فعلا.

أشار روحاني في معرض رده عن المخاوف التركية في شمال سوريا، بان نشر قوات سورية هناك واجراء تنسيق حكومي تركي ــ سوري فكرة من شأنها الحد المخاوف الأمنية التركية، من جهة أخرى أدان المجتمعون في سوتشي الغارات (الإسرائيلية) المتكررة على سوريا واعتبروها سلوك عدواني معرقل لمسار التسوية في سوريا.

تعتبر اللجنة الدستورية السورية من العوامل المساعدة على التسوية في سوريا وقد شدد الرئيس الروسي بوتين على ضرورة بدء عملها قريبا والدبلوماسيين الروس يبذلون جهدا كبيرا بالتنسيق مع الأطراف السورية والأمم المتحدة في هذا الصدد حسبه.

أولوية القضاء على الإرهاب بمختلف تنظيماته والمحافظة على وحدة الأراضي السورية في سوريا وإعادة الاعمار وعودة اللاجئين تبقى اهداف يعمل على تحقيقها الثلاثي الضامن في هذه القمة والقمم المقبلة مع وجود تحسن في ملف اللاجئين حيث عاد الالاف منهم من سوريا والأردن منذ بداية العام الجاري، وبخصوص انتشار الجيش السوري على الحدود السورية التركية وباقي الأراضي السورية يبقى محل اختلاف وتباين، بحيث تدعو روسيا وايران لهذا الاجراء وتجدانه ضروري للمحافظة على وحدة سوريا، تتحفظ تركيا من جهتها عليه.

ناقشت القمة وشددت في بيانها الختامي مرحلة ما بعد اعلان واشنطن الانسحاب من سوريا، بحيث يرى المجتمعون انه لا توجد معالم واضحة لهذا الإعلان، كما أكدوا على ضرورة اسراع سحب واشنطن جيشها من سوريا لانه سيكون حتما في خدمة التسوية، انقرة من جهتها تؤكد على ضرورة تنسيق خطط انسحاب الجيش الأمريكي وان تراعي الأخيرة الهواجس التركية من التهديد الكردي عليها.

بشكل عام كانت قمة سوتشي الثلاثية مراجعة لما سبق الاتفاق عليه وتقييم القمم السابقة ومستجدات الوضع السياسي والعسكري والإنساني في مناطق ادلب، شمال سوريا، شرقي الفرات …، هذا وما يزال التفاهم الكامل غائبا والاختلافات واضحة بين الثلاثي، لكن الجديد فيها هو اجراء مصالحة واسعة سورية ــ تركية برعاية روسية إيرانية لو تطبق سيكون لها أثر بالغ في تحسين وتسوية النزاع في سوريا، وتبقى نتائج ومخرجاتها مرهونة بكيفية تطبيقها في الأيام المقبلة .

    ثانيا: مضامين مؤتمر وارسو للأمن والسلام في الشرق الأوسط … والحشد لمواجهة إيران

على النقيض تماما من قمة سوتشي كان مؤتمر وارسو مشحونا بشكل سلبي هدفه الأساس الحشد لمواجهة إيران، ففي 13 و14 فيفري، بطلب من الولايات المتحدة الامريكية عقد مؤتمر وارسو في بولندا الذي حمل عنوان الامن والسلام في الشرق الأوسط، حضرته أكثر من ستين دولة على راسها الولايات المتحدة الامريكية و(إسرائيل)، السعودية، الامارات، البحرين … من الناحية الشكلية والحضور غابت عنه كبرى الدول روسيا والصين ومفوضية الاتحاد الأوروبي لشؤون السياسة الخارجية الامن وباقي الدول كان تمثيلها على مستوى وزراء الخارجية.

أما من ناحية المضمون فقد اختزل المؤتمر مشاكل الشرق الأوسط كلها في دور إيران وكيفية مواجهتها واهمل أدوار الفواعل وقضايا الأخرى مهمة ومنها الإرهاب و التطرف، اللجوء والهجرة  غير الشرعية …هو ما أفشل المؤتمر الذي يقول مراقبون انه مات قبل أن يولد، ما تجدر الإشارة اليه أيضا هو ان الهدف الأمريكي المؤتمر لم يكن مواجهة ايران لوحدها فحسب بل وحتى من يحالفها وعلى رأسهم روسيا و لعل اختيار مكان إقامة المؤتمر لم يكن عبثيا فهو يحمل دلالات تاريخية وسياسية موجهة مباشرة نحو روسيا أولها أن روسيا السوفيتية كانت تواجه تهديدات حلف شمال الأطلسي بحلف منافس وهو حلف وارسو ( معاهدة الصداقة و التعاون و المساعدة المشتركين ) الذي تأسس 14 ماي 1955 والذي ضم دول أوروبا الوسطى و الشرقية الشيوعية، وهو ما يعنى أن وارسو التي كانت حليفة لروسيا السوفيتية هي اليوم عمليا حليفة للولايات المتحدة الامريكية.

غاية واشنطن كذلك من خلال اختيار وارسو مكانا لعقد المؤتمر هو اعادة رسم خطوط جديدة لتقسيم القارة الأوروبية بين حلفاء جدد تابعين لها يتماهون في سياستها الإقليمية والدولية، وحلفاء قدامى لديهم سياسات أكثر استقلالا عنها غرب القارة الأوروبية ومنذ انتهاء الحرب الباردة ازدادت ثقة واشنطن بدول أوروبا الشرقية التي انضمت الى حلف شمال الأطلسي بعد انهيار الكتلة الشرقية، ولا سيما بولندا وجمهورية التشيك اللتين نصبت فيهما واشنطن أجزاء من الدرع الصاروخي لمحاصرة روسيا والخطر الإيراني[3].

مؤتمر وارسو هو اختبار لمدى ارتهان بولندا للسياسة الامريكية بعد ان باتت تعتمد عليها كليا في الدفاع عن نفسها في مواجهة ما تعتبره تهديدات روسية لأمنها، وهي من تجد نفسها منحازة الى واشنطن في مواقفها حتى له كانت تتعارض مع السياسات التي يتبناها الاتحاد الأوروبي وبولندا عضو فيه ما يعني ان واشنطن باتت تعتمد أكثر على بولندا في الاضلاع بأدوار في القارة الأوروبية والشرق الأوسط، ومنه يمثل المؤتمر فرصة لتعزيز الشراكة الامريكية البولندية والتي ظهرت معالمها اثناء المؤتمر في محاولة واشنطن إقامة قاعدة لها على الأراضي البولندية ، وتوقيع بولندا مع الولايات المتحدة الامريكية عقد شراء عشرين قذيفة صواريخ بقيمة 414 مليون دولار تسلم الى بولندا بحلول عام 2030.

فالاندفاعة الامريكية المتهورة ومحاولة التأثير على قرارات الدول الاخرى لم تجدي نفعا أمام البرود الأوروبي والتهديدات الامريكية المتكررة لأوروبا بفرض عقوبات عليها على خلفية تعاملها مع ايران، وقد دعا نائب الرئيس الامريكي مايك بنس خلال أشغال المؤتمر حلفاء الأوروبيين اتباع الخطوة الامريكية والانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، الطرف الأوروبي ( فرنسا و ألمانيا، بريطانيا ) يذهب بعيدا في رده على الخطوة الامريكية وهي استحداث ألية مصرفية تمكنه من التعاون مع ايران واستمرار التعامل التجاري معها[4] لتفادي العقوبات الامريكية ولإنقاذ ما تبقى من الاتفاق النووي الإيراني بعد انسحاب واشنطن منه العام الماضي.

سجل المؤتمر وارسو نجاحا ــ للأسف ـ وحيد بنظر الولايات المتحدة الامريكية و(إسرائيل) وهو اختراق العلاقات العربية العربية و التنافس الخليجي على ” التطبيع” مع ( إسرائيل) واخرج العلاقات من السر الى العلن ،وقد ظهر ذلك واضحا في لقاء رئيس الوزراء ( الإسرائيلي) مع وزراء الخارجية لدول الخليج فرادى أو مجموعات سواء مع سلطنة عمان ، السعودية ، الامارات ، البحرين…وهو ما يؤشر على هناك تحالف خليجي ــ أمريكي ــ ( إسرائيلي ) ضد ايران والدول العربية الأخرى، وما يؤكد ذلك هو نشر مكتب رئيس وزراء (إسرائيل) فيديو ثم سحبه يظهر وزراء خارجية الثلاثي الخليجي البحريني والاماراتي و السعودي يتوددون ل(لإسرائيل ) فالوزير البحريني أشار الى ان التهديد الأخطر اليوم هو ايران وليس القضية الفلسطينية ، أما الاماراتي فقد فقال ان لــ(إسرائيل ) الحق في الدفاع عن نفسها في اشارة منه الى الغارات ( الإسرائيلية ) على سوريا ، أما الوزير السعودي فقال أن ايران تزعزع الامن و استقرار المنطقة.

ما يمكن استقراؤه من نتائج مؤتمر وارسو هو محاولة أمريكية فاشلة ــ بدليل انتهاء المؤتمر دون بيان ختامي لعدم الاتفاق عليه ــ لخلق تحالف دولي ضد إيران وتقسيم المنطقة العربية المقسمة أصلا، فضلا عن ذلك إشغالها بقضايا جانبية وهامشية على حساب قضايا محورية على رأسها القضية الفلسطينية لخدمة لمصالحها الامبريالية وتغيير أصل الصراع جذريا في الشرق الأوسط من صراع عربي ــ صهيوني الى صراع عربي ــ إسلامي في اطار (صفقة القرن)، من جهة أخرى غاية المؤتمر التدخل في الشؤون الأوروبية والتأثير على قرارات دولها ومحاولة تقسيمهم على بعضهم البعض.

خاتمة:

نستنتج من خلال ما سبق التطرق له أن استراتيجية روسيا والولايات المتحدة الامريكية تجاه المنطقة العربية تختلف الى حد التناقض الواضح وهو ما تجلى في قمة سوتشي ومؤتمر وارسو، بحيث يدفع الأول نحو التسوية وبناء السلم في سوريا مع الشركاء الإقليميين والدوليين بأسلوب دبلوماسي وتفاوضي ما سينعكس إيجابا على المنطقة العربية ككل، اما الثاني فيدفع نحو المواجهة والحرب بأسلوب الحشد والتعبئة وهو ما يُبقي المنطقة العربية في حالة اضطراب وفوضى دائمة، ولعل صراع الاجنحة والتنافس السياسي التي يجرى داخل دوائر صنع القرار في واشنطن من عوامل التخبط الأمريكي على المستوى الدولي في سياستها الخارجية.

[1] ـ قمة سوتشي تؤكد ضرورة مضاعفة الجهود لتطبيق اتفاق ادلب ، 14 / 02 / 2019 ، موقع روسيا اليوم ، على الرابط الالكتروني :

https://arabic.rt.com/middle_east/1001176

[2] ـ عقيل سعيد محفوض ، مُثلث سوتشي في كل قمة َ قمةٌ أخرى، موقع الميادين ، على الرابط الالكتروني :

http://www.almayadeen.net/articles/leftdirection/936168

[3]ـ مؤتمر وارسو: دلالات المكان والاهداف والخلفيات، تقدير مواقف، الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 18 / 02 /2019، ص 02.

[4] ـ المرجع نفسه ، ص 03 .

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق