الاجتماعية والثقافيةالدراسات البحثية

قراءة فى مجمل أفكار العظيم الراحل “عبد الوهاب المسيرى” بين الإبداع والضرورة

اعداد الباحث :  مسلم محمد هنيدي – المركز الديمقراطي العربي

 

لم يكن من المفكرين الجالسين في الأعالى، بل كان يؤمن بأن “المثقف الذي لا يترجم فكره إلى أفعال لا يستحق أن يطلق عليه هذا اللقب بين بنى مجتمعه”، فهو الذي رفع شعار “المقاومة تبدأ بالمعرفة”، ورغم أنه بدأ حياته السياسية منتميًا إلى جماعة “الإخوان المسلمين” لفترة قصيرة, إلا أنه تركها وانتقل إلى اليسار بعد أن وجد تعارضاً بين معتقداته وبين منهجها، فانضم الى الحزب الشيوعي، وهو صاحب الجملة الشهيرة: “أنا ماركسي على سُنة الله ورسوله”؛ إنه السياسي الجماهيرى والمفكر الموسوعى الراحل “عبد الوهاب المسيري”، الذى إتفق الجميع على وطنيته، فترك خلفه آراء وأفكارًا ومعارك ومؤلفات جعلت منه واحدًا من أهم مثقفي مصر.

وإذ تمر هذه الأيام الذكرى الثالثة عشر لرحيله حيث توفى فى 3 يوليو 2008، لتمثل لحظة خاصة للتدبر والتفكر ولحظة للمعرفة والإرادة والتأمل، فعلى جيل تلاميذه أن يبدئوا منها استكمال مساره التجديدي وتحمل المسئولية الفكرية، لاستئناف جهوده في إبداع نماذج تحليلية وتفسيرية جديدة تنفتح على الأفق الإنساني، وتتطلع إلى تجديد المنهجية المعرفية العربية والإسلامية. لما لا، وقد شكل المفكر الراحل حالة متميزة وفريدة في تاريخ الفكر العربي والإسلامي المعاصر، حالة ترتقي إلى حد الاستثنائية، ليس فقط بالنظر إلى شمولية اهتماماته المعرفية في مجالات الأدب والنقد وفلسفة التاريخ والعمل الموسوعي والترجمة، ولكن بالنظر فى الاساس إلى أصالته الإبداعية في مجال التنظير الأكاديمي والاجتهاد المنهجي والنحت الاصطلاحي والمفاهيمي.

فقد كان بحق صاحب رؤية فلسفية حضارية تؤمن بتعدد أبعاد مشروع التأصيل الحضاري في مجالات العلم والمعرفة والأخلاق والقيم والسياسة والاجتماع، مما جعله يؤسس مشروعًا فكريًّا تجديديًّا منهجيًّا له امتدادات إيمانية وإنسانية وعروبية باقتدار، بما يمتلكه من أدوات وآليات صياغة وصقل جوانب أساسية في الهوية العربية الإسلامية.

وها نحن؛ إذ نقر له إبتداءاً بالعرفان والامتنان فى تلك الحظات العصيبة من عمر الاوطان، علينا أن نقر ونعترف كذلك بالعجز والقصور والضياع، مالم نعيد تدارك دربه الصواب وعلى نهجه الميمون نعاود السير من جديد. ها نحن نعاود الترحال بين جنبات فكرة لنستلهم الطريق، ونذكر من باب أولى من صارت بيدهم مقاليد الأمر من القادة والنخب قولا وفعلا، حتى يعاودوا العمل مجدداً وفق منهاجه العروبى الاسلامى الاصيل. ها نحن، نتصفح سويا بين جنبات ابداعه الفكرى، علنا نُذكّر فى تلك السطور بحياة وإبداعات المخلص الراحل فنوفيه بعضاً من حقه، كما نُذكر أنفسنا بمقتضيات هذا الظرف المرحلى من عمر الأوطان الخطير، وذلك من منطلق و”ذكر فان الذكرى تنفع المؤمنين”. (1)

النشأه والمؤلفات:

ولد “المسيري” في أكتوبر 1938 بمدينة “دمنهور” مسقط رأسه بمحافظة البحيرة وتلقى تعليمه الأولى فيها حتي المرحلة الثانوية، ونشأ في أسرة ريفية ثرية وكان والده من رجال الأعمال ولكنه كان حريصاً على تنشئة أولاده على الاعتماد على الذات. ويذكر الدكتور “المسيري” أن “هذه النشأة جعلتني باحثا مثابرا. لا تنس أن أبناء البرجوازية الريفية -وأنا منهم- ينشئون في خشونة، خلافا لأبناء البرجوازية الحضرية. كان والدي يردد أن لا علاقة لنا بثروته، زادت أم نقصت، وأن علينا أن نعيش في مستوى أولاد الموظفين. كنت أشكو من هذا آنذاك، لكنني تعلمت، فيما بعد، عندما ازددت حكمة، أنه نفعنا كثيرا بذلك”(1).

ثم وبعد أن أكمل دراسته فى كلية الآداب شعبة اللغة الإنجليزية بجامعة الإسكندرية، وتخرج منها ليصبح معيدًأ فيها؛ سافر الي الولايات المتحدة، حيث حصل على الماجستير في الأدب الإنجليزي المقارن من جامعة “كولومبيا” بمدينة نيويورك عام 1964، وعلى الدكتوراه من جامعة “رتجرز بنيوجيرزي” عام 1969. ولدى عودته إلى مصر تدرج فى العديد من المناصب الاستاذية فى عدد من الجامعات المصرية والعربية؛ فقام بتدريس الأدب الإنجليزي والأمريكي والنظرية النقدية في كلية البنات جامعة عين شمس، عمل كأستاذ من 1979 حتى 1983، ثم أستاذ غير متفرغ حتى وفاته. عمل أيضا أستاذا في الأدب الإنجليزي والمقارن في جامعة الملك سعود (1983-1988)، وجامعة الكويت (1988-1989)، والجامعة الإسلامية في ماليزيا. كما عمل أستاذا زائرًا في أكاديمية ناصر العسكرية. وإلى جانب عمله بالتدريس شغل عضوية مجلس الخبراء، رئيس وحدة الفكر الصهيوني، بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام (1970 – 1975)، وعمل مستشارًا ثقافيًا للوفد الدائم لجامعة الدول العربية لدى هيئة الأمم المتحدة بنيويورك (1975 – 1979)، ومستشارا أكاديميا في المعهد العالمي للفكر الإسلامي منذ عام 1992 حتى وفاته، و عضو مجلس الأمناء لجامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية بليسبرج بولاية فرجينيا بالولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 1993 حتى وفاته، وعضو مجلس الأمناء لجامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية -واشنطن- الولايات المتحدة الأمريكية (1997م- حتى وفاته). كما شارك كمستشار تحرير لعددٍ من الحَوْليات التي تصدر في مصر وماليزيا وإيران وأمريكا وإنجلترا وفرنسا.

كما صدرت له عشرات الدراسات والمقالات عن إسرائيل والحركة الصهيونية كان أشهرها على الإطلاق “موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية” والتي تهدف الي وجود دراسة ورؤية تاريخية واضحة، تقوم على أسس علمية سليمة وصحيحة ومحايدة لمعرفة التاريخ اليهودي بشتى أنحاء العالم في إطار التاريخ الإنساني، واعتبرها البعض “العمل الأول الذي حاول دراسة تاريخ اليهود وثقافتهم بشكل محايد”، وتناولت الموسوعة تطور اليهود منذ نشأة الديانة وحتي قيام إسرائيل، في ٨ مجلدات، كما صدر له ايضًا: و”نهاية التاريخ: مقدمة لدراسة بنية الفـكر الصهيوني” (مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، القـاهرة 1972؛ المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1979). وهو الكتاب الذى في عام 1972 قبل 28 عاما من تأليف المفكر الأميركي “فرانسيس فوكوياما” لكتاب يحمل نفس العنوان. لكن الفرق بين النظرتين أن رؤية “فوكوياما” تعتبر أن نهاية التاريخ تعني انتصار الولايات المتحدة على الاتحاد السوفياتي، بينما يرى “المسيري” أن نهاية التاريخ فاشية اخترعتها الدول الغربية للسيطرة على العالم. ثم تولت اعماله تترا كـ”موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية: رؤية نقدية” (مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، القـاهرة 1975). و”العنصرية الصهيونية” (سلسلة الموسوعة الصغيرة، بغداد 1975). و”اليهودية والصهيونية وإسرائيل : دراسة في انتشار وانحسار الرؤية الصهيونية للواقع” (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1975). و”الفردوس الأرضي: دراسات وانطباعات عن الحضارة الأمريكية” (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1979). و”الأيديولوجية الصهيونية: دراسة حالة في علم اجتماع المعرفة” (جزءان، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، عالم المعرفة، الكويت 1981 ـ طبعة ثانية في جزء واحد 1988). و”الغرب والعالم: تأليف كيفين رايلي” (ترجمة بالاشتراك) (جزءان، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، عالم المعرفة، الكويت 1985). و”الانتفاضة الفلسطينية والأزمة الصهيونية: دراسة في الإدراك والكرامة” (منظمة التحرير الفلسطينية، تونس 1987؛ المطبعة الفنية، القاهرة 1988؛ الهيئة العامة للكتاب، القاهرة 2000). و”الاستعمار الصهيوني وتطبيع الشخصية اليهودية: دراسات في بعض المفاهيم الصهيونية والممارسات الإسرائيلية” (مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت 1990). و”الجمعيات السرية في العالم” (دار الهلال، كتاب الهلال، القاهرة 1993). و”إشكالية التحيز: رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد” (تأليف وتحرير) (جزءان، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، القاهرة 1993؛ جزءان، واشنطن 1996؛ سبعة أجزاء؛ القاهرة 1998). و”أسرار العقل الصهيوني” (دار الحسام، القاهرة 1996). و”الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ: رؤية حضارية جديدة” (دار الشروق، القاهرة 1997 ـ 1998 ـ 2001). و”اليد الخفية: دراسة في الحركات اليهودية الهدامة والسرية” (دار الشروق، القاهرة 1998؛ الهيئة العامة للكتاب، القاهرة 2000؛ دار الشروق 2001). و”فكر حركة الاستنارة وتناقضاته” (دار نهضة مصر، القاهرة 1999). و”قضية المرأة بين التحرر والتمركز حول الأنثى” (دار نهضة مصر، القاهرة 1999). و”الأكاذيب الصهيونية من بداية الاستيطان حتى انتفاضة الأقصى” (دار المعارف، سلسلة اقرأ، القاهرة 2001). و”الصهيونية والعنف من بداية الاستيطان إلى انتفاضة الأقصى” (دار الشروق، القاهرة 2001). و”فلسطينيةً كانت ولم تَزَلِ: الموضوعات الكامنة المتواترة في شعر المقاومة الفلسطيني” (نشر خاص، القاهرة 2001). و”العالم من منظور غربي” (دار الهلال، كتاب الهلال، القاهرة 2001). و”الجماعات الوظيفية اليهودية: نموذج تفسيري جديد” (دار الشروق، القاهرة 2001). و”اليهودية والصهيونية وإسرائيل: دراسة في انتشار وانحسار الرؤية الصهيونية للواقع”، و”العنصرية الصهيونية”، و”انهيار إسرائيل من الداخل”، و”العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة”. و”مختارات من الشعر الرومانتيكي الإنجليزي: النصوص الأساسية وبعض الدراسات التاريخية والنقدية” وغير هذا العديد والعديد من المؤلفات. وحصل “المسيري” على شهادات تقدير وجوائز محلية ودولية منها: شهادة تقدير من رابطة المفكرين الإندونسيين (1994). وشهادة تقدير من جامعة القدس بفلسطين المحتلة (1995). وشهادة تقدير من الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا (1996). و(1996)(بالإنجليزية: International Educators’ Hall of Fame). وشهادة تقدير من نقابة أطباء القاهرة (1997). وشهادة تقدير من محافظة البحيرة (1998). وشهادة تقدير من اتحاد الطلبة الإندونسيين (1999). وشهادة تقدير من كلية الشريعة والقانون، جامعة الإمارات عن موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية (1999). وشهادة تقدير من جريدة آفاق عربية بالقاهرة (1999). وشهادة تقدير من مؤتمر أدباء البحيرة (1999). وجائزة أحسن كتاب، معرض القاهرة الدولي للكتاب: عن كتاب رحلتي الفكرية (2001). وشهادة تقدير من منظمة فتح الفلسطينية (2001). وجائزة سلطان العويس بالإمارات العربية المتحدة عن مجمل الإنتاج الفكري (2002). وشهادة تقدير من مؤتمر أدباء مصر السابع عشر في الإسكندرية (2002). وجائزة أحسن كتاب في معرض القاهرة الدولي للكتاب عام2000 عن موسوعة “اليهود واليهودية والصهيونية”,  كما قدم عدداً من قصص الأطفال، حاز عليها جائزة “سوزان مبارك” لأدب الأطفال عام 2003، أشهرها “نور والذئب الشهير المكار”، و”رحلة إلى جزيرة الدويشة”، وشهادة تقدير من نقابة الأطباء العرب (2003). كما حاز على جائزة الدولة التقديرية في الآداب لعام 2004.  وجائزة أستاذ الجيل من جائزة الشباب العالمية لخدمة العمل الإسلامي الخامسة بمملكة البحرين (2007). وترك سيرة حياته في كتاب “رحلتي الفكرية في البذور والجذور والثمار”، التي تُصنف من أهم السير الذاتية على الاطلاق(2).

ملامح الشخصية والأفكار:

وفق روايات من عايشوه، كان “عبد الوهاب المسيري”: المفكر والإنسان..قادرا علي إشاعة البهجة والسعادة في نفوس كل من حوله، وكانت لديه القدرة علي أن يصنع لنفسه دروبا وطرقا إلي أعمق ما في النفس الإنسانية ببساطته ورحابة صدره، والذي يتفهم الضعف الإنساني فيمن حوله ويقبلهم علي علاتهم وضعفهم ويظل باشا لهم متقبلا لهم دون أن يجرح مشاعرهم أو يكسرهم بوضعهم في أحجامهم الحقيقية.. كان لا ينشر كتابا إلا بعد أن يقدمه بمقدمة يشكر فيها كل من عاونه أو ساعده أو قدم له خدمة ولو كانت صف كتابته علي الكمبيوتر أو مراجعتها لغويا أو ربما شراء ورق للكتابة وأقلام! وهو يشكر الجميع ويحتفي بهم باعتبارهم شركاءه في هذا العمل دونما قلق أو غضب من أن يستغله أحدهم.

فقد كان “المسيري” متصالحاَ مع نفسه يعرف ضعفه الإنساني ويتعايش معه ولا ينكره أو يداريه؛ فقيل عنه أنه لم يكن يداري حبه للأشياء البسيطة أو الهامشية، بل كان يفاصل في الأسعار عند الشراء في السوق ويتحايل علي مكر وجشع التاجر المغالي فيستعطفه بأنه قد يلاقي العقاب من زوجته إذا لم يحصل علي هذه الهدايا بالمبلغ الذي لا يملك سواه. “المسيري” الإنسان الخالي من العقد النفسية وادعاء التطهر والذي يكتب محللا ومفسرا لظاهرة “الفيديو كليب” دون أن يمنعه الوقار من أن يقر بأنه قضي الساعات الطوال في مشاهدة ورصد عوالم الرقص دون إنكار.

كان يولي مشاعر الآخرين عناية بالغة فيفسح لهم في المجلس ويقدر لهم رأيهم، ويجيد الاستماع إلي الآخرين خاصة من الشباب، بل ويهتم بهم اهتماما حقيقيا وإنسانيا يتجاوز الادعاء وإبراء الذمة، فكان يبحث لهذا عن وظيفة وذلك عن علاج ويتدخل ليساعد أحد طلابه علي الزواج، ويخترع لآخر وظيفة وهمية كمساعد له دونما حاجة حقيقية إلا الرغبة في مد يد العون له وإشعاره بأن له أهمية في الحياة.. “المسيري” هو شخص استطاع أن يتخلص من عقد وأمراض كثيرة يعانيها كتاب ومفكرون أصابتهم لعنة التأله، وسيطر عليهم إحساس بأن الله لم يخلق الدنيا إلا لهم وأن خلق الله كلهم ما عليهم إلا الطواف حولهم كما يطوف الحجيج حول الكعبة.

لهذا، توفرت في “المسيري” خصائص لا تكاد تجتمع لأحد، وقلما تتوفر للكثيرين واحدة منها، تتمثل أهم هذه الخصائص في كونه مفكرًا منهجيًّا بامتياز، طور النماذج التفسيرية والتحليلية سواء في أبحاثه في الصهيونية أو أبحاثه في العلمانية أو دراسته في النقد الأدبي، حيث تميزت المدرسة الفكرية المسيرية على غيرها من المدارس بإعادة التفكير في طرق التفكير السائدة بهدف تطوير الأداء التنظيري والتفسيري الذي يمكن من إدراك الواقع بشكل أكثر تركيبًا، حسب ما جاء في موسوعته، التي قدم فيها سلاحًا معرفيًّا فاعلًا في الصراع مع الصهيونية(3).

وتتجلى هذه الأبعاد المنهجية عنده، في قدرته على توظيف النماذج التفسيرية كأدوات تحليليةً، وهي إضافة منهجية ونوعية أنتجت عملًا فكريًّا متكاملًا في موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، وفي أعمال أخرى تتوزع على حقول معرفية مختلفة ومترابطة في الآن نفسه، فهو يربط بين دوائر فكره المختلفة ربطًا مركبًا عبر نماذج تحليلية، فهو يتميز بالترابط المنهجي بين مجالات بحثه المتباعدة نظريًّا، فمدخله إلى الصهيونية كان دارسته الأدبية ومن الصهيونية وصل إلى العلمانية ثم إلى ظاهرة التحيز.

بل يلاحظ المتتبع لأعماله، الإصرار على نقد المنهج وبناء المنهج، في حركة دافعة إلى الأمام عرضًا للأفكار ونزولًا إلى الجذور وغوصًا في الأعماق وتأسيسًا واعيًا لمفهوم التحيز، الذي لن ننهض بدونه، سوى في إعادة إنتاج البؤس المعرفي – المنهجي في الوقت الراهن، فالتحيز عنده مسألة حتمية في الخطاب الإنساني، مرتبط ببنية العقل الإنساني ذاتها، فالعقل الإنساني لا يدرك الواقع مباشرة، وإنما يدركه من خلال نموذج معرفي محمل بالأشواق والأوهام والذكريات والأساطير والمصالح.

ولذا تكمن أهمية كتابات “المسيري”، فى كونها محاولة واعية لفهم الآخر ونقد الذات في فهمها للآخر كذلك، ثم الارتقاء إلى مرحلة الوعي للنماذج الإدراكية وبناء تلك النماذج وتأثيرها في الواقع وبيان موقعها في شبكة الإدراك وصلة ذلك كله بالسلوك الإنساني. إذ لا يرى المتتبع لمشروعه تناقضًا في أن يكتب “المسيري” في اليهودية والصهيونية، وفي نقد الشعر وفي نقد الحداثة وفي العلمانية كنموذج معرفي وفي التحيز الأكاديمي العلمي الغربي وضد نهاية التاريخ وفي الخطاب الإسلامي الجديد وقصص الأطفال، فالخيط الناظم لذلك هو رؤيته الإنسانية المتجاوزة، وبهذا تحول النموذج التفسيري لدى “المسيري” إلى كائن معرفي حي، يتفاعل مع الظاهرة معرفيًّا، وينمو معها فهمًا وتفسيرًا وتنبؤًا.

ومن ناحية أخرى، تكمن أهمية ما يقدمه في تأسيس نقده للخطاب الغربي على أدوات تحليلية مقاومة ومؤسسة لمسار جديد في الخطاب المعرفي الإسلامي المعاصر، يضمن للمناهج العلمية استقلالًا من القفص الحديدي الأكاديمي الغربي وتحررًا منه؛ ولكن هذا لا يعني قطيعة معرفية مطلقة مع ما أنتجته الحضارة الغربية، بل يُعَدُّ من قبيل الاستيعاب والتجاوز.

لقد قدم فى مشواره مشروع مدرسة حضارية تؤمن بقدرة العقل الإنساني على إنتاج وإبداع المعرفة، فلم تكن الخريطة المعرفية لديه، خريطة فوتوغرَافِية، ترى الواقع في وقائعه الـمتَنَاثرة بل تَتَجاوزه وتتخطاهُ، إلى رؤية هذه الوقائع من خلال لَملمة جزيئات محركاتها عبر”نماذج مجردَة”، وما ذلك إلا لأنَه يرى في العقل قدرة خلاقة ومبدعة، وليس صفحة بيضاء تدحرج علَيها الصور الفوتوغرَافِية بجمود، بلَ شاكس لدحض هذه العَقلية الاختزالِية التي أصبحت سائدة بشكل مرضي في الأكاديميات العربية وَالإسلامية عمومًا، من خلال امتلاك القدرة على التفكير المختلف، المتسم بالروح التجديدية ولكنه يقع في فخ النمطية أو التقليدية(4).

(3)

تأثره بالمفكر الراحل “جمال حمدان”

كثيراً ما أكد الدكتور “المسيري” تأثره بمنهج الدكتور “جمال حمدان” في دراساته الجغرافية عموما، ودراسته عن اليهود خصوصا. فيقول عن ذلك، “قرأت كتاب “اليهود أنثروبولوجيا” حينما كنت أكتب موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية: رؤية نقدية والتي صدرت عام 1975. كنت أحس نحوه بالإعجاب الشديد سواء في أسلوب كتابته أم أسلوب حياته: هذا الزهد العلمي الشديد، هذا الإعراض عن الدنيا الذي مكنه من إنجاز بعض جوانب مهمة من مشروعه المعرفي الضخم، ولعل هذا هو الذي شجعني على الاستقالة من الجامعة لأنجز مشروعي المعرفي….

وبعد إنهاء الموسوعة جلست لأتأمل في مصادر فكري فهالني حجم تأثري به في طريقة تفكيره. لقد جاء في كتابه الكثير من المعلومات ولكن بقي ما هو أهم: بقي فكره ورؤيته ومنهجه. فمن الواضح أنني تعلمت من “جمال حمدان” رفض الواحدية المادية العلمية والتعصب للمناهج الرياضية وإعادة الاعتبار للخيال والمجاز والحدس في عملية التفكير العلمي. ومن أهم ما تعلمته منه هو الخروج بالظواهر اليهودية والصهيونية من دائرة التوراة والتلمود ووضعها في عدة سياقات تاريخية لتصبح ظواهر مختلفة ذات أبعاد مختلفة وليست ظاهرة واحدة مغلقة تتسم بالوحدة….لقد تعلمت من جمال حمدان كيف تكتشف الأنماط داخل ركام التفاصيل المتغيرة وكيف نجرد الحقيقة من الحقائق ولا أدري هل تعلمت منه أيضا شيئا من الصلابة والقدرة على المقاومة (اليهود أنثروبولوجيا ص 50-51) (5).

(4)

الأطروحات الإبداعية والفلسفات

لقد جسدت مسيرة “عبد الوهاب المسيري” مسار الباحث المهموم بشؤون العلم والمعرفة والمحترق بنار الأسئلة القلقة والإشكالات المركبة؛ فقد عرفت رحلته الفكرية منعطفات مفصلية وتحولات أيدولوجية عميقة، ابتدئها بـ”المسيري” التقليدي والمحافظ ثم “المسيري” القومي الحالم، مرورًا بالانتماء إلى “الإخوان المسلمين” ثم تبني الماركسية لتتوج بالارتباط بالإسلام المتحرر والمنفتح واعتماده أرضية للاجتهاد والنهضة الحضارية؛ والغريب في ذلك أن الرجل وهو يتحول إيديولوجيا لم يتحول سلوكيًّا وقيميًّا، فظل شخص محافظ مستقيم، بل حتى فترة شيوعيته اعتبرها “ماركسية على سنة الله ورسوله”. ويقول “المسيري” في ذلك: “لقد التحقت في بداية حياتي لفترة قصيرة بـ”الإخوان المسلمين” في مرحلة الصبا، ثم اتجهت إلى الماركسية، وعشت مرحلة من الشك ولكن مع الالتزام بالقيم المطلقة مثل الحق والخير والجمال والإيمان بأن الإنسان كائن غير مادي وضرورة إقامة العدل في الأرض، وبالتدريج وعلى مدى رحلة فكرية استغرقت أكثر من ثلاثين عامًا عدت مرة أخرى إلى الإسلام لا كعقيدة دينية وحسب ولا كشعائر، وإنما كرؤية للكون وللحياة وكأيديولوجية، فرغم التحولات التي مررت بها، ظلت مكونات رؤيتي وعناصرها الأساسية لم تتغير، رغم تغير بعض الأسس الفلسفية، ورغم تغير المنهج. فجوهر رؤيتي للعالم أن الإنسان كائن فريد وليس كائنا ماديا. ولهذا لم يولد الإيمان داخلي إلا من خلال رحلة عقلية طويلة وعميقة، إنه إيمان عقلي لم تدخل فيه عناصر روحية فهو يستند إلى عجز المقولات المادية عن تفسير الإنسان وإلى ضرورة اللجوء إلى مقولات فلسفية أكثر تركيبية، فهو إيمان بثوابت ومنطلقات لا يمكن أن تستند إلى عالم المادة وعالم الطبيعة، ولكنها تستند إلى الله، ويمكن القول أن هذه الفترة يمكن أن نسميها مرحلة التساؤل العميقة”(6).

فعُد واحداً من أبرز الذين إهتموا بالقضايا المعرفية والمنهجية، حيث طور دراسة النماذج المعرفية وتعمق في دراسة الفكر الغربي والحضارة الغربية، من خلال بناء معالم منهجية في التعامل مع التراث الإنساني عمومًا والتراث الغربي على وجه الخصوص، تعاملًا علميًّا ونقديًّا إستوعب إيجابياته وتجاوز قصوره وهضم ما به من سلبيات، عبر إعمال آلية النقد من الداخل، فامتلك القدرة على تحسين الأداء النظري والتفسيري في محاولة إدراك الواقع ولكن بشكل أكثر تركيب، دون الاستكانة للمقولات الاختزالية العامة أو التأويلات والتبريرات الجاهزة.

وعليه، صار “المسيري” ظاهرة بحد ذاتها، لا يمكن فك رموزها إلا من خلال تطبيق ما أنتجه من مفاهيم ومنهجيات علي ذات تلك الافكار والفلسفيات التي صاغها حول النموذج المعرفي وتطبيقه في دراسة الظواهر الإنسانية، من أجل دراسة الظاهرة المسيرية وبحثها. وكان من أبرز أطروحاته الفكرية ما يلى:

  • العالم من منظور عربي:

استطاع أن يقدم فيها “المسيرى” كمفكر مصرى عروبى اسلامى مشروعاً فكرياً مميزاً يتعلق بمفاهيمنا العربية وبالوافد علينا ومعرفة غثه من ثمينه، فقد أدرك “المسيري”، بعد رحلة طويلة مع الفكر الغربي المادي، أن هناك حاجة ـ ترقى إلى مرتبة الضرورة ـ لتطوير نماذج تحليلية للتعامل مع النموذج الحضاري الحداثي الغربي، ومفاهيمه المتحيزة النابعة من نموذجه المادي، وحتمية تطوير علم جديد أطلق عليه “فقه التحيز” يتعامل مع قضية التحيز في المفاهيم والمصطلحات عامة، والمفاهيم والمصطلحات الغربية بشكل خاص. ومنها ما يتعلق بالمفاهيم والمفردات المستخدمة لوصف العقيدة اليهودية والظاهرة الصهيونية والتى رأى أنها لا تعبِّر عن التجربة العربية من قريب أو بعيد. ويشير مفهوم “التحيز” في العلوم الاجتماعية إلى عدم الاستسلام لمطلقية مناهج وأدوات هذه العلوم، كما أن النتائج التي يتم التوصل إليها باستخدام تلك المناهج والأدوات ليست صالحة لكل زمان ومكان، ولكنها متحيزة ـ من حيث الصلاحية ـ في إطار اجتماعي، وسياق زماني محددين، فلا توجد مناهج “مجردة بريئة”، بل هي آليات وإجراءات تتضمن تحيزات محددة وأعباء أيدلوجية. وقد طرحت مسألة التحيز المعرفي، نفسها علي “المسيري”، بعد انتقاله من دمنهور إلى الإسكندرية للدراسة الجامعية، إذ لاحظ التباين في العادات والتقاليد (والنماذج الإدراكية) بين المدينة/القرية المصرية من ناحية، ومع تعمق قراءاته وأفكاره، صار التحيز في قلب شواغله البحثية، وكان انتقاله إلى الولايات المتحدة، حاسمًا في تأكيد ضرورة فهم التحيز، وفي ضرورة التنبه لخطورة هذه الإشكالية، خاصة مع تبني كثيرين من المثقفين المصريين والعرب للتغريب الكامل. ومن خلال مداولاته مع كثيرين من أهل الفكر والثقافة في مصر والعالم العربي خلال الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، تبلورت رؤيته الفكرية لإشكالية التحيز، عبر مؤتمرين الأول في بداية التسعينات، والثاني قبل وفاته بعام واحد في عام2007م، بالإضافة لكتاب العالم من منظور غربي الذي طور فيه رؤيته لإشكالية التحيز، هذا بخلاف ما نجده متناثرًا في كتاباته المتعددة. ومع تبلور رؤية “المسيري” للتحيز، وتعمق إدراكه لمدى تركيبته، وأن التحيزات المعرفية أمر كامن في نماذجنا الإدراكية، وهو ما أدى إلى استبطان النموذج الإدراكي المتحيز للغرب دون وعي، كان ولا بد أن يرى العالم من منظور عربي، لا من منظور غربي.

وقد انطلق “المسيري” من الإحساس الغامر لديه، بأن المناهج التي يتم استخدامها في الوقت الحاضر في العلوم العربية الإنسانية ليست محايدة تمامًا، لكنها تعبر عن مجموعة من القيم، التي تحدد مجال الرؤية ومسار البحث، وتقرر مسبقًا كثيرًا من النتائج، ليؤكد ضرورة بناء وتأسيس علم جديد لدراسة التحيز. فلكل مجتمع رؤيته المتميزة للكون والتحيزات الناجمة عنها، ونحن كعرب مسلمين لنا رؤيتنا الكونية المتميزة وتحيزاتنا النابعة من واقعنا التاريخي والإنساني والوجودي، وتخلينا عن رؤيتنا وتحيزاتنا بوعي أو بغير وعي لصالح الرؤية والتحيزات الغربية، جعلنا ننظر لأنفسنا من وجهة نظر الغرب، وهو الأمر الذي أدى لتبعيتنا المعرفية والعملية له، وجعلنا أسلس قيادًا معرفيًا وعمليًا. ولم يكن الأمر عند “المسيري” مجرد تفكيك لمقولات النموذج المعرفي الغربي وكشف تحيزاته، لكن كان الطموح هو تأسيس مشروع بناء علم جديد للتعامل مع مفهوم التحيز، علم جديد، له آلياته ومناهجه ومرجعيته، يتعامل مع قضايا التحيز، ويفتح باب الاجتهاد بخصوصها. فالعرب المحدثون لم يضعوا أسس أي علوم على الإطلاق، ونحن نردد وراء الغربيين ما يقولون، ونتبنى ما يستحدثون من علوم، أما أن نؤسس علومًا جديدة كي تتعامل مع الإشكاليات الخاصة بنا، فهذا ما لم يحدث في تاريخ الحضارة العربية الحديثة، ولهذا اقترح “المسيري” تأسيس علم جديد، أطلق عليه “فقه التحيز”، يركز على قضية التحيز في النماذج المعرفية، الناتجة عن مجموعة من القيم الكامنة المستترة في النماذج المعرفية، والوسائل والمناهج البحثية التي توجه الباحث دون أن يشعر بها، وإن شعر بها وجدها لصيقة بالمنهج لدرجة يصعب التخلص منها، والتي تسلب الباحث كثيرًا من حريته وتحد من حركته ومجال رؤيته(7).

  • البحث عن “الإنسان” وكشف “عنصرية اليهود”:

لقد استغرق مشروع موسوعة ” اليهود واليهودية والصهيونية” ربع قرن من عمر المفكر “المسيرى” حتى خرجت فى ثمانية أجزاء الى النور، كمحاولة لإيصال فكرة حقيقية عن عدو لم يكن يُعرف عنه إلا من خلال كتاب “بروتوكولات صهيون”. ولذا استعراض فى تلك الموسوعه كل جوانب تاريخ العبرانيين فى العالم القديم، وتواريخ الجماعات اليهودية بامتداد بلدان العالم، وتعداداتها وتوزيعاتها، وسماتها الأساسية، وهياكلها التنظيمية، وعلاقات أفراد الجماعات اليهودية بالمجتمعات والدول التى يوجدون فيها وبالدولة الصهيونية. وتشمل كافة الأحوال الاجتماعية والسياسية وكافة الشؤون الحياتية التى صاحبتهم منذ زمن العبرانيين فى العالم القديم حتى العصر الحديث انتهاءً بدولة إسرائيل. وتركز على أحوال هذه الجماعات فى البلدان التى تواجدوا فيها ودراسة الظروف المحيطة بهم، حيث جعلت من هذه الظروف المحيطة المختلفة مرتكزا رئيسا لتفسير أفعالهم وخصوصيتهم و أخلاقهم أكثر من الاعتماد على عقائدهم، ومن أشهر الأمثلة على ذلك أن تحاول بهذا أن تفسر الجرائم والأفعال المشينة اليهودية والعداء و التهم الموجهة من الأغيار لليهود فى كل زمان ومكان بحيث تجعل اليهود غالبا غير مسؤولين عنها، وهذه النظرة موضوعية وحيادية برأى كاتبها وكثير من أشهر مؤيديه، بينما هى متحيزة كثيرا لليهود برأى البعض الآخر خاصة منتقديه، ومخالفة للواقع ولأوصاف اليهود فى القرآن والإنجيل، بل وصف الموسوعة بعض النقاد بأنها تدافع عن اليهود. وتغطى الموسوعة كذلك أشهر الأعلام من اليهود (مثل موسى بن ميمون) وغير اليهود ممن ارتبطت أسماؤهم بتواريخ الجماعات اليهودية (مثل نابليون بونابرت وهتلر). كما تتناول هذه الموسوعة كل الجوانب المتعلقة بتاريخ وشعائر الديانة اليهودية وفرقها وكتبها الدينية، وطقوسها وشعائرها، وتأثرها بالديانات المختلفة، وأزمتها فى العصر الحديث، وعلاقتها بالصهيونية وبمعاداة السامية (معاداة اليهود). وتغطى فترة تحديث الجماعات اليهودية وعلاقتهم بالرأسمالية والاشتراكية، أيضا تشمل الحديث عن ثقافاتهم وتراثهم وفنونهم وآدابهم ولغاتهم ومفكريهم وفلاسفتهم، وأحوال التربية والتعليم لديهم، وتغطى أيضا الحركة الصهيونية ونشاطاتها ومدارسها وأعلامها، وبعض الجوانب الأساسية للدولة الصهيونية، وتجربة الحداثة الغربية بشكل عام(8).

وغنى عن القول أن موسوعة عربية عن الظواهر اليهودية تعد أمر بالغ الاهمية بالنسبة للمتخصصين وغير المتخصصين فى هذا الحقل، أما بالنسبة للمتخصصين، فهى تحاول أن تضع إطاراً شاملاً وجديداً يمكن من خلاله دراسة اليهود واليهوديةوالصهيونية وإسرائيل. وعلى المستوى القومى، فإن هذه الموسوعة ستزود صانع القرار العربى، مهما كانت اتجاهاته السياسية، بقدر كبير من المعلومات اللازمة لاتخاذ قرار. كما سيجد العاملين فى مجالى السياسة والإعلام، وفى غيرهما من المجالات، مرجعاً عربياً يزودهم بالمعلومات الضرورية عن اليهود واليهودية والصهيونية وإسرائيل. وسيستفيد من الموسوعة أيضاً المتخصصون فى الفروع الأخرى من المعرفة ممن يتصدون للظواهر اليهودية والصهيونية والإسرائيلية بالدراسة، كل فى حقل تخصصه.

  • رؤيته لمسار تطور المجتمعات:

قدم “الميسرى” رؤية بانوراميه حول “المجتمع التراحمي” و”المجتمع التعاقدي” من خلال إسقاطه لهذه الأطروحة على حياته ابتداءً من نشأته في مصر إلى انتقاله إلى أمريكا لإكمال الدراسة. حيث وضح أن المجتمع التراحمي باختصار هو المجتمع الذي تقوم علاقاته على التراحم والتعاطف بين أفراده متأثراً فى ذلك بمجتمع “النشأة” الذى ولد وتربى فيه، على النقيض من المجتمع التعاقدي الذي تقوم العلاقات فيه على أساس نفعى ومصلحي بالاساس. وهو ما يبدو واضحا في المجتمعات التقليدية، وخير مثالاً على ذلك نظام مساعدة العريس فى القرى والارياف بما يسمى “النقطة” في الأفراح المصرية، حيث يتم دس المال في يد العروس (للمساعدة) بحيث لا يراه أحد وفي إطار هذه العملية التبادلية يتم توزيع الثروة بين المجتمع فعطاء الأثرياء يكون عادة أكثر من عطاء الفقراء. ويذكر مثالاً آخر وهو علاقته مع عامله المصري حينما كان يدرس بالسعودية، فقد كان عامله الذي ينظف منزله كل أسبوع يصر على أن يقول عند لحظة تقاضي الأجر “بلاش يا بيه، خليها عليّ هذه المرة” وهو في واقع الأمر ـ برأي “المسيري” ـ يقول “برغم أنني أعمل خادماً عندك وأدخل معك في علاقة تعاقدية فإننا من الناحية الإنسانية متساويان ولابد أن ندخل في علاقة تراحمة تتجاوز عمليات التبادل المادية (خدمات مقابل نقود). ولهذا فلا داعي لأن تدفع لي هذه المرة”. ولذا يقوم المسيري بإخباره ـعمداًـ عن عدم وجود نقود وتأجيل دفع الأجرة للأسبوع التالي، لإعطاء العامل فرصة أن يكون دائناً، لكي يتم تحقيق التساوي الإنساني التراحمي بين الجانبان.

وحتى عند “فض غلاف الهدية” يمكن أن يوضح مفهوم “التراحم” و”التعاقد” ففي مصر كما يقول “المسيري”، حينما يحصل الإنسان على هدية، فإنه لا يفضّ غلافها، فهي قيمة إنسانية بذاتها ولا يهم محتواها، لكن في أمريكا أشاروا له بضرورة فض غلاف الهدية وإظهار الإعجاب بها مباشرة أمام المُهدي، وهذا في نظر “المسيري” يحول الهدية من قيمة إنسانية بذاتها إلى ثمن محدد (كم) أي من إطار تراحمي إلى إطار تعاقدي، ففي المجتمع التعاقدي، ثمنها وكميتها وقدرها كلها عوامل مؤثرة في قيمة الهدية، عكس ما يحصل في المجتمع التراحمي حيث لا يوجد إلا القيمة الإنسانية للهدية كهدية وفقط. وليست كمحتوى وكمية وثمن بدون انسانيات.

أما الخيط الذي يمكن أن يجمع بين نظريات “المسيري” الفلسفية هي إيمانه بأن الإنسان ظاهرة مركبة ومعقدة لا يمكن أن تُرَد إلى مستوى الطبيعة/المادة الأدنى والبسيط، فالطبيعة/المادة يمكن أن نفهمها في شكل نظريات وقوانين رياضية (قوانين الفيزياء والكيمياء والعلوم المختلفة). أما الإنسان فلا يمكن أن يُفهم في إطار هذه المعادلات والقوانين المادية. لأنه نظام مركب وغاية فى التعقيد(9).

فيذكر “المسيري” بداية ما يسميه بـ”النزعة الجنينية” و”النزعة الربانية”. فالنزعة الجينينية هي نزعة لرفض كل الحدود وإزالة المسافة التي تفصل بين الثنائيات عموماً (الخالق والمخلوق، الطبيعة والإنسان) لكي تصبح شيئاً واحداً، ولكي يصبح الإنسان بعدها كائناً لا حدود له. ولكن حينما تتحقق هذه النزعة يدرك الإنسان أنه ما زال جزءً من كلٍ أكبر منه يحتويه ويشمله ويخضع لقوانينه، وهذه الرغبة في إزالة الحدود والتحكم الكامل هي رغبة في التخلص من تركيبة الذات الإنسانية ومن عبء الوعي الإنساني المريض، أي بمعنى أسهل محاولة للهروب من الواقع ومن التحديات ومن الخير والشر والنجاح والفشل والنهوض والسقوط، هروب كُلي إلى عالم بسيط أحادي يلغي الثنائيات، ألا وهو عالم (الطبيعة/المادة) الأدنى من مستوى الإنسان.

هذا العالم الذي تصب فيه “النزعة الجنينية” (وتهدف للوصول إليه) هو عالم سائل بسيط أملس يشبه الرحم حيث كان الجنين يعيش بلا حدود أو قيود، لا يفصله فاصل مادي أو معنوي عن رحم أمه ولا توجد مسافة أو حيز يفصلان بينهما. مع أنه لا يملك حرية مستقلة ولا إرادة في عالمه الضيق البسيط. وفي مقابل هذه “النزعة الجنينية” نجد “النزعة الربانية” وهي نزعة نحو تجاوز عالم الطبيعة/المادة، نزعة نحو إقامة الثنائيات وفصل المسافات بين (الخالق والمخلق، الإنسان والطبيعة، …) مما يعني أن الإنسان حين ينفصل عن الكل وعن الطبيعة وعن الخالق يصبح كائناً حراً مسئولاً يقبل الحدود وعبء الوعي وتأكيد الهوية الإنسانية، يعيش داخل الزمان مثل الكائنات الطبيعية ولكنه يدرك أنه مختلف عنها، فهو مستخلف من الله تعالى فى ارضه. فالفرق بين “النزعة الجنينية” و”النزعة الربانية” هو الفرق بين المادي والإنساني، وجاذبية النزعة الجنينية عالية مقارنة بجاذبية المادية، فالأولى تعمل مع قانون الجاذبية والثانية تعمل ضده.

هذه النزعة الجنينية تعبر عن نفسها من خلال مبدأ “الحلول” الذي يقول بأن العالم كلّ واحد متماسك ولا يعرف الثغرات ولا الثنائيات، خاضع لقوانين واحدة كامنة فيه. وعلى هذا فكل مافي الكون (إله، إنسان، طبيعة) مكون من جوهر واحد.

فالمبدأ الواحد (الجوهر) المنظم للكون كامن فيه، وليس منفصل عنه. وبناءً على هذا الأساس، وبما أن الكون مكون من جوهر واحد، فهذا المذهب ينكر الحيّز الإنساني المستقل عن الطبيعة وعن الخالق، فكلهم أساساً كتلة واحدة وجوهر واحد ولا يوجد بينهما أي مسافات أو ثنائيات، وفي إطار هذا المبدأ سيتم رد كل الظواهر مهما بلغ تنوعها إلى مبدأ واحد كامن (الجوهر). ومن هنا تحصل تسوية الإنسان بالكائنات الطبيعية.

وبعد ذلك يتعرض “المسيري” إلى صيغتين من “الحلولية” لتعريف الجوهر، مختلفتين ظاهرياً، وهما في واقع الأمر صفة واحدة: ففي المنظومات الحلولية الروحية يسمى المبدأ الواحد -أو الجوهر- بـ”الإله”، ولكنه ليس الإله الذي نعتقده، فهو “إله” يحلّ في مخلوقاته ويذوب فيها، بحيث لا يصبح له وجود مستقل ومنفصل بذاته، فلا يبقى من “الإله” إلا اسمه، فهو ممتزج بالطبيعة لا يمكنه الحديث إلا من خلالها ويمكنها الحديث باسمه، ولهذا يمكن الحديث بلغة روحية عن عالم المادة ولغة مادية عن عالم الروح بدون أية مشكلات، فهو عالم واحد وجوهر واحد.

وهذا الأمر هو إنجاز “اسبينوزا” و”هيجيل” في هذا المجال، حيث يمكن في ظل هذا المفهوم أن توصف التجربة الجسدية التي يمارسها الشخص (كالجنس مثلاً) بأنها تجربة روحية، بدون أية اختلافات بينهما لأنهما في عالم واحدي ذو جوهر واحد. فكل الأشياء تسري فيها روح القداسة بنفس الدرجة: الإله، الشجرة، الطفل، الخير، العدل، …. الخ. ومن ثم تتساوى الأمور تماماً وتسود الوحدوية الروحية التي لا تعرف الثنائيات.

أما في المنظومات الحلولية المادية يتم الاستغناء عن “الإله” ويسمى المبدأ الواحد البديل بـ”قوانين الطبيعة” أو “القوانين العلمية” أو “القوانين المادية” أو “الأوامر الكونية” أو “قانون الحركة” أو “حركة التاريخ” أو “الحتمية التاريخة” أو…. الخ هذه التسميات المطلقة. ويحل الخطاب المادي الصرف محل الخطاب الروحي، وتصفّى أي ثنائية ولو اسمية وتسود الواحدية المادية، فكل الأشياء في نهاية الأمر وفي نهاية التحليل الأخير مادية (متساوية). وقوانين الطبيعة/المادة (التي نستخدمها في العلوم الطبيعية والتجريبية) يمكن أن تفسِّر كل الظواهر ونطبقها حتى على الإنسان. فالكل جوهر واحد فى الأساس.

ويبدو أن الإنسان يعيش في عالم الحواس (عالم النزعة الجنينية المادية) ويجد صعوبة بالغة في الانطلاق نحو التجاوز الرباني (الانتقال إلى النزعة الربانية) ومن هنا يمكننا أن نفهم وجود الأضرحة والأولياء والسحر و… الخ، التي تعبر عن نزوع الإنسان الحلولي الجنيني، والرغبة في إدراك النزعة الربانية من خلال الحواس والمادة. وفي العموم تجعل أي فلسفة مادية الطبيعة مكتفية بذاتها، أو تجعل الإنسان مكتفياً بذاته ولا يستمد معياريته من الخارج لا تحده قيود ولا سدود، هي فلسفة حلولية(10).

  • مفهوم العلمانية:

ثم ينتقل “المسيري” الى العلمانية الشاملة: فيذكر أنه لم يتناول في دراساته الحلولية الروحية (أو وحدة الوجود الروحية) بالتفصيل، ولا تلك السمات التي تميزها عن الحلولية المادية، فالأخيرة هي التي تهمه بحسبانها تعني سيادة القانون الطبيعي/المادي على كل من الإنسان والطبيعة. وفي هذا السياق يذكر “المسيري” تمييزاً له بين الحلولية الصلبة والحلولية السائلة، فالحلولية الصلبة هي الحلولية المادية في مراحلها الأولى حين يتم تصفية الإنسان باسم الطبيعة (أي مساواته بالطبيعة وإلغاء حقيقة تركيبه المعقد)، ويكون مركز العالم هو الطبيعة/المادة. (وهذه هي مرحلة الحداثة).

ولكن تصبح أشياء عديدة موضع الحلول وليس الطبيعة/المادة فحسب، فتتعدد المراكز، ويغيب بعدها اليقين، لتسيطر النسبية تماماً إذ لا توجد مرجعية منفصلة. فكل شيء سيصبح نسبي ومفكك لا مركز له، ويتحول العالم إلى كيان شامل واحد تتساوى فيه الأطراف بالمركز والقمة بالقاع والذكر بالأنثى ووو…، ويأخذ شكلاً مسطحاً تقف فيه جميع الكائنات الإنسانية والطبيعية على نفس السطح وتلغى فيه كل الثنائيات، فالخالق كالمخلوق، والطبيعة كالخالق، والطبيعة كالإنسان، وهكذا. وبهذا التسطيح ينفصل (الدال) عن (المدلول) فتصبح كلمة مثل “إنسان” إما بدون دلالة (معنى)، أو متعددة الدلالات، وهذا هو التفكيك الكامل.

وهذا هو أيضاً الانتقال من عالم التحديث والحداثة و(الامبريالية) والحلولية المادية الصلبة إلى عصر ما بعد الحداثة والحلولية المادية السائلة. وهذا هو ذاته ما يسميه “المسيري” بـ (العلمانية الشاملة) التي تتميز عن “العلمانية الجزئية” بأن الأخيرة تترك مجالاً للقانون الإنساني (الأخلاقي والديني) ومن ثم تسمح بقدر من الثنائية والانفصال بينهما. (العلمانية الجزئية هي التي تعني فصل الدين عن الدولة). ولكنها تلزم الصمت حيال المفاهيم المطلقة والحياة الخاصة والمرجعية النهائية للقرارات السياسية والاقتصادية، وتترك حيزاً واسعاً للقيم الأخلاقية والدينية ما دامت لا تتدخل في عالم السياسية بالمعنى الفني.

وقد تم التوصل لهذا التعريف للعلمانية الجزئية في القرن التاسع عشر بحسبان الدولة كياناً ضعيفاً هزيلاً لا تتبعه أجهزة أمنية وتربوية قوية، ولم يكن هناك إعلام قوي يصل لكل مواطن في منزله. وهو ما يعني أن الحياة الخاصة قد ظلت بمنأى عن العلمنة وظلت تحكمها القيم الأخلاقية والدينية. ومن هنا فـ”المسيري” لا يرى غضاضة في تقبل “العلمانية الجزئية” بمعنى (فصل الدين عن السياسة والاقتصاد). إذ لا يمكن تقبل مشايخ أو قساوسة أو أساتذة أدب يناقشون طرق تحسين التصدير ونوع السلاح الذي يستخدم، فهذه الأمور يجب أن تترك للفنيين. لكن المرجعية النهائية (الاستراتيجية والمعرفية والأخلاقية) للدولة هي أمور لا يمكن أن تترك للفنيين. ومن هنا يمكن الحديث عن “العلمانية الشاملة” ومنشأها.

فقد حدثت تطورات ضخمة غيرت الصورة تماماً، إذ تغوّلت (تمددت) الدولة كسلطة وحولت نفسها ومصلحتها إلى مرجعية نهائية تلغي كل المرجعيات الأخرى، وهي دولة قوية ذراعها طويلة تصل لكل المواطنين من خلال المؤسسات الإعلامية والتربوية. ولم تعد الحياة الخاصة بمنأى عن هذا (كما كان في السابق) فاتسعت رقعة الحياة العامة على حساب الحياة الخاصة. علاوة على هذا، فقد حصلت تحولات “بنيوية” كبرى، كالتصنيع والهجرة إلى المدينة، في ظاهرها لا علاقة لها بالعلمنة، لكنها قامت في الواقع بتغيير رؤية الإنسان وإشاعة النسبية والحيادية والانفصال عن القيمة، ولكل هذا لم يعد للتعريف القديم الجزئي للعلمانية أي علاقة بالواقع الجديد.

ولكل هذا قام “المسيري” بصياغة مصطلح “العلمانية الشاملة” لوصف “المجتمع العلماني” بعد التطورات التي حصلت، فهي ايديولوجية كاسحة لا يوجد فيها مجال للإنسان أو للقيم، ومن هنا فلا يمكنها التصالح مع الدين أو القيم الثابتة أو الإنسان وتحاول أن تختزل حياة الإنسان في البعد المادي فحسب. ولذلك يمكن تعرّيفها -على منهج “المسيري”- بما هو أبعد من فصل الدين عن الدولة، الى تركزها على فصل القيم والغايات الدينية والأخلاقية والإنسانية عن الدولة وعن مرجعيتها النهائية وتطبيق القانون المادي/الطبيعي على كل مناحي الحياة، وتصفية أي ثنائية بحيث يتم تسوية كل الظواهر الإنسانية بالظواهر الطبيعية فتنزع القداسة تماماً عن العالم، ويتحول إلى “مادة استعمالية” يمكن إدراكها بالحواس الخمس، كما يمكن لمن عنده القوة الكافية لهزيمة الآخرين أن يوظفها لصالحه. ونتيجة لهذا يظهر العلم والتكنولوجيا المنفصلان عن القيمة والغاية.

و”العلمانية الشاملة” وفق هذا المنظور عملية متتابعة (أو متوالية مادية صرفه) لها مراحل، تبدأ بعالم الاقتصاد الذي يصبح موضع الحلول (يعني يصبح مرجعية ذاته، مكتفياً بذاته، ليس لديه مرجعية خارجية) يستمد “معياريته” من نفسه، فتختفي المرجعية الإنسانية العامة، ويستمد كل مجال معياريته من شيئيته، ويتم الحكم عليه من منظور كفاءته في تحقيق أغراضه فتصبح المعايير في المجال الاقتصادي اقتصادية، ثم يستمد كل نشاط شرعيته من مدى نجاحه في تحقيق أهدافه، فتصبح المعايير في المجال السياسي سياسية، وفي المجال العلمي علمية، وفي المجال الجمالي جمالية وهكذا.. ثم تتصاعد هذه العملية إلى أن يصبح العالم بأسره مجالات غير متجانسة، غير مترابطة، متناثرة لايربطها رابط، إذ يصبح لكل مجال مرجعيته النهائية المختلفة عن المجال الآخر ويتزايد تحدُّد النشاطات والوظائف وعدم تشابكها مع النشاطات الأخرى، وهذا يعني ترشيدها وتبسيطها فتصبح عناصر غير شخصية يسهل معالجتها والتعامل معها وإخضاعها لقواعد ذات طابع مادي كمي. وتتغلغل بعدها عمليات “العلمنة الشاملة” وتنتقل من الحياة العامة إلى الحياة الخاصة، فيتحول الباطن إلى ظاهر، والأسرار إلى ظواهر علمية قابلة للدراسة الموضوعية، وتسود العلاقات التعاقدية الدقيقة محل الصراعات الإنسانية المباشرة. وتسود “أخلاقيات السوق” و”القيم الداروينية” في كل مجالات الحياة.

ثم يعرف الإنسان ذاته في ضوء احتياجاته المادية فقط، أي أنه هو ذاته، شأنه شأن النشاطات الطبيعية والاجتماعية، فينفصل عن كل ما هو إنساني واجتماعي وتصبح مرجعيته النهائية مادية ذاتية. فيتختفي الإنسان الرباني ويظهر الإنسان الطبيعي النفعى (المادي)، الذي يتحرك داخل الحيز الطبيعي/المادي لا يبرحه، ويحكم على نفسه وعلى العالم بمعايير مستقاة من عالم الطبيعة/المادة، أي أن “المنظومة العلمانية” تبدأ بسحب الأشياء من “عالم الإنسان” وتضعها في عالم مستقل تسميه “عالم الأشياء”، ثم بعد ذلك تسحب الإنسان نفسه من “عالم الإنسان” وتضعه في “عالم الأشياء” هذا.

ولتوضيح هذا التعريف ذكر “المسيري” مثالا، ففي عالم الرياضة على سبيل المثال نرى بوضوح كيف أن ممارسة الرياضة في الماضي كان بهدف تهذيب الجسد وتدريب الناس على التعاون وعلى الصراع الرقيق لتفريغ نزعاتهم العدوانية من خلال قنوات مِرانية متحضرة، لكن تدريجياً انفصلت الرياضة عن كل هذه القيم لتصبح مرجعية بذاتها، واصبحت معايير الرياضة رياضية، واصبح إحراز النصر هو الهدف الأعلى والأسفل والوحيد، ثم تلى ذلك تفرغ اللاعبين تماماً للرياضة، واحترافهم وبيعهم وشراؤهم وتحولهم إلى نجوم تستخدم في الإعلانات فاقتصاديات السوق تقتحم هذا القطاع تماماً، ونسمع بعد ذلك عن عدد كبير من الرياضيين يستخدم المخدرات لتحقيق النصر، فأين هذا من قيم التعاون والصراع الرقيق والمرجعية الإنسانية؟

اذاً، “العلمانية الشاملة” تعنى ببساطه كما أسلفنا “تحول العالم إلى مادة استعمالية” وهي -كما يقول “المسيري”- تمثل بهذا المعنى الوجه الآخر للامبريالية التي حولت العالم (آسيا وإفريقيا والأمريكتين) إلى مادة استعمالية يوظفها الإنسان الغربي (الأقوى) لصالحه. ويمكن القول بأن “العلمانية الشاملة” قامت بتنظيم الداخل الأوروبي بشكل صارم، فرشدت الإنسان الغربي وجيشت الجيوش وقامت بغزو العالم “غزوة امبريالية شاملة”. فالتحديث المنفصل عن القيمة والغاية في الداخل الأوروبي والإمبريالية المنفصلة عن القيمة والغاية في بقية العالم هما وجهان لعملة واحدة.

وعليه بقيت النقطة الأخيرة في هذا العرض، هي إشارته الى بداية “العلمانية” كظاهرة بصورة جزئية في منتصف القرن التاسع عشر ولكن سرعان ما قد اتسع نطاقها وإستولي على مجالات مختلفة، ولكن ظلت الحياة الخاصة بمنأى عن عمليات العلمنة مما نجم عنه أن الإنسان الغربي كان يدير “حياته العامة” بنموذج “العلمانية الشاملة” (الأخلاقيات الداروينية وأخلاقيات السوق والمنفعة المادية). ولكنه كان يدير “حياته الخاصة” بنموذج أخلاقي يعترف بالتراحم وقيم الأسرة والقيم الاخلاقية المسيحية أو الإنسانية، ولعل هذه الازدواجية هي سر نجاح واستمرار المجتمعات الغربية الحديثة وسمي “المسيرى” هذه المرحلة بـ”المرحلة الصلبة”، ولكن ابتداءً من 1965م بدأت تضيق رقعة الحياة الخاصة وبدأ الإعلان يتوجه للفرد مباشرة متجاوزاً كل المؤسسات الوسيطة كالأسرة التي قد تحميه وتنمي فيه مشاعر وأخلاقيات إنسانية لا تتفق مع أخلاقيات السوق، إلى أن انحسرت هيمنة المؤسسات الوسيطة تماماً وليسمي “المسيري” هذه المرحلة بـ”المرحلة السائلة”. (العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة:6)(11).

  • الجماعات الوظيفية:

مفهوم الجماعة الوظيفية عند المسيري هو مفهوم مركزي ويأخذ مساحة كبيرة من التحليل، وهو في الواقع أداة منهجية، أو نموذج معرفي، يستخدمه لتحليل الدور اليهودي والصهيوني بشكل عقلاني تماما. وهو ما أشار اليها “المسيري” في “رحلته الفكرية”: حين سماها بـ”الجماعات الوظيفية” وهي جماعة يستجلبها المجتمع من خارجه أو يجندها من داخله (من بين الأقليات الدينية والإثنية أو حتى من بعض القرى أو العائلات) ويوكل إليها وظائف شتى لا يمكن لغالبية أعضاء المجتمع الاضطلاع بها لأسباب مختلفة، من بينها رغبة المجتمع في الحفاظ على تراحمه وقداسته. فقد تكون هذه الوظائف مشينة (البغاء، الربا، الرقص، التمثيل أحياناً) أو متميزة وتتطلب خبرة خاصة (الطب ـ الترجمة) أو أمنية وعسكرية (التجنيد ـ المماليك) أو لأنها تتطلب الحياد الكامل (التجارة وجمع الضرائب). وقد يلجأ المجتمع إلى استخدام العنصر البشري الوظيفي لملء فجوة أو ثغرة تنشأ بين رغبات المجتمع وحاجاته من ناحية، ومقدرته على إشباع هذه الرغبات والوفاء بها من ناحية أخرى (الحاجة إلى مستوطنين جدد لتوطينهم في المناطق النائية -الحاجة إلى فتيات يقمن بوظائف جديدة في المجتمع لا يعدها المجتمع محترمة كالعمل في السينما والملاهي الليلية). كما أن المهاجرين عادة ما يتحولون إلى جماعات وظيفية (في المراحل الأولى من استقرارهم في وطنهم الجديد) ذلك لأن الوظائف الأساسية (في الزراعة والصناعة) في وطنهم الجديد عادة ما يكون قد تم شغلها من قبل أعضاء الأغلبية. ويتسم أعضاء “الجماعة الوظيفية” بأن علاقتهم بالمجتمع علاقة نفعية تعاقدية قائمة على “الاستغلال الإضطرارى”، إذ ينظر إليهم باعتبارهم وسيلة لا غاية، دوراً يُؤدى أو وظيفة تُؤدى. وهم يُعرّفُون في ضوء الوظيفة التي يضطلعون بها لا في ضوء انسانيتهم المتكاملة. وأعضاء “الجماعة الوظيفية” عادة ما يكونون عناصر حركية لا ارتباط لها ولا انتماء، تعيش على هامش المجتمع ويقوم المجتمع في الوقت نفسه بعزلهم عنه ليحتفظ بمتانة “نسيجه المجتمعي”، ولذا فهم يعيشون في “جيتو خاص” بهم في حالة اغتراب. وهم بسبب عزلتهم وعدم انتمائهم، وعدم وجود جذور لهم بين الجماهير أو المجتمع عادة ما يشعرون بعدم الأمن. لهذا يكونون في كثير من الأحيان على مقربة من النخبة الحاكمة يقومون على خدمتها (والنخبة الحاكمة هي التي استوردتهم في غالب الأمر). وتعبيرا عن عدم الإحساس بالأمن يقوم أعضاء الجماعة الوظيفية بالادخار ومراكمة الثروة (التي تدخل في قلوبهم شيئاً من الطمأنينة). كما أنهم عادة ما يحلمون بوطنهم الأصلي الذي يتحول إلى بقعة مثالية (صهيون) يحلمون بالعودة إليها، ولكنهم في واقع الأمر لا يفعلون. وهم عادة ما يقولون أنهم سينفقون مدخراتهم في بلدهم الأصلي حيث سيحيون حياة حقيقية، وحيث يمكنهم تحقيق ذواتهم التي ينكرونها. ولهذا تصبح علاقتهم بالزمان والمكان اللذين يوجدون فيهما واهية للغاية إذ يحل محلهما مكان وزمان مثاليان وهميان(12).

وفي معرض تناوله لأسباب نشوء تلك “الجماعات الوظيفية” والأمثلة عليها كذلك، يرجع “المسيري” السبب إلى أن عملية “التبادل المحايد” في ظل الاعتبارات الأخلاقية أو العاطفية ستكون مرهقة للغاية من الناحية العصبية النفسية، وستؤدي إلى أن يفقد المجتمع إحساسه بقدسيته وطهارته، وإلى تصعيد التنافس داخله وزيادة حرارته. لكل هذا كان المجتمع يشكل وظائف معينة تتطلب الحياد والموضوعية مثل التاجر أو المرابي أو جامع الضرائب، يكلها إلى متعاقدين وافدين لكي يتم عزلهم والاستفادة منهم في حدود هذه الوظيفة وفقط.

وقد ضرب “المسيري” مثال على ذلك بـ”المرتزقة”، فهذا العنصر الذي يؤدي وظيفة قتل أعداء سيده الذي يدفع أجره، عليه أن يتسم بالحياد والموضوعية والقسوة، وعليه ألا يمارس تجاههم أي إحساس بحرمتهم وقدسيتهم، حتى يمكن له أن يقتلهم بشكل آلي ومحايد بارد. فإن مارس مع ضحيته بعض الحب أو الكره، وأحس بأنها تقع داخل نطاق المحرم وتتمتع بشيء من القداسة، فإنه لن يقوم بعمله بشكل آلي وهو ما قد يؤدي إلى تدمير جهازه العصبي لأنه يكبح مشاعره باستمرار.

ومن الأمثلة كذلك وظيفة “البغاء” فمهنه كهذه تتطلب قدراً كبيراً من الموضوعية والحياد والانفصال عن المجتمع حتى يتمكن الإنسان من تحويل جسد إنسان آخر إلى آلة أو أداة فحسب. وهذا أمر مستحيل للغاية في إطار الترابط الاجتماعي والألفة والإيمان بقداسة الجماعة التي ينتمي إليها الفرد، فالآلة لابد أن تكون الغريب كما أن “البغي” إن مارست عواطف الحب والكره أثناء ممارسة وظيفتها فستُستهلك تماماً.

ومن أهم الأمثلة التي يذكرها “المسيري” كذلك، ما حدث للقوات البريطانية في الهند نهاية القرن التاسع عشر، إذ اجتذبت هذه القوات عدداً من “البغايا البريطانيات” ويبدو أن هذا قد أنقص من هيبة القوات أمام نفسها، كما بدأ بعض الجنود البريطانيين يرتبطون عاطفياً بالبغايا من أبناء جلدتهم، وهو ما أدى إلى حالة من التنافس بين الذكور وزيادة حرارة هذه الجماعة العسكرية، فأخل هذا بالضبط والربط فتم على الفور إرجاع “البغايا البريطانيات” واستيراد بعض “البغايا اليهوديات الروسيات” من منطقة الاستيطان في روسيا، وبالتالي تم التخلص من فائض الطاقة الجنسية بطريقة محايدة لا تدخل فيها أي عواطف حب أو كره، وذلك دون الإخلال بالتماسك الداخلي للمجتمع ودون تصعيد التوتر الاجتماعي بين أعضائه.

والأمر نفسه يسري على المشتغلين بمهن متميزة، فالإنسان المتميز يتمتع برهبة غير عادية تحيط به الهالات. والخبرات النادرة التي يمتلكها الإنسان المتميز تجعله يقترب من السحرة والكهنة الذين يقفون على حدود الطبيعة على علاقة بعالم الغيب وما وراء الطبيعة، يحاولون الحصول على المعرفة من خلال هذه العلاقة للسيطرة على الطبيعة. وإن تحوّل المشتغلون بمثل هذه الوظائف إلى مثل يحتذى فإنهم سيولّدون قدراً عالياً من التوتر في المجتمع، الذي يتطلب دورانه اليومي وجود عدد من الناس يدخلون في علاقة تتسم بحد أدنى من التراحم والمساواة. ولذا لابد من عزلهم. والإنسان المتميز (الطبيب-الساحر-الكاهن) إن أصبح إنساناً عاديا مساوياً للآخر فلن يحتفظ بهيبته ولن يتمكن من أداء وظيفته التي تتطلب قدراً من الانفصال عن مجتمع الأغلبية والتعالي عليه.

ويعقب “المسيري” على ذلك بأنه يمكن القول بأن تركُّز الحياد والدنس والتعاقد في جماعة بشرية هامشية يعني أن بقية أعضاء المجتمع المضيف يمكنهم التمتع بالدفء والتراحم، وأن تركُّز التميز في مجموعة هامشية يعني خفض حدة التوتر الاجتماعي، وأن تركُّز الشَّيْن في مجموعة ثالثة يعني أن المجتمع سيتمتع بطهره الأخلاقي والفعلي المادي.

ومن أهم الأسباب الأخرى لظهور الجماعات الوظيفية الذي يذكرها “المسيري”، حاجة أعضاء النخبة الحاكمة إلى جماعات بشرية ليست لها قاعدة من القوة (بسبب عزلتها عن الجماهير) يمكن استخدامها (لتنفيذ مخططاتها ولخدمة مصالحها) دون أن تكون لهذه الجماعة المقدرة على المشاركة في السلطة بسبب افتقادها للقاعدة الجماهيرية، وهي لهذا السبب ستلتصق تماماً بالنخبة وستقوم على خدمتها بولاء أعمى، إذ أن بقاءها الجسدي ذاته منوط بمدى رضا النخبة الحاكمة. وعادة ما تكون قوات “الحرس الملكي” (وأحياناً كل من يعمل داخل البلاط الملكي) من المتعاقدين الغرباء. بل ويُلاحظ أن النخبة الحاكمة قد تستجلب جماعة وظيفية لضرب طبقة صاعدة. ففي بولندا، لاحظَت النخبة الحاكمة الإقطاعية (شلاختا) أن ظهور بورجوازية محلية قد يهدد سلطتها وقد يسرب كثيراً من فائض القيمة (التي تود أن تحتكره لنفسها) إلى أعضاء هذه الطبقة الجديدة المنافسة، كما أن ضمها لأوكرانيا كان يعني أنها في حاجة إلى وسطاء تجاريين يقومون بإدارة أوضاعهم هناك، فاستجلبت الطبقة الإقطاعية عدداً من التجار الألمان (من بينهم اليهود) ووطنتهم مدن خاصة بهم (الشتتل) وقامت بحمايتهم بالقوة العسكرية البولندية. وقامت هذه الجماعة الوظيفية الجديدة بتنشيط التجارة في إطار خطة النخبة الخاصة بضرب العناصر التجارية المحلية ومنعها من المشاركة في السلطة.

ومن خلال مفهوم الجماعات الوظيفية وارتباطه بنقده التحليلي للحضارة الغربية ككل أستطاع “المسيري” أن يحلل بشكل تفصيلي كافة الجوانب المتعلقة باليهودية والصهيونية. ونركز هنا على تحليله لقضية إبادة اليهود في الحرب العالمية لكونها قضية مركزية بالنسبة للدعايات الصهيونية. ثم على تحليله لمستقبل إسرائيل تأسيسا على دراسته التفصيلية لليهودية والصهيونية(13).

(5)

مشواره السياسى

رغم تغير أفكاره أكثر من مرة، فقد ظل الحوار والمعلومة والمنطق عنده أقوي الأسلحة في مواجهة الأنظمة المستبدة، فلم يتخل عن مشروعة الفكري المفعم بالنضال والقائم علي منهج، وكانت قوته تكمن في إيمانه بأن الحق سينتصر وأن الحرية لا بد وأن تسود، وعندما ضاقت به السبل قال: “ليس مثقفا من لا ينزل الشارع ويعانق الجماهير”، فكان أسداً له مخالب عندما يمارس السياسة.. وبرئ كالحمل حينما يكتب للأطفال. وبعد ابتعاده عن العمل السياسي وتفرغ للكتابة لفترة، فقد شهد عام 2004 عودته إلى المشهد السياسي بقوة، حاصره منذ الصغر شبح الخوف من الأماكن المظلمه.. فطارد الظلام في كل مؤسسات الدولة. فشل نظام الحزب الوطنى السابق في الاستفادة من مهاراته وإمكانياته فنجح هو في استثمار فشل النظام والبدء في طريق التغيير فحدد أهدافه وامتلك أدوات الاتساق مع النفس. فقد رفع “المسيري” عام 2007 دعوى قضائية ضد الرئيس الاسبق”مبارك” ورئيس مجلس الوزراء، لإلزامهما فيها بتطبيق مادة دستورية تنص على أن “العربية هي اللغة الرسمية للدولة”، وقال إن ما دفعه لذلك هو “غيرته على اللغة العربية”، التي تتعرض في مصر عبر موجة من “الهوس التغريبي” الى عملية احلال واستبدال، وهو ما يخالف- في رأيه- نص الدستور المصري والقوانين التي تنص على حماية اللغة العربية(14).

وكأي مصري مخلص مهتم بالشأن العام، نزل “المسيرى” إلى الشارع، وقاد المعارضة وكان من الأوائل الذين وقفوا في وجه ذلك النظام وقالوا كفى، فساهم في تأسيس حركة “كفاية”، وتم اختياره منسقا لها، ودائما ما كان في مقدمة المحتجين والمتظاهرين ولم يترك تظاهرة أو وقفة احتجاجية نظمتها الحركة في الشارع إلا وكان علي رأس المشاركين فيها, واُعتقل أكثر من مرة، كان آخرها اختطافه أثناء وجوده مع زوجته الدكتورة “هدى حجازي” في مظاهرة بميدان “السيدة زينب” ١٧ يناير عام ٢٠٠٨ في ذكرى مرور ٢١ عاما على “انتفاضة الخبز” التي اندلعت في 17 و18 يناير 1977، إلا أنه واصل طريق النضال، فكان أول وأنقى من وقف أمام مشروع التوريث(15). حتى أصبحت صورته وهو واهن الصحة يأتي متكئا علي ذراع زوجته، وظهوره في قلب التظاهرة بمثابة إشارة البدء التلقائية التي تتعالي بعدها صيحات الشباب وأبناء الحركة بشعارتهم الشهيرة كفاية, لا لتمديد.. لا للتوريث, كان مجرد ظهروه وهو يكافح المرض القاتل في معركة أخري باسلة ملهمة للشباب ومقدما بدون ضجيج ولا خطب قدوه ونموذجا للمثقف العضوي المرتبط بقضايا أبناء وطنه, للدرجة التي دفعت أجهزة الأمن لتحذيره مرارا وتكرارا من مشاركته في مظاهرات الحركة لعل هذا يثبط همم الشباب والمشاركين فيها, لم تكن مشاركته في مظاهرات حركة “كفاية” والتي كانت بوجهة نظره تمثل تعبير رمزي عن تواصله مع البسطاء ورفضه لحكم الاستبداد والفساد, لكنه سخر علمه وقدراته البحثية مع العديد من تلاميذه الشباب في عمل ملف كامل وتفصيلي عن واقع فساد النظام في مصر مدعما بالوثائق وهو الملف الذي كانت معلوماته نواة لكثير من قضايا الفساد التي فجرها العديد من تجمعات المعارضة الديمقراطية في مصر.

ورغم أن مشاركته في أنشطة الحركة لم تقل عن مشاركة أي شاب, إلا أن أهم ما كان يميزها هو حكمة الشيوخ ورجاحة عقل المفكر والاكاديمي فى الميدان، عاش ورحل مؤمنا بان العلم ليس وظيفة يُتكسب منها أو سُلما للسلطة.. بل رسالة يحملها علي كاهله وأمانة يؤديها لأمته. لم ينحاز لحزب او تيار بعينه.. لكنه انحاز لمصير وطن، ولم تكن لديه سلطة او ثروة تحميه ولم تتمكن أي سلطة من كسر اصراره.

كما لم يكن ينوي الترشح لانتخابات الرئاسة لكنه عندما تخيل هذه الخطوة وضع برنامجا إنتخابيا جاء في مقدمته: الدولة الديمقراطية الحقيقية لابد أن تقوم على المؤسسات ومن الأفضل الابتعاد عن النظام الرئاسي تماما ليحل محله نظام برلماني, وان يتم الفصل بين السلطات وسيادة القانون, والغاء قانون الطوارئ وكل القوانين السالبة للحريات وحرية تشكيل الأحزاب وإطلاق حرية الحركة الطلابية, وحرية التظاهر والاضراب السلمي, وتحديد شكل علاقة الدين بالدولة, وتحقيق العدالة الاجتماعية, واستقلال المؤسسات الإعلامية والوصول إلي أعلي درجة تحقق نزاهة الانتخابات وغيرها من القضايا التي حارب ودخل معارك عديدة من أجلها(16).

وحتي النفس الأخير ظل يجاهد بالعقل والفكر النابض والجسد الواهن والإرادة القوية. وعندما تسلل المرض إلي جسده وأصيب بسرطان الدم وأعياه المرض، كشفت تجربته عداء الانظمة المستبدة للمثقفين, فقد تجاهلت الحكومة علاجه على نفقة الدولة، بعدما تقدم بطلب رسمي لذلك عام 2002، وعندما سُئل عن سبب التجاهل، قال: “أعتقد أن القرار سوف يصدر بعد مرور خمس سنوات أخرى علي الأقل، وطبعًا بعد فوات الأوان”، وظل هكذا الى أن تبرع الأمير السعودي “عبدالعزيز بن فهد”، بعلاجه على نفقته الشخصية بمبلغ وصل إلى مليوني جنيه. ولكن اشتد عليه المرض وظل يُقاوم. حتى تداركه الموت قبل أن يتذوق نشوة النصر مع رفاقه الذين زرعوا بذور الثورة قبل الحصاد. ورحل في الثالث من يوليو عام 2008، بمستشفى فلسطين بالقاهرة عن عمر يناهز الـ70 عامًا(17).

وترك برحيله فراغاً سياسياً وثقافياً وفكرياً, وكتب “أحمد بهاء الدين شعبان” موضحاً أن لرحيل “المسيري” معنيان: أحدهما بالمعني الفسيولوجي غادرنا جسد الانسان الكبير, أما الآخر فبالمعني السيكولوجي فمازال حيا يسعي بيننا, وما ثورة 25 يناير إلا بعضاً من تجليات أشواقه للنور والحرية وهي قصيدة من إبداع شعب شارك “المسيري” في كتابة ديوانها الخالد, فسلام علي “عبد الوهاب المسيري” العلم وسلاماً علي القيم النبيلة التي جسدها بحضورة وغيابه وسلاماً علي من لازال يمشي علي دربه من أشباله حتى الآن.

لقد ترك لنا المسيري دروسًا غاية فى البلاغة والإمتاع، لعل أهمها درس الإبداع والتجديد عوضًا عن التقليد والجمود، ودرس الانحياز للتركيب بدلًا للتبسيط والتجزيء، وحتمية التَّحيُّز لفكرة النموذج على حساب النزعة المعلوماتية، كما أعاد ربط المعرفة بالقيم من خلال طرح الأسئلة الكلية والنهائية، وكافح بشراسة من أجل الرؤية الإنسانية المتجاوزة على حساب الرؤية المادية/الطبيعية، مدافعًا بذلك عن الإنسان ومقاومًا كل محاولات مسخه وتفكيكه وتسليعه عبر علمنته الشاملة، فيما دافع عن رحابة التراحم في المجتمع رافضًا اختراق الآليات التعاقدية لبنيته، كما علمنا “المسيري” أنه لا قيمة للفكر إذا لم يتحول إلى فعل حي ملهم للجماهير ومعبر عن آمالها وتطلعاتها، ومنحاز لهمومها وقضاياها، يسهم في تمليكهم وعي اللحظة والإحساس بالتحديات ومواجهتها.

بكل جدارة، خلف “المسيري” وراءه تراثًا فكريًّا وأكاديميًّا ونضاليًّا، تحتاج الأجيال الجديدة إلى استلهامه والاهتمام به وتطويره، وتحويله إلى مشروع علمي نضالي إصلاحي، وتجاوز حالة تقصير العقل الإسلامي المعاصر عن الاستفادة من جهوده واستثمارها في تطوير استراتيجيات وبرامج عمل، والاسترشاد المؤسسي بها في بناء نظريات للتغيير والإصلاح والتجديد، واستكمال الرسالة التي حملها الرجل على عاتقه، من خلال تأسيس فضاءات لتجميع الجهود العلمية والمنهجية لدراسة وتطوير مشروعه الفكري، تنطلق منه ولا تقتصر عليه، تنفتح على عطاءاته في دراسة الفكر الإنساني والتراث المعرفي، لكن تنتقده وتتجاوزه نحو آفاق أرحب في التجديد والمعرفة، وهذه مسؤولية المؤسسات البحثية والأكاديمية والمجتمعية في احتضان الطاقات الشابة ورعايتها لإنتاج مسيريات جدد في الأمة العربية والإسلامية. فهل من مُشمر عن ساعديه الإقدام والانطلاق، أم لازال يُسيطر على عزائمنا الكثير والكثير من التكاسل المتنامى بإستمرار؟!!.

المصادر والمراجع:

(1) إسلام أونلاين، “المسيري يتحدث عن حياته”، القاهرة، 3/6/2008.

الرابط الالكترونى:
http://www.arabphilosophers.com/Arabic/aphilosophers/acontemporary/acontemporary-names/Abdl-Wahab%20Elmessiri/Material/IOL_Almessiri_Speaks_Of_His_Life.htm

(2) سمير أبو زيد، “موقع الدكتور عبد الوهاب المسيري”، القاهرة.

الرابط الالكترونى: https://www.scribd.com/document/13146721

(3) حسام تمام، في حضرة عبد الوهاب المسيري”، موقع قناة الشرق، القاهرة، 6/10/2012.

الرابط الالكترونى: http://elsharq.net/node/98046

(4) موقع الدكتور عبد الوهاب المسيري، مرجع سبق ذكره.

(5) أحمد بادغيش، “وحدة المعرفة، المعلومة، والمفكِّر، جمال حمدان أنموذجًا”، موقع ساقيه.

الرابط الالكترونى: http://www.saqya.com

(6) موقع الجزيرة نت، “عبد الوهاب المسيري.. رحلة في الفكر والأدب ج1″، الدوحة.

الرابط الالكترونى: http://www.aljazeera.net/programs/privatevisit/2008/7/15

(7) علي صديقي، “مفهوم التحيز عند عبد الوهاب المسيري”، منتدى الكلمة للبحوث والدراسات، العدد ( 73 ) السنة الثامنة عشرة ، خريف 2011م.

الرابط الالكترونى: http://www.kalema.net/v1/?rpt=1033&art

(8) د. عبد الوهاب المسيري، “موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية”، القاهرة، 1999.

الرابط الالكترونى: http://waqfeya.com/book.php?bid=10610

(9) د.عبد الوهاب المسيري، “رحلتى فى البذور والجذور والثمر”، دار الشروق، القاهرة، 2008.

الرابط الالكترونى: http://www.goodreads.com/book/show/3831344

أنظر ايضا: آية فتحي، “عبد الوهاب المسيري.. المبحر في أسرار العقل الصهيوني”، دوت مصر، القاهرة، 3/6/2016.

الرابط الالكترونى: http://www.masralarabia.com

(10) د.عبد الوهاب المسيري ،”النزعة الجنينية”، شبكة الحكمة، 30/11/2015.

الرابط الالكترونى: http://www.alhesn.net/play-5505.html

(11) د.عبد الوهاب المسيري، “بين العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة”، الجزيرة نت، الدوحة.

الرابط الالكترونى: http://www.aljazeera.net/knowledgegate/opinions/2007/2/8

أنظر أيضا:

ـ طلعت رضوان، “عبد الوهاب المسيرى وحكاية العلمانية الجزئية”، الحوار المتمدن-العدد: 3794، 20/7/2012.

الرابط الالكترونى: http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=316477

ـ عبد الوهاب المسيري، “العلمانية بين الشرق والغرب”.

الرابط الالكترونى: https://www.youtube.com/watch?v=n9OTxh9uE1Q

(12) د.عبد الوهاب المسيري، “رحلتي الفكرية: فى البذور والجذور والثمر” ص 447، دار الشروق القاهرة، 2008.

(13) د.عبد الوهاب المسيري، “الجماعات الوظيفية اليهودية: نموذج تفسيرى جديد”، (ص 7ـ17) دار الشروق، القاهرة، 2002.

(14) رويترز، “دعوى قضائية ضد الرئيس المصري بسبب تدهور اللغة العربية بعد انتشار الأجنبية في اللافتات ووسائل الإعلام”، العربية نت، القاهرة، 17/5/2007.

الرابط الالكترونى: https://www.alarabiya.net/articles/2007/05/17/34535.html

(15) رضا غُنيم، “3 مثقفين زرعوا بذرة 25 يناير ولم يروا الحصاد”، المصرى اليوم، القاهرة، 22/1/2015.

الرابط الالكترونى: http://www.almasryalyoum.com/news/details/637298

(16) مي كمال الدين، “الكشف عن برنامج عبدالوهاب المسيري للرئاسة”، منتدى حوارات الفاخرية، 3/7/2011.

الرابط الالكترونى: http://www.hewaraat.com/forum/showthread.php?t=12735

(17) هشام عمر عبدالحليم، “مصـر تودع عبد الوهـاب المسـيري”، المصرى اليوم، القاهرة، ٤/ ٧/ ٢٠٠٨.

الرابط الالكترونى: http://today.almasryalyoum.com/article2.aspx?ArticleID=111970

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق