احدث الاخبارعاجلمقالات

ورقة التوت الأخيرة سَقطت في قضية (خاشقجي ) المُعارض الناعم

اعداد  الباحث : احمد كريم صالح  – المركز الديمقراطي العربي

 

في الانظمة العربية بشقيها الملكيّة والجمهورية ؛ قد لا يبدواْ غريباً انْ تُقتل , أو تُسجن , أو تُغيّب قسراً ؛ انْ كان لك رأياً حراً لا يتماشى ولا ينسجم مع مزاج الطبقة او الاسر الحاكمة ؛ ولكن الغريب حقاً انْ يتم استدراجك عبر البحار والمحيطات الى مكان ما ؛ ثم يتم تقطيعك بمنشار الديكتاتورية والطغيان , وتُقطًع اوصالك إرباً إرباً وعلى أنغام الموسيقى ؛ فهذه أعتى صور الديكتاتورية , وأشرس هجمة بربرية ليس لتكميم الافواه الحرّة والاقلام النبيلة فقط ؛ بل لردع كل من تسوّل له نفسه مسّ الحكومات المُنزّلة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها بكلمة حق تُعبر عن الواقع الذي لا تحجبه وسائل تكميم الافواه وتكبيل الأيادي .

      هذا ما فعلته المملكة العربية السعودية , هذا ما فعلته الدولة التي تحكم بما انزل الله ودستورها القران الكريم للصحفي السعودي “جمال خاشقجي الذي لم يكن يعلم ان ادوات القتل قد جُهزّت , وصفحته آن لها الآوان ان تُطوى والى غير رجعة ؛ فقد كان دخوله الى قنصلية بلاده في تركيا في الثاني من شهر تشرين الاول \ اكتوبر الجاري المشهد الاخير من ” مسرحية القتل ” والتي اعدها واخرجها ولي العهد , وتنفيذ زبانيةُ وجلًادوهُ بكل وحشية وشراسة .

ولعل التساؤلات التي تُطرح في اذهان كل متابع لقضية خاشقجي :

  • ما الذي جناه جمال خاشقجي ؟ هل كان يُخطط لانقلاب ؟
  • هل كان يُعادي المملكة العربية السعودية ؟ هل كان يقود معارضة ضد الاسرة الحاكمة ؟
  • هل يقود معارضة خارجية فعلية لها مقرها ولها اجتماعاتها ؟

رّبما اعداءه قبل اصدقاءه يجيبون على تلك الاسئلة ؛ بالنفي .

لم يملك جمال خاشقجي سوى قلمه ورأيه الناعم الحذر , بل انه صرّح في اكثر من مناسبه انه لا يخرج عن السياق العام للقيادة الحاكمة , يُعقّب احياناً على سياسات معيّنة وبأسلوب حذر تقويمي , وليس نقداّ مدفوع الثمن , او نقداً مُحَرّضَاً او مدفوعاً عليه فقد كان مُحباً لبلده , يُنادي بالحرية في كل الشاشات التي يظهر عليها , يؤيد الربيع العربي , يناهض الحكومات الانقلابية  , يرى بأن الديمقراطية هي الحل للبلدان العربية ؛ هذه هي جريمته التي عٌوقب عليها “بمنشار الجلّاد”. ففي الدول التي لا تحترم حرّية التعبير ؛ لن تسمع صوتاً لمطرقة القاضي , فإما ان تصمت أو تصمت وامّا الثالثة فتهلك .

ان اسلوب الاستدراج  الذي تنتهجه المملكة العربية السعودية ليس جديداً ولم تكن قضية استدراج جمال خاشقجي الى القنصلية السعودية في تركيا هي الاولى من نوعها ؛ فقد تحدّثت صحيفة ” واشنطن بوست ” الامريكية عن انّ هذا الاسلوب قد شهد رواجاً ملحوظاً بوصول محمد بن سلمان لولاية العهد , مستشهدة ببعض الامثلة ومنها : الناشطة ” لجين الهذلول ” والتي أُختطِفت من شوارع الامارات ونُقِلت الى السعودية , وبعد ان أُطلِق سراحها أُعتُقلِت مرّة اخرى بتهمة الاتصال مع جهات خارجية , كذلك حاولواْ استدراج المُنشق عن العائلة الحاكمة ” الامير خالد بن فرحان ال سعود ) والذي يقطن المانيا محاولين اغراءه بالمال من اجل العودة , بالإضافة الى التجسس على بعض المعارضين وخصوصاً في كندا , وقد حاولوا ايضا استدراج المعارض السعودي في كندا عمر عبد العزيز (27 عاماً ) اذ أنّ الاخير كان على اتصال مع جمال خاشقجي , وكانا يهدفان الى انشاء جيش الكتروني داخل السعودية  اسموه ” جيش النحل ” هو حركة مضادة للجيش الالكتروني المعروف بجيش ” الذباب ” والذي يهدف الى تلطيف صورة الملك والاسرة الحاكمة , بل أنّ  خاشقجي نفسه تم استدراجه لأكثر من مرّة وعرضوا عليه مناصب مهمة في الدولة السعودية ؛ ولكنه رفض ولم يثق بتلك العروض , وهو من قال “انا ممكن ان اعود الى السعودية عندما اشعر انني لا أُعتَقَل او أُقَتَل بسبب رأيي” .

يبدواْ جليّاً ان السعودية تريد ان تُجفف كل المنابع التي من الممكن ان تشكل تهديداً اعلامياً للعائلة الحاكمة , أو التي يمكن ان تخلق رأياً عاماً يناهض سياسيات الاسرة الحاكمة والقبضة الحديدية التي احكمها محمد بن سلمان ضد كل من يخالف سياساته وبالمقابل فُتحت مراكز السينما , وسُمح للمرأة بقيادة السيارة ؛ لتكون وسائل الهاء في سجن كبير رغم انها لم تكن موجودة سابقاً .

داخليّاً لم ينجَ الكثيرين من سياسية تكميم الافواه , بل الكثير من الدعاة يقبعون الان خلف قضبان الحديد , فالدعاة اليوم على المحك فإما انْ يجدواْ تبريراً لماكنة القتل قوامها مبدأ الحجاج القائل ” انّ في قتلك صلاح للمسلمين ” واما سيكون مصيرهم كمصير سلمان العودة وغيره .

هكذا طُويت وستُطوى صفحة خاشقجي  الذي توفي على اثر ” شجار ” وهو عذر لا يُصدق ولا يستحق التعقيب ؛ ولكنها لم ولن تطوي معها صفحة الغدر, والقتل , وسياسة تكسير ودفن الاقلام الحرّة , وكذلك لتعطي قضية خاشقجي محاضرة بليغة في كيفية استغلال الدول جريمة معينة ” قتل الانسان ” وسيلة لتحقيق مصالح معيّنة أو لتشويه نظام دولة معينة ؛ فمن السذاجة ان نصدق دموع امريكا او تركيا , بل انّ قتل خاشقجي ” فرصة رهيبة ” لأمريكا وتركيا ومعهما قطر وغيرهم ؛ هذه المحاضرة شاهدها الرأي العام الحي العالمي بأكمله .

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق