الدراسات البحثيةالمتخصصة

الأبعاد القانونية لجريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة، ومواقف القوى الدولية الكبرى منها

إعداد: أحمد جمال الصياد – باحث في العلوم السياسية  & ضحى بهاء احمد – باحثة في القانون الدولي العام

  • المركز الديمقراطي العربي

 

مقدمة.

تُعد جريمة الإبادة الجماعية  بحسب تعبير المحكمة الجنائية الخاصة برواندا جريمة الجرائم، وواحدة من أخطر الجرائم التي تخرج عن نطاق الجرائم العادية حيث يكون السلوك الإجرامي في هذه الجريمة ماساً بالمقومات الأساسية لحياة مجموعة من البشر والنظام العام الدولي، ولذلك عمدت الأمم المتحدة إلى وضع اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها في العام 1948، إلا أنه وبرغم خطورة هذه الجريمة بقى العالم صامتاً مكتوف الأيدي أمام الجرائم التي ترتكب في حق الشعب الفلسطيني المحتلة أرضه من قبل الاحتلال الإسرائيلي طيلة العقود الماضية ، ليس كذلك فقط وإنما كان يتم دعمه من قبل العديد من الدول التي أكدت في ميثاق الأمم المتحدة إيمانها بالحقوق الأساسية للإنسان وبكرامة الفرد وقدره وبما للرجال والنساء والأمم كبيرها وصغيرها من حقوق متساوية، واحترام الالتزامات الناشئة عن المعاهدات وغيرها من مصادر القانون الدولي .

أهمية البحث :

تنبع أهمية البحث من أهمية جريمة الإبادة الجماعية وخطورتها على المجتمع الدولي وبخاصة ما يقع في حق الشعب الفلسطيني في هذه الأيام، وما يتعرض له من أبشع أشكال صور الاعتداء على حقوقه الأساسية والضرورية، والذي يوقع على عاتقنا نحن الباحثين مسؤولية البحث في هذه الجريمة  لتصدي لها ولصيانة الحق في الحياة الذي يعد من أسمى حقوق الإنسان المعترف بها بموجب الاتفاقيات الدولية.

التساؤلات البحثية:

  • أولا: ما هي أركان وصور جريمة  الإبادة الجماعية؟
  • ثانيا: إلى أي مدى يمكن اعتبار ما ترتكبه إسرائيل في حربها على غزة جريمة إبادة جماعية؟
  • ثالثا: ما هي حدود المساعدات الدولية لإسرائيل؟
  • رابعا: ما هي نتائج المساعدات الدولية لإسرائيل؟

 المنهج المتبع في البحث:

تعتمد الدراسة على المنهج  الوصفي التحليلي للقواعد القانونية الناظمة لجريمة الإبادة الجماعية في القانون الدولي العام والقانون الدولي الإنساني وقواعد اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، بالإضافة لتقديم تحليل للمواقف الدولية من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، والنتيجة المترتبة على تلك المواقف .

أولا: الأبعاد القانونية لجريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة.

تعريف الإبادة الجماعية :

الإبادة الجماعية مصطلح حديث ذكره المحامي البولندي  ليمكن  في كتابه ” حكم دول المحور لأوروبا المحتلة ” الصادر عام 1944 صفحة 79 بقوله (الإبادة الجماعية geno cide ): مركبة من كلمتين  genosاليونانية وتعني العرق أو القبيلة وكلمة cide  اللاتينية وتعني قتل فيكون المعنى المركب له  هو  تدمير أمة أو مجموعة عرقية[1].

كما نصت المادة الثانية من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها في العام 1948  والمادة السادسة من ميثاق روما الأساسي المنشأ للمحكمة الجنائية الدولية لسنة 1998على( أن الإبادة الجماعية أيا من الأفعال التالية المرتكبة على قصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية بصفتها هذه .

  • قتل أعضاء من الجماعة
  • إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء من الجماعة

ج- إخضاع الجماعة عمدا ، لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كلياً أو جزئياً

د- فرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال في الجماعة

ه- نقل أطفال من الجماعة ، عنوة ، إلى جماعة أخرى .)[2]

ومن خلال هذا التعريف يمكننا القول بأن الأساس الذي تقوم عليه الجريمة هو القصد المسبق المبني على سياسة ممنهجة بهدف القضاء على جماعة ذات صفة محددة  أساس ديني ، عرقي ، أو إثني أو قومي ، وسواء كان ذلك بصفة كلية أو جزئية  ،  ففي التوصية رقم 96/1 الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 11/ 12/ 1946  أن جريمة الإبادة الجماعية تعني أنكاراً لأسمى حقوق الإنسانية لاسيما لحق هذه الجماعات في العيش والبقاء ، فالفرد في هذه الجريمة يعد هدفاً أولياً لتحقيق غاية نهائية ،ألا وهي تدمير الجماعة المستهدفة كلياً أو جزئياً[3]، ونستطيع القول أن من حق أفراد الجماعة أن يصان حقهم في الحياه كما أن من حق الجماعة أن يصان حقها في التكوين وعدم التعرض لكيانها ، وبالتالي هناك فرق واضح في إطار جريمة الإبادة الجماعية بين حقوق الجماعة بصفتها هذه وبين حقوق الأفراد المكونين لهذه الجماعة .

كما أن هذه الجريمة تتميز بطبيعتها الدولية نظراً لخطورتها على المجتمعات والآثار السلبية فتم التأكيد عليها من قبل المجتمع الدولي في اتفاقية مكافحة جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها وفي ميثاق روما  .

أركان جريمة الإبادة الجماعية :

أولا: الركن الشرعي لجريمة الإبادة الجماعية :

ويقصد به الفعل الذي ورد به نص يعاقب عليه من قام بإتيانه ، فلا جريمة ولا عقوبة  إلا بنص ، تطبيقاً لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات ، وقد وردت هذه النصوص المحظورة والمعاقب عليها في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية وهو الذي يطبق على جميع الجرائم الدولية بالإضافة إلى المعاهدات والاتفاقيات الدولية ومبادئ القانون الدولي وقد نصت على هذه المصادر الواجبة التطبيق المادة (21) من نظام المحكمة الجنائية الدولية بقولها تطبق المحكمة  :

  • في المقام الأول، هذا النظام الأساسي وأركان الجرائم والقواعد الإجرائية وقواعد الإثبات الخاصة بالمحكمة .
  • في المقام الثاني، حيث يكون ذلك مناسباً، المعاهدات الواجبة التطبيق ومبادئ القانون الدولي وقواعده، بما في ذلك المبادئ المقررة في القانون الدولي للمنازعات المسلحة .

ج- وإلا المبادئ العامة للقانون التي تستخلصها المحكمة من قوانين الوطنية للنظم القانونية في العالم ، بما في ذلك ، حسبما يكون مناسباً القوانين الوطنية للدول التي من عادتها أن تمارس ولايتها على الجريمة، شريطة ألا تتعارض هذه المبادئ مع هذا النظام الأساسي ولا مع القانون الدولي ولا مع القواعد والمعايير المعترف بها دولياً .

وبتالي فإن القاضي الجنائي الدولي الذي ينظر جريمة الإبادة الجماعية يلتزم بتطبيق النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ويلتزم بصفة أولية الرجوع إلى نص المادة (6) لاستخلاص أركان الجريمة ومدى توافرها على الواقعة المنظورة أمامه[4].

الركن المادي لجريمة الإبادة الجماعية:

ارتكاب الجاني فعلاً إجرامياً محظوراً وأن يؤدي هذا الفعل إلى نتيجة إجرامية .

والفعل الإجرامي قد يكون إيجاباً أو سلبياُ ، فالفعل الإيجابي ” هو حركة عضوية إرادية يقوم بها الجاني عن طريق عضو من اعضاءه ، مثل إطلاق النار على المجنى عليه في جريمة قتل .

أما الفعل السلبي فهو الامتناع عن القيام بفعل يوجبه القانون أو العرف ، كامتناع القاضي عن الحكم في القضية ، وامتناع الوالدين عن رعاية أطفالهما …الخ[5].

وبوجه عام فأنه يجب أن يؤدي الفعل الإجرامي إلى تحقيق نتيجة إجرامية محظورة ، وأن تتوافر العلاقة السببية بين الفعل والنتيجة بمعنى أن يؤدي الفعل الإجرامي إلى تحقيق أذى جسدي بأفراد الجماعة .

ويقصد بالركن المادي لجريمة الإبادة الجماعية الإتيان بأي فعل من الأفعال التي نصت عليها المادة (6)من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية والمادة الثانية من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها وهي تشمل، قتل أعضاء من الجماعة ،إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء من الجماعة ، إخضاع الجماعة عمداً لظروف معيشية يراد بها تدميرها الكلي أو جزئيا ، فرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال في الجماعة ، ونقل الأطفال من الجماعة عنوة إلى جماعة أخرى ، ونذكر هنا أربع صور ترى الباحثة أنها محققة في غزة .

الصورة الأولى : قتل أعضاء من الجماعة.

جريمة القتل العمد تتشابه مع جريمة الإبادة الجماعية  في فعل القتل والنتيجة المترتبة وهي موت المقتول والقضاء عليه حيث يعرف الأول بأنه القتل العمد الواقع على الإنسان بصرف النظر عن الصفة التي يحملها فقد يكون ممن أسرى الحرب أو الجرحى أو المدنيين وسواء وقع في نزاع داخلي أو دولي فإنه جريمة في القانون الدولي الإنساني ، إلا أن الاختلاف يكمن في القصد الخاص في جريمة الإبادة الجماعية وهو التدمير الكلي أو الجزئي بالإضافة إلى الانتماء أي أن الضحايا يتم اختيارهم بطريقة ممنهجة وبناء على صفات تتوفر في الجماعة كأن تكون من جماعة قومية أو دينية[6]، وعلى أثر ذلك فإن  القتل في الإبادة الجماعية  يلجأ فيه  الجاني إلى قتل شخصين أو أكثر من أفراد جماعة عرقية، أو إثنية أو قومية ،أو دينية ، وذلك بوجود قصد مسبق لدى الجاني بإهلاك هذه الجماعة ، سواء كان ذلك بصورة كلية أو جزئية[7] ، وقد بينت المحكمة الجنائية الدولية أركان القتل .

1-أن يقتل الجاني شخصاً أو أكثر.

2- أن يكون الضحايا منتمين إلى جماعة على أساس الخلفية  القومية ، أو الإثنية ، أو العرقية ، أو الدينية .

3- أن تتوجه نية الجاني إلى إهلاك تلك الجماعة القومية ، أو الإثنية ، أو العرقية ، أو الدينية ، بصورة جزئية ، أو كلية بصفتها تلك .

4- أن يكون من شأنه بأنه يتسبب بصورة ذاتية بإهلاك الجماعة ، أو أن يصدر ضمن نمط تلك سلوك مماثل موجه نحو تلك الجماعة بصورة خاصة[8].

الصورة الثانية : إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء من الجماعة.

وفقاً للمحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا فإنه يقصد بهذه الصورة السلوك أو التصرف الذي ينتج ضرراً جسيماً على سلامة صحة الضحية أو التسبب في تشويهات جسدية أو المؤدي إلى عجز الأعضاء الحيوية لجسم الفرد ( داخلية أو خارجية أو حسية ) ، كما توصل قضاة المحكمة أنه لا يستوجب أن يكون الضرر الجسيم دائماً أو غير قابل للعلاج ، بل يمكن أن يؤخذ صورة الضرر المؤقت ، ولكن لا يؤخذ بالضرر الطفيف[9].

فمما ذكرته لجنة التحقيق قي قضية البوسنة والهرسك عندما كان الجناة يمارسون أفعال وحشية  على ضحاياهم كتقييدهم وضربهم ضربا مبرحاً على الأماكن الحساسة ، واستخدام الات حادة لرسم الصليب على وجوههم واغتصاب نسائهم بشكل جماعي ، لقصد إبادتهم كلياً أو جزئياً ،والجدير بالذكر هنا إن جريمة الإبادة الجماعية تختلف عن جريمة التعذيب ، فإن الثانية وحسب ما جاء في اتفاقية مناهضة التعذيب لسنة 1984  فإنها تتشابه مع جريمة الإبادة الجماعية من حيث الأفعال المادية والنتيجة المترتبة بالإضافة إلى التعمد بإتيان هذه الأفعال إلا أن الاختلاف يكمن في القصد من هذه الأفعال ، فالقصد في الإبادة الجماعية هو التدمير الكلي أو الجزئي للجماعة أما في التعذيب فالقصد غير محدد ،  علماً بأن الإبادة لا تكون فورية في هذه الحالة ، الا أن الاعتداء على كرامة الإنسان قد يكون أصعب من القتل الذي ينهي حياته على الفور[10].

الصورة الثالثة :  إخضاع الجماعة عمدا ، لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كلياً أو جزئياً.

عبرت عنها المادة 6 من النظام الأساسي وتشمل الإبادة تعمد فرض أحوال معيشية ، من بينها الحرمان من الحصول على الطعام والدواء ، بقصد إهلاك جزء من السكان[11]، أي حرمان تلك الجماعة من الموارد الضرورية والأساسية للبقاء على الحياة مثل الماء والدواء والأغذية ، ويرى بعض الفقهاء أن هذه الطريقة للإبادة الجماعية تعتبر وسيلة إبادة بطيئة لأنها لا تتخذ صورة القتل أو الإيذاء الجسيم ، وإنما تهدف إلى إخضاع الجماعة لظروف معيشية قاسية شأنها القضاء عليهم ببطء [12].

الصورة الرابعة :  فرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال في الجماعة.

تعتمد فيها أساليب بيولوجية تعوق نمو وتزايد أعضاء الجماعة المستهدفة مثل استعمال وسائل الإجهاض عند تحقق الحمل وطرق التعقيم وتدخل صورة منع الإنجاب عمليات القتل للرضع والأطفال صغار السن[13].

حيث جاء في الفقرة (د) من المادة الثانية من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ، ويقصد به القيام بتدابير يكون منها منع التكاثر داخل جماعة معينة ،أو إعاقته وهو ما يطلق عليه بالإبادة البيولوجية ، ومن أمثلتها إخصاء الرجال ، وتعقيم النساء بعقاقير تفقدهم القدرة على الحمل والإنجاب أو إكراههن على الإجهاض إذا ما وقع الحمل ، أو استخدام طرق ووسائل تقضى على خصوبة الذكر[14]. 

ما يقع من انتهاكات في قطاع غزة:

تعرف غزة بأنها واحدة من أكثر الأماكن كثافة سكانية في العالم ،وهي بقعة صغيرة تبلغ مساحتها 365كيلو متراً مربعاً[15]، فرضت إسرائيل الحصار عليها عقب فوز حماس في الانتخابات التشريعية في يناير 2006، وتعد الغالبية الساحقة من 2,2 مليون وقعت عليها إسرائيل عقوبات تشمل التحكم في الوقود والبضائع وحركة الأفراد ، وفصل القطاع عن الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس الشرقية وعن العالم الخارجي  ، مما تسبب في ركود اقتصادي شامل أدى إلى ارتفاع في معدلات الفقر والبطالة وتدهور في القطاع الصحي.[16]

ومنذ 7 أكتوبر 2023، قامت إسرائيل بتصعيدها لإغلاق دام 16عام على 2,2 مليون فلسطيني  بقصف مستهدف ومتكرر للمدنيين وقطع الوصول إلى جميع احتياجاتهم الأساسية ، بما في ذلك الطعام والماء والكهرباء والإمدادات الطبية ،فخلال الأسبوع الأول من الهجوم سقط على غزة أكثر من 6000 قنبلة  وهو يعادل ما أسقطته الولايات المتحدة على أفغانستان في عام كامل[17].

وقتل أكثر ما يقارب 31 ألف  فلسطيني ، منهم حوالي 70 % في المائة من النساء والأطفال[18].

وأوضحت هيئة الأمم المتحدة للمرأة  بأن اثنان من الأمهات تقتل كل ساعة ، ولا توجد أماكن آمنة لناجيات من العنف القائم على النوع الاجتماعي ، وما يقرب من مليون امرأة وفتاة شُردن وتشير بأنه وفقاَ لتقديرات صندوق الأمم المتحدة لسكان فمن المتوقع أن تلد 5,500 امرأة خلال الشهر القادم  ويحتجن إلى رعاية طبية خاصة ، إلا أن خروج المستشفيات عن العمل يؤثر بشكل كبير على الوصول إلى هذه الرعاية، ووثقت الجنة بأن انقطاع الاتصالات السلكية ولا سلكية والكهرباء يقيدن توفير خدمات التصدي للعنف القائم على النوع الاجتماعي[19].

إن كل هذه الأفعال  ترقى إلى جريمة الإبادة الجماعية ويظهر ذلك من خلال عدد القتلى والأسلحة المستخدمة  ومنع كل وسائل الحياة عن المدنيين في غزة من خلال تعرضهم للقصف العنيف للمنازل والمستشفيات والمدارس وقطع الكهرباء ومنع وصول الغذاء والوقود.

وعلى أثر ذلك قدمت دولة جنوب إفريقيا طلباً لإقامة دعوى ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بموجب انتهاكات اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها ، فيما يتعلق بالفلسطينيين في قطاع غزة وطالبت المحكمة باتخاذ تدابير وقائية عاجلة حماية لحقوق الشعب الفلسطيني بما فيها وقف إطلاق النار على المدنيين.

وجاء قرار محكمة العدل الدولية بأن هناك معقولية في الادعاءات التي قدمتها جنوب إفريقيا ضد إسرائيل بخصوص ارتكاب الإبادة الجماعية ، وقررت المحكمة أن على إسرائيل اتخاذ إجراءات عاجلة تشمل منع الأفعال المحظورة بموجب اتفاقية منع الإبادة الجماعية ، واتخاذ إجراءات لضمان وصول المساعدات الغذائية ، والحفاظ على الأدلة المتعلقة بارتكاب إبادة جماعية ، وطالبت إسرائيل بتقديم تقرير حول التدابير الآنفة الذكر للمحكمة خلال شهر من صدور القرار.

إلا أن إسرائيل لم تلتزم بالتدابير المؤقتة واستمرت في ارتكاب المزيد من أعمال الإبادة الجماعية وأعلنت عن نيتها لاجتياح رفح عسكرياً ، مما دفع جنوب إفريقيا إلى التقدم بطلب إجراءات مؤقتة إضافية بتاريخ 12 فبراير2024،وفي 16 فبراير 2024 نظرت المحكمة في طلب جنوب إفريقيا واتخذت قرار أشارت فيه ان هذا الوضع الخطير يتطلب التنفيذ الفوري والفعال للتدابير المؤقتة التي أشارت إليها المحكمة في قرارها الصادر 26يناير 2024.

الركن المعنوي لجريمة الإبادة الجماعية.

يقصد بالركن المعنوي لجريمة الإبادة الجماعية توافر القصد الجنائي لدى الجاني بأن يكون على علم بأن  أفعاله التي يقوم بها سوف تؤدي إلى تهديم كيان الجماعة وإبادتها ، فإذا كان فعل الجاني موجهاً إليهم بصفتهم الشخصية الفردية ، تنتفي جريمة الإبادة ويقع في حقهم جريمة الاضطهاد ، وتتميز هذه الجريمة بركنها الخاص المتمثل في قصد الإبادة لجماعة معينة سواءً كان بشكل كلى أو جزئي .

والجماعات المحمية التي تقع عليها جريمة الإبادة البشرية هي بحسب المادة (6) من نظام المحكمة الجنائية الدولية ، الجماعات الوطنية ، والإثنية ، والعرقية والدينية .

وعليه فإن انتفاء نية الإهلاك الكلي أو الجزئي يجعل الجريمة غير مكتملة الأركان ويجردها من وصف الإبادة مهما بلغت جسامتها[20].

والقصد الجنائي أمر باطني لا يمكن إثباته بطريقة مباشرة ، وإنما يمكن  الاستدلال عليه من خلال قرائن أو مظاهر خارجية وهذا هو اتجاه المحاكم الجنائية الدولية في رواندا ويوغسلافيا التي اعتمدت على الأفعال المادية مثل شيوع القتل وانتشاره على المنطقة الجغرافية التي توجد فيها الجماعة بصورة منظمة ، وأنواع الأسلحة المستخدمة ، واستخدام عبارات مهينة ضد الجماعة المستهدفة[21].

ويدل على أن هذه الأفعال التي تم ذكرها سابقاً أنها ترتكب بشكل عمدي وبطريقة منظمة تصريحات السلطات الإسرائيلية على مواقع التواصل الاجتماعي نذكر ما صرح به ،رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو يوم 9 تشرين  بأن هذه الأفعال هي مجرد البداية وما قاله وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت في وصف الجماعة المستهدفة بأنهم “حيوانات بشرية “، وإعلانه عن عمل “عسكري غير مقيد “، تشير إلى وجود نية لقتل وتدمير السكان الفلسطينيين ، بالإضافة إلى تصريح  الواء غسان عليان منسق الأنشطة الحكومية في الجيش الإسرائيلي ، مهددا سكان غزة” أنتم تريدون الجحيم ، ستحصلون على الجحيم” .

وخطاب الكراهية الذي يستخدمه  نتنياهو  النصوص اليهودية المقدسة لتبرير قتل الفلسطينيين . قال ” عليك أن تتذكر ما فعله عماليق بك ، يقول كتابنا المقدس ” مقتبساً آية تقول ” الآن اذهب واضرب عماليق .. اقتل رجلاً وامرأة ، وطفلاً.

وفي 5 تشرين الثاني / نوفمبر قال وزير التراث الإسرائيلي أميهاي إلياهو أن أحد خيارات إسرائيل في غزة هو إسقاط قنبلة نووية ، وأنه لا ينبغي تقديم أي مساعدات إنسانية للمدنيين الفلسطينيين ” لأنه لا يوجد
مدنيون غير متورطين في غزة [22].

المسؤولية الدولية الجنائية للأفراد:

هي التي تنشأ على عاتق ممثلي الدولة سواء كانوا سياسيين أو عسكريين والذين يرتكبون جرائهم باسم الدولة أو أي شخص من أشخاص القانون الدولي او الذين يرتكبون أية انتهاكات للقانون الدولي الإنساني أثناء تنفيذهم للأعمال الحربية أو إدارتها أو أي سلوك خاضع للقانون الدولي الجنائي .( رسالة مقدمة لنيل الحصول على درجة  الماجستير في القانون العام – المسؤولية الدولية الجنائية للأفراد في ضوء تطور القانون الدولي  الجنائي – إعداد الطالب فلاح مزيد المطيري –إشراف الأستاذ الدكتور نزار العنبكي – جامعة الشرق الأوسط )

ووفقاً للمادة (25)من النظام الأساسي للجنائية الدولية فإنه يكون للمحكمة اختصاص على الأشخاص الطبيعيين الذين يرتكبون جرائم تدخل في اختصاص المحكمة ويسألون جنائياً ويكونون عرضة للعقاب عن ارتكابهم للجرائم التي تدخل في اختصاصها سواء كانت هذه الجرائم مرتكبة بصفة فردية أو بالاشتراك مع آخر أو عن طريق شخص آخر، أو إذا أمر أو أغرى بارتكاب أو حث على ارتكاب جريمة وقعت بالفعل أو شرع فيها ،أو إذا قام بتقديم العون أو التحريض أو المساعدة بأي شكل أخر لغرض تيسير ارتكاب هذه الجريمة أو الشروع في ارتكابها بما في ذلك توفير وسائل ارتكابه[23].

أو أن تقوم جماعة من الأشخاص بالمساهمة بأي طريقة تساعد على الإبادة الجماعية، أو بالعمل بقصد الاشتراك في ارتكاب هذه الجريمة أو الشروع في ارتكابها على أن تكون هذه المساهمة متعمدة.

ثانيا: أبرز مواقف القوى الدولية الكبرى من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، الدلالات والنتائج.

بعد أكثر من 140 يوم من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، يتضح للعالم بأسره حجم ما ارتكبته إسرائيل من انتهاكات للقانون الدولي الإنساني، وأننا أمام جريمة إبادة جماعية مكتملة الأركان، ولكن ليست تل أبيب وحدها التي ستتحمل مسؤولية تلك الجريمة، فإسرائيل حظيت بدعم كبير من عدة دول، مما يجعل تلك الدول شركاء في جريمة الإبادة الجماعية، والانتهاكات للقانون الدولي الإنساني التي ارتكبتها إسرائيل في حق المدنيين في قطاع غزة.
فكافة أشكال الدعم الدولي لتل أبيب سواء سياسيا أو عسكريا أو ماديا، ساعدها في ارتكاب فظائع عديدة، كما مهد لها الطريق لارتكاب جريمة الإبادة الجماعية، مما يجعل الدول التي ساعدت إسرائيل، شركاء في تلك الجريمة أيضا، ويجب أن تقع عليهم المسؤولية الجنائية مجتمعين.

أولا: الولايات المتحدة الأمريكية.

لا شك أن عملية طوفان الأقصى أحدثت صدمة كبيرة لدى الولايات المتحدة، خاصة أن أجهزتها الاستخباراتية لم يكن لديها أي معلومات عن عملية الطوفان، وذلك على الرغم من أن واشنطن لديها أقمار صناعية ترصد كل متر في تلك المنطقة حسب ما هو مزعوم، هذا بالإضافة إلى وجود قاعدة عسكرية أمريكية في جنوب إسرائيل بصحراء النقب المسماة ( بالموقع 512) والتي تحتوي على أجهزة رادار موجهة لحماية إسرائيل من الهجمات الصاروخية الإيرانية، وتبعد تلك القاعدة بنحو 25 كم عن قطاع غزة، وعلى الرغم من كل تلك الإمكانيات لم تستطع واشنطن ولا تل أبيب كشف مخطط المقاومة الفلسطينية بتنفيذ عملية الطوفان، وهو ما أدى لانزعاج واشنطن التي سرعان ما قامت بإرسال حاملتي طائرات ترافقهما قطع بحرية أخرى وذلك لشرق المتوسط، وهما حاملة طائرات فورد، وحاملة طائرات أيزنهاور، ثم قام الرئيس الأمريكي جو بايدن بزيارة إسرائيل وذلك جاء بعد زيارة وزيري الدفاع والخارجية الأمريكيين وقاموا بحضور مجلس الحرب الإسرائيلي الذي تم فيه إقرار العملية العسكرية التي ستكون ردا على عملية طوفان الأقصى، والتي سيكون هدفها القضاء على جميع حركات المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حركة حماس[24].

وجاء موقف واشنطن داعما لإسرائيل وذلك حينما تم تقديم مشروع قرار بوقف إطلاق النار في غزة، قامت الولايات المتحدة بعرقلة ذلك المشروع وهذا باستخدام حق الفيتو، وذلك لإتاحة أكبر وقت كافي لإسرائيل حتى تتمكن من إنجاز أهداف عمليتها العسكرية التي تلاقي مقاومة شديدة من حركة حماس، ومما سبق يتضح الدعم الكبير من واشنطن تجاه تل أبيب.

والجدير بالذكر أن تلك الحرب أدت لانعكاسات سلبية على واشنطن، فهي في طريقها لفقدان مصداقيتها حين حديثها عن دورها في حل قضايا ونزاعات الشرق الأوسط، كما انعكست تلك الحرب على الداخل الأمريكي وذلك بتراجع شعبية بايدن وذلك بعد اعلان الجاليات العربية والإسلامية في الولايات المتحدة بأنها لن تصوت لصالح بايدن في انتخابات نوفمبر 2024م هذه الجاليات وإن كانت لا تتمتع بنسبة تصويت عالية إلا أنها يمكن أن تكون عاملا مرجحا في أكثر من ولاية أمريكية ذات ثقل تصويتي[25].

ومن صور الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل أيضا، هو موافقة مجلس النواب الأمريكي على مشروع  قانون ينتج عنه تخصيص ما يقارب 14.3 مليار دولار كمساعدات عسكرية، بالإضافة لتزويدها بأسلحة متطورة، استخدمتها تل أبيب في هجومها على غزة مثل الطائرة المقاتلة F-35 وهي أحد الطائرات الأكثر تطورا في العالم[26]

ثانيا: روسيا.

قامت موسكو برد فعل يجمع بين التوازن والحذر، حيث نجدها علاقات طيبة بحركة حماس، فقدمت موسكو دعما دبلوماسيا تمثل في تقديم مشروع قرار يوم 16 أكتوبر 2023 يهدف لوقف إطلاق النار بغزة دون إدانة حماس، وفي ساحات القتال نرى أن حماس تمتلك العديد من الأسلحة الروسية مثل الصواريخ المضادة للدروع، وصواريخ أرض-جو، وبحسب تصريح لأحد قيادات حركة حماس لقناة روسيا اليوم أن روسيا أذنت لحركة بوكالة انتاج بنادق آلية من طراز كلاشينكوف الروسي، كما صرح الرئيس بوتين في خطاب له خلال قمة زعماء الاتحاد السوفيتي بأن إسرائيل اتخذت رد فعل وحشي تجاه الفلسطينيين، كما شبه الحصار المفروض على قطاع غزة كحصار النازيين لليننجراد، لتنتقل موسكو إلى الجانب الأخر من الدعم لنرى بوتين يتحدث عن حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، إضافة لإجراء مكالمة هاتفية من بوتين لنتنياهو لبحث التوصل لتسوية سلمية لذلك النزاع، إضافة لتقديم الرئيس الروسي تعازيه لعائلات الضحايا الإسرائيليين، فموقف موسكو المتوازن يرجع إلى أنها تمتلك مصالح مع الأطراف المختلفة، فموسكو تمتلك مع تل أبيب علاقات جيدة ومصالح مشتركة مثل التنسيق بينهما في الملف السوري، كما أن موسكو تمتلك علاقات طيبة مع حركة حماس، فالموقف المتوازن الحذر نابع من السياسية الروسية المتمثلة في الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع أطراف الصراع في الملفات المختلفة، كالملف السوري و الملف الفلسطيني[27].

كما أن تلك الحرب حققت مصالح ولو بشكل نسبي لموسكو، فحرب غزة تسيطر الآن على الواجهة الإعلامية العالمية، مما جعل  الحرب الروسية الأوكرانية تغيب عن المشهد الإعلامي وهو ما يحقق مصلحة لروسيا، كما أن تلك الحرب ستقلل من حجم المساعدات الأمريكية الموجهة لصالح أوكرانيا، فمن الصعب على واشنطن أن تقدم المزيد من المساعدات لأوكرانيا في ظل تأجج النزاع بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية، فالجمهوريين في مجلس النواب الأمريكي يرفضون تقديم مساعدات جديدة لأوكرانيا، وبحسب استطلاع رأي تم بواسطة مؤسسة جالوب في الفترة بين 6-14 أكتوبر 2023م أن 41% من الأمريكيين يرون أن واشنطن تقدم دعم كبير جدا لأوكرانيا وذلك مقارنة بنتائج نفس استطلاع الرأي في يونيو 2023م والتي كانت نسبته 29% فحرب غزة صرفت انتباه العالم عن الحرب الروسية الأوكرانية وهو ما يحقق فوائد عديدة لروسيا، كما أن مثل هذه الصراعات في الشرق الأوسط تزيد من تمسك روسيا بخلق نظام عالمي متعدد الأقطاب ليكون بديل للنظام أحادي القطبية التي تسيطر عليه الولايات المتحدة[28].

ثالثا: الصين.

اتخذت بكين موقفا يتماشى مع طموحها السياسي والاقتصادي، والدور الذي تريد أن تلعبه عالميا، فالصين ومعها العديد من الدول مثل روسيا، من الدول الرافضة للنظام العالمي أحادي القطبية، والتي تسعى أيضا لتكوين نظام عالمي جديد متعدد القطبية، يتماشى أكثر مع مكونات السياسة الخارجية الصينية، ومع مقدرات الصين، كطرف دولي أكثر تأثيرا ونفوذا في عالم متعدد الأقطاب.

فكان الموقف الصيني رافضا للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة ردا على عملية طوفان الأقصى، كما أدانت بكين استهداف المدنيين في قطاع غزة، كما وصف وزير الخارجية الصيني وانغ ويي بأن ما فعلته تل أبيب من إصدار أوامر للفلسطينيين لنقلهم هو بمثابة تهجير قسري، كما استخدمت بكين في 25 أكتوبر 2023م حق النقض (الفيتو) داخل أروقة مجلس الأمن لنقض مشروع قرار أمريكي لإدانة حماس[29].

فموقف الصين المناهض لسياسات إسرائيل وإن كان يحقق دعم لغزة، فإن له العديد من الدلالات، وأبرزها أن تلك الحرب ستشكل ضغط على الولايات المتحدة من حيث أن واشنطن ستضطر لزيادة الدعم العسكري المقدم لإسرائيل، مما يعني تحويل مواردها العسكرية لمنطقة الشرق الأوسط بدلا من منطق ( الهندوباسيفيك) المحيطين الهادي والهندي، ذلك بالإضافة للموارد والدعم العسكري الأمريكي لأوكرانيا، فجبهة حرب غزة والحرب الأوكرانية ستشغل دوائر صنع القرار الأمريكية بالحربين السابقتين بعيدا عن ملف تايوان ولو بشكل مؤقت _صراع كامن_ كما يتوافق موقف بكين مع دورها التي تطمح بأن تكتسبه على الساحة الدولية، وهو أن تكون طرف دولي فاعل في عالم متعدد القطبية، وذلك يتضح في طرح بكين نفسها كوسيط لإدارة تلك الأزمة، وهو ما يتضح في إرسال الصين لمبعوثها لعدة دول في المنطقة مثل مصر، وقطر، والسعودية، لبحث تلك الأزمة وآفاق جلجلة ذلك الصراع، ومن المكاسب الصينية أيضا هو تهديد نجاح الممر التجاري الجديد الذ يمتد من الهند بأوروبا والذي يمر بميناء حيفا، وهو الطريق الذي أعلن عنه  الرئيس الأمريكي جو بايدن في قمة العشرين بالهند، وهو الطريق الذي يمثل بديل لمبادرة الحزام والطريق الخاصة بالصين، فهو بذلك يمثل تهديد للمصالح الاقتصادية الصينية[30].

رابعا: بريطانيا.

في أعقاب عملية طوفان الأقصى سرعان ما أعلنت بريطانيا دعمها وتضامنها مع إسرائيل، فأرسلت لندن سفينتين حربيتين  لشرق المتوسط بالإضافة لطائرات مراقبة، وطائرات هليكوبتر وذلك في إطار الدعم لتل أبيب في معركتها مع المقاومة الفلسطينية[31]، كما قام رئيس الوزراء البريطاني ريتشي سوناك بزيارة تل أبيب وإعلانه استنكاره للعمل الي قامت به حماس وذلك في  بداية النزاع، ليقترب الموقف البريطاني من الحياد في الأيام الأخيرة وذلك واضح في تصريح وزير الخارجية البريطاني بالحاجة العاجلة بوقف إطلاق النار بشكل دائم والعمل على إيجاد تسوية سلمية للنزاع[32].

خامسا: ألمانيا:

لم يختلف رد فعل برلين عن غيرها من الدول الغربية التي دعمت إسرائيل، ففي 17 أكتوبر 2023 قام المستشار الألماني أولاف شولتز بزيارة تل أبيب والذي صرح في مؤتمر صحفي مع نظيره الإسرائيلي نتنياهو بأن أمن إسرائيل هو مصلحة وطنية عليا لبرلين[33]، كما قامت الحكومة الألمانية بالموافقة على تصدير معدات عسكرية إلى إسرائيل تبلغ قيمتها 323 مليون دولار وذلك بداية من 2 نوفمبر 2023، كما قامت برلين بإرسال قائد القوات الجوية الألمانية في الأسبوع الثالث من الحرب وذلك في إطار دعمها لتل أبيب[34].

وعلى إثر ذلك نجد تحركات تحاول إدانة الحكومة الألمانية بأنها شريكة لتل أبيب في جريمة الإبادة الجماعية المرتكبة من قبل الأخيرة، وذلك تمثل في قيام بعض المحامين الألمان في الأيام الأخيرة _ ممثلين عن عائلتين من غزة_ بتقديم شكوى جنائية ضد بعض المسئولين في الحكومة الألمانية، وتلك الشكوى قائمة على ملاحظة حجم الدعم العسكري من قبل برلين لتل أبيب خاصة بعد عملية طوفان الأقصى، ففي عام 2023 قامت ألمانيا بتصدير ما يقارب حجمه 326.5 مليون يورو من الأسلحة التي تم الموافقة على معظمها بعد 7 أكتوبر 2023، وهي زيادة تعادل عشرة أضعاف الصادرات الألمانية لإسرائيل من الأسلحة مقارنة بعام 2022، لتشكل صادرات الأسلحة الألمانية لتل أبيب ما يقارب 28% من إجمالي واردات إسرائيل العسكرية[35].

سادسا: فرنسا.

من المعروف أن باريس تدعم تل أبيب قبل بدء تلك العملية، كانت باريس أول الداعمين لتل أبيب بعد عملية طوفان الأقصى، فقام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالدعوة لحشد تحالف دولي موجه ضد حماس لمحاربتها وذلك في زيارته لتل أبيب، فدعم فرنسا لإسرائيل في البداية كان غير مشروط، وأدانت باريس المقاومة الفلسطينية في البادية، لتحول باريس سياستها وتعاطيها مع الحدث من دعوة العالم للتضامن مع تل أبيب إلى انتقاد إسرائيل وعمليتها العسكرية على غزة، وصرح ماكرون عن ذلك بأن ” يجب على إسرائيل أن تتوقف عن قتل الأطفال والنساء وكبار السن في غزة، لا يوجد مبرر للقصف” وذلك التحول الفرنسي نتج عن رغبة باريس الحقيقة بأن تكون وسيط له تأثير عالميا، وإعادة موضعة نفسها في الشرق الأوسط وكسب المصداقية لدى دول المنطقة وذلك في إطار سياسة ( الاستقلال الاستراتيجي) عن واشنطن التي تتبعها فرنسا بقيادة ماكرون[36].

وضحت المواقف الدولية السابقة أشكال الدعم الذي نالته إسرائيل، مما مهد لها الطريق في انتهاكها للقانون الدولي الإنساني، وارتكاب جريمة إبادة جماعية في حق المدنيين في قطاع غزة، تلك الجريمة الواضحة للعالم، والتي تلقى رفض واستنكار في أكثر من دولة.

وعلى الرغم من الرفض والاستنكار وبعض التحركات الدولية ضد إسرائيل، مثل التحرك الجنوب أفريقي بمقاضاة تل أبيب أمام محكمة العدل الدولية، والتحرك المصري الذي تمثل في تقديم مذكرة لمقاضاة إسرائيل في محكمة العدل الدولية، وعلى الرغم ما اتخذته من فرض تدابير مؤقتة على إسرائيل بهدف منع انتهاكات اتفاقية الإبادة الجماعية، إلا أن إسرائيل تتحدى تلك القرارات بشكل واضح، وذلك بأن القصف الإسرائيلي مازال مستمرا على قطاع غزة، بالإضافة لقطع طرق المساعدات اللازمة لبقاء سكان قطاع غزة على قيد الحياة، لتستكمل إسرائيل طريقها في ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية وانتهاكات القانون الدولي الإنساني، وذلك نظرا للدعم الذي حظيت به إسرائيل، ذلك الأمر الذي يجب معه اتخاذ تدابير أكثر حزما وقوة لوقف تلك الحرب بشكل عام، ومحاسبة جميع المسؤولين جنائيا عن تلك الجريمة، والانتهاكات للقانون الدولي الإنساني التي تم ارتكابها في حق الشعب الفلسطيني بقطاع غزة. 

الخاتمة.

بعد التعريف بجريمة الإبادة الجماعية، وتحليل أركانها، وصورها، يتضح أن ما ترتكبه إسرائيل في حربها على قطاع غزة هو جريمة إبادة جماعية، وبتحليل المواقف الدولية نجد أن العديد من الدول قدمت لتل أبيب العديد من أشكال المساعدة، سواء عسكريا أو سياسيا، وهو الأمر الذي مهد لإسرائيل الطريق لأن ترتكب تلك الجريمة وجعل من تلك الدول شركاء لتل أبيب في جريمتها، في تحدي صريح للقانون الدولي، فما ارتكبته إسرائيل وما هي مستمرة حتى الآن في ارتكابه من انتهاكات للقانون الدولي الإنساني، والاستمرار في نهج الإبادة الجماعية، يستلزم رد فعل أكثر حزما من المجتمع الدولي، الذي يجب أن يتحمل مسؤوليته تجاه ما ترتكبه إسرائيل، ويجب العمل دوليا بشكل أوسع لمحاسبة المسئولين عن تلك الجريمة المرتكبة في حق الشعب الفلسطيني.

فالوضع الكارثي في غزة يستلزم وقف عاجل لإطلاق النار، لرفع المعاناة التي أثقلت كاهل المدنيين الفلسطينيين، والعودة للمفاوضات  لحلحلة ذلك الصراع، وذلك بإعلان قيام دولة فلسطينية، تحقق للشعب الفلسطيني آماله في العيش في سلام واستقرار، والعمل على بناء السلام في المنطقة، وهو ما سينعكس بالإيجاب على كافة دول المنطقة، ويعزز من استقرارها.

[1]  مارتن شو، الإبادة الجماعية ؛ مفهومها، وجذورها ،وتطورها وأين حدثت ؟ ،ترجمة محى الدين حميدي ، الرياض، مكتبة العبيكان ،2017،ص 33.

[2]  نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية المعتمد في روما بتاريخ 17يوليو 1998.

[3] جريمة الإبادة الجماعية في ظل المحاكم الجنائية الخاصة والمحكمة الجنائية الدولية – دراسة تحليلية – عمر محمد موسى ، أستاذ مساعد قسم القانون – جامعة شقراء – المملكة العربية السعودية.

[4]  جريمة الإبادة الجماعية في غزة وفقاً لنظام المحكمة الجنائية الدولية- القاضي 22أحمد محمد عبد الرؤوف المنيفي – بحث منشور على الإنترنت.

[5]  جريمة الإبادة الجماعية في غزة وفقاً لنظام المحكمة الجنائية الدولية، مرجع سابق.

[6] جريمة الإبادة الجماعية في ظل المحاكم الجنائية الخاصة والمحكمة الجنائية الدولية، مرجع سابق.

[7] جريمة الإبادة الجماعية في القانون الدولي : دراسة تحليلية ، جود عدنان دحيلية ، جامعة النجاح الوطنية كلية الدراسات العليا ص20.

[8] المصدر المادة ( 6أ ) من أركان الجرائم في المحكمة الجنائية ، اعتمدت من قبل جمعية الدول الأطراف في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في دورتها الأولى المنعقد في نيويورك من 3-10 سبتمبر 2002.

[9] زوينة الوليد ، جريمة الإبادة الجماعية على ضوء الاجتهاد القضائي للمحكمة الجنائية لرواندا ، رسالة ماجستير ،2023 ص 107

[10]  زوينة الوليد ، جريمة الإبادة الجماعية على ضوء الاجتهاد القضائي للمحكمة الجنائية لرواندا، مرجع سابق.

[11] نظام روما الأساسي السابع عشر من تموز / يوليه 1998.

[12] جريمة الإبادة الجماعية وآليات متابعتها في ظل القانون الدولي الجنائي، وليد بلادهان  – مذكرة مكملة لنيل الماجستير في الحقوق : تخصص منازعات عمومية –  جامعة العربي بن مهيدي ولاية –أم البواقي  كلية الحقوق والعلوم السياسية – قسم الحقوق – ص 28.

[13] أسس جريمة الإبادة الجماعية في القانون الدولي الجنائي – دكتور بن الزين محمد الأمين أستاذ محاضر بكلية الحقوق – جامعة بن يوسف بن خدة الجزائر، ص 387.

[14]  دور المحكمة الجنائية الدولية في مكافحة جريمة الإبادة الجماعية – خويل بلخير، جامعة المدية – مجلة تاريخ العلوم ، العدد الثامن ج1-جوان 2017.

[15] القانون من أجل فلسطين، الإبادة الجماعية المستمرة في غزة: دعوة للعمل العالمي الفوري || إحسان عادل و كاثرين غالاغر.
https://shorturl.at/ikpG

[16] 15 عاما على حصار غزة: 62% من سكان القطاع بحاجة إلى مساعدات غذائية ونسبة البطالة من بين الأعلى في العالم ، أخبار الأمم المتحدة.
https://shorturl.at/uGIZ3

[17] القانون من أجل فلسطين، ، الإبادة الجماعية المستمرة في غزة: دعوة للعمل العالمي الفوري || إحسان عادل و كاثرين غالاغر، مرجع سابق.

[18]  الجزيرة، عدد شهداء غزة يقترب من 31 ألفا وارتفاع ضحايا عالقين تحت الركام، تاريخ النشر 9\3\2024، تاريخ الدخول 9\3\2024.
https://shorturl.at/kqDPY[19] Un women، Gender alert: The gendered impact of the crisis in Gaza، ob.cit.

[20] دور المحكمة الجنائية الدولية في مكافحة جريمة الإبادة الجماعية – خويل بلخير، مرجع سابق.

[21] جرائم الإبادة الجماعية في غزة وفقاً لنظام المحكمة الجنائية الدولية ،أحمد محمد عبد الرؤوف المنيفي، مرجع سابق.

[22]  جرائم الإبادة الجماعية في غزة وفقاً لنظام المحكمة الجنائية الدولية أحمد محمد عبد الرؤوف المنيفي، مرجع سابق.

[23]  نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
https://shorturl.at/szBEV[24]  رخا أحمد حسن، الدور الأمريكي في حرب إسرائيل على غزة، مجلة الدبلوماسي،2023 ، العدد 317، ص31.

[25]  رخا أحمد حسن، مرجع سابق، ص33.

[26] العربية، 158 مليار دولار حجم التمويل الأمريكي لإسرائيل.. خلال هذه الفترة، تاريخ النشر6\11\2023، تاريخ الدخول 12\1\2024.
https://shorturl.at/agnJV

[27] عزت سعد، جرائم إسرائيل في قطاع غزة الموقف الروسي، مجلة الدبلوماسي، 2023، العدد317، ص 24.

[28] عزت سعد، جرائم إسرائيل في قطاع غزة الموقف الروسي، مرجع سابق، ص26.

[29]  Sky News AR.، أزمة تايوان في قلب حرب غزة.. ماذا يحدث بين الصين وغزة؟ تاريخ النشر 6\1\2024، تاريخ الدخول 7\3\2024.

https://shorturl.at/yAJ13

[30]  الجزيرة، الجذور والمصالح والتقلبات .. العلاقات الصينية- الإسرائيلية في ضوء حرب غزة، تاريخ النشر6\12\2023، تاريخ الدخول 7\3\2024.

https://shorturl.at/diGS8[31] العربية، لدعم إسرائيل.. بريطانيا ترسل سفينتين حربيتين وطائرات مراقبة، تاريخ النشر12\10\2023، تاريخ الدخول 18\12\2023.
https://rb.gy/89n6r2[32] Sky news ar.، لندن وبرلين تدعوان لوقف دائم لإطلاق النار في غزة، تاريخ النشر17\12\2023، تاريخ الدخول 18\12\2023.
https://rb.gy/kpczdb[33]  مصطفى الأعرج، تاريخ من الانحياز.. لماذا تدعم ألمانيا إسرائيل وتخنق الفلسطينيين؟ ، ميدان، تاريخ النشر25\10\2023، تاريخ الدخول 18\12\2023.
https://rb.gy/ln6bl4

[34] أحمد عبدالرحمن خليفة، حصاد شهر من المواقف الغربية والأوروبية تجاه الحرب على غزة، مركز الحضارة، تاريخ النشر 15\11\2023، تاريخ الدخول 18\12\2023.

https://rb.gy/39r0py[35] القانون من أجل فلسطين، المساءلة الآن: فلسطينيون يقاضون مسؤولين في الحكومة الألمانية بتهمة تمكين الإبادة الجماعية في غزة، تاريخ النشر 23\2\2024، تاريخ الدخول 5\3\2024.

https://shorturl.at/coxYZ[36]  محمد العربي، تحول فرنسي.. لماذا قرر ماكرون إدانة إسرائيل والمطالبة بوقف حرب غزة؟، ميدان، تاريخ النشر 5\12\2023، تاريخ الدخول 18\12\2023.
https://rb.gy/0gghc8

5/5 - (2 صوتين)

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى