الشرق الأوسطتقارير استراتيجيةعاجل

السياسة الخارجية الصينية تجاه مصر منذ عام ٢٠١١

اعداد : رامز صلاح عبد الإله الشيشي – المركز الديمقراطي العربي

 

الملخص:

تتناول هذه الورقة البحثية السياسة الخارجية الصينية تجاه مصر منذ ٢٠١١، بعد أن اكتشفت الصين مدى أهمية الدولة المصرية جراء الانفتاح على العالم الخارجي منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية في عام ١٩٤٩.  وأن أهمية تواجدها في مصر مرتبطة بموقعها الاستراتيجي، وتوسطها للممرات الملاحية الاستراتيجية، بالإضافة إلى تحكمها في حركة المواصلات العالمية. بالتالي؛ الحضور الصيني في مصر ليس جديداً، كما أن مصر ليست جديدة الحضور في الصين، فهناك تاريخ طويل من التواصل والتعاون بين الحضارتين في كافة المجالات لاسيما التجارية والثقافية. وفي العصر الحديث، كانت مصر أول دولة في الشرق الأوسط تقيم تبادلاً دبلوماسيًا مع الصين، الأمر الذي قاد الصين إلى افتتاح أول قنصلية لها في الشرق الأوسط بالقاهرة في سبتمبر 1935. كما أن هذه العلاقة الوثيقة مع بكين تأكدت بشكل بارز في دعم إرادة الشعب المصري الحرة في التغيير واختيار قياداته ورفض التدخل في الشئون الداخلية سواء في ثورة ٢٥ يناير، أو ثورة 30 يونيو.

Abstract

     This research paper deals with China’s foreign policy toward Egypt since 2011, after China discovered how important the Egyptian state is to opening up to the outside world since the founding of the People’s Republic of China in 1949. The importance of its presence in Egypt is linked to its strategic location, its mediation of strategic shipping lanes, as well as its control over global transport. Therefore, the Chinese presence in Egypt is not new, and Egypt is not new to the presence in China, there is a long history of communication and cooperation between the two civilizations in all fields, especially commercial and cultural. In modern times, Egypt was the first country in the Middle East to hold a diplomatic exchange with China, leading China to open its first consulate in the Middle East in Cairo in September 1935. This close relationship with Beijing has also been prominently confirmed in supporting the free will of the Egyptian people to change, choose their leaders and refuse to interfere in internal affairs, whether in the January 25 revolution or the June 30 revolution.

١. مقدمة:

     تُمثِل العلاقة الارتباطية بين التغيرات الهيكلية الجذرية التي تحدث داخل النظم السياسية  والسلوكيات الخارجية للدول موضع ذلك التغيير والتحول أو بين التحولات الداخلية وردود الأفعال المتباينة من الدول الأخرى في النظام الدولى بشكل عام تجاه هذه التغيرات واحدة من النقاط التي تشغل بال العديد من الدارسين للعلوم السياسية وهو ما اتضح في العلاقة بين النظم السياسية والعلاقات الدولية، فيما يُدعي ” بالعلوم البينيّة Interdisciplinary ” وهذا اتضح بشكل عام في مرحلة الحراك الثوري الذي شهدته دول عربية عِدة من ضمنها مصر.  تُعدُّ مصر واحدة من الدول التي توجهت الصين لها ليس هذا فحسب تُعدُّ الحضارتين المصرية والصينية من أقوى الحضارات، حيث تلاقا على مر العصور ثقافياً وتجارياً الأمر الذي انعكس بشكل مرن على طبيعة العلاقات بينهما منذ القرن الماضي وحتى الآن. ومع قيام جمهورية الصين الشعبية في أكتوبر 1949 ونجاح ثورة يوليو 1952 في مصر، تلاقت توجهات البلدين في الدفاع عن قضايا العالم الثالث. وبداية العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في 30 مايو 1956 لتكون بذلك مصر أول دولة عربية وأفريقية تُقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية، وكانت هذه الخطوة نقطة فارقة في علاقات الصين الدولية في ظل مناخ الحرب الباردة. لطالما تولت الصين على عاتقها ولعقودٍ طويلة قيادة العالَم النامي ودعمه، وحدّدت نفسها باعتبارها من الدول النامية أو من العالم الثالث. وهذا أمر مهم لأن الصين تعتبر نفسها مختلفة جدًا عن العالم الغربي والقوى المتقدمة وخلافاً لهذه الدول لا ترى الصين نفسها قوة إمبريالية ولا تعتقد أن تاريخها يحفل بأي قمع للدول النامية (سكوبيل، أندرو & نادر، عليرظا. ٢٠١٦).

     إن موقف الصين تجاه ثورة ٢٥ يناير، وكذا ٣٠ يونيو يعود بالأساس إلى مبدأ ” عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول ” فهذا هو المبدأ الحاكم لها في سبيل إدارتها لمواجهة الأزمات الخارجية والداخلية بجانب سياستها الخارجية. عملت الصين على التمسك بالعامل الذي تكتسب به ثقة الدول ألا وهو العامل الاقتصادي بجانب القوة الناعمة لا الصلبة، لذا نجدها ساهمت في رفع المستوى الاجتماعي والاقتصادي لدول المنطقة العربية لاسيما مصر أعقاب ٢٠١١، وكذا ٢٠١٣ وحتى الوقت الراهن. إن هذا التأييد اتضح بشكلٍ مرنٍ لا لبس فيه في تأييدها السياسات المصرية، ومعارضتها لأي محاولات خارجية لفرض شروط التحول على مصر بعد ٣٠ يونيو. ومن أجل انجاحها لسياستها الخارجية تخلت عن استراتيجيتها القائمة على الاعتبارات الأيديولوجية، وفعلّت واحدة مغايرة تماماً في تحديد حلفائها قائمة على البراغماتية النفعية (حلمي، نادية. ٢٠٢١).

١. مبادئ السياسة الخارجية الصينية:

إن السياسة الخارجية الصينية هي سياسة الانفتاح على العالم، وتحقيق المنفعة المتبادلة، حيث تتجاوب مع التطلعات الطموحة للدول النامية. فالحزب الشيوعي الصيني نفسه بقيادة دينج شياو بينج عمل على وضع خطة للإصلاح الاقتصادي. بعبارة أخرى، يمكن القول إن جوهر السياسة الخارجية الصينية قائمة على إدارة العلاقات بين الفرص المتاحة لها والمخاطر الحيطة بها سواء كانت داخلية أو خارجية، فالدول تعيش في واقع إقليمي ودولي فيه أطراف عديدة على درجات مختلفة من القوة والنفوذ، وعلى الدولة وهي تُدير مثل تلك السياسة أن تأخذ في اعتبارها ألا تسعي لتحقيق أهداف تتجاوز قدراتها، وألا يكون من شأنها تكتل أطراف أقوى منها ضدها.

على الرغم من أن الصين لم تكن طرفاً في صياغة معاهدة ويستفاليا، إلا أن نظرتها إلى العلاقات الدولية تبقى نظرة تقليدية، نظرة لا بد وأن ترتكز على مبدأ السيادة للدولة القومية بمعناها الجامد. والتي لا يجب المساس بها أو التدخل في شؤون الدول الداخلية. حتى إن كانت هذه الدولة قد ارتكب على أراضيها جرائم إبادة جماعية أو انتهاك خطير لحقوق الإنسان. كما أنها لا زالت تؤكد على رفضها استخدام القوة خارج الحدود الإقليمية للدولة. هذه المبادئ، نجد لها خلفية في الثقافة الصينية، وفي أفكار الفلاسفة الصينيين وأبرزهم “كونفوشيوس”، وهي ثقافة تدعو إلى السلام والاستقرار، ونبذ كل ما من شأنه أن يُعدُّ اعتداء. ناهيك عن تجذر فكر العزلة والتقوقع داخل الحدود في الفكر الاستراتيجي الصيني، من خلال تجربة بناء “سور الصين العظيم ” الذي بدأت في العام 214 ق.م؛ لحماية الصين من الاعتداء والغزو الخارجي. (منافح، عائشة. ٢٠١٤) وعليه، فقد ظلت السياسة الخارجية الصين لفترة ليست بالهينة، رهينة بما عرف باسم: “المبادئ الخمسة للتعايش السلمي”، والتي التزمت بها منذ ١٩٥٤ في إطار مؤتمر باندونج بإندونيسيا عكست روح ميثاق الأمم المتحدة الذي يدعو إلى السلم والتعاون ف الشراكة بدلًا من الصراع والتنافس، وهذه المبادئ هي كالتالي: الاحترام المتبادل لسيادة الدول ووحدة أراضيها، عدم الاعتداء المباشر، عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، المساواة والمنفعة المتبادلة، التعايش السلمي.

وتجدر الإشارة إلى أن سياسة الصين الخارجية، تغيب عنها النزعة الاستعمارية. فرغم عراقة حضارتها، فلم تمارس عمليات السيطرة واستعمار أراضي الغير. ورغم التحولات التي مر بها النظام الدولي، ظلت الصين متمسكة بالمبادئ الخمسة للتعايش السلمي، مقابل رغبة باقي الدول في مد جسور التعاون معها.

٢. مُحددات السياسة الخارجية الصينية:

هنالك العديد من المُحددات التي تدخل في صنع السياسة الخارجية الصينية بصفة عامة وهي

المُحدد الجغرافي والسكاني: –

تُعدُّ الصين ثالث أكبر دول العالم مساحة بعد كل من روسيا وكندا فمساحتها تبلغ 9.572.678 كم²، كما تُشرف الصين على طرق هامة للمواصلات والتجارة في العالم سواء البرية، كطريق الحرير أو البحرية بإطلالها على المحيط الهادي، وبحر الصين الجنوبي، وبحر الصين الشرقي، والبحر الأصفر، ومضيق فرموزا. كما يلعب العامل السكانى دوراً هاماً ومؤثراً فى سياسة الدول حيث يعتبر العنصر البشرى من العناصر المهمة لبناء قوه الدولة، فهو الأساس للنهوض بقوه الدولة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.

المُحدد التاريخي: –

لقد أكدت جمهورية الصين الشعبية بقيادة ماوتسي تونج عام 1949 على ثلاثة أهداف رئيسية:

  • الهدف الأول، القومية، كان في المقدمة وطوال الثورة، مما يعكس الرغبة في الاستقلال عن النفوذ والسيطرة الأجنبيين.
  • والهدف الثاني هو الوحدة الوطنية تحت السلطة المركزية
  • والهدف الثالث هو المطالبة بتحول أساسي في الظروف الاقتصادية والاجتماعية. ومن الواضح أن هذا كان له تأثير على المبادئ الخمسة للصين، والتي كانت بمثابة أساس السياسة الخارجية للصين في وقت لاحق.

المُحدد الاقتصادي: –

تنطلق الصين في سياستها الخارجية من منظور اقتصادي بحت، يُعدُّ الهدف الأكبر للسياسة الصينية هو تأمين عناصر عملية التنمية بجانبها السياسي والاقتصادي فى الداخل. باعتبار أن هذا الاستمرار سيؤمن للصين استقرارها فى الداخل ودورها العالمى فى الخارج. تشير الإحصاءات إلى التراجع المستمر فى الثقل النسبي للولايات المتحدة الأمريكية حيث هبوط نصيبها من الناتج العالمى وتراجع مساهماتها فى الصادرات العالمية مقابل ارتفاع نصيب الصين من الناتج العالمى وارتفاع نسبه صادراتها.

المُحدد العسكري: –

من بين العوامل المؤثرة على السياسة الخارجية القدرات العسكرية للدولة، والتي تشمل إعداد وتدريب وجودة الأسلحة بجميع أشكالها التي تستخدمها الدولة للحفاظ على أمنها، ويمكن تقسيم القدرات العسكرية إلى كمية ونوعية. إن الصين تتمتع بقدرات عسكرية هائلة، مما يجعلها ثالث أكبر قوة نووية في العالم. (حمدي، عبد العزيز. ٢٠٠١) يمكن القول إن الصين تتبع سياسة واقعية دفاعية من خلال العمل على تدعيم الدفاع الوطنى ورفض العدوان ومواجهة العدوان المسلح والدفاع عن سيادتها. قد لا تكون الصين قوية عسكرياً من وجهة نظر العديد من الدول، إلا أنه يمكن القول إنها لها مكانتها العسكرية التي ستدعمها بشكل أو بآخر عن طريق ترجمة القوة الاقتصادية الهائلة التي تمتلكها إلى أخرى عسكرية.

٣. الصين والربيع العربي:

على غرار جميع القوى الأخرى، فوجِئَتْ الصين بالربيع العربي الذي اُعتبر اضطرابات أو في أحسن الأحوال “تغييرات” وتطوراً من غير المرجح أن يحقق الديمقراطية للعرب، وهو تنبؤ تبين فيما بعد أنه دقيق. ولكن سرعان ما قيمت الصين تأثيرها على مصالحها في اتجاهين، محلي وخارجي. وعلى المستوى الداخلي، كانت الصين قلقة من تأثير الربيع العربي، الذي تبين أنه ربيع إسلامي، على المسلمين الصينيين، حيث يمكن للحكومات الإسلامية الجديدة تقديم بعض الدعم للحركات الانفصالية في شينجيانغ. وعلى المستوى الخارجي، كان الاهتمام الرئيسي موجهاً نحو الاستثمارات والتجارة الصينية ووضع تلك الاستثمارات. (El-Sayed S, Mohamed. 2013)

ولذلك، عملت الصين وبشكل عام على الرد الرسمي على الانتفاضات العربية الذي كان ناجحاً جدًا بالنسبة للحكومة الصينية. حيث كانت تخضع الساحة العامة الصينية لرقابة صارمة من قبل الحكومة لمنع أي حركة احتجاج على نطاق الانتفاضات العربية من الظهور في الصين. (He, Baogang. 2014) ركزت النخبة الحاكمة في الصين على الحفاظ على الاستقرار من خلال إرسال البعثات التعليمية، وتحسين الوضع الاجتماعي بشكل عام، وكذا التفاعل مع الأحداث الدولية الأمر الذي كان له آثاره على توسيع النفوذ الصيني في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وبخاصة مع فشل المخطط الأمريكي في إحداث تغيير في بعض النظم العربية ومنها مصر لاحتواء إيران الشيعية. يُمكن القول إن الصين كلما نشأ المزيد من الاحتجاج الاجتماعي وعدم الاستقرار، بادرت باستخدام البحث عن عدو في محاولة لشراء الاستقرار. ولذلك، فهي عملت على توجيه الأزمات الداخلية إلى أخرى خارجية تتمثل في استغلال فشل المخطط الأمريكي في الدول العربية، والصراع القائم بين بكين وواشنطن. (Chaziza, Mordechai. 2013)

اتبعت الصين سياسة عدم التدخل في شؤون بلدان الربيع العربي، مما سمح لشعوب المنطقة بتقرير النتيجة النهائية. وخلال زيارة إلى الإمارات العربية المتحدة في 18 يناير/كانون الثاني 2012، صرَّح ون جيا باو، رئيس وزراء الصين آنذاك، بأنه “ينبغي ترك الدول العربية لتقرر مصيرها السياسي، ويجب أن تؤخذ إرادة الشعب في الاعتبار في هذه العملية”. واضاف ان “شؤون المنطقة يجب ان تقررها دولها وشعوبها ويجب احترام تطلعاتها الى التغيير”. ونعتقد أن الصعوبات التي تواجهها البلدان العربية ليست سوى صعوبات مؤقتة. ونحن نساعد بلدان المنطقة في تحديد مسار مستقل للتنمية يتناسب مع ظروفها الوطنية”. وعكس هذا البيان السياسة العامة للصين تجاه الربيع العربي والتدخل الأجنبي.، غير أن مسار العمل يختلف من حالة إلى أخرى. وبالتالي، سعت السياسة الصينية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى تعزيز علاقاتها الاقتصادية، ومن ثم دعت إلى التعامل مع صراعات مثل أحداث الربيع العربي في نمط من التعاون والتفاوض، وإدارة النزاعات.

٤. العلاقات المصرية ـ الصينية (٢٥ يناير ٢٠١١ ـ ٣٠ يونيو ٢٠١٣):

     بعد اندلاع الثورات العربية قامت الصين بحملة قـمـع قوية وصارمة، حيث حظرت عبارة “ثورة الياسمين” أو الربيع العربي من محركات البحث على الإنترنت. وبعد اندلاع الثورة المصرية، لم يخرج تعامل الصين مع الأحداث عن السياق العام الـذي يحكم السياسة الخارجية الصينية وفقًا لمبادئها، وفي مقدمتها عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى. فباستثناء التصريحات الخاصة بأمن وسـلامـة الرعايا الصينيين فـي مصر، لم يخرج عن الحكومة الصينية أي تصريحات تعليقاً على الأحداث حتى العاشر من شباط/فبراير ٢٠١١، حين أعلن وزير خارجية الصين يانغ جيه تشي إن الصين ترفض التدخل الخارجي في شؤون مصر، وينبغي أن تقرر مصر شؤونها بنفسها وبشكل مستقل ويجب ألّا تخضع لتدخل خارجي، وإننا نعتقد أن مصر لديها ما يكفي من الحكمة والقدرة على التغلب على الصعوبات الحالية وتحقيق الاستقرار الوطني والتنمية.  وفي اليوم التالي لتخلي مبارك عن رئاسة الدولة المصرية. بعد انتخاب رئيس الجمهورية في يونيو 2012، قام الرئيس محمد مرسي بأول زيارة له خارج المنطقة العربية إلى الصين في 28 أغسطس 2012، بهدف تعزيز التعاون بين مصر والصين، فضلًا عن تطوير وجذب الاستثمارات والمشاريع الصناعية والتكنولوجية الصينية الكبرى إلى مصر. ورافقه خلال زيارته عدد من الوزراء، وأكد هوجينتاو على أهمية تعزيز وتعميق علاقات التعاون الثنائي. وقد تم توقيع ثماني اتفاقيات ثنائية تغطي مجالات التعاون الاقتصادي والتجاري والزراعي. وتم توقيع ٨ اتفاقيات ثنائية تشمل مجالات التعاون المشترك في الاقتصاد والتجارة والزراعة والسياحة والاتصالات والبيئة، ودفع الاستثمارات بين البلدين. (فاضل محمد، شريفة. ٢٠١٤)

وتضمنت الاتفاقيات التي تم توقيعها بين الجانبين اتفاقاً في مجالات التعاون الاقتصادي والفني حول تقديم الصين منحة لا ترد بقيمة تبلغ ٤٥٠ مليون يـوان (نحو ٧٠ مليون دولار)؛ لإقامة مشروعات مشتركة في مجالات البنية التحتية، والكهرباء، والبيئة، ومنحة أخـرى عبارة عن ٣٠٠ سيارة شرطة لمصر، إضافة إلـى مذكرة تفاهم لمعالجة النفايات الصلبة، والتعاون فـي مـجـال حماية البيئة، واتفاقية فـي مـجـال الـتـعـاون السياحي، ومـجـال الـبـحـوث الحقلية في الزراعة، واتفاقية تعاون عبارة عن قرض ميسر تبلغ قيمته ٢٠٠ مليون دولار من بنك التنمية الصيني لدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة.  تم توقيع سلسلة من اتفاقيات الاستثمار بين رجال الأعمال المصريين والصينيين، بلغ إجمالي استثماراتها 4.9 مليار دولار، مما يشير إلى تحول كبير في العلاقات الاقتصادية المصرية الصينية. وتضمنت الاتفاقية اتفاقية إطارية للتعاون التخطيطي والاستشاري بين بنك التنمية القومي الصيني ووزارة البحث العلمي المصرية، بالإضافة إلى مذكرة تفاهم للتعاون في مجال الاتصالات بين وزارة الاتصالات المصرية ووزارة الصناعة والمعلوماتية الصينية. ولكن بعد انقلاب ٣ تموز/يوليو ٢٠١٣ العسكري في مصر فإن الصين التزمت بموقفها الحيادي للمحافظة على مصالحها الاقتصادية، وبخاصة أن الانقلاب العسكري بدا غير مستقر مع صمود القوى المُعارضة لـه.

٥. السياسة الخارجية الصينية تجاه مصر منذ ٢٠١١:

     كانت مواقف الصين من ثورات الربيع العربي دعماً للحفاظ على مصالحها الاقتصادية الجيواستراتيجية، حيث سياستها بعدم التدخل بشؤون الدول الداخلية ودعوتها للتعاون والتعايش كبديل للحرب والصراع بين الدول، اتخذت الصين موقف الصمت والتحفظ من الثورة المصرية. وأكدت على احترامها لإرادة الشعب المصري بالإضافة لرفضها التدخلات الخارجية بالشؤون المصرية. ولم تصدر أي تصريح عن الثورة باستثناء حماية رعاياها في مصر. كما عمل الرئيس الصيني شى جين بينغ بعد مباحثات الشراكة الشاملة بين مصر والصين عام 2014 على التأكيد على أن الصين تحترم حقوق الشعب المصري في اختيار نظامه السياسي وسياسته التنموية بمفرده. وتقف الصين ضد القوى الخارجية التي تحاول التدخل في الشؤون الداخلية لمصر بأي شكل من الأشكال. كما وافقت الصين على انضمام مصر كعضو مؤسس في البنك الآسيوي للاستثمار، حيث أصبح من حق مصر المشاركة في تحديد ووضع السياسات والقواعد التي يسير عليها البنك، وهذا يمكن مصر من الاستفادة من التمويل الضخم الذي يوفره البتك من أجل مشروعات البنى التحتية والمشاريع التنموية. كما تشابكت العلاقات الصينية المصرية بشكل كبير بعد تطور العلاقات الثنائية بين البلدين على جميع الأصعدة. بادرت مصر بالانضمام إلى مؤتمر التفاعل واجراءات بناء الثقة في أسيا الذي تم افتتاحه عام 2015، وهو منتدى متعدد الجنسيات من أجل بناء الثقة بالمجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية والانسانية وفي مجال البيئة في أسيا تبرز أهمية المؤتمر لما تشهده قارة آسيا من أوضاع أمنية مضطربة مثل الإرهاب والتطرف الديني وانتشار أسلحة الدمار الشامل، والجريمة المنظمة، حيث يعمل هذا المؤتمر كمنصة أمنية بين القادة في قارة آسيا لمنع وتقليل الخلافات والمواجهة. كما دعا بينغ الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لحضور قمة العشرين التي عقدت في بكين  عام 2016، وشاركت مصر برئاسة عبد الفتاح السيسي لأول مرة في الدورة التاسعة عام 2017 لتكتل البريكس دول الاقتصادات الأسرع في العالم من حيث النمو بعد تلقي دعوة من بكين، حيث قال السفير المصري في بكين السيد أسامة مجذوب “إن مسار الإصلاح الاقتصادى هو الذي يقف وراء هذه الدعوة” أكد وزير خارجية الصين وانج بي على إثر هذه الدعوة أن الصين حريصة على التعاون مع مصر من خلال مُبادرة الحزام والطريق، وكذلك عن تطلعه لمشاركة مصر في قمة البريكس، حيث تهدف الصين إلى فتح حوار أكبر مع الدول النامية. (صالح داود، بيان. ٢٠١٩)

كما عملت الصين من خلال دبلوماسية الأقنعة على تعزيز سياستها الخارجية تجاه الدولة المصرية سواء عن طريق المساعدات الطبية باستمرار لاسيما في خضم أعباء أزمات موجات الجائحة المتكررة. كما تم توقيع اتفاقية مع شركة “سينوفاك” الصينية لبدء تصنيع لقاحات فيروس كورونا في مصر وتصديرها إلى دول أفريقيا. كما قالت وزير الصحة المصرية هالة زايد خلال مؤتمر صحفي “إن مصر ستصنع لقاحات فيروس كورونا من خلال الشركة القابضة للمستحضرات الحيوية واللقاحات “فاكسيرا”، موضحة أن منظمة الصحة العالمية كانت قد أرسلت خبراء دوليين لتقييم أداء مصانع شركة. وهو ما أكده السفير الصيني لدي مصر لياو لي تشانغ. (Reuters. 2021)

٦. أهداف السياسة الخارجية الصينية تجاه مصر:

     إن الصين ترغب في الاستفادة من مكانة مصر في العالم العربي وأفريقيا لتسهيل التعاون الثنائي والجماعي في المنطقتين، بما في ذلك المشاريع التي تعزز الحزام والطريق. بعبارة أخرى، يُمكن القول إن الصين تنتهج نهجًا براغماتيًا في سياستها الخارجية لتحقيق مكاسب سياسية تتمثل في ملئ الفراغ السياسي الذي تركته أو تتركه أمريكا حاليًا سواء في الشرق الأوسط أو أفريقيا. كما ترغب الصين في الحفاظ على موقف مصر الثابت تجاه تايوان المتمثل في عدم الاعتراف بها، أو إقامة أي نوع من العلاقات معها التي كانت من أسباب التحول العميق في العلاقات المصرية الصينية منتصف القرن الماضي. وفي نفس الوقت، كان من نتائج عدم الاعتراف بتايوان واللجوء إلى الاعتراف بجمهورية الصين الشعبية عام ١٩٥٦ من أبرز أسباب العدوان الثلاثي على مصر.

تنظر الصين إلى الدولة المصرية باعتبارها قوي إقليمية في الشرق الأوسط، ويتضح ذلك أكثر في مشاركة الرئيس السيسي في القمة التاسعة لتكتل البريكس عام ٢٠١٧ وهو التكتل الذي يُمثِل تهديدًا للهيمنة الأمريكية بصفة عامة، ومؤسسات بريتون وودز بصفة خاصة. أيضًا، يمكن رؤية مدى عُمق العلاقات والتنسيق بين السياسات فيما يتعلق بمواجهة الأزمات العالمية متمثلة في جائحة كوفيد-١٩ التي كان لها دور قوي في بروز الصين كفاعل دولى قوي من خلال دبلوماسية الاقنعة “”Mask Diplomacy في مواجهة قوي الغرب.

٧. الخاتمة:

     إن التحول في السياسة الخارجية الصينية ليس نتاج صدفة عبثية، بل إن هذا التحول هو نتيجة تراكمات وأفعال لها وجاهتها ولها ما يُبررها.  وكان ذلك نتيجة للتنمية في الصين خلال سنوات الإصلاح والانفتاح التي قام بها دينج شياو بينج، وقد أدى هذا الانفتاح إلى تغيير جذري في السياسات الداخلية والخارجية للصين، وإحدى العواقب الرئيسية المترتبة على ذلك هي أن الصين أصبحت جزءًا من النظام الدولي بما في ذلك السياسة العالمية، والأمن، والتجارة، والنظم الإيكولوجية بعد أن كانت منطوية على نفسها. شهدت جمهورية الصين الشعبية طفرة ونموًا اقتصادياً لم يشهده أي بلد آخر بنفس السرعة والثبات، مع وجود نشط كقوة كبرى في أقل من أربعين عاماً. وتعتبر الأداة الاقتصادية لصين من أبرز الأليات التي عملت ولا تزال تعمل على تحقيق أهداف السياسة الخارجية الصينية تجاه مصر. ونرى أن المصالح الاقتصادية المشتركة هي أساس العلاقة المزدهرة بين مصر والصين، فالإمكانيات الاستراتيجية الموقع مصر الجغرافي وحجم سوقها الاقتصادي تجعل منها شریکة واعدة للطموحات الصينية في المنطقة، لكن يجب التأكيد مثل هذا التعاون يحمل في طياته اختزالًا لأبعاد سياسية وجيواستراتيجية أخرى. لقد حققت مصر طفرة هامة في النمو الاقتصادي للانضمام إلى المشروعات المتعددة الجنسيات في الصين، من البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية (AIB) إلى مؤتمر 2014 حول التفاعل وبناء الثقة في آسيا، بالإضافة لاهتمام بكين بالقاهرة من خلال دعوتها الرئيس السيسي للانضمام إلى قمة مجموعة العشرين في هانغتشو كواحد من اثنين من ضيوف الشرف ودعوته أيضًا، وفي القمة التاسعة لمجموعة البريكس عام 2017. وهكذا نجد أن العلاقات الصينية المصرية في تقدم وتطور على جميع الأصعدة، حيث كان العامل الاقتصادى في السياسة الخارجية للصين سببًا في تطور وازدهار هذه العلاقة ويتضح تأثير العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين على الأزمات العالمية كجائحة كوفيد-١٩، والوضع الصحي بشكل عام.

المراجع: –

سكوبيل، أندرو & نادر، عليرظا. (٢٠١٦).”الصين في الشرق الأوسط: التنين الحذر”، مؤسسة RAND، ص٦.

حلمى، نادية. (٢٠٢١).”الانعكاسات الشاملة للتقارب المصري مع الصين من خلال مبادرة الحزام والطريق”، وكالة أنباء الحدث، آخر زيارة ٢٩/٤/٢٠٢١، متاح على الرابط التالي: https://alhanews.com/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%B9%D9%83%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A7%D9%85%D9%84%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%AA%D9%82%D8%A7%D8%B1%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A-%D9%85%D8%B9/

منافح، عائشة. (٢٠١٤)،”محددات السياسة الخارجية للصين في الشرق الأوسط بعد الحراك العربي”، جامعة محمد الخامس السويسي، كلية سلا، المجلد الأول، ص٤.

حمدي، عبد العزيز. (٢٠٠١)،”قوة الصين النووية ووزنها الاستراتيجي في آسيا”، السياسة الدولية، عدد ١٤٥، ص٨١.

El-Sayed S, Mohamed. (2013),”China’s Emerging Role in the New Arab World”, Journal of Middle Eastern and Islamic Studies (in Asia) Vol. 7, No. 4, p41.

He, Baogang. (2014),”China’s Responses to the Arab Uprisings”, in Amin Saikal & Amitav Acharya, edited ” Democracy and Reform in the Middle East and Asia: Social Protest and Authoritarian Rule after the Arab Spring”, pp.161-185. Available at SSRN: https://ssrn.com/abstract=2533391

Chaziza, Mordechai. (2013),”China’s Policy on the Middle East Peace Process after the Cold War” https://doi.org/10.1177%2F0009445513479460

فاضل محمد، شريفة. (٢٠١٤)،”العلاقات المصرية – الصينية بين الاستمرارية والتغيير (٢٠٠٣- ٢٠١٣)”، المستقبل العربي، المجلد ٣٦، العدد ٤٢٠، ص٤٥،٤٤،٤٣.

صالح داود، بيان. (٢٠١٩)،”السياسة الخارجية الصينية تجاه جمهورية مصر العربية 1991-2017″، مجلة قضايا آسيوية، العدد الأول، ص١٣٢.

Reuters. (2021),”Egypt to produce up to 80 million Sinovac vaccine doses annually – minister” Accessed on: May, 2, 2021. Available at: https://www.reuters.com/article/health-coronavirus-egypt-china-int-idUSKBN2BV2JT

[1] طالب بالمستوى الثالث قسم علوم سياسية، كلية السياسة والاقتصاد جامعة السويس.

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى