الدراسات البحثيةالمتخصصة

روسيا وتطورها التاريخي (862 – 2022م)

اعداد : طالب الدغيم – باحث متخصص في التاريخ المعاصر

  • المركز الديمقراطي العربي

 

مقدمة :

ورد مصطلح “Rosia” لأول مرة على أنه الاسم اليوناني للروس في القرن العاشر الميلادي، وبعد ذلك، تم استخدام مصطلح “روسيا” لتسمية الأراضي السلافية الشرقية، والتي وحَّدتها دوقية موسكو الكبرى في دولة واحدة في بدايات القرن الثالث عشر الميلادي[1].

وقبل ذلك التاريخ، استخدمت الكلمة اللاتينية “روثينيا” المشتقة من الاسم اللاتيني لروسيا، وهو الاسم المستعمل لوصف المجال الترابي الروسي قديماً. فيما اشتق اسم “روس” من شعب روس، وهؤلاء مجموعات من شعوب جرمانية نوردية كانوا يعيشون في المناطق الإسكندنافية[2]، واعتادوا مهاجمة ونهب السواحل الإنجليزية والشاطئية المتوسطية “الفرنسية والإيطالية والأندلسية”، وتوسعوا على أجزاء من أوروبا الشمالية والشرقية خلال القرنين الثامن والحادي عشر الميلاديين، وسُموا الفارانجيين “الفايكنج” Varangians؛ بمعنى القراصنة في اللغات الإسكندنافية القديمة، واشتهر هؤلاء في الملاحة البحرية وبناء الحصون والقرى الساحلية والجزر البحرية، وكان لهم الفضل بجانب السلافيين الشرقيين، بتأسيس دولة روس (الشكل السياسي الأقدم لروسيا).

تعتبر روسيا بلداً أسيوياً أوروبياً واسعاً، إذ تمتد على مساحات شاسعة في أوروبا الشرقية وشمال وشرق آسيا، وتضم عناصر بشرية عرقية ودينية متنوعة، وحققت الدول المتعاقبة فيها توسعاً إمبراطورياً خلال فترات تاريخها القديمة والحديثة. وقد أفرزت التطورات التاريخية، والتنقلات والصراعات البشرية في تلك البلاد، تشكل الاتحاد الروسي في شكله الراهن، وهو خلفٌ تاريخي للأشكال السابقة للدولة الإمبراطورية المستمرة منذ عام 862م، بدءاً بالدولة الروسية القديمة “روس كييف” (862-1240)، ومن ثم دوقية فلاديمير الكبرى (1157-1389)، وإمارة موسكو (1263-1547)، والتي تحولت للإمبراطورية القيصرية الروسية (1547 -1917م). ومن ثم، اندلعت الثورة البلشفية وتشكلت الجمهورية الروسية عام 1917، وانضمت روسيا للاشتراكية ولتكون جزءاً رئيسياً في الاتحاد السوفييتي عام 1922 وحتى عام 1991م. وبعد تفكك الاتحاد السوفييتي كان ميلاد الاتحاد الروسي، والذي بلغ ذروة استقراره وعظمته ومكانته في عهد رئيسه الحالي القيصر فلاديمير بوتين (2000 – 2022م).

أولاً: تشكّل المجال الجيو سياسي والاجتماعي الروسي

تم العثور على أقدم آثار للسكن البشري في أراضي روسيا في منطقة سيبيريا وشمال القوقاز وكوبان، وتتعلق بفترة حوالي 2 – 3 مليون سنة قبل الميلاد، حسب المعطيات الإحصائية الرسمية الروسية. ومنذ الألفية الثانية قبل الميلاد، احتلت الشعوب الهندو أوروبية والأورال- ألتية، وشعوب أخرى متنوعة ما يُعرف الآن بأراضي الاتحاد الروسي، ولكن لا يُعرف سوى القليل عن هويتهم العرقية ومؤسساتهم وأنشطتهم وتوزعهم الجغرافي[3].

خلال القرنين السادس والخامس قبل الميلاد، ظهرت المستعمرات الإيرانية واليونانية على ساحل البحر الأسود في أقصى جنوب ما يعرف اليوم بــــ “جمهورية أوكرانيا”. وبين القرنين الرابع والتاسع الميلاديين، عَبرت إلى الأراضي الروسية، قبائل من الهون والأفار والقوط والمجريون والقوقازيين واستقرت فيها، ولم يمنع استقرار تلك الجماعات من انتشار السلاف الشرقيين. وفي الوقت ذاته، احتلت القبائل الجرمانية “الفايكنج” الأراضي الواقعة على سواحل بحر البلطيق، أيّ على طول نهر الدنيبر والدانوب وأعالي الفولغا وأوكا ومستنقعات بريبيت، وكان هؤلاء بارعون بالصيد والزراعة، كما تطورت التجارة النهرية في مناطق انتشارهم تدريجياً. وبحلول القرن التاسع الميلادي، تشكلت عدة إمارات سلافية، أهمها كييف ونوفغورود، وذلك نتيجةً لاختراق المنطقة من الشمال والجنوب من قبل المغامرين التجار من شمال أوروبا والشرق الأوسط، مما عرَّض التجمعات السكانية القديمة للتأثيرات الاقتصادية والثقافية والسياسية الجديدة[4].

ثانياً: المملكة الروسية القديمة “إمارة روس كييف” (862- 1240م)

تُخبرنا السجلات المكتوبة الضئيلة معلومات قليلة عن التنقلات السكانية والهجرات الوافدة لروسيا في بداية تاريخها، ولكن الأدلة الأثرية وخصوصاً العملات المعدنية الشرق أوسطية الموجودة في أوروبا الشرقية، تشير إلى أن قبائل السلاف الشرقيين والفنلنديون استقروا في البلاد الروسية في منطقة الفولغا السفلى ودون ومنطقة دنيبر، وبدأ المستكشفون التجاريون الجرمان “الفايكنج” تغلغلًا مكثفًا في منطقة الفولغا، بدءاً من القواعد المبكرة في مصبات الأنهار في شرق بحر البلطيق، وبدأوا باختراق الأراضي التي يسكنها السلاف. وتزايد النشاط في شمال فولغا عبر التجار الإسكندنافيون، والذين عملوا في السابق على إنشاء مستعمرات على بحيرات لادوجا وأونيغا، وذكرت المصادر الإسلامية واللاتينية، في هذه الفترة، بأن أول حاكم اسمي لروس من أصل خزري واسمه خغان، ولذلك يمكن اعتبار ولاية فولغا روس أول سابقة سياسية مباشرة لروس كييف.

وتوسع السلاف الشرقيون والإسكندنافيون على الطرق الرئيسية في شمال القوقاز والعراق والأراضي البيزنطية “آسيا الصغرى”، ووصلوا إلى القسطنطينية في عام 860. واشتهر من الزعماء السلاف القُدامى اسم الأمير روريك، والذي أُطلقت عليه أوصافاً أسطورية، وهو يعتبر سلف السلالة التي حكمت أجزاء مختلفة من الأراضي السلافية الشرقية القديمة حتى عام 1598م[5].

1.      السلاف الشرقيون والفايكنج مؤسسو الدولة الروسية القديمة “روس كييف”

في الفترة الممتدة بين عامي 930 و1000م، أصبحت المنطقة من بحر البلطيق إلى البحر الأسود تحت السيطرة الكاملة للسلاف والفايكنج، وهو ما شكل أساس الحياة الاقتصادية لإمارة كييف وحدد تطورها السياسي والثقافي. وتجدر الإشارة إلى أن النقاش احتدم خلال القرن الثامن عشر الميلادي حول دور الفايكنج في تأسيس دولة روس كييف؛ لأسباب قومية نتيجة غلبة العرقيات الآسيوية والسلافية على العرقيات في تلك المنطقة آنذاك. ومهما يكن الأمر، فإن الفايكنج “السويديين والنرويجيين والدنمركيين” كان لهم الدور الرئيسي في إنشاء دولة روس كييف، وشكلت التجارة شريان الحياة في دولتهم الجديدة.

وفي عام 882م، استولى الأمير أوليغ من نوفغورود على كييف، ووحد الشمال والجنوب السلافي، وأنشأ الدولة الروسية القديمة، واعترفت بيزنطة بالدولة الناشئة، وتطورت العلاقات معها على جميع الأصعدة. وفي عهد إيغور بن روريك، تم توقيع اتفاقية مع بيزنطة لحماية حدودها من البدو. وكانت بداية تاريخ أول دولة سلافية شرقية مع الأمير سفياتوسلاف (توفي 972)، فقد أثبتت حملاته المظفرة ضد مراكز الفايكنج في بلاد الخزر وفولغا بولغار، وتدخله في صراعات البيزنطيين وبلاد البلغار والدانوب بين عامي 968-971 مدى الهيمنة الكاملة لعشيرته في روس، وظهور قوة سياسية جديدة في أوروبا الشرقية، ولكن سفياتوسلاف لم يكن مشرعًا ولا منظمًا، فلم تستمر سلالته بالحكم طويلاً.

2.      دوقية فلاديمير  الكبرى (1157 – 1385م)

إن المهندس الحقيقي لدولة روس كييف هو الدوق فلاديمير والذي حكم خمس وثلاثون عاماً (980-1015)، وقد أسس أسرة حاكمة ربطت النظام السياسي باسمها، وحكمت مناطق واسعة للروس، ونتيجة قوة العلاقات السياسية والثقافية مع بيزنطة، فقد أسس الدوق كرسي أسقفي للمسيحية الأرثوذكسية في روس عام 988م، وتم إعلان الديانة المسيحية الأرثوذكسية بديلاً عن الوثنية ديانة رسمية في دولته، ومع الإيمان الجديد انتقلت الطقوس والمناخات الثقافية والفنية والفكرية اليونانية إلى السلاف في دولتهم.

ووسع فلاديمير دولته لتشمل مجاري المياه في الدون، ودنيبر، ودنيستر، ونيمان، وغرب دفينا، وفولغا العليا، كما ضم إليها عشائر ومجموعات الفايكنج المتنافسة، وأقام علاقات مع السلالات المجاورة. ومكنت النجاحات التي تحققت خلال فترة حكمه الطويلة من ازدهار الحياة الثقافية في عهد ابنه ياروسلاف (حكم 1019-1054). ولكن لم يتمكن ياروسلاف ولا خلفائه، الذي سيطر على كييف بعد صراع مرير مع شقيقه سفياتوبولك (1015-1019)، ورغم وضعه أول قانون لدولة كييف سُمي “الحقيقة الروسية”، من توفير الاستقرار السياسي والاجتماعي في أراضي دولتهم الواسعة[6].

فكان التاريخ السياسي لدولة روس كييف، متناقضاً بين الاتجاهات الانفصالية (التقسيم الإقطاعي) والمركزية المتأصلة من جهة، وبين الاستيطان المحلي والاستعمار من جهة أخرى. فقد تقاسم أولاد فلاديمير الاثني عشر وعدد لا يحصى من أحفاده مناطق دولته، مما جعل تلك الأقاليم تخضع لصراع طويل على السلطة. وانخرط في تلك الصراعات السلافية البدو الأتراك “التورك والكيبشاك” الذين انتقلوا إلى السهوب الجنوبية خلال القرن الحادي عشر الميلادي. وفيما بعد، قام فلاديمير الثاني مونوماخ بمحاولة ناجحة (1113-1125) لإعادة توحيد أرض روس لفترة قصيرة، فمع ثلاثينيات القرن الثالث عشر الميلادي، بدأت دولة روس كييف بالانقسام إلى عدد من الإمارات المستقلة. وتشكلت الثقافة الرسمية في روس كييف، جنبًا إلى جنب مع المسيحية، من التوليف البيزنطي متعدد الجنسيات، فضلاً عن الثقافة المحلية، التي تم التعبير عنها في الفولكلور الطقسي الوثني والفنون والحرف اليدوية، والتي استمرت بعد ذلك جنبًا إلى جنب مع الثقافة الرسمية[7].

وفي أوائل القرن الثالث عشر الميلادي، تم إنشاء إمارة موسكو كمنحة ملكية للقائد ديمتري دونسكوي في ظل حكم الدوق فلاديمير، وازدادت أهمية هذا المركز الجديد عندما غزا مايكل خوروبريت، شقيق ألكسندر نيفسكي، مناطق فلاديمير عام 1248م وعين نفسه أميراً، وكانت بداية صعود موسكو نظراً لتفوقها في وقت لاحق في عهد نجل دانيال إيفان (1328-1341)، الذي تعاون مع أوز بيك خان من القبيلة الذهبية، وزاد من قوته أنه كان من أكبر ملاك الأراضي آنذاك، وهو ما أتاح له توسيع نفوذ إمارته بشكل كبير.

3.      الغزو المغولي للأراضي الروسية

في بداية القرن الثالث عشر الميلادي، بدأ جيش جنكيز خان تيموجين الضخم في تدمير آسيا وما وراء القوقاز، وبعد أن غزا وفرض الجزية على شعوب القوقاز، ظهر الجيش المنغولي لأول مرة في التاريخ الروسي، وهزم الحلفاء السلافيين والكومان على نهر كالكا في القوقاز عام 1223. وبعد ثلاثة عشر عامًا، عاد باتو حفيد جنكيز خان، إلى روسيا من جهة الشرق وهزم القوات الروسية من جديد. واستمر حتى تمكن في عام 1240 من إخضاع المركز كييف، وسافر إلى أوروبا الغربية، وعزم على تأسيس دولته الحشد الذهبي على طول نهر الفولغا السفلي وفرض ضريبة على جميع الأراضي الروسية، وأتبع الأمراء المحليين لسلطة خانات القبيلة الذهبية، وعرفت تلك الفترة من التاريخ الروسي الرسمي باسم “نير المغول التتار”[8].

عندما جاء المغول إلى روسيا كان البلاد الروسية غارقة بالفوضى والاضطرابات وصراعات الزعماء المحليين الروس في كييف ونوفغورود وغاليسيا، فبادر الزعماء المغول لترتيب شؤون تلك الأراضي، وكان هدفهم قبل كل شيء، هو إحياء التجارة التي عبرت تقليديًا سهوب آسيا الوسطى، وتشكيل نظام سياسي موحد، وتنشيط اقتصاد الرعاة الرحل، وفي تحركهم نحو الغرب، حصلوا على تعاون مجموعات من البدو الرحل الأتراك والتجار الإيرانيون والمسلمين، ومهد هؤلاء الطريق إلى شبه جزيرة القرم وأعالي نهر الفولجا وحتى وسط بلاد البلغار، وأدى ذلك إلى انتعاش كبير لعدد من الأقاليم والمدن، وخاصة كييف وفلاديمير سوزدال، ونشأت وازدهرت مراكز جديدة، مثل موسكو وتفير، التي نادراً ما ورد ذكرها في المصادر التاريخية قبل فترة الغزو المغولي. واعتمد المغول على السلالات الأميرية المحلية السلافية والتركية الإسلامية في الإدارة، وركز المغول نفوذهم في غرب جبال الأورال.

استلم خانات سراي (القبيلة الذهبية المسلمة) إدارة القرم والمناطق الروسية، وفي عام 1260م، حاول أحد أمراء القبائل السلافية في الغرب وهو أوز بيغ الاستقلال في سياسته، وحاول التوسع على مناطق الدانوب ودنيبر والفولغا وساراي نفسها، ولكن في عهد أوز بيك العظيم (1313-1341)، عاد بقواته وبسيط سيطرته على القرم، وأقام علاقات تجارية وثيقة مع جنوة والبندقية. وبعد وفاة جاني بيغ نجل أوز بيغ عام 1357، سادت التوترات الداخلية الخطيرة المناطق الخاضعة لسيطرة المغول المسلمين في روسيا، وكانت قبائل الغرب المحلية تخرج كل فترة عن سلطة الخانات.

ومع انهيار القبيلة الذهبية بعد ضربات تيمورلنك للأراضي الذهبية ومراكز الروس الكبرى، نمت النزاعات السياسية الانفصالية في المراكز المستقرة، ومنها ليتوانيا ومنطقة الفولغا بولغار وشبه جزيرة القرم، غير أنه حتى نهاية القرن الرابع عشر، لم يكن موقف موسكو مهيمناً بأي حال من الأحوال، ويبدو لنا من قراءة تلك المرحلة، وجود المراكز الأخرى مثل ليتوانيا، وتفير، ونوفغورود، وكانت غنية وقوية مثل موسكو، ولكن في القرن الخامس عشر الميلادي، بدأت تبرز موسكو كمركز زعاماتي للأراضي الروسية.

4.      إمارة موسكو الكبرى (1263 – 1547م)

في عام 1328م، اكتسبت موسكو اليد العليا في ظل دوقية فلاديمير الكبرى، فقد تسبب ديمتري دونسكوي في عدة هزائم للمغول وخاصة في معركة كوليكوفو عام 1380م، وبعد ذلك اعترف خان توختاميش الجديد بدوقية فلاديمير باعتبارها ملكية وراثية لأمراء موسكو. وفي مطلع القرنين الرابع عشر والخامس عشر، تم تقسيم جميع الأراضي الروسية تقريبًا بين دوقتي موسكو وليتوانيا الكبرى.

وهكذا، مع بداية القرن الرابع عشر الميلادي، وبفضل جهود إيفان الأكبر وخلفائه، تشكلت إمارة موسكو تدريجياً كمركز جديد للإمارات الروسية المتناثرة. وبحلول نهاية القرن الرابع عشر، نضجت موسكو بما يكفي لتخرج علانية ضد المغول، وفي عهد إيفان الثالث، توقفت موسكو عن احترام القبيلة الذهبية، وكان آخر وصول مغولي للأراضي الروسية زمن أحمد خان أثناء الوقوف العظيم على نهر أوجرا عام 1480م، فهناك قرر عدم القتال وتراجع لبلاده[9].

ولقد عزز الأمير إيفان الثالث، حفيد ديمتري دونسكوي، نفوذ إمارة موسكو بشكل كبير، وذلك بإضافة أراضي تفير (1485) ونوفغورود (1478)، وامتد نفوذ إمارة موسكو إلى ساحل المحيط المتجمد الشمالي وجزر الأورال، كما تمكن الدوق إيفان الأكبر من استعادة استقلال روسيا بقطع علاقات التبعية مع القبيلة الذهبية عام 1480م، فكانت النتيجة بناء الإمبراطورية القيصرية الروسية العظمى[10].

ثالثاً: روسيا والتحول من المملكة إلى الإمبراطورية القيصرية

بدأ الحكم القيصري في روسيا عام 1547، وذلك عندما تُوج إيفان الرابع الملقب بالرهيب أميراً لموسكو، وحمل لقب قيصر لكل روسيا وحكم بين عامي (1547 – 1560م)، وفي عهده اتخذت الأيديولوجية الدينية “الأرثوذكسية” والسياسية لروسيا شكلها النهائي. وفي عام 1721 تلقب بطرس الأكبر بلقب إمبراطور روسيا القيصرية.  وجدير بالذكر، بأن مساحة روسيا القيصرية بلغت في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي 22 مليون كم2، وامتدت على مساحة 50 % من أوروبا و40 % من آسيا، وضمت أكثر من 126 قومية[11].

1.      القيصر إيفان الرابع (الرهيب)

في عام 1547م، أصبح الأمير الأكبر لموسكو إيفان الرابع الرهيب أول قيصر روسي، وغزا أراضي منطقة الفولغا عام 1552م، وهاجم خانات كازان عام 1556م، وخانات أستراخان، وأنشأ أرخانجيلسك كميناء بحري إستراتيجي على شواطئ المحيط المتجمد الشمالي. وكما ضم جبال الأورال وسيبيريا الغربية (حملة يرماك 1581-1585م)، وامتد النفوذ القيصري إلى شمال منطقة القوقاز.

وبعد وفاة إيفان الرهيب، كانت هناك فترة اضطرابات في أواخر القرن السادس عشر الميلاد، وحدثت خلالها كوارث طبيعية وحرب أهلية كما نشبت الحروب الروسية البولندية والروسية السويدية، فكانت فترة شديدة، فعانت الدولة القيصرية من أزمة سياسية اجتماعية واقتصادية كبيرة. وفي عام 1571، تم حرق موسكو على يد جيش القرم بقيادة خان دولت جيراي، ولكن في العام التالي، تم تدمير 120 ألفًا من جيش القرم وحلفائه الأتراك الذين زحفوا داخل الأراضي الروسية، وهو ما وضع حدًا نهائياً للغزو المغولي من القرم.

وبعد وفاة فيدور ابن إيفان الرهيب في عام 1598، كانت عادت الاضطرابات، ونشب صراع على العرش، فضلاً عن التدخل البولندي السويدي بالشؤون الروسية. وبسبب ذلك، تشكلت ميليشيا روسية محلية ساهمت بطرد البولنديين، وانتخاب ميخائيل فيدوروفيتش ليكون القيصر، والذي أصبح أول ممثل لسلالة رومانوف (21 فبراير 1613). وفي عهده، بدأت البعثات الروسية في استكشاف شرق سيبيريا، وكما اتجهت روسيا القيصرية إلى ساحل المحيط الهادئ، وفي عام 1654م انضمت أوكرانيا إلى الدولة الروسية كجزء مستقل إدارياً.

استمر التقدم القيصري الروسي نحو سيبريا، وضم كراسنويارسك (1628)، ياكوتسك (1632)، تشيتا (1653)، وذلك من قبل القوزاق والمستكشفين والصناعيين الروس، ولم يلقَ التقدم الروسي أي مقاومة، ولكن كانت العقبة الوحيدة أمام ضم الشرق الأقصى هي الصين، ولكن الأمر حُسم بإبرام معاهدة نيرشينسك عام 1689م[12].

2.      بطرس الأكبر (1682 – 1725م)

جاء حكم بيتر العظيم رومانوف (بطرس الأكبر) بين عامي 1682 وحتى 1725م خلفاً لفيودور الثالث، وهو يعتبر أحد أعظم من حكموا روسيا على مدار تاريخها، وقد قاد سياسة تحديث وسياسة توسع في أراضي الشعوب المجاورة، فغدت الدولة الروسية إمبراطورية مهيبة ومترامية الأطراف، ومن أقوى المراكز السياسية العالمية آنذاك.

ومع ذلك، فإن الانتكاسات القيصرية في معارك الروس ضد السويديين (معركة نارفا)، ونزاع البويار، وأعمال الشغب الداخلية في الفترة بين 1682 و1696م، قد دفعت القيصر بطرس الأكبر إلى القيام بجملة من الإصلاحات التحديثية الجذرية في مختلف المجالات الإدارية والعسكرية والاقتصادية والتعليمية. وعمل بطرس الأكبر على تطوير أسطول عصري وأصلح قطاعات الجيش القيصري، وافتتح مؤسسات تعليمية منها أكاديمية سانت بطرسبورغ للعلوم، وشجع الصناعات الحديثة وفق النموذج الغربي[13]. واعتمد في 1 يناير 1700م تقويماً جديداً، حيث بدأ العام الجديد في يناير (قبل بدء العام الجديد في الأول من سبتمبر). ونتيجة لحرب الشمال، استعادت روسيا أراضيها التي احتلتها السويد عند مصب نهر نيفا، كما تم إنشاء مدينة سانت بطرسبورغ الساحلية عام 1703م، وانتقلت العاصمة الإدارية من موسكو إليها في عام 1712. وفي عهد بطرس الأكبر صدرت صحيفة “فيدوموستي” الروسية[14]. ومقابل تلك الإصلاحات الكبيرة، تركزت معظم السلطات السياسية بيد القيصر، وحظي بالسلطتين الدنيوية والدينية كزعيم لروسيا والكنسية الأرثوذكسية، وفي عام 1721، تم إعلان روسيا إمبراطورية قيصرية عظمى.

3. الأوضاع السياسية والعسكرية والاقتصادية في روسيا القيصرية بعد بطرس الأكبر

وبعد موت بطرس الأكبر، بدأت فترة الانقلابات في القصر، ومؤامرات النبلاء، وتوالت الهزائم للأباطرة المرفوضين، وكانت آنا إيفانوفنا وإليزابيث هم الذين تمكنوا من تولي العرش لأطول فترات زمنية، وفي عهد الإمبراطورية إليزابيث، تأسست جامعة موسكو. وأخيراً، في عام 1762، نتيجة لانقلاب القصر، وصلت كاترين الثانية إلى السلطة، والتي استحوذت إمبراطوريتها، خلال فترة حكمها، على الساحل الشمالي للبحر الأسود (نوفوروسيا، كوبان)، وشبه جزيرة القرم (1783)، وبيلاروسيا (1792)، وليتوانيا (1795)، وكما بدأ الروس في استكشاف القارة الأمريكية (ألاسكا)، وغزت روسيا ساحل البحر الأسود العثماني وانتصرت على العثمانيين في معارك متوالية.

وبعد ذلك، أصبح حفيد كاترين الثانية، ألكسندر الأول، آخر إمبراطور وصل إلى السلطة نتيجة انقلاب القصر عام 1812، وخلال حكمه تمكن الإمبراطور الفرنسي نابليون، من الاستيلاء على موسكو بعد معركة بورودينو الدموية، ولكن النتيجة التي سنراها هزيمة فرنسية منكرة أوصلت الجيش القيصري الروسي بمساندة من حلفائه إلى باريس عام 1814م.

في مطالع القرن التاسع عشر الميلادي، بدأت إمبراطورية روسيا القيصرية بتشكيل ما سُمي آنذاك بالتحالف المقدس، حتى امتدت قوة الإمبراطور الروسي إلى فنلندا (1809)، وأذربيجان (1813). وشهد اعتلاء نيكولاس الأول (شقيق الإسكندر الأول) العرش انتفاضة المثقفين الفاشلة في ديسمبر 1825، وقد أدى فشل الانتفاضة البولندية عام 1830 لتعزيز مكانة نيكولاي واستبد بالسلطة وزاد قبضته على الحريات.

جرت حرب قيصرية مع العثمانيين، وخاضت القيصرية عدة مواجهات مع القوات العثمانية وانتصر فيها الروس، فقد ألحق الأدميرال ناخيموف في معركة سينوب (1853) هزيمة ساحقة بالأسطول العثماني، ولكن بعد دخول التحالف الإنجليزي الفرنسي في حرب القرم (1854)، وانهزم الروس وتحولوا من حالة الهجوم إلى الدفاع عن سيفاستوبول.

وعندما اعتلى ألكسندر الثاني بن نيكولاس عرش الإمبراطورية القيصرية، قام بإجراءات إصلاحية ليبرالية معتدلة، وبادئ ذي بدء، ألغى نظام القنانة عام 1861م، وأعاد الاستقلال الذاتي للجامعات، ووسع نطاقات الحكم الذاتي المحلي، وأصلح الجيش القيصري. وفي عام 1864، أصبحت الشيشان وداغستان جزءًا من الإمبراطورية الروسية بعد معارك انتصرت بها القيصرية.  كما خاضت روسيا حروبًا ناجحة ضد العثمانيين في البلقان، مما أدى إلى استقلال الشعوب السلافية الجنوبية، على وجه الخصوص صربيا التي استقلت استقلالاً كاملاً عام 1879م، كما ضمت القيصرية في عهد ألكسندر الثاني، كلاً من أوزبكستان وتركمانستان، ولكنها باعت ألاسكا للولايات المتحدة الأمريكية.

وفي عهد القيصر نيقولاس الثاني (1881 – 1894) شكل سلطة أوتوقراطية مطلقة، واعتمد في حكمه على طبقة كبيرة من النبلاء الروس تجاوز عددهم 900 ألف، فضلاً عن جيش من الموظفين يتجاوز 500 ألف. وكانت روسيا القيصرية تعاني من وجود عدد من الأقليات التي أثارت المشاكل والقلاقل الداخلية والخارجية؛ فالفنلنديون الكاثوليك في الشمال، والبولنديون الكاثوليك في الغرب، والأقليات القوقازية والتركية والمغولية، وقد كانت كبيرة العدد نسبياً[15].

جاء بعد نيقولاس الثاني، الإمبراطور ألكسندر الثالث، والذي عُرف باسم صانع السلام، وخلال فترة حكمه، ولأول مرة منذ فترة طويلة، لم تخوض روسيا حروبًا كبيرة. لو استثنينا الحرب الروسية اليابانية بين عامي 1904-1905، والتي خسرت فيها روسيا قاعدة بورت آرثر البحرية ونصف سخالين، وجزر مع اليابان، وفقدت الكثير من مكانتها السياسية والعسكرية.

وأظهرت الحرب العالمية الأولى عدم فاعلية استمرار الدولة القيصرية الروسية، وقد انتهى هجوم الجيش الروسي في شرق بروسيا بالهزيمة في تانينبرغ عام 1914، ودارت معارك أخرى مع ألمانيا في الأراضي الروسية، وانتصر الألمان، ولعل السبب هو نشوب ثورة البلاشفة في 25 أكتوبر 1917م، وكانت بدايات الثورة عبارة عن احتجاجات لعمال السكك الحديدية وعمال الغزل والنسيج وعمال النفط، ومع اتساع الحراك نظَّمه الثوار البلاشفة بقيادة فلاديمير ليبين، واصطفت وراءه الجماهير العمالية تحت مظلة أفكار كارل ماركس ونادوا بدولة إشتراكية شيوعية، وطالبوا بتحقيق العدالة وتخفيف الضرائب عن الشعب الروسي، رداً على النظام الرأسمالي. ونتيجة قوة المحتجين وسيطرتهم على مفاصل الدولة الروسية، اضطر الإمبراطور القيصري للتنازل عن العرش وانهار النظام السياسي، مما أدخل مناطق روسيا في فوضى أمنية وحروب أهلية، وتلك نقطة البداية لتشكل الدولة الإشتراكية الروسية الحديثة.

4.الغزو الفرنسي (النابليوني) لأراضي روسيا القيصرية  

في عام 1805م، خاض القيصر ألكسندر الأول حربًا مع الجيوش الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت، والذي نصب نفسه إمبراطورًا لفرنسا وبدأ في توسعة إمبراطوريته داخل أوروبا، ووصل روسيا منتصراً، وهناك فرض شروطه على ألكسندر الأول، وأهمها وقف التجارة القيصرية مع إنجلترا. وعادت أجواء العداء الروسية الفرنسية منذ عام 1809م، وذلك عندما استولت روسيا على فنلندا التي كانت تتبع لمملكة السويد وأتبعتها للإمبراطورية الروسية. وكذلك استأنفت روسيا التجارة مع إنجلترا، وفي صيف عام 1812 غزا نابليون روسيا بجيش يزيد عن 500000 جندي، وكان الجيش الروسي لا يتجاوز نصف هذا العدد.

كان هدف نابليون بونابرت من الحرب هو إجبار قيصر روسيا على الخضوع لسلطته، وبالإضافة لرغبته في ضم بولندا، ولذلك سميت الحرب البولندية الثانية. وكانت المعارك التي دخلها الجيش الفرنسي مواجهات صغيرة باستثناء معركة واحدة كبيرة عند سمولينسك في أغسطس 1812م، وعند انحساب الجيش الروسي أجبر نابليون على التحرك لمطاردة الجيش الروسي شرقاً. وكانت الخطة القيصرية الروسية تستوجب أن يقوم الفلاحين القوزاق بإحراق القرى والمدن والمحاصيل لمنع تمويل الجيش الغازي، وأجبرت هذه الخطة الفرنسيين على إمداد جيشهم عبر خطوط إمداد طويلة ووعرة، وقد دفع الجوع والبرد الجنود لمغادرة معسكراتهم بحثاً عن الطعام، وكانوا يقعون فرائس لعصابات القوازق والجنود القيصرية قتلاً وأسراً.

وفي سبتمبر 1812 وقعت معركة بورودينو في غرب موسكو بحوالي 70 ميلاً، وشارك بها 250 ألف جندي روسي قتل منهم 70 ألفاً، ورغم تحقيق فرنسا الانتصار ولكنها فقدوا آلاف الجنود. ودخل نابليون وجيشه موسكو بعد المعركة بأسبوع ليجد الروس قد انسحبوا منها بعد أن أحرقوها، بناء على أمر حاكم موسكو الكونت فيودور روستوبشين، وانتظر نابليون في موسكو مبادرة القيصر لتوقيع معاهدة السلام، وبعد يأسه من قدوم القيصر، خرج بجيشه إلى مدينة كالوغا جنوب غربي موسكو. وقد أجبر الشتاء وعدم وجود مؤن ومواد تدفئة لدى الجيش الفرنسي، نابليون على التراجع على أمل التمكن من تموين جيشه في سمولينسك[16].

وعانى الجيش الفرنسي من الجوع والبرد الروسي القارس، وأدى نقص المؤن والغذاء للجنود والخيل والبرد، والهجمات المتكررة للفلاحين والروس على أطراف الجيش الفرنسي إلى إنهاك كبير وخسائر فادحة. وبحلول نوفمبر 1812م وعند عبور الجيش الفرنسي لنهر يبريزينا لم يتبق منه سوى 27000 جندي بعد أن تكبد نابليون 380 ألف قتيلاً وحوالي 100 ألف أسيراً. ن تكبد نابليو

رابعاً: روسيا واتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية

تعتبر نقطة التحول الكبرى في تاريخ روسيا عندما انقلبت من دولة قيصرية ذات حكومة أوتوقراطية واقتصاد رأسمالي إلى دولة شيوعية ذات حكومة الحزب الواحد واقتصاد اشتراكي تحت حكم البلاشفة[17]. فالانتصار البلشفي بقيادة فلاديمير لينين (توفي: 21 يناير 1924م) في الحرب الأهلية الروسية، أجبرهم على التخلي عن خطط التنفيذ الفوري لليوتوبيا الشيوعية وإعلان سياسة اقتصادية جديدة، أيّ اقتصاد السوق مع ديكتاتورية الحزب الواحد، وقد تزامنت هذه السياسة مع تشكيل اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية، والذي ضم في البداية روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا وجمهوريات ما وراء القوقاز، وذلك بتاريخ 30 ديسمبر 1922م.

وفي أواخر عشرينيات القرن العشرين، انتصر يوسف ستالين (ت: 5 مارس 1953م) في صراع الحزب الداخلي على النفوذ، وذلك عندما كان سكرتيراً عاماً للحزب الشيوعي السوفييتي. ومنذ عام 1928م، بدأ التصنيع والتجميع المتسارعان (اتحاد الفلاحين في المزارع الجماعية لتسيير الزراعة الآلية)، وهو ما تزامن مع الانتقال إلى سياسة تنظيم الدولة للاقتصاد مع فترة الكساد الكبير في أمريكا وأوروبا الغربية، حيث اعتمدت الخطة الخمسية الأولى للاتحاد السوفييتي، وتوسعت الدولة في تشييد المصانع المعدنية وبناء الآلات الزراعية والتقنيات الحديثة في جبال الأورال ومنطقة الفولغا، وفي عام 1935 تم افتتاح مترو موسكو.

وقد كان غزو جيوش الرايخ الثالث الألماني لأراضي الاتحاد السوفيتي في 22 يونيو 1941، بداية النهاية لهتلر ونفوذه الأوروبي، وقد استمرت الحرب بينه وبين الروس حتى الانتصار النهائي للسوفييت ودول الحلفاء على ألمانيا في مايو 1945م. وكان الانتصار السوفييتي مكلفاً، حيث خسر الروس أكثر من 20 مليون شخصاً. ولكن نتيجة للحرب، تم ضم جزء من شرق بروسيا إلى روسيا مع مدينة كونيجسبيرج (منطقة كالينينجراد). وفي عام 1945م، هَزم الجيش السوفيتي الجيش الياباني في منشوريا، وأعادت روسيا جنوب سخالين، واستولت على جزر الكوريل في المحيط الهادئ.

بعد الحرب العالمية الثانية، تشكلت كتلة سوفياتية، ضمت الدول التي تسيطر عليها موسكو في أوروبا الشرقية (المجر وبولندا ورومانيا وبلغاريا وتشيكوسلوفاكيا وجمهورية ألمانيا الديمقراطية “الشرقية”)، بالإضافة إلى بعض الدول الآسيوية والأفريقية. وأدت النزعة التوسعية للسوفييت وما قابلها من توسعات الولايات المتحدة الأمريكية لوراثة المستعمرات البريطانية واليابانية إلى نشوب الحرب الباردة بين القطبين العالميين، وبدأ سباق التسلح إثر اختراع الولايات المتحدة للقنبلة الذرية عام 1945، فكان اختبار السوفييت للقنبلة الذرية في عام 1949م. وتحت قيادة نيكيتا خروتشوف، تم إطلاق أول قمر صناعي في التاريخ عام 1957، بالإضافة لتنفيذ أول رحلة بشرية إلى الفضاء عام 1961م، وكانت النتيجة العسكرية لبرنامج الفضاء السوفيتي صناعة صواريخ باليستية عابرة للقارات، وامتازت بقدرتها على إيصال شحنة نووية لأي بقعة في العالم[18].

وفي عهد الزعيم السوفييتي يونيد بريجنيف (ت: 10 نوفمبر 1982م) أجرى إصلاحات خدماتية واجتماعية، إذ تم توفير الرعاية الاجتماعية للجماهير العريضة في الاتحاد السوفياتي، وارتفع مستوى التعليم والخدمات الطبية، مما جعل من الممكن التحدث عن تحقيق مستوى ما يسمى بالاشتراكية المتقدمة. وأقيم أولمبياد موسكو عام 1980. وفي تلك الفترة، بدأ الاتحاد السوفييتي يشهد كوداً اقتصادياً، وزادت النزعات الانفصالية من الشعوب الداخلة في جسمه، وانجر السوفييت لحرب مدمرة لهم في أفغانستان (1979-1989)، وحدث انفجار المفاعل الرابع النووي في تشيرنوبيل الأوكرانية السوفييتية في إبريل 1986م، وكان ذلك فضيحة كبيرة لقيادة الاتحاد السوفييتي وتهلهلها الداخلي، لأن الحادثة كانت من أكبر وأخطر الكوارث البشرية في أواخر القرن العشرين.

الكارثة النووية والاضطرابات السكانية والأزمات الاقتصادية كانت ذروتها في عهد آخر زعيم سوفييتي وهو ميخائيل جورباتشوف والذي تسلم القيادة في الكرملين عام 1985م وحتى 25 ديسمبر 1991م)، وفي عهده بدأت تغييرات عميقة مقصودة في جميع مجالات حياة المجتمع السوفيتي (بيريسترويكا) بهدف إصلاح اقتصاد الاتحاد السوفياتي وتعديل التخطيط المركزي، ولكن لا جدوى، ففي 8 ديسمبر 1991، وقع رؤساء روسيا وأوكرانيا ورئيس المجلس الأعلى لبيلاروسيا اتفاقية إنشاء رابطة الدول المستقلة (اتفاقية بيلوفيزسكايا)، حيث ذكرت الجمهوريات الثلاث أن “اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية” كموضوع للقانون الدولي والواقع الجيوسياسي لم يعد له وجود. وأصبح الاتحاد الروسي دولة مستقلة في ذلك العام، واعترف به المجتمع الدولي على أنه وريث للاتحاد السوفياتي[19].

خامساً: مرحلة الاتحاد الروسي

تشكل الاتحاد الروسي بعد تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991م، والاتحاد الروسي دولة تقع في شمال أوراسيا، ذات نظام حكم جمهوري شبه رئاسي يضم 85 كياناً اتحادياً، ولروسيا حدود مشتركة مع كل من النرويج وفنلندا وإستونيا ولاتفيا وليتوانيا وبولندا وبلاروسيا وأوكرانيا وجورجيا وأذربيجان وكازاخستان، وجمهورية الصين الشعبية ومنغوليا وكوريا الشمالية، ولها حدود بحرية مع اليابان في بحر أوخوتسك، ومع الولايات المتحدة الأمريكية عن طريق مضيق بيرين. وهي أكبر بلد في العالم حالياً بمساحة تبلغ 17.075.400 كليو متر مربع. وروسيا تاسع أكبر بلد في العالم بتعداد سكاني يصل لــ 143 مليون نسمة، وهي بلد لديه احتياطات من الغابات والبحيرات والمياه العذبة والثروة النفطية الضخمة. ويشكل السكان من أصول روسية 79.8 من سكان البلاد الذين ينتمون إلى 160 مجموعة عرقية مختلفة، وتتحدث العديد من اللغات وتتبع تقاليد دينية واجتماعية متباينة. وتجدر الإشارة المهمة بأنه على الرغم من أن معظم الأراضي الروسية داخل القارة الآسيوية، فإن معظم الروس يعيشون في روسيا الأوروبية قرب جبال الأورال وسيبيريا في جنوب غرب البلاد، حيث يعيش نحو 73 % من السكان في المناطق الحضرية، في حين يعيش 27 % في الأرياف والمناطق الشمالية والجنوبية الشرقية. وتعد موسكو وسان بطرسبورغ أهم مركزين ثقافيين وماليين في روسيا.

مع انهيار الاتحاد السوفييتي واستقلال روسيا، بدأ العمل على اقتصاد رأسمالية السوق، فقد أجرى الرئيس الروسي الأول المنتخب شعبياً بوريس يلتسين (1991 – 1999م) إصلاحات ليبرالية جذرية “العلاج بالصدمة”، وذلك بهدف تأسيس اقتصاد السوق، وتم إعلان حرية التجارة، كما منحت الشركات والمواطنين حرية النشاط الاقتصادي[20].

شهدت البلاد أزمة حادة في الناتج المحلي والإنتاج الصناعي بنسبة 50 % بين عامي 1990 – 1995م، وازداد التقسيم الطبقي للممتلكات للأغنياء والفقراء أضعافًا مضاعفة، وتجاوز معدل الوفيات معدل المواليد. كما شهدت روسيا في تلك المرحلة اتساع نطاقات الجريمة المنظمة وأنشطة المافيات الخاصة، ونشب النزاع في شمال القوقاز بسبب الحساسيات الدينية والعِرقية، وذلك منذ إعلان الشيشان استقلاله في بداية تسعينات القرن العشرين، وخاض الشيشانيون حرباً ضارية مع القوات الروسية (1994 – 1996م). فهنا كان أمام روسيا تحديات أمنية واقتصادية؛ حل أزمة الشيشان والمناطق المتوترة ضد المركز، وتسديد ديون الاتحاد السوفييتي الخارجية، وهو ما أدى لعجز بل لشلل كبير في الميزانية الروسية عام 1998.

استقال الرئيس بوريس يلتسن، وخلفة في رئاسة الحكومة فلاديمير بوتين عام 2000م، والذي عمل على عودة الاستقرار والنظام المركزي في البلاد، مما أكسبه شعبية واسعة، وانضمت روسيا لمنظمة المؤتمر الإسلامي عام 2005 بصفة مراقب، وأعيد انتخاب بوتين في مارس 2012 وحتى الآن[21].

واجه بوتين المعضلة التالية: هل يحافظ على دوره كعامل استقرار للرأسمالية الفاسدة، ولبلد قُدّر له أن يعيش في غرفة انتظار الحضارة الغربية، أو يصبح عامل تغيير ويبدأ بنظام جديد، يسمح لروسيا بأن تتحول إلى ديموقراطية ليبرالية متطورة وتدخل العالم الصناعي؟

بالنسبة لبوتين، فإن اختيار الطريق الأول هو استمرار للتزييف والتقليد، وإنه يعني الهواية الاعتيادية للزعماء الروس والطبقة السياسية الروسية، إنه سيعني حياة من الادعاء: السلطات تدعي بأنها تحكم والشعب يدعي بأنه يُطيع، وسيعني ذلك انحطاطاً بطيئاً دون أن تتاح لروسيا الفرصة للوقوف على قدميها، أما السيناريو الأكثر قتامة فهو الانحلال البطيء، والذي قد لا يكون ظاهراً للعيان على الدوام، لكنه في نهاية المطاف سيؤدي إلى تحطيم إرادة الشعب وروح المغامرة لدى الروس وانتشار الفوضى لعقود.

حسب عقيدة بوتين السياسية والإدارية والأمنية، فإن الطريق الأول هو طريق يلتسن أي خصخصة الزعيم والنظام من قبلة عصبة من المتآمرين في الكرملين، وأما الطريق الثاني الأكثر انسجاماً مع طموحاته هو إصلاح النظام تدريجياً، وهذا سيكون أكثر مجازفة[22]. وفي العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تم تنفيذ عدد من الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية في روسيا، وهو ما أدى لتزايد النمو الاقتصادي وزيادة في الدخل الحقيقي للسكان، والتي كانت إلى حد كبير بسبب الزيادة السريعة في أسعار النفط، ونهج بوتين سياسة تعزيز السلطة المركزية في البلاد، وتشكيل الحزب الحاكم “حزب روسيا الموحدة”، ومركزية الإصلاحات وخطط تصفية عصبة الكرملين البوتينية جعلت أدباء السياسية يصفون الحقبة الروسية في عهد بوتين بــأنها “نوع من الديمقراطية المقلِدة مع عناصر الاستبداد البيروقراطي”[23].

باتت روسيا في عهد فلاديمير بوتين، لا سيما بعد عودته لرئاسة روسيا خلفاً لصديقه ديمتري مدفيدف عام 2012، أكثر استقراراً وقوةً، ففي 18 مارس 2014، ضمت روسيا شبه جزيرة القرم الأوكرانية في البحر الأسود، ولم تعترف الدول بشرعية هذا الغزو الروسي ولا الاستفتاء الذي أجرته روسيا في بين سكان القرم، وذلك سبب أزمة اجتماعية وسياسية وأمنية في أوكرانيا غيرت نظام الحكومة لصالح المعارضة الأكثر قرباً للولايات المتحدة الأمريكية والغرب في ديسمبر 2014. وأعقب تلك الأحداث، بداية ضائقة اقتصادية جديدة في روسيا نتيجة لما سُمي “حرب العقوبات”، وقاد لركود اقتصادي، وانخفاض في أسعار النفط، وأزمة على الروبل الروسي.

وتجدر الإشارة إلى أن روسيا، ونتيجة الأخطاء الإستراتيجية الأمريكية في العراق وأفغانستان، والانكفاء الأوروبي، تحولت إلى لاعب فاعل في شرق أوروبا والساحة الدولية، وتدخلت في تثبيت ودعم الأنظمة الشمولية في سورية وفنزويلا وإفريقيا الوسطى وليبيا وغيرها[24]. وأخيراً وليس آخراً كان الغزو الروسي لأوكرانيا في 24 فبراير 2022م “زلزال الغرب”، ليعيد التصورات الإمبراطورية الروسية التوسعية “المجال الجيو إستراتيجي الروسي” وأبعاد الرؤية القومية الروسية إلى صادرة المخططات القيصرية، حسب ألكسندر دوغين[25]. والتي يراها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إعادة المكانة التي تسحقها روسيا داخل الفضاء الأوراسي والقارة الأوروبية، ولطالما كرر بوتين بأن روسيا من حقها استخدام القوة إذا ما رأت أن أمنها مُهدَّد، وبأن الولايات المتحدة الأمريكية والقوى الغربية تجاهلتا مصالح موسكو الأمنية، وفي أكثر من مناسبة ذكَّر النخبة الروسية السياسية والعسكرية، بأن الانهيار السوفيتي يمثل أكبر كارثة جيوسياسية في العصر الحديث، خصوصاً وأن حوالي 25 مليون روسي وَجدوا أنفسهم خارج التراب الروسي، ولأنه يرى في أوراسيا منصة تفاعلات سياسية وعسكرية واقتصادية بنى بوتين شراكة حقيقية مع الصين، واتفاقات حمائية لدول وأنظمة في إيران ومصر والهند وسورية والجزائر وحتى الخليج العربي، كي تصبح موسكو صاحبة الكلمة الأمنية العليا في تلك الديار، وهو ما يمثل حسب خبراء انتصاراً مرحلياً لفلسفة بوتين التوسعية، بل قفزة في تاريخ الصراع على الجيوبوليتيك بين القوى العصرية الكبرى[26].

خاتمة :

روسيا تاريخ ممتد ومتواصل مليء بالصراعات العسكرية والتغيرات الديموغرافية، وتطورت فيه الدولة الروسية في كل مرحلة وأثرت فيها الظروف الجيو سياسية والاضطرابات الداخلية والحالة الاقتصادية والأمنية، وكانت زبدة تلك التحولات وصول القيصر فلاديمير بوتين إلى الكرملين، والذي نادى بأن روسيا لها حقوق مشروعة جغرافياً، فهو العازم على إعادة ترسيخ حق روسيا في وضع حدود للخيارات السيادية لجيرانها الصغار وترتيب التعاون الدولي مع حلفائها السابقين والحاليين، وإجبار الجميع على القبول بهذا السيناريو على أنه الخيار الوحيد سواء بالطرق الدبلوماسية أو العسكرية حتى لو على حساب تقويض النظام الدولي القائم، واستمد تلك النزعة القيصرية للتوسع والسيطرة من إجماع النخبة اليمينية السياسية الروسية التي يمثلها على مبدأ أساسي، وهو “الصلة التلقائية بين امتلاك ترسانة من الأسلحة النووية الفتاكة، وبين التنعم بمنزلة القوة العظمى، وهذا كان ولا يزال يمتد عميقاً داخل المنظومة العقائدية والأمنية الروسية”[27].

المراجع:

  1. إيناس عبد الله، من القيصرية إلى الاشتراكية: تاريخ روسيا الحديث 1894 – 1917، اشوربانيبيا للكتاب، ط1 2019.
  2. ليليا شيفتسوفا، روسيا بوتين، ترجمة بسام شيحا، الدار العربية للعلوم ناشرون، ط1 2006.
  3. ألكسندر دوغين، أسس الجيوبوليتيكا (مستقبل روسيا الجيوبولتيكي)، تعريب: عماد حاتم، دار الكتاب الجديدة المتحدة، بيروت، ط1 2004.
  4. لافل باييف، القوة العسكرية وسياسة الطاقة: بوتين والبحث عن العظمة الروسية، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، أبو ظبي، ط1 2010.
  5. طالب الدغيم، بوتين نحو المجد الأوراسي والارتباك الإستراتيجي الغربي، موقع عمران، 5 مارس 2022، انظر الرابط: https://2u.pw/77hNR
  6. طالب الدغيم، أوكرانيا… جغرافيا قاتلة ومعضلة أمنية، عربي 21، 5 مارس 2022م، انظر الرابط: https://2u.pw/8pHEy
  1. History of Russia, Russia and the main periods of its history, retrieved 10 March 2022, look in: https://russiatrek.org/about-russian-history
  2. History of Russia, retrieved 8 March 2022, look in: https://www.mouzenidis.com/en-us/russia/article/history-of-russia
  3. Commission of the Russian Federation for UNESCO: Panorama of Russia”,

(تم الاطلاع عليه بتاريخ: 13 مارس 2022م)

  1. Russian Census of 2002,مؤرشف في ويكيبيديا من الأصل في 17 سبتمبر 2018))

  [1]History of Russia, Russia and the main periods of its history, retrieved 10 March 2022, look in: https://russiatrek.org/about-russian-history

[2] History of Russia, retrieved 8 March 2022, look in:  https://www.mouzenidis.com/en-us/russia/article/history-of-russia

[3] History of Russia, op.cit.

[4] History of Russia, op.cit.

[5] History of Russia, Ibid.

[6] History of Russia, op.cit.

[7] History of Russia, op.cit.

[8] History of Russia, op.cit.

[9] History of Russia, op.cit.

[10] History of Russia, op.cit.

[11] History of Russia, op.cit.

[12] History of Russia, op.cit.

[13] History of Russia, op.cit.

[14] History of Russia, op.cit.

[15] إيناس عبد الله، من القيصرية إلى الاشتراكية: تاريخ روسيا الحديث 1894 – 1917، اشوربانيبيا للكتاب، ط1 2019، ص 8 – 9.

[16] History of Russia, op.cit.

[17] History of Russia, op.cit.

[18] History of Russia, op.cit.

[19]Commission of the Russian Federation for UNESCO: Panorama of Russia”. (تم الاطلاع عليه بتاريخ: 13 مارس 2022م)

[20] History of Russia, op.cit.

[21]  Russian Census of 2002,مؤرشف في ويكيبيديا من الأصل في 17 سبتمبر 2018))

[22] ليليا شيفتسوفا، روسيا بوتين، ترجمة بسام شيحا، الدار العربية للعلوم ناشرون، ط1 2006، ص 491.

[23] شيفتسوفا، روسيا بوتين، المرجع السابق، ص 489.

[24] شيفتسوفا، روسيا بوتين، المرجع السابق، ص 7.

[25] ألكسندر دوغين، أسس الجيوبولتيكا (مستقبل روسيا الجيوبولتيكي)، تعريب: عماد حاتم، دار الكتاب الجديدة المتحدة، بيروت، ط1 2004، ص 302. وراجع: لافل باييف، القوة العسكرية وسياسة الطاقة: بوتين والبحث عن العظمة الروسية، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، أبو ظبي، ط1 2010.

[26] طالب الدغيم، بوتين نحو المجد الأوراسي والارتباك الإستراتيجي الغربي، موقع عمران، 5 مارس 2022، انظر الرابط: https://2u.pw/77hNR

[27] طالب الدغيم، أوكرانيا… جغرافيا قاتلة ومعضلة أمنية، عربي 21، 5 مارس 2022م، انظر الرابط: https://2u.pw/8pHEy

5/5 - (2 صوتين)

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى