الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

المؤشرات الاقتصادية أهداف سياسية : دراسة الحالة الأفريقية

اعداد :  وليد الشعار- باحث دكتوراه علوم سياسية –  كلية الحقوق والعلوم السياسية – جامعة بيروت العربية (لبنان)

  • المصدر : مجلة الدراسات الأفريقية وحوض النيل : العدد الخامس  آذار – مارس “2019” دورية علمية محكمة تصدر عن المركز الديمقراطي العربي “ألمانيا –برلين” .

 

إن المؤشرات الاقتصادية هي عبارة عن إحصائيات وتقارير إقتصادية، تستخدم في قياس أداء قطاعات إقتصادية مختلفة، لتقييم الوضع الاقتصادي ومعرفة مدى قوته أو ضعفه. يعتمد الكثير من الخبراء الاقتصاديين على المؤشرات الاقتصادية لتوقع الحالة الاقتصادية المستقبلية والتي على أساسها تبنى سياسات المعالجة والنمو.

    يتم إستخدام العديد من المؤشرات الاقتصادية تبعاَ لكل دولة، لكن بصفة عامة يمكن تصنيف المؤشرات الاقتصادية الى سبعة أنواع رئيسية:

  • ميزان المدفوعات
  • مؤشرات الانتاج
  • مؤشرات الثقة
  • مؤشرات الاسعار والاجور
  • تقارير السياسة النقدية ومعدلات الفائدة
  • مؤشرات التوظيف وسوق العمل
  • مؤشرات قطاع الاسكان

في البلدان التي تصنف “نامية” يمكن إعتماد المؤشرات الاقتصادية العامة في تحديد القطاعات الضعيفة والمهملة، والتي تنعكس سلباً في تطور هذه الدول وتقدمها. إن نتائج هذه المؤشرات تعكس في كثير من الاحيان فشل وفساد الطبقة السياسية، وعدم تواجد الارادة الفعلية في تفعيل دور قطاعات عديدة كفيلة بتقدم ونمو هذه الدول، والانعكاس إيجابياً على المجتمع لتحسين الاوضاع المعيشية.

إن اعتماد المؤشرات الاقتصادية بشكل منفرد في دراسة وتحديد درجة تطور ونمو الدول لا تعكس الواقع الحقيقي، اعتباراً ان الناتج المحلي قد يقوم القسم الاكبر منه على تصدير موارد طبيعة (مثل النفط). لذلك إن دراسة المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية بالاضافة الى الواقع السياسي في فترة زمنية محددة، يساعد على إعطاء صورة واضحة عن وضع هذه الدول وأين يمكن ان تصبح مستقبلاً؟

إن التحول في الاوضاع السياسية وتغيير أنظمة الحكم في دولة ما، يؤثر حكماً على المؤشرات الاقتصادية وعلى النمو والتقدم في تلك الدولة. إن الحالة السياسية تعتبر المحرك الاساس للنشاط الاقتصادي، هذا بالاضافة الى طبيعة النظام السياسي وتوجهاته والتطلعات المستقبلية التي يتبناها.

شهدت الفترة الممتدة من 2010 حتى وقتنا الحاضر، تقلبات سياسية وإقتصادية في القارة الافريقية وبالتحديد في الشمال الافريقي. لذلك سوف نحلل المؤشرات الاقتصاديةلبعض هذه الدول، والعودة الى الاسباب والآثار التى ترتبت على هذه المجتمعات.

وفق الاحصاءات العالمية الصادرة عن الامم المتحدة لعام 2018، تُظهر المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية تقلبات في أوضاع الكثير من البلدان الافريقية عبر الفترة الزمنية الممتدة من 2005 حتى 2018. إن هذه التقلبات السلبية في المؤشرات تعود معظم أسبابها الى المشاكل السياسية والازمات الاقتصادية العالمية.

نستنتج من هذه المؤشرات الاقتصادية، ان معدل النمو في مصر مثلاً شهد تغيرات واضحة ما بين فترات ثلاثة وهي( 2005معدل نمو 4.5%، 2010 معدل نمو 5.1%، 2018 معدل نمو 4.1%). نستطيع الاستنتاج من النتائج أن التطور الحاصل بين فترة 2005 و 2010 تلاه تراجع من الفترة بين 2010 و2018، وهذا حكماً يعود الى الازمات السياسية التي شهدتها البلاد في تلك الفترة، وما رافقها من تغيرات على صعيد

أنظمة الحكم المختلفة. إن الازمات الامنية والسياسية التي حصلت في مصر كان لها أثر سلبي على الاصعدة الاقتصادية والتي تنعكس بشكل مباشر على الصعيد الاجتماعي.

حيث تؤدي الازمات المتلاحقة السياسية والامنية الى إضعاف دور مصر الاقليمي من الناحية الخارجية، وتباطؤ تطورها الاقتصادي من الناحية الداخلية، والتي حكماً تنعكس سلباً على صعيد التطور المجتمعي. هذه المتغيرات السياسية وتبدل أنظمة الحكم تؤدي الى تحديد الاولويات بالنسبة الى الانظمة الجديدة والتي بدورها تعطي الاهمية للادوار الامنية وتقوية النظام السياسي الجديد.

في تحليل للمؤشرات الاقتصادية لنفس الفترات الزمنية نستطيع ملاحظة التراجع في نسبة المشاركة الزراعية من الناتج المحلي، بحيث تراجعت النسبة من ( 14% عام 2010 الى 11.9% عام 2018)، هذا التراجع في الانتاج الزراعي يحد من التطور والتقدم الذي تطمح إليه الدولة، والذي يعتبر من مرتكزات خططها في إدارة الدولة وتأمين إحتياجاتها وصولاً الى الاكتفاء الذاتي الذي بدوره يقوي موقع الدولة في علاقاتها الخارجية.

أما على الصعيد الصناعي، تراجعت النسبة من الناتج المحلي ما بين فترة ( 2010 و2018 من 37.5% الى 32.9% ) والذي يعكس غياب الدولة، وتراجع دور مصر من التجارة الدولية ودورها الاقليمي بشكل خاص. يؤدي تراجع الانتاج الصناعي الى ازدياد البطالة وتراجع الحركة التجارية، وينعكس على المجتمع المصري فيجعله عرضة لظهور أزمات سياسية جديدة، ومنافذ جديدة لتدخلات خارجية، تضعف الدولة ودورها الاقليمي والدولي.

في منحى آخر،يُظهر العجز في ميزان التجارة الدولية الاعتماد المتزايد على الخارج في تأمين الاحتياجات الداخلية، والتراجع في الانتاج المحلي وتطوره. إن هذا التحول في دولة مثل مصر نحو إقتصاد خدماتي،لايخدم أي رؤية مستقبلية في التقدم والتطور على معظم الاصعدة.

هذا وقد شهد قطاع السياحة تراجعاً حاداً في أعداد السياح، والذي تراجع من 14,051,000 سائح عام 2010 الى  5,258,000 سائح عند العام 2018. يعود هذا التراجع الى العمليات الارهابية التي إستهدفت السياح الاجانب،لإضعاف هذا القطاع الذي يعتبر من أكثر القطاعات مردوداً. حدوث هذه العمليات الامنية كان بسبب الضعف الذي أصاب أجهزة الدولة الامنية، نتيجة الاضطربات السياسية،بحيث تم إستغلالها من قبل أطراف خارجية، نجحت من خلالها في إضعاف القطاع السياحي، الذي يدر على مصر بالعائدات المالية لدعم إقتصادها.

وبالعودة إلى الكتاب السنوي الاحصائي الافريقي الصادر عن اللجنة الاقتصادية الافريقية التابعة للامم المتحدة، شهد إنخفاض في حصة الفرد من الناتج المحلي المصري والذي تراجع من ( 3,564 دولار عام 2016 الى 2,472 دولار عام 2017 )، وهذا حكماً يؤدي الى انعكاسات سلبية، من تراجع للقدرة الشرائية الى تعثر الحركة الاقتصادية وما يلحق بها بإزياد معدلات الفقر، الذي يسبب بدوره أزمات سياسية. الفقر يعتبر الباب الاسهل لخلق المشاكل السياسية والامنية في الدولة، بحيث تبدأ تحركات داخلية يترافق معها دعم خارجي بهدف تغيير الوضع الاقتصادي السيء. تستغل الدول في تدخلاتها الخارجية نقاط الضعف في المجتمعات، ومن بينها الطبقة الفقيرة والتي تعاني من إهمال الدولة لها،فتستثمر الاموال المرسلة من الدول في خلق التنظيمات التي تدعو الى تغيرات في الاوضاع المعيشية وتأمين المتطلبات الحياتية، هذا في الظاهر، لكن الاهداف الحقيقية تكون عادة ضرب السلم الاهلي أو خلق أحداث أمنية.

في منحى آخر، يؤدي إرتفاع حجم الدين العام الى عدم قدرة السلطة السياسية المصرية في تحديد الخطط الاقتصادية، التي من شأنها إعادة حركة العجلة الاقتصادية ودعم النمو العام. لقد أظهرت الاحصائيات إرتفاع الدين العام بالنسبة من الناتج المحلي من ( 15,7% عام 2016 الى 24,8% في 2017)، هذا الازدياد في الدين العام يجعل النظام السياسي يربط نمو الاقتصاد والمخطط العام للدولة بالنصائح الخارجية في عمليات الاستثمار والدعم الذي تقدمه الدولة  الى قطاعات الصناعة والزراعة. إن أزمة الديون تضعف السلطة السياسية، مما يجبرها على تغيير الكثير من قراراتها ودورها في علاقاتها ومصالحها الاقليمية والدولية.

إن دراسة هذه المؤشرات يظهر المشاكل الكثيرة التي تواجهها مصر، ليس فقط على الصعيد الاقتصادي وإنما على كافة الاصعدة. ترتبط كافة القطاعات ببعضها البعض وتتكامل، من اجل تقدم ونمو الدول، لذلك عندما نرى ونحلل المؤشرات الاقتصادية نستطيع تحديد نقاط الضعف، والتي من خلالها تكون نقطة الانطلاق في تصحيح مجرى الامور في الدولة. كما ان الترابط ما بين الشق السياسي والاقتصادي يعتبر محوري في بناء الدولة وتحسين المستوى المعيشي الذي له تأثير عميق على الشق الاجتماعي.

   بالعودة الى الحالة المصرية، ومن أجل إعادة الوضع المصري الى الحالة المستمرة من التطور والتقدم والنمو، يتوجب على السلطات المصرية القيام بالخطوات التالية:

  • إعادة هيكلة الادارات الرسمية بما يعطيها قدرات فعلية في مواكبة ودعم القطاعات كافة.
  • تأمين التسهيلات والدعم الحكومي في تشجيع الاعمال الصغيرة(ما يشجع عودة ذوي الخبرات من المغتربين مع أموالهم).
  • رفع التأهب الامني لأقصى الحدود الممكنة لاعادة الثقة بالامن الداخلي(إستقطاب الاستثمارات الخارجية والسياحة).
  • العمل على تطوير ودعم القطاع الزراعي وإيجاد الحلول الجذرية في تأمين الاكتفاء الذاتي.

هذه الخطوات الاولية يمكن إعتبارها الحجر الاساس في إعادة القدرات المصرية، وإستعادت دورها الاقليمي وذلك من دون الاستعانة بدعم مادي خارجي. إن أي عملية بناء فعلية تكون غير مجدية اذا ترافقت مع شروط وديون وخدمة دين ترهق على المدى الطويل ميزانية الدولة، وتنعكس حكماً على الشعب وما يلحقه من ضرائب وإضعاف لقدرته الشرائية.

في دولة مثل مصر يجب أن يتم النمو والتطور من القاعدة، والتي تبدأ من تأمين الحاجات الاساسية للعامة من تعليم وإستشفاء( يشهد هذان القطاعان تراجع حاد لعدة أسباب منها هجرة أصحاب الخبرات) وتأمين الغذاء والسكن. إن تأمين الاساسيات يعطي العامة الثقة والايمان بالدولة، ويشجع بدوره على النهوض بالقطاع الصناعي وتوسيع التجارة الخارجية. بالاضافة الى ايجاد أفاق جديدة من التعاون مع الدول المحيطة بما يخدم الاهداف الاقتصادية المشتركة.

اما المرحلة الثانية،تأمين المهارات اللازمة من أجل استقطاب الاستثمارات الخارجية في القطاعات الانتاجية، وذلك للاستفادة من اليد العاملة الغير مكلفة والخبيرة. هذا ويبرز دورمهم للدولة في إلزامية التعليم للجميع، دون تفرقة جنسية لبناء جيل متعلم قادر على تطوير كافة القطاعات. كما للدولة دور في التشجيع لتحديد النسل، وذلك لتأمين كافة الاحتياجات اللازمة للجيل الصاعد.

لدى مصر قدرات كفيلة تجعلها من الدول الرائدة في المنطقة على كافة الاصعدة، ومقارعة دول عديدة في المنطقة من الناحية الصناعية والتجارية والإستقطاب السياحي. هذا وان المحيط الاقليمي يعطي مصر الاولوية في التجارة والصناعة والزراعة والسياحة نتيجة الارتباط العربي، والسهولة التي تمنحها تلك الميزة عن غيرها من الدول.

المراجع:

  • كتيب الاحصاءات العالمية، السلسلة5، العدد 42، الامم المتحدة، نيويورك، 2018.

-African Statistical yearbook, 2018,UN.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق