الشرق الأوسطتقارير استراتيجيةعاجل

التعريف بالصراع الدولى ( مراحله وأساليب إدارته)

إعداد : إسلام منير محمد المصلحى  –  عبد الرحمن محمد عبد السميع

  • المركز الديمقراطي العربي

 

مقدمة:

إن ظاهرة الصراع ظاهرة ذات أبعاد متناهية التعقيد، بالغة التشابك، يمثل وجودها أحد معالم الواقع الإنسانى الثابتة، حيث تعود الخبرة البشرية بالصراع إلى نشأة الإنسان الأولى، حيث عرفتها علاقاته فى مستوياتها المختلفة: فردية كانت أم جماعية، وأيضاً فى أبعادها المتنوعة: نفسية أو ثقافية، سياسية أو اقتصادية، أو اجتماعية، أو تاريخية، عند النظر للمسار التاريخي للحياة البشرية، نجد أن الصراع يمثل أحد أهم الحقائق الثبوتية في واقع الإنسان والجماعة على مختلف المستويات والأطر. إذ نجد في إطاره البيولوجي الصراع بين الأجناس والأفراد، والنفسي بما يعانيه الإنسان من صراع مع ذاته، والانثروبيولوجي في الصراع الثقافي، ناهيك عن الصراع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وغيره من أنماط الصراع المختلفة.

ونتناول فى هذه الدراسة اربعة محاور رئيسية:

أولاً : التعريف بمفهوم الصراع

ثانياً : أسباب الصراع الدولى

ثالثاً : مراحل ومستويات الصراع الدولي

رابعاً : وسائل واساليب إدارة الصراع الدولي

أولاً : التعريف بمفهوم الصراع

بالعودة لبعض محطات التاريخ نلاحظ ورود مصطلح الصراع في الحضارات القديمة كالحضارة الإغريقية والرومانية، حيث استخدم مصطلح “صراع الآلهة” للتعبير عن الصراع بين القوى الخارقة في الأساطير الإغريقية كصراع أخيل – Achilles وهكتور – Hector في ملحمة طروادة الأسطورية. وما نجده من صياغة نظرية في أدبيات الإغريق تعكس رؤيتهم للصراع، نجده أيضا في وما بين الحضارات الأخرى، وصولاً للأديان الوضعية ثم الإبراهيمية وما تبع ذلك من تحولات فكرية غيرت من بنية العلاقات الإنسانية وقادت لبناء الدولة الحديثة، الأمر الذي أدى بدوره لبروز مستوى جديد من الصراع تمثل في الصراع الدولى[1].

وفى إطار استعراض بعض التعريفات اللغوية التى تقدمها دوائر المعارف والقواميس اللغوية لمفهوم الصراع، فإن دائرة المعارف الأمريكية تعرف الصراع بأنه عادة ما يشير إلى حالة من عدم الارتياح أو الضغط النفسى الناتج عن التعارض أو عدم التوافق بين رغبتين أو حاجتين أو أكثر من رغبات الفرد أو حاجاته. أما دائرة معارف العلوم الاجتماعية فإن اهتمامها ينصرف إلى إبراز الطبيعة المعقدة لمفهوم الصراع، والتعريف بالمعانى والدلالات المختلفة للمفهوم فى أبعاده المتنوعة.

  فمن المنظور النفسى، يشير مفهوم الصراع إلى موقف يكون لدى الفرد فيه دافعُ للتورط أو الدخول فى نشاطين أو أكثر، لهما طبيعة متضادة تماما”، وهنا يؤكد موراى على أهمية مفهوم الصراع فى فهم الموضوعات المتعلقة بقدرة الفرد على التكيف الإنسانى وعمليات الاختلال العقلى أيضاً[2].

  أما فى بعده السياسى، فإن الصراع يشير إلى موقف تنافسى خاص، يكون طرفاه أو أطرافه، على دراية بعدم التوافق فى المواقف المستقبلية المحتملة، والتى يكون كل منهما أو منهم، مضطراً فيها إلى تبنى أو اتخاذ موقف لا يتوافق مع المصالح المحتملة للطرف الثانى أو الأطراف الأخرى.

وبينما يهتم لويس كوزر بالتركيز على الصراع فى بعده الاجتماعى، فإن لورا نادر تتجه إلى إيضاح البعد الانثربولوجى فى العملية الصراعية.

ومن ثم فإن الصراع فى بعده الاجتماعى إنما يمثل نضالاً حول قيم، أو مطالب، أو أوضاع معينة، أو قوة، أو حول موارد محدودة أو نادرة”، ويكون الهدف هنا متمثلاً “ليس فقط فى كسب القيم المرغوبة، بل أيضاً فى تحييد، أو إلحاق الضرر، أو إزالة المنافسين أو التخلص منهم. الصراع فى مثل هذه المواقف، وكما يحدد كوزر، يمكن أن يحدث بين الأفراد، أو بين الجماعات، أو بين الأفراد والجماعات، أو بين الجماعات وبعضها البعض، أو داخل الجماعة أو الجماعات ذاتها. تفسير ذلك يرجعه كوزر إلى حقيقة أن الصراع فى حد ذاته أحد السمات الأساسية لجوانب الحياة الاجتماعية.

أما فيما يتعلق بالبعد الأنثربولوجى للصراع، فإن الصراع ينشأ أو يحدث نتيجة للتنافس بين طرفين على الأقل. وهنا قد يكون هذا الطرف متمثلاً فى فرد، أو أسرة، أو ذرية أو نسل بشرى معين، أو مجتمع كامل. إضافة إلى ذلك، قد يكون طرف الصراع طبقة اجتماعية، أو أفكاراً، أو منظمة سياسية، أو قبيلة، أو ديناً[3]. وهنا فإن الصراع يرتبط بالرغبات أو الأهداف غير المتوافقة، والتى تتميز بقدر من الاستمرارية والديمومة يجعلها تتميز عن المنازعات الناتجة عن الشطط، أو الغضب، أو التى تنشأ نتيجة لمسببات وقتية أو لحظية. فى هذا الاتجاه، يذهب قاموس لونجمان إلى تعريف مفهوم الصراع بأنه حالة من الاختلاف أو عدم الاتفاق بين جماعات، أو مبادئ، أو أفكار متعارضة، أو متناقضة[4].

وبوجه عام، فإن مفهوم الصراع فى الأدبيات السياسية المتخصصة ينظر إليه باعتباره ظاهرة ديناميكية. فالمفهوم من جانب، يقترح موقفاً تنافسياً معيناً، يكون كل من المتفاعلين فيه عالماً بعدم التوافق فى المواقف المستقبلية المحتملة، كما يكون كل منهم مضطراً أيضاً لاتخاذ موقف غير متوافق مع المصالح المدركة للطرف الآخر. من هنا كان هناك اتجاه ينصرف إلى التركيز على البعد التنافسى فى تعريف الصراع باعتبار أنه أحد أشكال السلوك التنافسى بين الأفراد أو الجماعات، وأنه عادة ما يحدث عندما يتنافس فردان أو طرفان أو أكثر حول أهداف غير متوافقة، سواء كانت تلك الأهداف حقيقة أو متصورة، أو حول الموارد المحدودة[5].

وفى تعريف آخر، فإن مفهوم الصراع يتميز بالبساطة والمباشرة، حيث يوصف الصراع بأنه عملية منافسة ظاهرة، أو محتملة بين أطرافه. وهنا تثار أهمية التمييز بين الصراع وبعض أنواع المنافسة – كالتى تحدث فى المجالات الرياضية على سبيل المثال -، ففى المنافسة يتعاون الأفراد أو يتنافسون من أجل المرح وقضاء وقت طيب وممتع”، بينما فى الصراع، فإن إحداث أو إلحاق الضرر المادى أو المعنوى بالآخرين إنما يعد هدفاً محدداً للصراع نفسه[6].

   أما متغير “الإرادة” عند أطراف الصراع، فإنه يمثل أساساً محورياً فى تعريف الصراع لدى اتجاه آخر من كتاب الأدبيات السياسية. ومن ثم يتم النظر إلى مفهوم الصراع باعتبار أنه فى جوهره “تنازع للإرادات”، ينتج عن اختلاف فى دوافع أطرافه، وفى تصوراتهم، وأهدافهم وتطلعاتهم، ومواردهم وإمكاناتهم، مما يؤدى بهم إلى اتخاذ قرارات، أو انتهاج سياسات تختلف فيما بينها أكثر من اتفاقها“، ومع ذلك، يظل الصراع دون نقطة الحرب المسلحة[7].
إضافة إلى ذلك، فإن هناك رأياً ثالثاً يفضل الاهتمام ببنية الموقف الصراعى والمصالح المتضمنة فيه. فى هذا الاتجاه، يذهب كل من لوبز وستول إلى أن مفهوم الصراع يمثل أو يعكس “موقفاً يكون لطرفين فيه أو أكثر أهداف أو قيم أو مصالح غير متوافقة بدرجة تجعل قرار أحد الأطراف بصدد هذا الموقف سيئاً للغاية”، ومن هنا يمكن النظر إلى مفهوم الصراع باعتباره “نتيجة لعدم التوافق فى البنيات والمصالح، مما يؤدى إلى استجابات بديلة للمشكلات السياسية الرئيسية. وعلى ذلك يخلص الكاتبان إلى “أن الصراع بهذه الكيفية، يعد سمة مشتركة لكل النظم السياسية الداخلية والدولية[8].
أما الصراع فى مفهوم كوزر فإنه يتبلور فى ضوء القيم والأهداف التى تمثل الإطار المرجعى لأطراف الموقف الصراعى. وعلى ذلك يرى كوزر أن الصراع يتحدد فى “النضال المرتبط بالقيم والمطالبة بتحقيق الوضعيات النادرة والمميزة، القوة والموارد، حيث تكون أهداف الفرقاء هى تحييد أو إيذاء أو القضاء على الخصوم[9].

إضافة إلى ما سبق، فإن هناك رؤى أخرى تسعى إلى توجيه الاهتمام نحو الأبعاد النفسية المتعلقة بعلاقات القبول والرفض بين أطراف الموقف الصراعى. ومن هنا تتجه تلك الرؤى إلى تعريف الصراع فيها بأنه ذلك العداء المتبادل بين الأفراد والجماعات أو الشعوب أو الدول فيما بينها على مختلف المستويات.

ويمكن تعريف الصراع الدولى على أنه “تنازع الارادات الوطنية للدول الناتج عن تباين مصالحها”[10].

 ثانياً : أسباب الصراع الدولى

ومن أهم مسببات الصراع الدولى مايلى:

1- الصراع على الموارد الطبيعية:

تعود فكرة لعنة الموارد الطبيعية Curse of Natural Resources إلى أن وفرة الوقود الحفرى و المعادن النفيسة فى البلدان النامية لم ينتج عنها تقدما اقتصاديا و رفاهة اجتماعية حقيقة لشعوب الدول الممتلكة لهذه الموارد بل على العكس كانت هذه الموارد الطبيعية سببا فى اشتعال الحروب و تفاقم الصراعات الأهلية التى انتهت بمقتل الآف من الأبرياء. يتوقع برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن مالا يقل عن 40% من الصراعات داخل الدول في السنوات ال 60 الماضية، لها صلة بالموارد الطبيعية[11]، وأن هذا الارتباط يضاعف من خطر تدهور الصراع في السنوات الخمس الأولى له. فمنذ عام 1990، كان استغلال الموارد الطبيعية سببًا في تغذية 18 صراعًا على الأقل، سواء كانت الموارد ‘عالية القيمة’ مثل الأخشاب، والماس، والذهب، والمعادن، والنفط، أو الموارد النادرة مثل الأراضي الخصبة والمياه. فمثلا في أنجولا مولت الجماعات المتمردة حربا أهلية طاحنة لسنوات طويلة من1972 حتى عام 2002 مات خلالها مايقرب من 1,5 مليون انسان – عن طريق الاستيلاء على الألماس و بيعه في السوق السوداء العالمية و لقد صور الفيلم الشهير”الماس الملطخ بالدماء”Bloody Diamond  جانبا من هذه الحرب الأهلية البغيضة[12]، كذلك أيضاً الصراع حول منطقة شرق المتوسط .

2- الصراعات العرقية والإثنية

الصراع الإثني هو نزاع مسلح بين مجموعات إثنية مختلفة، وتكون غالبا بين دول متعددة الاثنيات كالحرب اليوغسلافية والحرب الأهلية الرواندية والحرب فى إقليم دارفور.

أما الصراع العرقى هو عبارة عن تصادم بين الجماعات العرقية حول قضية أو مجموعة من القضايا تسعى فيها كل طائفة عرقية إلى تغيير الوضع القائم  لصالحها. والصراع العرقي عادة ما يكون من أجل قضايا تتعلق بتوزيع الثروات و المشاركة في السلطة، بحيث تهدف الجماعات من خلالها الحصول على حقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وقد يتطور الامر الى رغبة الجماعة في الانفصال والحصول على حكم ذاتى لاقليم معين تعيش فيه[13].

العنف العرقى أو الإثنى هو وليد الصراع بين الأعراق والاثنيات والاديان والطو ائف والاقليات المختلفه حول الحقوق والواجبات وتطبيق حقوق الانسان، وهى من أهم البؤر التى تسهم فى اندلاع العنف كما حدث فى العراق ولا نغفل معها تأثير العوامل الجغرافية والاجتماعية والثقافية الأخرى.

أمثلة: إقليم الكيباك فى كندا ومطالبته بالانفصال، نزاع الطوائف فى سريلانكا والسودان والعراق، مطالبة إقليمى اسكتنلندا و ايرلندا الشمالية بالانفصال عن بريطانيا، كل هذا يوضح ما للصراع العرقى والاثنى من أثار عظيمة على استقرار الشعوب وتفكك الاتحاد السوفيتي أكبر دليل حي.

3- التطور التكنولوجى وسباق التسلح بين الدول

يمكن تفسير ظاهرة الصراع الدولي على سباق التسلح الذي يؤدي لخلق فجوة بين الدول المتقدمة التي لها القدرة على إستثمار الثورة التكنولوجية في تطوير القدرات العسكرية، وبين الدول التي لا تتوفر لديها هذه القدرات؛ وهو ما يحفز الدول المتقدمة على إفتعال الحروب إستغلالاً لهذا الفارق. وعلى الجانب الآخر يعمل سباق التسلح على تهيئة البيئة الصراعية من خلال ما يثيره من شكوك في خضم عمله السري؛ إن استمرار التطور التكنولوجى في مجالات ونظم التسلح يدفع بدوره مجموعات المصالح المرتبطة به نحو مواصلة ضغوطها على دوائر صنع القرار للإبقاء على كل أو بعض بؤر التوتر والصراعات ساخنة وملتهبة بما يضمن مصالح هذه الجماعات بأقصى درجة ممكنة[14].

4– الصراع على الحدود البرية والبحرية

أيا كان تعقد مسألة الحدود في الوقت الراهن فإن مشكلة الحدود البرية والبحرية قد أثارت وما زالت تثير كافة المشكلات المتضمنة في جوهر العلاقات السياسية بين الدول، كما أنها راسخة في أذهان كافة المتخصصين وغير المتخصصين؛ لأنها تمثل الإطار الذي تُمارس فيه الدولة سيادتها الفعلية، وتتفرق فيها المصالح الاقتصادية [15].

ومن أمثلة هذه الصراعات : الصراع الهندى الباكستانى حول إقليم كشمير، والصراع اليونانى التركى حول جزر بحر إيجه.

5– الصراع الايديولوجى وتناقض الافكار والتوجهات

حيث أن التناقض في الرؤى الأيديولوجية والنتائج المرتبطة به، والتى تجعل من غير الممكن تسوية أو حل هذه الصراعات من خلال عملية المساومة. بل إن الأمر يصبح أكثر صعوبة عندما يتعلق الموقف بصراعات المصالح المرتبطة بتشعب الاختلافات الأيديولوجية بين طرفى أو أطراف الصراع، حيث يضيف البعد الأيديولوجى وضعا خاصا على الصراع يزيد من تعقيده فيصعب بالتالى على طرفيهأ وأطرافه التوصل إلى حلول مرضية لكليهما[16].

6- صراع البحث عن الدور أو المكانة الدولية

وهي الدول التي لا ترضى عن مكانتها وسط النسق الدولي وتبحث عن دور يناسب مكانتها بما يتفق مع مصالحها، انطلاقا من مدى رغبة الدول فى الابقاء على صورة توزيع القوة فى فترة معينه أو رغبتها فى تعديلها.

يميز الخبراء بين نوعين من السياسات:

سياسات الابقاء على الوضع الراهن: وهى التى تهدف الى الابقاءعلى الصوره التى تتوزع فيها القوه فى فتره معيه، وتهدف هذه السياسات الى استقرار الاوضاع فى هذه الفتره بما يخدم مصالح هذه الدول اكثر من تعديلها وتكون ذات طابع دفاعى.

سياسات تعديل الوضع الراهن : وهى تستهدف تعديل صورة توزيع القوه السائدة فى فترة معينة لما لهذا التعديل من اثر على مكانة الدولة فى سلم تدرج القوه العالمى وعلى مصالحها وأهدافها، وتهدف هذه السياسة برفض الاوضاع الدولية السائدة والتمرد عليها باعتبارها جائره وتوصف هذه السياسات انها ذات طابع هجومى استراتيجي وتعارض اية مقترحات تفرضها الدول المسيطرة على النسق الدولى باعتبارها قيد على تلك الدول فى التحرك للعمل على مصالحها باعتبارها الوسيلة لتحسين موقعها على سلم تدرج القوة الدولى، وتعتبر المانيا نموذجا لتعديل الوضع الراهن وتحسين مكانتها اثناء الحرب العالمية الاولى والثانية .

ويميز اورجانسكى فى هذا الصدد بين 4 مجموعات من الدول :

  • الدول القوية والقانعة– الدول الضعيفة والقانعة– الدول القوية وغير القانعة– الدول الضعيفة وغير القانعة

ونذكر على سبيل التوضيح:

  • الدول القوية وغير القانعة: وهى التى لا تشعر بعدم تناسب حجم التاثير الذى تمارسه مع حجم امكاناتها من القوه وحجيم الانتشار والمكانه الجديرة بها فتعمل على تعديل الوضع الدولى لكى تحل محله وضع جديد يتفق مع امكاناتها وتزداد الخطورة اذا كانت هذه الدول من القوة بما يمكنها من زعزة الاستقرار ونشوب الحروب مثال : المانيا وشن الحرب العالمية الاولى والثانية وزعزعة استقرار العالم.
  • الدول الضعيفة وغير القانعة : وهى التى تشعر بالرغم من ادراكها لضعف امكاناتها من القوة بعدم القناعة عن مكانتها وموقعها الدولى نتيجة شعورها بظلمات كبيرا واجحافا الم بمكانتها واستغلال الدول الاقوى منها لها ولذلك فهى غالبا ما تنحاز الى جانب الدول الكبرى القوية الراغبة فى التعديل[17].

ثالثاً : مراحل ومستويات الصراع الدولي

ومن المفاهيم المرتبطة بالصراع والمعبر عنها بالخصومة وتصارع الإرادات وذلك وفق خطورتها مفهوم التوتر، الأزمة ، النزاع ، والحرب

1-التوتر: يعود التوتر إلي مجموعة من المواقف والميول نتيجة الشك وعدم الثقة. والتوتر بحسب ما ذهب ميرل هو” مواقف صراعية لا تؤدي محلياً علي الأقل إلي اللجوء إلي القوات المسلحة”. “فالتوتر ليس كالنزاع، لأن هذا الأخير يشير إلي تعارض فعلي وصريح وجهود متبادلة بين الأطراف للتأثير علي بعضهم البعض، في حين لا يعدو التوتر أن يكون حالة عداء وتخوف وشكوك وتصور بتباين المصالح، وعلي هذا يعد التوتر مرحلة سابقة علي النزاع[18].”.

2-الأزمة: تعني مجموعة الظروف والأحداث المفاجئة التي تنطوي علي تهديد واضح للوضع الراهن المستقر في طبيعة الأشياء، وهي النقطة الحرجة، واللحظة الحاسمة التي يتحدد عندها مصير تطور ما، أما إلي الأفضل، أو إلي الأسوأ مثل الحياة أو الموت، الحرب أو السلم وذلك لإيجاد حل لمشكلة ما أو انفجارها..

ويشير روبرت نورث إلي أن الأزمة الدولية عبارة عن تصعيد حاد للفعل ورد الفعل، أي هي عملية انشقاق تحدث تغييرات في مستوي الفعالية بين الدول، وتؤدي إلي إذكاء درجة التهديد والإكراه. ولكن لا تؤدي كلها إلي الحروب إذ تسوّى سلمياً أو تجمد أو تهدأ. وتزداد خصوصية مفهوم الأزمة صعوبة إذا أخذ في الاعتبار حقيقة أن المفهوم يكثر استخدامه من العديد من المتخصصين في علوم النفس والاجتماع والسياسية والتاريخ، وفي غيرها من مجالات العلوم الاجتماعية وعلي ما سبق يرى روبنسون أن هناك اتجاها عاما نحو استخدام المفهوم للتدليل علي نقطة تحول تميز ناتج حدث ما بشكل مرغوب أو غير مرغوب فيه، بين الحياة والموت، العنف أو اللاعنف، الحل أو الصراع الممتد[19].

وعادة ما تتم مواجهة الأزمة بإدارتها، أو التلاعب بعناصرها المكونة لها، وبأطرافها بهدف تعظيم الاستفادة من ورائها لصالح الأمن القومي .

3-النزاع : جاء في المنازعات الدولية مقدمة للنظرية والتاريخ لجوزيف ناي أن المنازعات الدولية ينبغي أن تكون جزء أساسي يدرس سبب تعقيد النزاعات الدولية ضمن تعقيدات السياسة الدولية حتي يمكن الوقوف وفهم الظاهرة التنازعية. هذا ويري ريمون أرون بأن النزاع الدولي ” ليس وليد الوقت الحالي بل هو موجود منذ العصور القديمة وهو نتيجة لتضاد المصالح ” والمقصود بالنزاع الدولي أنه “خلاف بين دولتين علي مسألة قانونية أو حادث معين أو يسبب تعارض وجهات نظرهما القانونية أو مصالحهما[20].

وقد حددت بعض الدراسات العناصر المتنازعة عليها وهي كالآتي :

  • الموارد أو الثروة، مثل: الأقاليم والمال ومصادر الطاقة والغذاء، وكيفية توزيع تلك الموارد.
  • السلطة إذ يتم التنازع بشأن كيفية تقسيم آليات الحكم والمشاركة السياسية في عملية صناعة القرار.
  • الهوية وتتعلق بالمجموعات الثقافية والاجتماعية والسياسية .
  • الأوضاع الاجتماعية والسياسية، ومنها مدى شعور الناس بأنهم يعاملون باحترام وتقدير وأن حكومتهم تحافظ على تقاليدهم الاجتماعية .
  • القيم وخاصة تلك المتمثلة في أنظمة الحكومة والدين والأيديولوجية .

4-الحرب: أما الحرب فلا يمكن أن تتم إلا علي صورة واحدة وبأسلوب واحد وهو الالتحام المباشر بين الدول أي التصادم الفعلي بوسيلة العنف المسلح حسما للتناقضات الجذرية التي لم يعد يجدي معها استخدام الوسائل الأخرى، أو الأقل تطرفا، فالحرب تمثل نقطة النهاية في بعض الصراعات الدولية[21]. وليس ثمة تعريف متق عليه للحرب فقد عرفها دوكاكي من وجهة قانونية” بأنها حالة قانونية تسمح وبصورة متساوية لعدوين أو أكثر بالاستمرار في صراعهما باستخدام القوة المسلحة.

دوائر ومستويات الصراع تتمثل في 

1-الدائرة الفردية او الشخصية: عادة ما يوجد الصراع بين الاقران والازواج، والابناء، والأصدقاء والجيران. والملاحظ ان السمة الخاصة بالصراعات والنزاعات في هذا المستوي، انه ما يؤدي الي وقوع خسارة في العلاقات الشخصية او الفردية لأطرافها قد تمتد علي المدي الطويل

2-المستوي المجتمعي: تحدث الصراعات في اكثر من دائرة: فالمنظمات الاجتماعية مثل الكنائس والنوادي واتحادات ملاك المساكن والجيران والاتحادات المنية، وتشهد كلها نماذج للصراع بين الافراد والجماعات، كذلك أيضا في أماكن العمل بين العاملين والمديرين والمشرفين والموظفين وأصحاب الاعمال، كما ان هذه النزاعات قد تطور وتتسع وتصل الي مستويات اعلي بين كبار المديرين والأعضاء.

3-الصراع بين رجال الصناعة، وبين أعضاء جمعيات حماية المصالح العامة والهيئات الحكومية، والمستويات المتعددة ويكون لها اثار خطيرة ومدمرة علي المجتمع.

4-المستوي الدولي حيث نماذج الصراعات الدولية اكثر وضوحا في اشكالها ومستوياتها، وان اتسمت غالبا بالتعقيد والتداخل الشديدين.

رابعاً : وسائل واساليب إدارة الصراع الدولي  

لا يوجد تعريف محدد أو جامع لمفهوم إدارة الصراع الدولى ولكن يمكننا تعريفه على أنه تلك التحركات والجهود التي تهدف للسیطرة أو احتواء الصراعات التي قد تنشأ بین الفاعلین السیاسیین داخل الدولة أو بین الدول عبر إدماج طرف ثالث بحیث تهدف عملیة الإدارة إلى تقلیل حجم خسائر أطراف الصراع ، ذلك فضلًا عن عدم تصاعد حدة الصراع.

بحیث یتم اللجوء ” لإدارة الصراعات” في الحالات التي یتعثر فیها التوصل لتسویة نهائیة للصراع ویقوم الطرف الثالث فى العادة بالاعتماد على أحد أربعة أسالیب لإدارة الصراع كالأتي:

  1. الأسلوب الدبلوماسى : إذ یتم الاعتماد على كافة أنواع الدبلوماسیة سواء التقلیدیة أو غیر التقلیدیة للتوصل لاتفاق بین أطراف الصراع؛ ويتضمن التفاوض والوساطة والمساعي الحميدة والتحقيق والتوفيق.
  2. الأسلوب القضائى : بحیث یتم اللجوء في هذا الأسلوب إلى المؤسسات والهیئات القضائیة المنوطة بنزع الاعتراف أو تطبیق القوانین بهدف الضغط على أطراف الصراع [22]، حيث تتعدد المنظمات القضائیة التي یتم اللجوء إلیها من قبل الدول لتسویة الخلافات فیما بینهم إلا أن قضایا النزاعات البحریة في الأغلب تقوم أطرا فها بالتحرك إما لمحكمة العدل الدولیة أو المحكمة الدولیة لقانون البحار.
  3. الأداة الاقتصادية (العقوبات الاقتصادية) : استخدام الأسالیب القسریة والقهریة كالضغط بفرض العقوبات الاقتصادية ، وتعنى العقوبات الاقتصادية كما يقول Naylor مجموعة من الاجراءات العقابية ذات الطابع الاقتصادى يتخذها طرف دولى ما(دولة او منظمة دولية) فى مواجهة طرف دولى أخر ويتمثل أهم هذه الاجراءات فى الحصار، والحظر وهى تستخدم بغية تحقيق أهداف سياسية للطرف المستخدم لها تنصب فى معظم الأحيان على تغيير التوجهات السياسية للطرف الخاضع للعقوبات بما يتماشى مع رغبة أو مصلحة الطرف المستخدم لها[23].
  4. التهديد باستخدام القوة او الاستخدام الفعلى لها : ویتضمن بشكل أساسي التهدید أو الاستخدام الفعلي للقوة المسلحة بهدف إقناع أحد أطراف الصراع وهو عمل من اعمال الدبلوماسية ولكن أكثر عنفاً ، حيت يعتبر استخدام القوة المسلحة الملاذ الاخير فى حال فشل الاساليب السابقة فى إدارة الصراع الدولى [24].

خاتمة:

بناءً على كل ما سلف نخلص إلى:

نخلص الى أن ظاهرة الصراع الدولي بالغة التعقيد والتشابك حيث تتعدد التعريفات ومسببات وأساليب إدارة الصراع، إلا انه  يمكن تعريف الصراع الدولي على أنه “تنازع الارادات الوطنية للدول الناتج عن تباين مصالحها” ، ويمكن اعتبار الصراع على الموارد الطبيعية وتناقض الفكر والايديولوجيات والصراعات الاثنية والعرقية ،والصراع على المكانة الدولية ، والتقدم التكنولوجي من أهم مسببات الصراع الدولي ، وأنه  يمكن الاعتماد على عدة أساليب لإدارة الصراع الدولي ومنها الاسلوب الدبلوماسي والاسلوب القضائي وأسلوب العقوبات الاقتصادية وأسلوب استخدام القوة او التهديد باستخدامها .

[1] https://political-encyclopedia.org/dictionary/%D9%85%D9%81%D9%87%D9%88%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%B1%D8%A7%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A

[2] منير محمود بدوى، مفهوم الصراع دراسة فى الاصول النظرية للاسباب والانواع ، مجلة الدراسات المستقبلية ، جامعة أسيوط  ، مصر ، العدد الثالث ،1997 ص 36

[3] أحمد زكريا الباسوسى ، تأثيرات تهديد أمن الطاقة على الصراع الدولي على الغاز الطبيعي “دراسة حالة منطقة حوض شرق البحر المتوسط” ، رسالة دكتوراه ، كلية الاقتصاد والعلوم السياسة جامعة القاهرة ، مصر ، 2018، ص31

[4] محمود عبد الفتاح ، إدارة النزاعات و الصراعات في العمل ، المجموعة العربية للتدريب والنشر ، القاهرة ، مصر، 2012 ، ص 11

[5]  منير محمود بدوى، مرجع سبق ذكره ، ص 37

[6] https://kitabat.com/2020/03/14/%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B2%D8%A7%D8%B9-dispute-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%B1%D8%A7%D8%B9-conflict/

[7]  محمد محمود منطاوى ، الحروب الأهلية و آليات التعامل معها وفق القانون الدولي ، المركز القومى للإصدارات القانونية، القاهرة، مصر ، 2015 ص 51

[8] محمد محمود منطاوى ، مرجع سبق ذكره ، ص 51

[9] منير محمود بدوى ، مرجع سبق ذكره ، ص 38

[10] إسماعيل صبري مقلد، العلاقات السياسية الدولية “دراسة فى الاصول والنظريات”، المكتبة الاكاديمية ، القاهرة ، مصر، 1991 ص 223

[11]  https://peacekeeping.un.org/ar/conflict-and-natural-resources

[12]  https://www.raialyoum.com/index.php/%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%B1%D8%A7%D8%B9 %D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%B1%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%A8%D9%8A%D8%B9%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D8%B9%D9%86%D8%A9-

%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%81/

[13]  https://democraticac.de/?p=34092

[14] إسماعيل صبري مقلد، مرجع سبق ذكره، ص 232-233

[15] https://www.hindawi.org/books/81426250/1.8 /

[16] منير محمود بدوى،مرجع سبق ذكره ص58

[17]  إسماعيل صبري مقلد، مرجع سبق ذكره ، ص169-172

[18] على زياد العلى ،  المرتكزات النظرية في السياسة الدولية ، دار الفجر للنشر والتوزيع ، القاهرة ، مصر ، 2017 ، ص 69

[19] دراسة بحثية “نظرية الصراع الدولي غزة 2014، المركز العربي الديمقراطي

نظرية الصراع الدولي “غزة 2014”

 

[20] https://almerja.net/reading.php?idm=74939

[21]  على زياد العلى ، مرجع سبق ذكره ، ص 72

[22] أحمد زكريا الباسوسى ، مرجع سبق ذكره ص 40

  [23]أحمد محمد وهبان ، تحليل إدارة الصراع الدولى ” دراسة مسحية” ، مجلة الجمعية السعودية للعلوم السياسية ، جامعة الملك سعود ، 2014 ص28

[24]  المرجع السابق ، ص 33-34

5/5 - (2 صوتين)

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى