fbpx
الاقتصاديةالدراسات البحثية

الضوابط الفقهية وأثرها في النوازل المالية من خلال كتاب “الذخيرة” للإمام القرافي “التبرعات المالية أنموذجا”

اعداد : مصطفى بوهبوه – باحث في سلك الدكتوراه: كلية الآداب والعلوم الإنسانية بوجدة – المغرب

  • المركز الديمقراطي العربي

 

مقدمة:

الحمد لله حق قدره والصلاة والسلام على أشرف خلقه سيدنا ومولانا محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى آله وصحبه الغر الميامين …. أما بعد:

فقد لا يختلف اثنان أن موضوع فقه النوازل في تراث علماء الغرب الإسلامي، هو موضوع فقهي مستجد وشائك، يهتم بدراسة النوازل والوقائع والمسائل والأجوبة الفقهية التي انتشرت في الغرب الإسلامي بصفة عامة، وفي المغرب الأقصى بصفة خاصة.

وبناءً على هذا فقد وقع اختياري على موضوع: “الضوابط الفقهية وأثرها في النوازل المالية من خلال كتاب “الذخيرة” للإمام القرافي “التبرعات المالية أنموذجا”، فمن هو الإمام القرافي؟ وما أهمية كتابه الذخيرة؟ وما معنى الضابط الفقهي والنوازل لغة واصطلاحا؟ وما أثر الضوابط الفقهية القرافية في نوازل التبرعات المالية؟.

هذا ما سوف نتناوله، بشكل عام ومختصر، في بحثنا المتواضع هذا، وذلك على الشكل الآتي:

  • أولا: التعريف بالإمام القرافي.
  • ثانيا: التعريف بكتابه “الذخيرة”.
  • ثالثا: تعريف الضابط الفقهي في اللغة والاصطلاح.
  • رابعا: تعريف النوازل في اللغة والاصطلاح.
  • خامسا: أثر الضوابط الفقهية في نوازل التبرعات المالية من خلال كتاب الذخيرة للإمام القرافي.

أولا: التعريف بالإمام القرافي:

هو أحمد بن أبي العلاء إدريس بن عبد الرحمن بن عبد الله بن يلِّين الصِّنهاجيُّ الأصل، المصري، البهفشيمي، المشهور بالقرافيّ[1].

يكنى بأبي العباس[2]، ويلقب بشهاب الدين. ولد بمصر، سنة ست وعشرين وستمئة[3]، وتوفي سنة اثنتين وثمانين وستمائة هجرية بدير الطين بمصر[4]ـ.

تقلد وظيفة التدريس والتعليم واقتصر عليها، يقول عنه تلميذه النابغة الإمام ابن راشد القفصي: “كان معتكفاً على التعليم على الدوام، صيفاً وخريفاً، وربيعاً وشتاءً”.

جمع جملة من العلوم العقلية الرياضية، مضافاً ذلك كله إلى تبحره في علوم الشريعة والعربية.

ومما يدل على ذلك ما نقله في الديباج:” قال الشيخ شمس الدين ابن عدلان الشافعي: أخبرني خالي الحافظ شيخ الشافعية بالديار المصرية: أن شهاب الدين القرافي حرّر أحد عشر علماً في ثمانية أشهر، أو قال: ثمانية علومٍ في أحد عشر شهراً”[5].

وقد أثنى العلماء عليه كثيراً، أكتفي بما قاله العلامة ابن فرحون عنه: “..الإمام العلاّمة.. أحد الأعلام المشهورين، انتهت إليه رئاسة الفقه على مذهب مالك.. جدّ في طلب العلوم فبلغ الغاية القصوى….كان إماماً بارعاً في الفقه والأصول، والعلوم العقلية، وله معرفة بالتفسير، وتخرّج به جمع من الفضلاء”[6].

ثانيا:التعريف بكتابه “الذخيرة”:

يعد كتاب الذخيرة من أشهر الكتب في تاريخ الفقه الإسلامي، قال عنه ابن فرحون: “هو أجل كتاب في الفقه المالكي”. ونسبته إلى الإمام معلومة، وممن نسبه إليه: ابن فرحون، والسيوطي، ومخلوف، وغيرهم.

وقد سماه الإمام بالذخيرة لسببن، فقال: “سميته بالذخيرة، وهو ذخيرة إن شاء الله للمعاد لقوله عليه السلام: “إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، علم ينتفع به أو صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له”[7]، وذخيرة لطلاب العلم في تحصيل مطالبهم، وتقريب مقاصدهم[8].

وكتاب الذخيرة موسوعة كبرى في الفقه الإسلامي، وقد صنّفه صاحبه على مذهب الإمام مالك، فقال: “فإن الفقه عماد الحقّ، ونظام الخلق، ووسيلة السعادة الأبدية، ولباب الرسالة المحمدية، ومن تحلى بلباسه فقد ساد، ومن بالغ في ضبط معالمه فقد شاد، ومن أجلّه تحقيقاً وأقربه إلى الحق طريقا: مذهب إمام دار الهجرة النبوية، واختيارات أراءه المرضية”[9].

ولكتاب الذخيرة أهمية كبيرة، فهو يعتبر مرجعا مهماً في الفقه المالكي المدلّل، لشموله على معظم المسائل والأحكام الفقهية، واحتوائه الاستدلالات على فروع ومسائل المذهب المالكي مقارنة بغيرها.

ولعل أهمية هذه الموسوعة ترجع إلى عدة خصائص التي تتميّز بها، ويمكن إجمالها فيما يلي:

1 ــ أن الإمام القرافي اعتمد فيها على خمسة دواوين أساسية تمثّل بذاتها مدراس مختلفة باختلاف بيئتها وظرفها. وهي مدونة سحنون، والجواهر لابن شاس، والتلقين للقاضي عبد الوهاب، والتفريع لابن الجلاّب، والرسالة للإمام ابن أبي زيد القيرواني.

2 ــ أنه كتاب يجمع بين الأصول والفروع.

3 ــ أن الإمام ينقل فتاوى العلماء وآراءهم من مصادر تعدّ مفقودة، كآراء ابن عبدوس، وأبي جعفر الدمياطي، وأبي الفرج الليثي.

4 ــ أن الإمام ربط فيه الأحكام الشرعية بالعقليات، حيث استعان بالرياضيات في كتاب الفرائض فطبق عليها كثيرا من قواعد الجبر والمقابلة.

5 ــ تنوع مصادره، وكثرتها مما أغنى الكتاب.

وأما منزلة العلمية للكتاب فلا يختلف اثنان أن لكتاب “الذخيرة” قيمة عملية كبرى، يرجع إليه كل طالب علم، أو متخصص، أو فقيه، وذلك لما احتواه من الذخائر النادرة، التي جعلت منه كنزاً فريدا من نوعه.

ولهذا كله وغيره، وقع اختياري على دراسة هذه الكتاب بله أجزاء منه قصد بيان أثر الضوابط الفقهية في النوازل المالية من خلال كتاب الذخيرة، هذا وقد اقتصرت على باب التبرعات المالية نظرا لسعة الكتاب وكثرة أبواب وتشعبها

والله أسال أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه.

ثالثا: تعريف الضابط والنوازل لغة واصطلاحا:

  • 1 ـــــ: تعريف الضابط الفقهي لغة واصطلاحا:
  • أ ـــــ الضابط في اللغة: هو لزوم الشيء وحبسه، من ضبط يَضبط ويُضبط ضبطاً حفظ الشيء بالحزم[10].
  • 2 ــــــ: الضابط الفقهي في الاصطلاح:

انقسم العلماء في تعريف الضابط وبيان مفهومه إلى اتجاهين اثنين:

  • الاتجاه الأول: أن الضابط مرادف للقاعدة دون فرقٍ بينهما[11].
  • والاتجاه الثاني: عرف الضابط الفقهي بتعريف خاص، ومن بين تعريفات هذا الاتجاه نذكر ما يلي:

أ ـــــ تعريف تاج الدين السبكي حيث قال: “…والغالب فيما اختص بباب، وقصد به نظم صور متشابهةٍ، أن يسمّى: ضابطاً[12]“.

ب ـــــ الضابط هو حكم كلي فقهي ينطبق على فروع متعددة من باب واحد”[13].

ج ـــــ “ما انتظم صوراُ متشابهة في موضوع واحدٍ، غير ملتفتٍ فيها إلى معنى جامعٍ مؤثر”[14].

د ـــــ قضية كلية  فقهية، منطبقة على فروع من باب واحد”[15].

رابعا: تعريف النوازل لغة واصطلاحا:

1 ـــــ تعريف النوازل لغة:

النوازل جمع نازلة، وتشتق من لفظتي نزل والتنزيل. ويعرف ابن منظور النازلة بقوله:”النازلة: الشديدة تنزل بالقوم، وجمعها النوازل، والنازلة الشدة من شدائد الدهر تنزل بالناس، نسأل الله العافية، والتنزيل أيضا: الترتيب”[16].

وبناءً على هذا يفهم أن النوازل جمع نازلة. بمعنى واقعة أو حادثة تنزل على الناس بشدة. في حين، يعني التنزيل الترتيب: أي ترتيب الأحكام التي تخص النازلة الشديدة وفق الأولويات والتوازن والتحكيم والترجيح.

وعليه، فالنوازل هي عبارة عن مسائل وقضايا وأحداث دينية ودنيوية تنزل على الناس بشدة، ويريد أن يعرف حكم الله فيها فيلجأ إلى أهل العلم الشرعي يسألهم عن أحكام النوازل.

فيقصد بالنوازل تلك الوقائع المستجدة التي تحدث في الواقع، وتتطلب من الفقيه النوازلي أن يجد لها جوابا أو أجوبة مناسبة، بالاجتهاد والبحث والتنزيل والاستعانة بالنصوص والادلة التشريعية[17].

وعرفها وهبة الزحيلي بأها:” المسائل أو المستجدات الطارئة على المجتمع بسبب توسع  الأعمال، وتعقد المعاملات، والتي لا يوجد نص تشريعي مباشر، أو اجتهاد فقهي سابق ينطبق عليها، وصورها متعددة، ومتجددة، ومختلفة بين البلدان أو الأقاليم لاختلاف العادات والاعراف المحلية”[18].

وجدير بالذكر أن فقه النوازل بعيد شيئا ما عن فقه الفتاوى الذي كان منتشرا عند المسلمين شرقا وغربا، منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا. بينما فقه النوازل مقصور على فقهاء ومجتهدي الغرب الإسلامي، ولا سيما علماء الأندلس، والمغرب الاقصى، وشمال أفريقية، وكان المذهب المالكي هو المستند الأول لفقه النوازل مصدراً ومرجعاً ومورداً وتنزيلا[19].

وبناء على هذا ففقه النوازل هو ذلك الاجتهاد الفقهي الغني والمتشعب الذي كانت تضمه مجموعة من المؤلفات والمتون والكتب التي أُلفت من قبل مجموعة من النوازليين، وذلك قصد الإجابة على أسئلة الوقائع والنوازل التي استُجدت في واقع الاندلس والمغرب الاقصى، وفق المذهب المالكي وأدلته.

ويعد كتاب “الذخيرة” للإمام القرافي المالكي الذي هو موضع اشتغالنا عليه في البحث، من أبرز هذه المؤلفات وأضخمها في تراث الغرب الإسلامي، فقد حوى مسائل جمة في مجالي العبادات والمعاملات، وهو بحق كتاب غني بالقواعد والضوابط الفقهية في كلا البابين السابقين.

وكما يقال ما لا يأخذ جله لا يترك جله، حاولت في هذا البحث الاقتصار على بعض الضوابط الفقهية في باب التبرعات المالية.

الضوابط الفقهية وأثرها في النوازل المالية من خلال كتاب “الذخيرة” للإمام القرافي

“نوازل التبرعات المالية أنموذجا”

الضابط الأول: قال الإمام القرافي ــ رحمه الله ــ: “كل ما جاز سلماً في الذمة جاز قرضه، إلا الجواري”[20].

هذا ضابط فيما يجوز قرضه ويصح، أي شروط المال المقرض، (محل القرض)، وأحال ضبطه إلى ما يصح فيه السلم في الذمة، أي شروط المسلم فيه (محل السلم).

نقله الإمام القرافي عن الجواهر مصرّحا، وأصله فيها بلفظ مقارب ممّا تصرّف فيه الإمام وصاغه، وهو قول العلامة ابن شاس: “كلّ ما يجوز أن يثبت في الذمّة سلماً جاز قرضه، ما لم يردّ إلى عارية الفروج”[21].

وما أفاده هذا الضابط من حكمٍ وتعليل مقرر في مدونات المذهب، من ذلك قول الإمام ابن الحاجب: “يجوز قرض ما يثبت سلماً إلا الجوراي”[22]، وقول صاحب المختصر: “يجوز قرض ما يُسلم فيه فقط، إلا جارية تَحلّ للمستقرض”[23].

ولتقرير هذا الضابط، وما يضبطه لابد من بيان ما يصح فيه السلم وما يجوز.

وقد أجمل ابن الحاجب القول في شروط المسلم فيه: أي ما يصح فيه السلم وما يجوز كما يلي[24]:

  • 1ــ تسليم جميع الثمن
  • 2 ـ ألا يكونا طعامين ولا نقدين
  • 3 ـ أن يكون في الذمة
  • 4 ـ أن يكون مقدوراً على تحصيله غالبا وقت حلوله
  • 5 ـ أن يكون مؤجلا
  • 6 ـ أن يكون معلوم المقدار
  • 7 ـ معرفة الأوصاف التي تختلف بها القيمة

وقد عبّر الإمام القرافي نفسه في موضع آخر عمّا يصح فيه السلم، مما هو نظير الضابط السابق، مع كونه عكسا له، فقال: “وما تقرر قرضا تقرر سلما بجامع ضبط الصفة”[25].

وقد عبّر عن ذلك الإمام المقّري، بقوله في كليته: “كل ما لا تضبطه الصفات أو يؤدي ضبطه بالصفات المعتبرة فيه إلى تعينه، فلا يجوز السلم فيه”[26]. وأما اشتراط المعلومية بمقداره، وبأوصافه التي يختلف بها الثمن؛ فلأن ذلك مما يرفع الجهالة، ويسدّ التنازع بين العاقدين.

وبناءً على ما سبق، ما يصح قرضه ويجوز هو: كل مالٍ، لا تتفاوت آحاده، تفاوتاً تختلف به قيمتها، كالنقود، والمكيلات، والموزونات، والمذروعات، والعدديات المتقاربة.

الاستثناء في الضابط:

الاستثناء في الضابط لما يصح قرضه، من قول الإمام (…إلا الجواري…” بعد قوله في أوله: “كل ما جاز..” فيه مسألتان:

المسألة الأولى: فيها حصر لحقيقة،؛ فقد نقل الإمام في الذخيرة، ما يُستثنى من هذا الضابط عقِب إراده له، فقال: “نظائر: قال سند: يجوز القرض إلا في ستةٍ:

  • 1 ـ الجواري
  • 2 ــ الدور
  • 3 ـ الاراضين
  • 4 ـ الأشجار، لأن مواضعها مقصودة، فإن عينت لم تكن في الذمة، وإلا بقيت مجهولة.
  • 5 ـ تراب المعادن.
  • 6 ـ تراب الصواغين؛ لتعذر معرفة المقصود منه، حتى يرد المثل على صفته”[27].

المسألة الثانية: أن الاستثناء في قوله : “..إلا الجواري ..” يحتاج إلى تقييد بنحو ما قيده به صاحب المختصر كما تقدم في قوله: “إلا جارية تحلّ للمستقرض” فهو قيد لازم في هذا الاستثناء، وإلا كان هذا الضابط مختلا”.

الضابط الثاني: قال الإمام القرافي ــ رحمه الله ــ :”ما تقع به العارية، هو: كل ما دلّ على نقل المنفعة بغير عوضٍ، ومن قول أو فعل”[28].

وجاء في الجواهر بلفظ آخر قوله: “الركن الرابع: ما به تكون الإعارة من قول أو فعل، هو كل ما كان من ذلك يدلّ على تمليك المنفعة بغير عوض”[29].

تعريف العارية:

قال الإمام القرافي: هي نقل المنفعة بغير عوض”، وقد عبر عن هذا في موطن آخر بقوله: “تمليك المنافع بغير عوض”[30].

ولعل التعبير بـ التمليك أنسب؛ لبيان اختيار المذهب المشهور من أن العارية تمليك المنافع لا إباحة لها. وهذا ما جاء في الجواهر المصدر المنقول عنه الضابط وقد حدّها الإمام ابن عرفة ــ رحمه الله ــ بقوله: “العارية: تمليك منفعة مؤقتة، لا بعوض”[31].

فما تنعقد به العارية، من قول أو فعل ـ فهذا بيانه:

أ ــ أم القول: فتنعقد الإعارة بلفظها ـ وبكل لفظ يدلّ عليها ويؤدي معناها، كقول المعير: أعرتك هذا القلم، أو اركب هذه السيارة، أو احمل عليها، أو البس هذا الثوب، أو اسكن هذه الدار، مجاناً، أو قول: نعم، جوباً لأعرني، ونحو ذلك ممّا مرجعه إلى العرف القولي.

ب ــ وأما القول: فتنعقد الاعارة أيضا بكل فعل دال عليها عرفاً من ذلك: لو قال المعير: اسكن هذه الدار، فسكنها المستعير، كان ذلك فعلا دالاًّـ قائما مقام القبول باللفظ، أو قال: أعرني ثوبك، فسلمته إليه، أو سمع من يقول: من يعيرني سيارته، فتدفع إليه مفاتيحها، وتناولها الآخر، أو في نحو هطول المطر، دفع إليه مظلته، فتناولها وفتحها، أو وضع عليه معطفاً فاستبقاه الآخر، كان ذلك قبولاً.

الضابط الثالث: قال الإمام ـ رحمه الله ـ فيما يصح وهبه :” الموهوب.. كل مملوك، يقبل النقل، مباحٍ في الشرع، كان معلوماً أو مجهولا”[32]

هذا ضابط فيما يصحّ أن يكون محلا لقعد الهبة، وهو الموهوب الركن الثالث في عقد الهبة.

نقله الإمام ـ رحمه الله ـعن الجواهر، وقريب منه قول الإمام ابن الحاجب: “الموهوب: كل مملوك يقبل النقل، فيصح وهبه المجهول والآبق والكلب والمرهون.. وتصحّ هبة الدين”[33]، ونحو قول صاحب المختصر: “وصحّت في كل مملوك ينقل ..وإن مجهولا أو كلبا  أو ديناً”[34].

واقتصر الإمام ابن عرفة ـ رحمه الله ـ في تعريفه الموهوب على قوله: “كل مملوك يقبل النقل”[35].

شرح الضابط:

” كل مملوك” أي : للواهب، فلا تصح هبة حرٍ ولا في كلبٍ غير مأذون فيه، لأن كلا منهما لا يملك.

“يقبل النقل” أي : يقبل  النقل من ملكٍ لملك آخر شرعاً”. فيدخل في هذا: الدار والثوب والمنافع[36].

ويخرج م لا يقبل النقل: كالاستمتاع بالزوجة وأم الولد والسرّيّة، والشفعة، ورقبة المكاتب والحبس[37].

“كان معلوماً” فتصح هبة المملوك إن كان معلوما، سواء أكان الموهوب شيئاً موجوداً في الخارج، أو كان دينا في ذمة المدين.

“أو مجهولاً” أي: مجهول العين أو القدر.. للعاقدين أو لأحدهما، قال العلاّمة الدردير: “ولو خالف ظن  (الواهب) بكثير على التحقيق.

كما ذهب أو تصدّق بميراثه من فلان، لظنه أنه يسير فإذا هو كثير، أو وهب له ما في جيبه ظاناً أنه عشرة ريالات؛ لكون عادته ألا يجعل فيه أزيد من ذلك، فإذا هي ألف ريال مثلا فلا رجوع له.

قال العلاّمة المحقق اللخمي: “هبة المجهول والصدقة به ماضية، ويُستحب كونها بعد معرفة قدر العطيّة خوف النّدم”.

الضابط الرابع: فيما يصحّ وقفه قال الإمام ـ رحمه الله ـ “كل عين يصحّ الانتفاع بها مع بقاء عينها: صح وقفها”[38].

هذا الضابط للركن الثالث من أركان الوقف الأربعة. وهو الموقوف (محل الوقف).

شرح الضابط:

العين في قوله : “كلّ عين” هي الذات المقابلة للعرض، وهي هنا: المنفعة، والمشار إليها في لفظ الضابط بالانتفاع. ومراد الإمام بـ “كل عين” أي كل ذات ملكٍ للواقف، أو مختص به، سواء أكان محوزاً مفرزاً، أم مشتركاً سائغا، إن كان ممّا يقبل القسم، على المذهب[39].

قوله: “مع بقاء عينها” قيد لإخراج ما لا تبقى عينه، كالطعام، فلا يصح وقفه.

قوله: “صح وقفها” الصحة في العقود ترتب آثارها عليها”.

دليل الضابط:

ساق الإمام بعد ذكر الضابط المذكور قوله: “..لأنه موفٍ بحكمة الوقف[40]“، أي : أن ضبط ما يصح وقفه في أنه: كل عين يصحّ الانتفاع بها مع بقاء عينها” :صحيح لأن ذلك موفٍ بحكمة الوقف وفي هذا إشارة إلى تعليل منه رحمه الله إلى صحة الضابط بالمقصد الشرعي للوقف.

أمثلة وتطبيقات لما يصح وقفه:

  • 1ـ يصح وقف العقار من الأراضي وما يتعلق بها؛ كالدور، والحونيت، والحوائط، والمساجد، والمصانع، والآبار، والقناطر، والمقابر، والطرق.
  • 2 ـ ويصح ذلك ومثيله مفروزاً، وشائعاً إن كان ممّا يقبل القسمة، كما سبق بينا.
  • 3 ـ يصح وقف المنقول: كالحيوان والعروض فيصح وقف الرقيق، والدواب، والثياب، والسروج، والسلاح، والدروع.
  • 4 ـ يصح وقف الذهب والفضة (النقدين) لقصد السلف.
  • 5 ـ تصح وقف الاشجار؛ لثمارها، والحيوانات؛ لمنافعها وأوصافها وألبانها واستعمالها.
  • 6 ـ لا يصح فيما يصح وقفه التأبيد على المذهب، بل يصح ويلزم فيما لو وقف مدّة معينة كسنة ثم ترفع وقفيته.

الضابط الخامس: فيما تنعقد به الوصية قال الإمام القرافي ـ رحمه الله ـ” ما تكون به الوصية” كل لفظٍ مفهم قصد الوصية بالوضع أو القرينة”[41].

هذا الضابط فيما تنعقد به الوصية وهو منقول عن الجواهر مصرّحا، وهو فيها: “الركن الرابع: ما تكون به الوصية وتكون بالإيجاب. ولا يتعين له لفظ مخصوص، بل كل لفظ فُهم منه مقصد الوصية بالوضع أو بالقرينة، حصل إلا الاكتفاء به”[42].

فهذا الضابط تصريح لما يصح أن يكون إيجاباً في عقد الوصية، لكنه لا يشمل كل ما تنعقد به. فالذي تنعقد به الوصية هو: ثلاثة أمور:

  • 1ـ الصيغة اللفظية
  • 2 ـ الكتابة
  • 3 ـ الإشارة

وهذا ما عبّر عنه الإمام ابن عرفة ـ رحمه الله تعالى ـفي قوله: “الصيغة: ما دلّ على معنى الوصية”[43].

ثم قال: “فيدخل اللفظ والكتب والإشارة، وقال مستدلا لذلك: وقال مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه”[44].

الضابط السادس: في الموصى له، قال الإمام ـ رحمه الله ـ: الموصى له :”كلّ من يصح له الملك ويتصور”[45].

نقله الإمام عن الجواهر مصرّحا بذلك. وعند ابن شاس لفظه:” الركن الثالث: الموصى له: وتصح الوصية لكل من يتصوّر له الملك”[46].

وفي جامع الأمهات بلفظ :”الموصى له: من يتصور تملُكُه”[47].

وفي المختصر: “صحّ إيصاء…..لمن يصح تملكه[48]“. ولفظ الإمام في الذخيرة جمع بينهما.

شرح الضابط:

قوله: “كل من يصح له الملك” أي أن الصحة في المعاملات ترتب آثارها عليها.

وقوله: “كلّ من يصح له الملك ويتصور” أي كل آدمي يصحّ له أن يملك الموصى به شرعاً، فلا تصح الوصية لكافر بمصحفٍ ورقيقٍ مسلمٍ؛ لأنه لا يصح ملكه لهما.

ولا فرق فيمن يصح تملكه، بين كونه عاماّ كالمساكين أو خاصا كزيد.

ولا بين كون الموصى له بالغاً أو صبياً، عاقلاً أو مجنوناً، مسلماً أو كافراً، موجوداً أو غير موجود.

ومن الوصية لغير الموجود:

لو أوصى لحمل امرأة، فانفصل حيّاً: صحت الوصية، لأن مصالح المال يمكن حصولها من الحمل في المستقبل، ولو اسقطته بعد موت الموصي ـ ولم يستهل صارخاً: بطلت الوصية؛ لانكشاف الغيب عن بطلان أهلية الملك.

خاتمة:

وفي ختام هذا البحث المتواضع أرجو أن أكون قد وفقت في بيان أثر الضوابط الفقهية القرافية في نوازل التبرعات المالية من خلال كتابه “الذخيرة”. والله ولي التوفيق والسداد.

فهرس المصادر والمراجع:

  • ــ الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، لابن فرحون المالكي، تحقيق: الدكتور محمد الأحمدي أبو النور، دار التراث للطبع والنشر، القاهرة.
  • ــ العقد المنظوم في الخصوص والعموم، للإمام القرافي، تحقيق، أحمد الختم عبد الله، دار الكتبى، الطبعة الأولى 1420هـ، 1999م.
  • صحيح مسلم في الجامع الصحيح في كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، رقم الحديث (1631).
  • ــ الذخيرة، للإمام القرافي، تحقيق: الأستاذ سعيد أعراب، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى 1994، ج1/ 31 ، 40.
  • لسان العرب، لابن منظور، مادة (ضبط)، ومختار الصحاح، للرازي، تحقيق: محمود خاطر، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت، طبعة سنة 1995م، مادة (ض ب ط ).
  • المصباح المنير في غريب شرح الكبير، للفيومي، 2/510. والمعجم الوسيط، لإبراهيم مصطفى وآخرون، إشراف وتحقيق: مجمع اللغة العربية بالقاهرة، دار الدعوة، الاسكندرية 1/.
  • ــ الاشباه والنظائر، زين الدين بن نجيم، تحقيق: محمد مطيع دار الفكر، بيروت 1403.
  • ــ القواعد الفقهية عند ابن تيمية جمعاً ودراسة (بحث ماجستير في أصول الفقه)، دار التأصيل، القاهرة 2002.
  • القواعد الفقهية، الباحسين.
  • ــ القواعد والضوابط الفقهية عند ابن تيمية في فقه الأسرة، محمد بن عبد الله بن عابد الصواط (رسالة ماجستير في الفقه)، دار البيان الحديثة، ط 1، 1422هـ 2001م.
  • فقه النوازل في الغرب الإسلامي، جميل حمداوي، ط 1، 2005.
  • ــ سبل الاستفادة من النوازل والفتاوى والعمل الفقهي في التطبيقات المعاصرة، لوهبة الزحيلي، دار المكتبة للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى سنة 2001م.
  • ــ عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة، لجلال الدين عبد الله بن نجم بن شاس (ت 616)، تحقيق: الدكتور حميد بن محمد لحمر، دار الغرب الإسلامي، ج2/.
  • ــ جامع الأمهات، جمال الدين بن عمر بن الحاجب المالكي (750 ـ 646هـ) تحقيق: أبو عبد الرحمن الأخضري، دار اليمامة، بيروت، ط 1 1419 هـ، 1998م.
  • ــ مختصر خليل، للشيخ خليل بن اسحق المالكي، تصحيح وتعليق: الشيخ أحمد نصر، الطبعة الأخيرة، 1401 هـ، 1981م، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.
  • ــ الكليات الفقهية، للإمام المقري، تحقيق: محمد بن الهادي أبو الأجفان، الدار العربية للكتاب، ص 154.
  • ــ الحدود لابن عرفة مع شرح الرصاع، تحقيق: محمد أبو الأجفان والطاهر المعموري، دار الغرب الإسلامي بيروت، الطبعة الأولى سنة 1993.
  • ــ ينظر الفتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني، ج5/.

[1] ــ الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، لابن فرحون المالكي، تحقيق: الدكتور محمد الأحمدي أبو النور، دار التراث للطبع والنشر، القاهرة، ج1، ص 236.

[2] ــ نفس المصدر والصفحة.

[3] ــ العقد المنظوم في الخصوص والعموم، للإمام القرافي، تحقيق، أحمد الختم عبد الله، دار الكتبى، الطبعة الأولى 1420هـ، 1999م،ج1، ص32.

[4] ــ نفس المصدر والصفحة.

[5] ــ الديباج، ج1، ص 238.

[6] ــ الديباج، ج1، ص 236.

[7] ــ أخرجه مسلم في الجامع الصحيح في كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، رقم الحديث (1631).

[8] ــ الذخيرة، للإمام القرافي، تحقيق: الأستاذ سعيد أعراب، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى 1994، ج1/ 31 ، 40.

[9] ــ نفس المصدر ج 1/ 34، 35.

[10] ــ ينظر: لسان العرب، لابن منظور، مادة (ضبط)، ومختار الصحاح، للرازي، تحقيق: محمود خاطر، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت، طبعة سنة 1995م، مادة (ض ب ط ).

[11] ــ ينظر: المصباح المنير في غريب شرح الكبير، للفيومي، 2/510. والمعجم الوسيط، لإبراهيم مصطفى وآخرون، إشراف وتحقيق: مجمع اللغة العربية بالقاهرة، دار الدعوة، الاسكندرية 1/ 33.

[12] ــ الاشباه والنظائر، زين الدين بن نجيم، تحقيق: محمد مطيع دار الفكر، بيروت 1403، ض 192.

[13] ــ القواعد الفقهية عند ابن تيمية جمعاً ودراسة (بحث ماجستير في أصول الفقه)، دار التأصيل، القاهرة 2002، 1/72.

[14] القواعد الفقهية، الباحسين، ص 67.

[15] ــ القواعد والضوابط الفقهية عند ابن تيمية في فقه الأسرة، محمد بن عبد الله بن عابد الصواط (رسالة ماجستير في الفقه)، دار البيان الحديثة، ط 1، 1422هـ 2001م، ص 98.

[16] ــ ينظر: لسان العرب، لابن منظور، مادة نزل ،حرف النون.

[17] ــ فقه النوازل في الغرب الإسلامي، جميل حمداوي، ط 1، 2005، ص 8.

[18] ــ سبل الاستفادة من النوازل والفتاوى والعمل الفقهي في التطبيقات المعاصرة، لوهبة الزحيلي، دار المكتبة للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى سنة 2001م، ص 9.

[19] ــ فقه النوازل في الغرب الإسلامي، ص 9.

[20] ــ الذخيرة، للإمام القرافي، ج5/ ص 287.

[21] ــ عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة، لجلال الدين عبد الله بن نجم بن شاس (ت 616)، تحقيق: الدكتور حميد بن محمد لحمر، دار الغرب الإسلامي، ج2/ ص 758.

[22] ــ جامع الأمهات، جمال الدين بن عمر بن الحاجب المالكي (750 ـ 646هـ) تحقيق: أبو عبد الرحمن الأخضري، دار اليمامة، بيروت، ط 1 1419 هـ، 1998م، ص 334.

[23] ــ مختصر خليل، للشيخ خليل بن اسحق المالكي، تصحيح وتعليق: الشيخ أحمد نصر، الطبعة الأخيرة، 1401 هـ، 1981م، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ص 196.

[24] ــ جامع الأمهات، المصدر السابق، ص ص ص 370، 371، 372.

[25] ـ الذخيرة، المصدر السباق، ج5/ ص 254.

[26] ــ الكليات الفقهية، للإمام المقري، تحقيق: محمد بن الهادي أبو الأجفان، الدار العربية للكتاب، ص 154.

[27] ــ الذخيرة، ج5/ ص 287.

[28] ــ الذخيرة، ج6، ص 199.

[29] ــ الجواهر،ج3، ص 858.

[30] ــ الذخيرة، ج6، ص 197.

[31] ــ الحدود لابن عرفة مع شرح الرصاع، تحقيق: محمد أبو الأجفان والطاهر المعموري، دار الغرب الإسلامي بيروت، الطبعة الأولى سنة 1993، ص 459.

[32] ــ الذخيرة، ج6، ص226.

[33] ــ جامع الأمهات، ص 454.

[34] ــ مختصر خليل، ص 253.

[35] ــ حدود ابن عرفة مع شرح الرصاع، ص553.

[36] ــ قاله ابن عبد السلام، وقال الإمام ابن عرفة :”ودخول المنافع ف يذلك خلاف العرف”، انظر شرح الرصّاع ، ص 553.

[37] ــ ينظر شرح الرصاع، ، ص 553

[38] ــ الذخيرة، ج6، ص 313.

[39] ــ نفس المصدر، ج6، ص 314.

[40] ــ نفسه ج6، 313.

[41] ــ الذخيرة، ج7، ص 54.

[42] ــ الجواهر، ج3، ص ص 1223، 1224.

[43] ــ حدود ابن عرفة شرح الرصاع عليها، ص 685.

[44] ــ ينظر الفتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني، ج5/ ص 357.

[45] ــ الذخيرة، ج7، ص 13.

[46] ــ الجواهر، ج3، ص 1216.

[47] ــ ص 542.

[48] ــ ص 301.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق