الشرق الأوسطتقدير الموقفعاجل

ولد الغزاني: سنتان من الحكم، بين ملامح التوجه وصعوبات التسيير

Weld Al-Ghazwani: Two years of rule, between the features of orientation and the difficulties of management

إعداد: باب ولد سيد أحمد لعلي – المركز الديمقراطي العربي –  موريتانيا

 

مقدمة.

يبدو أن ذكرى سنتين على تنصيب الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني رئيسا للجمهورية الإسلامية الموريتانية أُلبست من التثمين من طرف أعضاء في حكومته الحالية[1] ما يمكن أن يرى من خلاله المشارك في رسم السياسية الحالية للبلاد أنه فرض عين وضرورة كان لا بد منها من أجل التنبيه على ما يتحقق في ظل هذه السنوات القليلة الماضية وما هو قيد الإنجاز في ذات الوقت، كما يمكن أن يُشكل عند المناهضين لسياسة الرئيس وحكومته الحالية مادة دسمة لنقد طبيعة الفعل الذي أقدم عليه الوزراء وتبين ما يمكن اعتباره مزايدة في انجازات المأمورية أو ما مضى منها، وفوق ذلك وهذا هي فرصة للإعادة النظر ومحاولة لقراءة متأنية للواقع السياسي الموريتاني المتشكل منذ سنتين، قراءة تستحضر الخصائص النفسية والشخصية مع تفاعل المحيط الاجتماعي والسياسي أو الفاعلين في مختلف الاتجاهات مع متغير الحكم الجديد.

وهي كذلك قراءة بطبيعة الحال لن تركز على حقائق الإنجازات وتثمينها كما أنها لن تركز على خصائص التشويه وفاعليته الشعبوية، بل سنحاول أن تنحو منحى محايدا نخلل من خلالها الفعل السياسي ونغربله تحليلا وتفسيرا بالاعتماد على المعطيات السياسية والاجتماعية التي تميّز موريتانيا كدولة عن غيرها، ولعل جدوائية هذا الطرح تتخذ مشروعيتها السياسية والموضوعية من ضرورة القراءة السياسية للفعل بعيدا عن ضوضاء السياسية وإكراهات اللغط الكامن وراء المصالح الشخصية والاجتماعية للأفراد والمجموعات الفاعلة في الحقل الاجتماعي، إن طبيعة الصراع السياسي وما يُحتم من ضرورة التنبيه على جدلية التعارض والاحتواء في ظرف كهذا أمر جدير بأن يُولى أهمية خاصة لعل التعامل مع متغير الحكم الجديد يكون أنجع بالنسبة للفاعلين، أو لعلنا نفهم شخصية الحكم الجديد بالاعتماد على مختلف المتغيرات والعوامل المحركة والفاعلة ضمنه.

إن حقل السياسية في موريتانيا حقل متغير وأكثر دينامكية في طبيعة التصرفات والاستراتجيات على الأقل خلال العقود الأخيرة تبعا لتغير أنماط الحكم وطبيعة الحاكمين، الأمر جعل خصائص الصراع والتعارض تطغى على المشهد بين الجيل والجيل من جهة، وبين الفاعلين والسياسيين من جهة أخرى، وهو أمرٌ يبدو أن السلطة الحالة تسعى إلى تجاوزه وفق إستراتجيتها التي تتبع حاليا (استرتجية الاحتواء)، غير أن قواعد السياسة ومتطلبات الحكم قد تكون أكثر صراحة من مجاملة البعض ونوايا البعض فيها أو فهمم لها.

  1. بين الاحتواء والطقوس الرمزية.

ليس من المستصاغ موضوعيا محاولة تحليل أي فعل سياسي من خلال ما استجمعته الملاحظات الغير قابلة للتحليل والأخرى الممكن إخضاعها للمنهج الأثنولوجي كشفا وتحليلا، دون استحضار خلفية نظرية تبرر التوجه العام لهذه الأسطر وتضعها في ميزان المنهج الانثروبولوجي هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن ملاحظة الفعل في الميادين السياسية التي تكتسحها تنظيمات حديثة العهد بالدولة ولا زالت تتمرن على التكيف معها يخلق جوا من الرمزية والطقوس السياسية الغارقة في التمجيد أو التبرير أو الرافضة للواقع في إطار بحثها عن تشكل الوطن الخفي في البنية الذهنية لكل فرد فاعل أو منتمٍ لتنظيم سياسي أو اجتماعي معين.

ثم إن صناعة السلطة أو إدارتها في مجتمع كموريتانيا يبدو أنه يتطلب من التعبئة ما لا يتطلبه أي مجتمع آخر، في ذات الوقت الذي يبدو فيه مما لا يدع مجالا للشك أن المجتمع مهيأ بطبعه للتعبئة السياسية التي تهدف إلى الاعتراف بأي توجه سياسي سلطوي معين ودعمه، في نفس الحين الذي يمكن أن تقلب الطاولة على القديم المغادر ويفتح البساط للجديد بأقل تكلفة، وربما تأثيرات متغير السلطة على الحقل الاجتماعي أكبر من مختلف التفاعلات الجزئية المُشكلة للمشهد الكلي، وهو أمر من الناحية الموضوعية قد يكون مبررا جدا.

فيما يبدو أن جورج بلاندييه الذي يعتبر من اكبر منظري مدرسة الدينامية في الانثروبولوجيا يوافق هيوم في تعريفه للسلطة حيث نقله في كتابه الانثروبولوجيا السياسية مستشهدا به في ملامح عنصر السلطة السياسية الضرورية حيث يرى هيوم “أن السلطة ليست إلا مقولة ذاتية فهي ليست مسلمة بل فرضية يجب إثباتها، وهي ليست صفة ملازمة للأفراد ولكنها تبدو كمهر غائي سياسيا”[2] وهو ما يجعل تصرفات من في السلطة أو من يسيّر الجماعة السياسية ويديرها يكون أقرب إلى الانسلاخ من شخصه القديم والتكيف مع الشخص صاحب السلطة والمسؤول الأول في الدولة.

يتجاوز بلاندييه ذلك في تفريقه بين مراحل السلطات حينما يعتبر “أنه عندما تتجاوز العلاقات الاجتماعية صلات القرابة بين الأفراد والجماعات “تنافس” ظاهر تقريبا بحيث يسعى كل واحد إلى توجيه قرارات الجماعة في اتجاه مصالحه الخاصة، وفي النهاية تظهر السلطة (السياسية) كنتاج للمنافسة والاحتواء[3] فالسلطة تتحول عفويا حسب متطلبات التطور ونمو المجتمع، من أداة لجلب المصلحة الجماعية وحماية الأفراد إلى وسيلة من وسائل التنافس والاحتواء إذا كبرت الجماعة وتعقدت متطلباتها بتعقد الظروف والحياة.

هذا الوضع المعقد في السياسية يحاول “مارك أوجي” تفسيره في كتابه “أنثروبولوجيا العوالم المعاصرة” معتمدا على مفاهيم أساسية مثل “الطقس والهوية والمغايرة” معتبرا أن انثروبولوجية العوالم المعاصرة تمر عبر تحليل الطقوس التي تفعلها هذه العوالم، وأن هذه الطقوس هي في جزئها الأساسي من طبيعة سياسية.

حيث يمتزج النشاط الطقسي بشكل عام مع مفهوم المغايرة والهوية، ويهدف إلى استقرار تلك العلاقات لإشكالية قائمة بين البعض والبعض الآخر، أما بخصوص لغة الهوية فهي ليست إلا إحدى اللغتان التأسيسيتان للروابط الرمزية التي تنسج حبكه الاجتماعي، أي أنها هي صفة التناقض الوجداني[4]، فإذا كانت الطقوس سمة من سمات تدعيم الاستقرار فإن الهوية عند أوجي هي التي تشكل مبدأ التناقض بين الفرد ونفسه حسب دوره ومركزه، الفلاح يأخذ هويته من وظيفته في ذات الوقت الذي هو ربّ أسرة ومعين، وعضو في جماعة قبلية أو غير قبلية.

أما المغايرة عند أوجي، فإن لغتها تعبر عن تلك اللغة الأخرى التأسيسية للرمزية الاجتماعية، تحت شعار الغموض بالمعنى الذي يفيد أنه يكون غامضا ذلك الواقع الذي لا تثيره الوجاهة لا مزية ولا مزية معاكسة ولكن مزية ثالثة ليس لها تعريف إلا هذا النفي المزدوج، فهو ليس بطيب ولا بخبيث، لذا توحي لغة المغايرة بأن حقيقة الكائنات الحية توجد في موضع آخر غير الهويات الطبقية[5].

وما بين إثبات فرضية السلطة أو غايتها، وتحقيقها في سبيل تلك الغاية المصالح الجماعية للجماعة الصغيرة، أو لمبدأ التنافس لمجتمع الدولة الكبير، كما عبر عن ذلك بلاندييه، وبين تحقيق الطقس السياسي للاستقرار في مجتمع ألف الطقوس وخبر أدائها في سبيل تحقيق غايات الحاكم أو الظهور بمظهر المقتنع به تتلاطم القيم في المجتمع بين ثنائية الهوية والمغايرة التي كرسهما أوجي في الانثروبولوجيا السياسية، فالهوية تدل على الاختلاف والتناقض الوجداني في حين أن المغايرة توحي لتلك اليد الخفية والمبهمة في مزيتها السياسية الأمر الذي يجعلها محل هيبة إن كانت المغايرة تواجه مبدأ الهوية أو معناها من الأعلى، أي كانت سمة الحاكم، فتكون تعبيرات الهوية تخضع لطقوس مختلفة في سبيل تحقيق الاستقرار والتوافق مع مبدأ المغايرة.

  1. من التعارض إلا الاحتواء.

وطبعا المراقب للأحداث السياسية في موريتانيا سيعرف أن ثنائية (التعارض والاحتواء) تتجسد في خطابات الرئيس السابق الذي أقحم نفسه بشدة في المعترك السياسي منذ سنة 2008م وكان حكمه ذا نزعة قوية لا يقبل العمل مع المخالف له تحت أي الظروف، ولكي لا نعيد الاتهامات التي كان يطلق على مناوئيه – والتي قد تعتبر في سبيل تكريس التنافس السياسي- استطاع الرجل أن يميز بين عدوه وصديقه على أقل ظاهريا من يرتكس لأمره مقابل من يعارضه، وهو أمر عجزت عن احتماله جميع القوى السياسية المناوئة له فشهدت انسحابات وتمزقات كانت كلها لصالحه، ولكي لا نطيل في ماضي الرئيس السابق فقد ختم حياته السياسية بتصريحات كانت الأكثر صدامية على مناوئيه في انتخابات 2018 البلدية والتشريعية والجهوية، حيث اعتبر ولد العزيز أن التصويت لغير صالح حزبه يعني دعما للمتطرفين الذين يشاركون في الانتخابات متهما إياهم بكونهم مدعومون من طرف أجندات خارجية[6] وهو ما سدّ الباب أمام مناويئه وجعل حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم يفوز في تلك الانتخابات بأغلبية مريحة.

  • ملامح الاحتواء الجديدة.

نذكر هنا بالتميز الذي عرضه بلاندييه بين السلطة في الجماعات البدائية الضيقة والسلطة في مجتمعات الدولة الكبيرة، حيث تتطلب الأولى الإدارة المبسطة لصالح الجماعة، بينما تدخل الأخيرة في مجال التنافس والصراع الذي يتطلب الاحتواء في الأخير، أو العمل على إدارة التناقض في ذلك المجتمع، ففي موريتانيا بدأت ملامح يوم 01/03/2019 عندما خرج الرئيس الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني لأول مرة للناس معلنا ترشحه في خطاب غير كل أوجه الحسابات السياسية لما حمل من إشارات التهدئة والانفتاح الأمر الذي جعل التيارات والأحزاب المعارضة تتسابق إلى دعمه رغم ما كانت تتميز فيه تلك اللحظة من غموض يلف طبيعة السلطة المقبلة وعلاقتها بسلفها، ولعل الطريقة التي تكلم بها الرئيس الحالي والمرشح حينها جعل الكثير يصغي له ويحاول بصدق دعمه، وهي طريقة غير معهودة على الأقل منذ العشر سنين التي سبقتها، فلم يتم سبّ حدٍ ولم يخون حدٌ، على الرغم من أن شفرات الخطاب حملت من الدلالات الملغمة ما تتطمأن له السلطة الحاكمة وقتها، فقد بدأ بالاستثناء الذي يحيل إلى الاستقلال من أي تبعية لأحد ” أما أنا” وأتبعه إنصاف جميع الرؤساء السابقين في مواطن الصواب والخطأ ثم ألتف على صديقه وخصص الثناء على فترته، وهو ثناء قد يكون مرتبطٌ بضرورة المرحلة ومتطلبات دعمه هو كرجل لا يزال في السلطة[7]، وظل ذلك الغموض في العلاقة التي تربط الرجلين (الرئيس السابق واللاحق) يشوبها الكثير من الغموض تبعا لعوامل عدة منها صداقتهما الحميمة حيث تشاركا في السلاح اربعين سنة ونفذا معا انقلابيين اثنين، انقلاب 2005، على حكم الرئيس الأسبق معاوية ولد سيد أحمد الطايع، وانقلاب 2008 على الرئيس الأسبق كذلك سيدي ولد الشيخ عبد الله، حتى بعد تسلم ولد الغزواني للسلطة وسفر الأول إلى تركيا في راحة استجمام بدأها منذ تسليمه للسلطة في 02 اغسطس 2019.

غير أن ملامح الجديد بدأت تتشكل انطلاقا من تدهور العلاقة بين الرجلين على خلفية خلافهما حول مرجعية الحزب الحاكم، فقد أثارت قيادات من النخبة السياسية في الأغلبية الحاكمة[8] مسألة مرجعية الحزب “حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم” الذي أسسه الرئيس السابق وسيّر به مأموريتين سياسيين وحرص هو بنفسه على أن تخرج نتائج الانتخابات البلدية والتشريعية والجهوية الأخيرة في صالحه، كما أنه الحزب الذي دعم الرئيس الحالي في انتخابات 2019 الرئاسية.

انفجار أمر المرجعية الذي بات وشيكا وخصوصا مع أيام عودة الرئيس السابق من عطلته وبعد اللقاء الذي عقده الرئيس السابق مع لجنة تسير الحزب الحاكم تشكلتْ أول بوادر الانفجار بالنسبة له عندما أظهر في ذلك الوقت نيته تسير الحزب معلنا أن الحزب حزبه هو وأنه داعم للرئيس الحالي لكنه ليس منه، وهو ما ردت عليه قيادات ومنتخبي الحزب بالرفض معلنين أن الرئيس ولد الشيخ الغزواني هو المرجعية الوحيدة.

ورغم أن طبيعة الحكم تُحتم على الحاكم الاعتماد على جناح قوي يسهم في الدفاع عن برنامجه السياسي وتسويغه، ورغم أنه لو بقّي الرئيس السابق مسيطرا على الحزب فإن عمل الحكومة سيتعطل بفعل سيطرته على الأغلبية، فإن إعطاء الرئيس الحالي الإشارة للنخب السياسية بالمضي في قدما في من أجل جعله مرجعية للحزب دون الرئيس السابق، أعفى الدولة من احتمال الذهاب إلى انتخابات مبكرة لكي تحصل الحكومة على أغلبية البرلمان.

  1. سلطة الغزواني بين توحيد الطقس واحتواء المغايرة .

يبدو جليا أن ولد العزواني لم يكن يستعجل لحظة الصدام التي أخرجت صديقه الرئيس السابق من دائرة التأثير أو الاستئثار بالسلطة، وربما كانت على باله نظرا لعدة أمور قد نجملها بناء على ما استنتجناه من طبيعة تعاطيه مع الحكم أثناء تلك الفترة وقبلها وبعدها.

  • أولا: أنه يعرف نوايا صديقه الذي صرح مرارا قبل أن يسلم السلطة أنه لن يخرج الحياة السياسية.
  • ثانيا: كان أمام ولد الغزواني خياران اثنان لا ثالث لهما، الأول أن يؤسس حزبا جديد وهو ما يتطلب حلّ البرلمان ودعوته مبكرا لانتخابات بلدية وتشريعية سابقة لأوانها، والخيار الثاني أن يعتمد على الحزب الحاكم المسيطر انتخابيا ويبعد نفوذ صديقه ويُجنب البلاد الدعوة لانتخابات مبكرة، وقد فضل أن يحكم بالأغلبية السابقة في ذات الوقت الذي يضعف فيه نفوذ الرئيس السابق الذي لو بقى مسيطرا على الحزب لكان أكبر عقبة في وجهه.

أمام كل ذلك اختار الرئيس الحالي الانتظار لثلاثة أشهر من أجل أن يحكم من جديد وتبدو دعوته في تلك الفترة للجنة الشفافية المالية للحياة العمومية والتصريح لهم بممتلكاته يوم 24/12/2019[9] بعد أربع عشر شهر من حكمه أقوى دليل أنه لم يحكم إلا بعد أن أزاح صديقه من أمامه، ليبدأ بالفعل تجسيد الدولة الغزوانية أو الدولة التي يراها هو موافقة له، ويبدوا أنه لم تكن ثمة أي عقبة تذكر أمام الرجل غير صديقه الرئيس السابق خصوصا وأن المعارضة التقليدية دخلت معه مهادنة مفتوحة لا تزال قائمة، غير ذلك فلا يوجد وذلك بفعل تأثير قوة السلطة في المجتمع الموريتاني وقدرته على امتصاص المغايرة والعمل على ممارسة طقس السلطة بشكل هادئ.

هذا فضلا عن الكمّ الهائل الذي ظهر من المبادرات الداعمة له في الانتخابات الرئاسية وكان معظمها من قادة أو قاعدة الحزب الحاكم الداعم له، يعني أن الناس بدأت منذ إعلان ترشحه الاستعداد لجميع الخيارات المطروحة آنفا.

وبعد أن حكم من الموضوعي جدا أن نحاول عرض طبيعة حكمه من خلال الملامح الأبرز فيه مستعرضين في ذات الوقت ما أمكن من إيجابيات وسلبيات، فقد كانت أداة التوكيد التي استعملها في خطاب الترشح الآنف الذكر “أما” دالة على أن طبيعة حكمه ستكون حتما مغايرة لحكم صديقه وسلفه ويمكن أن نجمل أبرز ملامح حكمه مع محاولة فحص نقاط القوة والضعف في ذات الوقت:

  • التهدئة وتعزيز المؤسسات

يبدو أن الرئيس الجديد الذي حكم موريتانيا منذ النصف الأخير من سنة 2019 لا يحب أجواء التوتر السياسي، لذلك تعهد في خطابات حملته الانتخابية بأجواء سياسية هادئة مخالفة للتي عاشتها الأجواء السياسية من استقطاب وصراع بين السلطة والحركات الحزبية والإيديولوجية المعارضة على اختلاف توجهاتها، وهو ما دعمه بلقاء مختلف الطيف السياسي[10] بموريتانيا في مرحلة أولى سواء كانت تلك اللقاءات بناء على نتائج جغرافية الانتخابات الرئاسية سياسيا، مثل لقاءه المرشحين الثلاث، بيرام ولد الداه ولد أعبيدي وسيدي محمد ولد بوبكر الذي كان مدعوما من تحالف تواصل وحاتم والمستقبل، وولد مولود الذي كان مدعوما من تكتل القوى الديمقراطية، أو مرحلة الثانية من أجل إعادة التوازن وضبط التهدئة أكثر، ومن أهم نتائج التهدئة سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي إيجابا وسلبا هي:

  • احتواء جميع الخلافات السياسية، فقد عاشت موريتانيا عقد من حكم الرئيس السابق في استقطاب سياسي حاد بدأت ملامحه تتشكل مع انقلابه على الرئيس الأسبق سيد ولد الشيخ عبد الله وزادت الفرقة أو الجفوة السياسية عند عدم إلتزام السلطة بمخرجات اتفاق دكار علاوة على محاولة بعض من أحزاب المعارضة التقليدية ركوب موجة الربيع العربي عند منتصف عام 2011، وزادت بعد ظهور تيار “إيرا” الانعتاقي.
  • وأد الخطاب الشرائحي الذي طغى كثيرا في العقد الماضي مما زاد التخوف من الدفع إلى الاحتقان بين مكونات المجتمع تجاوبا مع الخطاب الذي كان يبني استراتجيات فاعليته على مشاعر الأرقاء السابقين في المجتمع البيظاني الناطق بالحسانية بموريتانيا، تزامن ذلك مع سن قوانين جديدة تعاقب كل من قزم شريحة أو فئة من المجتمع.

أما الصعوبات التي تواجه هذا الحكم في ضوء ما تقدم من ملامح التهدئة فيبدو أن أهمها هو خفوت الصوت المعارض مهما كان نوعيته وطبيعته، على الرغم من أن أحزاب المعارضة التقليدية لم يعلن منهم أي حزب الانضمام للأغلبية الداعمة للنظام غير حزب الاتحاد والتغير الموريتاني – حاتم، وبات حال الأحزاب التي لا زالت تُصرح على أنها معارضة غامضة غموض المؤسسة الرئاسية اتجاه تطلعات كل من تخلى عن خط التأزيم ودخل في حاوية الاحتواء، هذا فضلا عن غياب كلي لأي إطار تأطيري سياسي يحمل تطلعات الشباب الحالم أو الذي يعاني البطالة تحت يافطة الحكم الجديد، فلازالت رغم كل ذلك الأغلبية التي يحكم بها ولد الغزواني نفس الأغلبية التي تبنت برنامج سلفه ودافعت عنه ودخلت في ملامح الاستقطاب من أجله وليست لها علاقة بتطلعات الشباب ولا تحمل شعاراتهم إلا في إطار الاستهلاك السياسي لا أكثر، وهو أمرٌ جعل السلطة في موريتانيا تمارس طقوسها بتهدئة الهويات المغايرة ببرامج وخطط مغايرة وإن كانت تلك المغايرة يلوكها الكثير من الغموض على حد وصف أوجي.

أما فيما يتعلق بتقوية المؤسسات فيبدو أنه يُحاول على خلاف ما كان عليه سلفه إعطاء نوع من الاستقلالية للوزراء في تسير قطاعاتهم الحكومية بمنحهم كافة الصلاحيات والإمكانيات المناسبة[11]، هذا فضلا عن تدشين مقرات لكل من المجلس الدستوري ومقر للبرلمان، ومقرات في عواصم الولايات الداخلية للمجالس الجهوية، فضلا مقرات حكومية أخرى هي التي بدأ بها حكمه على الرغم من أن الأشغال فيها لم تنتهي بعد ولم يُسلم حتى اللحظة إلا مركب المجلس الدستوري.

وقد صُودق في مطلع يناير 2020 على تأسيس لجنة برلمانية للتحقيق في ملفات فساد عشرية النظام السابق بعد إعلانه (الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز) معارضة النظام القائم وسعيه إلى إيجاد حاضنة سياسية لتبني نشاطاته، أنشت هذه اللجنة بموجب المادة 11 من الأمر القانوني 92-03 الصادر بتاريخ 18 فبراير 1992 المتعلق بسير عمل الجمعيات البرلمانية والمادتين 123 و 124 من نظامها الداخلي، والقرار رقم 1/2020 الصادر بتاريخ 30 يناير 2020 القاضي بإنشاء لجنة تحقيق برلمانية[12]، وعلى الرغم من أن اللجنة أكملت تحقيقها باستجابة من جميع المشمولين باستثناء الرئيس السابق الذي امتنع من المثول أمامها.

وعلى الرغم من التقرير المذكور وجهت فيه اللجنة البرلمانية التهم لعشرات المسؤولين السامين في موريتانيا ورجال الأعمال، وعلى الرغم من إحالة تقريرها وفقا للمساطر القانونية إلى القضاء وأمر القضاء الشرطة في تحقيق الابتدائي ووجه الاتهام بعد ذلك التحقيق إلى الرئيس السابق معه بعض من أركان حكمه وصهره بتبديد المال العام والفساد وأمر القضاء بجعله تحت المراقبة القضائية، وقد أحيل بعد ذلك للسجن بسبب امتناعه عن التوقيع لمرتين.

وفي سياق آخر أسس الرئيس بعد أشهر من وصوله للسلطة مندوبية “تآزر” بموجب مرسوم صادر يوم 29/11/2019 توكل إلى هذه المندوبية تحقيق مهام الحماية الاجتماعية واستئصال كافة أشكال التفاوت وتعزيز الانسجام الوطني وتنسيق كافة التدخلات في المناطق المستهدفة[13]ورغم أنها أنشأت من أجل استئصال كافة أنواع التفاوت الاجتماعي بالدرجة الأولى فإنه أسندت إليها مهام أخرى كتشييد المدارس والسجل السكاني…

  1. عامي التهدئة والحسابات السياسية الخافتة.

ما يهمنا من هذا كله أن الإجراءات التي اتخذت سواء على مستوى تعزيز المؤسسات أو دمقرطتها هي النتيجة المُتحصل عليها من منظور موضوعي منذ سنتين، ونحن بتنا متأكدين من هناك رجل وحيد يحكم الدولة وهو الخبير في جميع الاستراتجيات الأمنية والعسكرية منذ ما يزيد على عقد من الزمن أو كما قال وزير دفاعه الحالي “إن فخامة رئيس الجمهورية يعتبر صانع المقاربة الأمنية ومنفذا للإستراتيجية المتعددة القطاعات”[14] فكيف تتجلى طبيعة أو خصائص الحكم الغزواني؟ وما هي أهم النتائج إن سلبا أو إيجابا.

على المستوى الاجتماعي يبدو أن النتائج كانت هي أهم ما يُفتخر به أو تحقق بشكل جلي، حيث أعلن لأول مرة عن تقديم التأمين الصحي ل 100 ألف أسرة موريتانيا تتولى تنفيذها تآزر، لكن ذات المؤسسة التي شُيدت لمحو التفاوتات الاجتماعية ومحاربة الغبن أفرزت نوعا جديدا من ازدواجية مهام المؤسسات، فتولت مهام تشيد المنشات التعليمية ليبقى لوزارة التهذيب فقط التكوين والتدريس، وهي ازدواجية تلظي بظلالها على كل شيء في موريتانيا وتستحق مقالات وأبحاث أطول وأشمل.

وعلى مستوى دمقرطة المؤسسات فيبدو أنه لم يتحقق شيء من خلالها إلا ما تحقق إلى حد الساعة في مجال الصحة وخصوصا من مجانية الحالات المستعجلة ومحاربة الأدوية المزورة، بل أصبحت هذه الديمقرطة غطاء على أشياء لا تكاد تُبين حقيقتها حتى تختفي، فمثلا منذ بداية كورونا رصدت مقومات لتعزيز التعليم عن بعد في ظل جائحة كورونا ولم نسمع أي خبرٍ عن اتجاهات ذلك القرار فيما بعد.

أما قضايا الفساد فيبدو أن ملفه الأولي الذي شمل عشرات الوزراء والأطر ورجال الأعمال لم يُتعامل فيه بشكل واضح حتى اللحظة إلا مع شخص الرئيس السابق، وإن كان النظام الجديد تعامل معه بحكمة في إطار تحقيق مبدأ التهدئة الشاملة التي توعّد بها، فلم يقل أطرافا معنيين في الملف إلا بعد يومين من استلامهما من طرف الشرطة، أي أنه لم يعطي لهم الفرصة لكي يجيشوا الأنصار ويفسدوا أجواء التهدئة العامة.

أما في المجال الآخر فقد أعلنت محكمة الحسابات في نهاية عام 2019 عن أسماء وزراء ومسؤولين اتهمت إياهم بالأسماء في الفساد في التسير وتبذير المال العام، ومع ذلك لم توجه أيادي الاتهام إلى أي أحد منهم وبقى في منصبه وقتها من كان له منصب، هذا فضلا عن اعتراف الرئيس نفسه للجنة تسير صندوق كورونا أن تسيرها شابه بعض والاختلالات دون محاسبة أي أحد.

وعلى كل حال تبدو السنوات من الناحية الموضوعية صعبة لمن أراد أن يحكم عليها في ضوء ما تحقق وما لم يتحقق لما استمت به من صعوبات على المستوى العالمي فرضتها جائحة كورونا، غير أن ولد الغزواني الذي يهتم أكثر بالفئات الهشة وحقق لهم ما لم يحقق بعد في الشغل وتفعيل المؤسسات وهيكلتها يفضل الحكم بهدوء، وقد تحقق له ذلك من خلال لقاءاته المتكررة مع زعماء المعارضة التقليدية رغم أنه لم يحقق إلا حد الساعة لهم أي شيء على المستوى الحزبي أو الشخصي، ومن خلال وضع الرئيس السابق الذي حاول أن يشعل الأجواء السياسية بخرجاته الإعلامية وبالمسيرات التي يُسير وهو في طريقه للتوقيع في إدارة الأمن حسب ما يقتضي ذلك قرار النيابة العامة.

[1] – كتب عدد من الوزراء الحالين في الصحف والمواقع الموريتانية عن إنجازات قطاعاتهم في الذكرى الثانية لتنصيب ولد الشيخ الغزواني رئيسا للبلاد، من أولائك الوزراء، وزير العدل، محمد محمود ولد بي، ووزير التوجيه الإسلامي الداه ولد سيد أعمر طالب، ووزير الدفاع الوطني السيد حنن ولد سيدي، ووزير الزراعة السيد سيدنا ولد أحمد أعلي، ووزير الداخلية واللامركزية السيد محمد سالم ولد مرزوك، ووزير الاقتصاد السيد كان عثمان ممدو.

[2] – بلاندييه، ج: الانثروبولوجيا السياسية، ترجمة علي المصري، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع- بيروت، الطبعة الثانية 2007، ص 53.

[3] – نفسه، ص 54.

[4] – أوجي، مارك: انثروبولوجيا العوالم المعاصرة، ترجمة طواهري ميلود، ابن نديم للنشر والتوزيع- الجزائر، الطبعة الأولى 2016، ص 78.

[5] – نفسه، ص 79.

[6] – يمكن قراءة تفاصيل أكثر من خلال التقرير الذي نشره مركز الإمارات للسياسات عن تلك الانتخابات على الرابط التالي: https://epc.ae/index.php/ar/brief/the-mauritanian-elections-inherent-risks-and-challenges-to-political-stability

[7] – يمكن الاضطلاع على نص خطاب المترشح لرئاسيات الجمهورية الإسلامية الموريتانية 2019، المرشح محمد ولد الشيخ الغزواني يوم 1/03 2019 عبر هذا الرابط: https://web.facebook.com/ghazwani2019/posts/407009016527399/?_rdc=1&_rdr .

[8] – يمكن الاضطلاع على تلك الخلافات التي دارت وأشعلت الأزمة بين الرئيسين، الحالي والسابق في هذا التصريح الذي أدلى به نائب رئيس الحزب الحاكم الحالي، السيد الخليل ولد الطيب: https://www.saharamedias.net/62647-الخليل-ولد-الطيب-يشرح-أسباب-الخلاف-داخ/ .

[9] – الوكالة الموريتانية للأنباء، رئيس الجمهورية يصرح بممتلكاته أمام لجنة الشفافية المالية للحياة العمومية، https://www.ami.mr/Depeche-60708.html

[10] – قبل خلاف مرجعية الحزب الحاكم التي أخرجت الرئيس السابق من الحزب الحاكم، عقد ولد الغزواني لقاءات مع كل من رئيس حزب تكتل القوى الديمقراطية السيد أحمد ولد داداه، ورئيس حزب التحالف الشعبي التقدمي السيد مسعود ولد بلخير، ورئيس حزب قوى التقدم اليساري السيد محمد ولد مولود، فضلا عن الناشط الحقوقي الذي حلّ ثانيا، بيرام ولد الداه ولد أعبيدي.

[11] – الوكالة الموريتانية للأنباء، بيان اجتماع مجلس الوزراء، بتاريخ 09 اغسطس 2019، https://www.ami.mr/Depeche-58695.html .

[12] – لجنة التحقيق البرلمانية، تقرير الصياغة الاستنتاجات والتوصيات، ص 3.

[13] – الوكالة الموريتانية للأنباء، رئاسة الجمهورية تعلن عن إنشاء مندوبية عامة للتضامن الوطني ومكافحة الإقصاء، الرابط: https://www.ami.mr/Depeche-60321.html .

[14] – ولد سيدي، حننه: السياسة الأمنية..السهر على خدمة المواطن وضمان سعادته، موقع موريتانيا، الرابط: https://rimnow.net/w/?q=node%2F13740&fbclid=IwAR0pGnozWFhPiXXdUSc-hQi5egPLFdYmyVqp5QHbouB75LIVCj72ijvRR2U .

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى