fbpx
الشرق الأوسطعاجل

الأمن البيئي في المشروع التمهيدي لتعديل الدستور الجزائري – قراءة تحليلية للمادة 21 من مشروع الدستور-

بقلم: أ. يوسف بوغرارة، باحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

  • المركز الديمقراطي العربي

 

أعطى المؤسس الدستوري أهمية بالغة للأمن البيئي في المشروع التمهيدي لتعديل الدستور، وذلك من خلال إدراج مقترح مختلف الفاعلين والمساهمين بالمقترحات الدستورية. وتعتبر المادة 21 من مشروع التعديل لبنة جوهرية في حماية البيئة وضمان رفاهية المواطن للعيش في أنظمة إيكولوجية تلبي إستقراره.

تعتبر البيئة من بين التحديات الأمنية الحديثة التي أصبحت تواجه الدول، بإعتبارها تحتوي على عناصر البقاء التي لا يمكن للحياة أن تستمر بدونها، وبرزت تهديداتها من خلال الإستغلال العشوائي للموارد واستنزافها بصفة أدت إلى تلويث مختلف الأنظمة الإيكولوجية؛ وظهور مشاكل عديدة كالتصحر، والنزاعات على مناطق الثروات الطبيعية، الإحتباس الحراري، التلوث نتاج انبعاث الغازات السامة من المصانع والتكنولوجيا…، وقد أجمعت التعريفات المتعلقة بمفهوم البيئة أن هذه الأخيرة تشمل كل الكائنات الحية بما فيها البشرية، وتجدر الإشارة أن أن الإنسان هو الركيزة الأساسية لمعادلة البيئة، فالحفاظ عليها مرهون بأسلوب الإنسان اتجاه بيئته[i].

وقد شملت الدراسات الحديثة للأمن توسعا في أبعاده، أهمها مدرسة كوبنهاغن للدراسات الأمنية، ومن أهم روادها باري بوزان، والذي وسع من مفهوم الأمن إلى خمسة أبعاد، من بينها الأمن البيئي؛ حيث تسعى الدولة إلى حماية أنظمتها الإيكولوجية من التصحر والإحتباس الحراري، إزالة الثروة الغابية، التنوع البيولوجي، تهديدات النفايات، تآكل طبقة الأوزون…، حيث أنها أصبحت قضية أمن وطني ودولي[ii].

وقد سعى المؤسس الدستوري إلى مسايرة التحديات الأمنية المعاصرة، واهتمامات المجتمع الدولي الأمنية، من خلال إدراجه للبيئة كبعد أمني تسعى الدولة لأمننته والحفاظ عليه لتحقيق الرفاهية للأفراد. حيث نصت المادة 21 من مشروع الدستور على: ” تسهر الدولة على: – حماية الأراضي الفلاحية، -ضمان بيئة سليمة من أجل حماية الأشخاص وتحقيق رفاههم، -ضمان توعية متواصلة بالمخاطر البيئية، الإستعمال العقلاني للمياه والطاقات الأحفورية والموارد الطبيعية الأخرى، -حماية البيئة بأبعادها البرية، البحرية والجوية، وتتخذ كل التدابير الملائمة لمعاقبة الملوثين[iii].

ومما سبق، تسهر الدولة على حماية الأراضي الفلاحية بإعتبارها مصدرا أساسيا للثروة والنهوض بالإقتصاد الوطني وتحقيق الأمن الإقتصادي والاستثمار، من خلال هذه الفقرة من مشروع الدستور؛ يسعى المؤسس الدستوري لتفعيل آليات قانونية ومؤسساتية لجعل إستغلال الأراضي الفلاحية واجبا قانونيا لإستغلال طاقاتها الإنتاجية تزامنا مع الإنتقال لإقتصاد الإنتاج[iv].

و يسعى المؤسس الدستوري في الفقرة الثانية المتعلقة بضمان بيئة سليمة من أجل حماية الأشخاص وتحقيق رفاههم، لدسترة الحق البيئي؛ بنقله من القانون الدولي إلى القانون الوطني، ومن هذا المنطلق، تحول نحو الزيادة في القيمة المعيارية للحق البيئي وإعطائه القوة الدستورية؛ كقيمة في قمة الهرم التسلسلي للقوانيين في المنظومة القانونية التي ينتمي إليها هذا التشريع، فتصبح أكثر إلزامية ومشروعية[v].

وقد أشار المؤسس الدستوري في المادة 21 الفقرة الرابعة للأمن المائي والأمن الطاقوي، حيث جاء، تسهر الدولة على الإستعمال العقلاني للمياه والطاقات الأحفورية والموارد الطبيعية الأخرى؛ حيث أن هذه الفقرة فيها إشارة لتوسيع نشاط الهيئات لمهام مراقية آداء الشركات العمومية والخاصة التي تعمل في قطاع المياه ووضع إستراتيجيات للربط والتحويلات المائية، وسن قوانين تحمي هذا الحق.[vi] ونحو عقلنة إستعمال الطاقات الأحفورية تفاديا للأضرار البيئية الناتجة عنها.

وفي نفس السياق، أدرج المؤسس الدستوري في نفس المادة الفقرة الأخيرة، نية الدولة لأمننة البيئة بكل أبعادها، كالبيئة البحرية وإشكالاتها العديدة منها النفايات البحرية، والبيئة الجوية؛ كالإنبعاثات الغازية السامة. وفي إشارة صريحة لوضع آليات وقائية وردعية قانونية ومؤسساتية لمعاقبة الملوثين والجناة في مجال البيئة.

وما نخلص إليه، أن الجزائر تسعى لمواكبة إهتمامات المجتمع الدولي في مجال الأمن بأبعاده المختلفة، لا سيما الأمن البيئي، وتبني المقاربات الحديثة لحقوق الإنسان، وذلك نحو دسترتها وإحاطتها بمنظومة قانونية تضمن حقوق المواطن الجزائري.

[i] فوزية هوشات، “الأمن البيئي بين مقاربة الأمن الوطني والأمن الإنساني”، مجلة العلوم الإنسانية، المجلد ب، العدد 50، 2018.

[ii] Barry Buzan, people, State, and fear: An Agenda For international Stadies in The post-cold War ERA, l’Université du Michigan, Harvester Wheatsheaf, 1991.

[iii]  المشروع التمهيدي لتعديل الدستور الجزائري، 2020.

[iv]  آسيا أوزاغ، “صور حماية الأراصي الفلاحية في التشريع الجزائري”، المجلد 7، العدد 1، 2020.

[v] خلفة نصير، “التوعية البيئية الإعلامية في الجزائر بين المتطلبات الداخلية وآليات التفعيل”،  مجلة البحوث العلمية في التشريعات البيئية”، المجلد 6، العدد 1، 2019.

[vi] بوخميس سهيلة، “دور سلطة ضبط الخدمات العمومية للمياه في ضبط قطاع المياه في الجزائر”،  حوليات جامعة قالمة للعلوم الإجتماعية والإنسانية، العدد 13، 2015.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق