الدراسات البحثيةالعلاقات الدولية

ظاهرة التنافس الدولي فى العلاقات الدولية

اعداد الباحث: حمدي محمد نذير – المركز الديمقراطي العربي

 

مقــدمـــة:
يعالج هذا البحث ظاهرة التنافس الدولي من جانب مفهوماتي ونظري وقد ارتأينا في هذا الصدد الاعتماد على مداخل نظرية نراها مواكبة لتلك التطورات والظواهر التي حدثت ومازالت تحدث في حقل العلاقات الدولية سواءاً على مستوى بينة النظام الدولي أو على مستوى الفواعل أو الإهتمامات ونظراً لتعدد تلك المداخل الحديثة التي ناقشت الجانب التنظري للعلاقات الدولية انطلاقا من التحولات الفكرية والفواعل السياسية والمنهجية (إبستيمولوجياً –أنطولوجياً- ميتودولوجياً) إلى جانب التغيرات التي دفعت نهاية الحرب الباردة ببروزها على الساحة الدولية، وأسفرت على تحول العلاقات الدولية من صراع إيديولوجي إلى تنافس دولي مفتوح يعد الاقتصاد موضوعه الأساسي، لذا فإننا أخترنا ثلاث مداخل نظرية عريقة هي: الواقعية والليبرالية، وكذا الماركسية لما تحمله من ثقل فكري وتأييد كبير بين أنصار كل مدرسة في حقل العلاقات الدولية، واعتمدنا على أهم أطروحاتها لمحاولة فهم وتفسير ظاهرة التنافس الدولي.

الفصل الأول: ماهيـة التنافس الدولي:
تعتبر ظاهرة التنافس والتزاحم حالة طبيعية عند الإنسان تنشأ في معظمها نتيجة احتكاك وسعي الأفراد أو الجماعات لأجل تحقيق مصالحهم وأهدافهم انطلاقا من إمكانياتهم المتاحة التي عادة ما تكون متشابهة لدى الجميع على شكل علاقة تسابق سلمي،ولكن كلما حاول أحد الأطراف المبالغة في الانفراد بهذه المصالح والاحتفاظ بها لنفسه ومنع الآخرين من الوصول إليها كلما شكل ذلك سببا لجلب التوتر الذي يمكن أن يُخرج التنافس عن نطاقه السلمي ليتحول إلى صراع أو نزاع عنيف،وهكذا هو الحال تقريبا بالنسبة لِتنافسٍ يكون أطرافه دولاً أو فواعل دولية مهما كانت صفتها أو وزنها على السلم الدولي.

المبحث الأول: مفهوم التنافس الدولي:
ينطلق عدد من المفكرين في شرحهم لمفهوم التنافس الدوليConcurrence International من التركيز على الجانب الاقتصادي على اعتبار أن هذا المصطلح ذو أصول اقتصادية راسخة على غرار تلك المفاهيم التي اشتقت منه كالمنافسة الاقتصادية الحرة والتنافسية الدولية وغيرها حيث انتقل من حقل العلوم الاقتصادية إلى حقل العلوم السياسية وتحديدا ضمن دراسات الاقتصاد السياسي والعلاقات الاقتصادية الدولية.

وكان للتحولات الجذرية التي مست عالم ما بعد الحرب الباردة وما أسفرت عنه من تزايد مطرد للعامل الاقتصادي الأثر البالغ في تزايد أهمية الظاهرة، حيث أصبح الاقتصاد العامل الأهم المحدد والمحرك للسياسات الخارجية للدول، مما خلق جو من التنافس الاقتصادي بآليات دبلوماسية تدعمها التكنولوجيا والثقافة.

وعند مراجعتنا لظاهرة التنافس الدولي تنبهنا لوجود توجه عام في دراسات العلاقات الدولية لا يرى أصحابها من داع للتفريق بين مفهومي الصراع والتنافس الدوليين،نظرا للخيط الرفيع الذي يفصل بين الحدود المفاهيمية لكل منهما،فالأستاذ خالد المنيعي يقارن بين الصراع والتنافس إذ يقول في ملخص كتابه: “…الصراع والتنافس من أجل المزيد من القوة يمثل جوهر العلاقات بين الدول إلا أن الآليات التي يدار من خلالها هذا الصراع متغيرة مع الزمان والمكان”( )وهذه الآليات قد تطورت من الصراع الإيديولوجي والسباق نحو التسلح والردع النووي في فترة الحرب الباردة إلى آليات أخرى بعد انتهاء هذه الحرب معتمدة على جوانب اقتصادية وثقافية وتكنولوجية بحتة على مستوى الهيئات والمنظمات الدولية والشركات متعددة الجنسيات، وبذرائع مختلفة مثل حقوق الإنسان والحرب على الإرهاب خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 التي شنت بإسمها الولايات المتحدة الأمريكية الحرب على أفغانستان والعراق وقبلها حرب الخليج الثانية…إلخ.

ويمكن أن نورد أكثر من مثال عن هذا التداخل المفاهيمي بين التنافس الدولي والمفاهيم الأخرى في المطلب الموالي، ولكن قبلها وجب التعرض للمفهوم اللغوي والاصطلاحي للتنافس الدولي من خلال بعض التعريفات واستنباط تعريف اجرائي له في الأخير.

أولا:المفهوم اللغوي للتنافس الدولي
1- تعريف مصطلح “الدولي”:وهو وصف مشتق من إسم الدولة وجمعها دول وهي تعني ما يتداول فيكون مرة لهذا ومرة لذاك فتطلق على المال والغلبة/ تطلق إجمالا على البلاد(2).ووصف الدولي يستخدم للتأكيد على دور الدولة ووزنها كفاعل أساسي في الساحة الدولية وتطلق هذه الصفة على فرع من فروع علم القانون يحكم العلاقات في المجتمع الدولي(3)، الذي يعالج جميع القضايا التي تحتاج تدخلا قضائيا قانونيا يكون أطرافها الدول أو منظمات تابعة ساهمت في إنشائها الدول ومنه تطور هذا المفهوم ليشمل مختلف الميادين الأخرى.
وإن هذا المصطلح”الدولي(International)يعود في أصله إلى الفيلسوف الإنجليزي جيرمي بنتام الذي استعمله خلال الثمانينات من القرن الثامن عشر (1780)”(1).
إذن فإن إدراج هذا المصطلح يدل على الصفة الدولية للظاهرة السياسية التي تكون أطرافها الدول في المرتبة الأولى أو المنظمات والمؤسسات الدولية في المرتبة الثانية ضمن المجتمع الدولي.
2-أما مصطلح تنافسConcurrenceفيرجع إلى الأصل اللاتيني Curn-Ludere والتي تعني بالفرنسية:Jouer ensemble وترجمتها في اللغة العربية تعني اللعب معا، في حين تعرف كلمة التنافس في اللغة العربية بمعني المنافسة وهي نزعة فطرية تدعو إلى بذل الجهد في سبيل التفوق(2).
وتحمل من جانب آخر معنى مستوحى من الشيء ذو القيمة النفيسة، الذي يدفع أطرافا (أفرادا أو جماعات) للتسابق والتزاحم بهدف بلوغ هذه القيمة، وكما ورد ذكر ذلك في القرآن الكريم في الآية 26 من سورة المطففين في قول الله تعالى مخاطبا عباده يحثهم على بذل الجهد والتسابق النبيل لنيل الجزاء الحسن: (خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَّسِ المُتَنَافِسُونَ)(3)، فالتسابق في الخيرات هو منبع النفع ومصدر التقدم في المجتمع حسب المعنى القرآني للتنافس.

ثانيا:المفهوم الاصطلاحي للتنافس الدوليConcurrence
التنافسcontestation/ competitionاصطلاحا هو عملية من عمليات التفاعل المصاحبة لإعداد القرار السياسي، وهو نشاط يسعى من ورائه طرفان أو أكثر إلى تحقيق نفس الهدف، ولذا يتفاوت التنافس كما وكيفا من مجتمع لآخر وفي داخل المجتمع الواحد(4).
يركز هذا التعريف على كون التنافس يتمحور حول عملية التفاعل المصاحبة لصنع القرار السياسي، وافتراض وجود طرفين أو أكثر لهما نفس الهدف الذي يسعيان لتحقيقه داخل المجتمعات أو بين الدول، غير أنه يبقى تعريفا قاصرا لمفهوم التنافس ولا يغطى مختلف جوانبه.

كما يعرف التنافس بأنه حالة تجمع بين طرفين دوليين أو أكثر تتميز بالطابع السلمي بعيدا عن أي مظهر من مظاهر العنف والتوتر والنزاعات بالشكل الذي لا تنعكس فيه سلبا على طبيعة العلاقات بين أطرافها(1) من أجل تحقيق هذه المصالح والمكاسب موضوع التنافس، وهذا التعريف ينبهنا أنه من المستبعد أن يدفع التنافس بين الدول إلى التوتر والتنازع، وعلى كلٍ يبقى هذا التعريف مجرد تصور للتنافس كيف يجب أن يكون (مثالي) وليس مثل ما هو موجود في الواقع (واقعي).

وبناءاً على ما سبق يمكننا تعريف التنافس الدولي على أنه: وضع وحالة تجمع بين طرفين دوليين أو أكثر يقرران خوض التنافس وفق حسابات عقلانية مركزين جهودهم وإمكانياتهم نحو تحقيق فوائد ومصالح توفرها بيئة معينة في النظام الدولي، دون اللجوء لاستخدام القوة العسكرية والعنف لتحصيل هذه الفوائد والوصول لهذه الأهداف.

ورغم هذا فإن التنافس الدولي في ظل عالم ما بعد الحرب الباردة وما أعقبها من تغير في عوامل القوة ببروز العامل الاقتصادي والتكنولوجي في العلاقات الدولية ومع تنامي ظاهرة العولمة العابرة للحدود وما تخلقه من تحديات اختراق سيادة الدول عن طريق الوسائل التكنولوجية المتطورة، وبروز فواعل فوق قومية كالشركات متعددة الجنسيات همها الوحيد تعظيم فوائدها على حساب المجتمعات المحلية، كل ذلك نتج عنه ندرة في الموارد الطبيعية وعلى رأسها النفط، وبناءاً عليه التنافس الدولي قد يتخذ منحى خطير وقد يتطور ليتحول في مرحلة ما إلى توتر فنزاع بوسائل لا تنافسية، وهو ما يحدث فعلا بين القوى الكبرى في أكثر من منطقة في العالم.

المبحث الثاني/ علاقة التنافس الدولي بالمفاهيم المشابهة
كثيرا ما يتداخل مفهوم التنافس الدولي مع بعض المفاهيم الأخرى التي يمكن أن يفسر من خلالها أو يدار بها مثل التنافسية، وموازين القوى، الصراع، التوتر،…وغيرها وهذا ما سنراه في العرض التالي:

أولا:التنافسية والتنافس الدولي:
كما تم ذكره فيما سبق أن مفهوم التنافس انتقل للحقل السياسي عن طريق بوابة الاقتصاد والعلاقات الاقتصادية الدولية، التي تحدث بين الأطراف الدولية خاصة مع تزايد ظاهرة الاعتماد المتبادل وتعاظم المبادلات التجارية ومنه تطورت مفاهيم عدة للتنافس فكان مصطلح التنافسية أقربها والذي يشير حسب المجلس الأمريكي للسياسة إلى ” قدرة الدولة على انتاج سلع وخدمات تنافس في الأسواق العالمية وفي نفس الوقت تحقق مستويات معيشة مطردة في الأجل الطويل”.
وتعرف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التنافسية على أنها ” المدى الذي من خلاله تنتج الدولة وفي ظل شروط السوق الحرة والعادلة منتجات وخدمات تنافس في الأسواق العالمية، وفي نفس الوقت يتم تحقيق زيادة في الدخل الحقيقي لأفرادها في الأجل الطويل”(1).

وعليه فإن مفهوم التنافسية تعتمد عليه الدول والهيئات الدولية المختصة لقياس درجة تقدم الدول وقدرتها على المنافسة الاقتصادية العالمية ورغم أهمية المؤشرات التنافسية إلا أنها تركز على جانب واحد ووحيد من ظاهرة التنافس الدولي الواسع بينما في الحقيقة يمكن أن تمتد مجالات التنافس الدولي لتشمل الجوانب: العسكرية، العلمية والتكنولوجية، والاقتصادية التجارية و الثقافية والإعلامية وغيرها، لهذا يبقى مفهوم التنافسية يمثل جزء من أجزاء المفهوم العام للتنافس الدولي.

ثانيا:موازين القوى وعلاقته بالتنافس:
يفترض مفهوم توازن القوى وجود عدد من أحلاف أو محاور القوى المضادة والتي تتكافأ قواها أو تكاد وذلك لردع أي محور دولي من استغلال أي تفوق في قواه لتغيير معالم الوضع الدولي القائم(2)تماما مثلما كان عليه الوضع الدولي زمن الثنائية القطبية (1945- 1990) بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي، وما كان يحدث من تفاعلات بين وحدات المعسكر الواحد يدخل ضمن إطار التنافس السلمي بحكم التقارب العقائدي الموحد، أما غيرها من تفاعلات التي تحدث بين الوحدات السياسية للمعسكرين الإديولوجيين فهي تمثل قمة التضارب والصراع، لكن وبعد انحصار حالة توازن القوى القائم على البعد الأيديولوجي بتفكك الاتحاد السوفياتي وبروز تعدد دولي في الأقطاب، خاصة مع بدايات القرن الحادي والعشرين تلاشى نموذج توازن القوى القائم على الأحلاف والاتفاقيات الأيديولوجية وانحصر تأثير بعض القوى التقليدية على المسرح الدولي مع بروز قوى دولية أخرى، وتنامى دور العوامل الاقتصادية والتكنولوجية التي أصبحت موضوع معظم التفاعلات والعلاقات الدولية فيما بعد، لينتقل مفهوم توازن القوى ما بعد الحرب الباردة من إعتماده الكلي على مؤشر القوة العسكرية إلى توازن قوى قائم على وسائل أكثر ليونة وأشد تأثير بأقل تكلفة فالتحكم بالتكنولوجيا يعني زيادة مؤكدة في القوة.

ثالثا: التوتر وعلاقته بالتنافس الدولي :
يعرف الأستاذ حسين قادري التوتر بأنه “حالة من القلق وعدم الثقة المتبادلة بين دولتين أو أكثر، وقد يكون سابقا وسببا للنزاعات الدولية أو نتيجة لها”(1).
كما يعرف أيضا بأنه عبارة عن “مواقف نزاعية لا تؤدي مرحليا على الأقل إلى اللجوء للقوة”(2)، إذنفالتوتر في الغالب يكون ناتج عن حادثة أو موقف يتخذ كذريعة تظهر فيه تعارض مصالح وغايات الأطراف المتنازعة بشكل واضح وجلي، بالرغم من إخفائه ومداراته طوال مراحل التنافس العادية عن طريق الوسائل الدبلوماسية السياسية السلمية، فكلما زادت الإغراءات والمكاسب السياسية والاستراتيجية والاقتصادية التي توفرها بيئة معينة مهما كان حجمها كلما زادت حدة تنافس القوى الكبرى لتحصيل هذه المكاسب، ومع ندرة الموارد وتقلص فرص مناطق النفوذ لبعض القوى وانفراد قوى أخرى بأكبر قدر من المكاسب في ظل التوزيع الغير عادل لها ينتج ارتفاع في درجة التنافس ومنه تزيد احتمالات القلق وعدم الرضا التي تصاحب خيبة الأمل للدول المتضررة من هذا التنافس ويحصل التوتر كمرحلة موالية له في مسار ظاهرة الصراع الأوسع.

رابعا:الصراع الدولي وعلاقته بالتنافس الدولي:
يعرف الباحث في علم الاجتماع (لويس كوسر) الصراع بأنه تنافس على القوة والقيم والموارد، هدفه إيذاء أو تصفية أو تحييد الخصوم(3)،وغالبا ما يحاول بعض المفكرين والكتاب الجمع بين مفهومي الصراع والتنافس في حقل العلاقات الدولية ولكننا نعتقد أن التنافس كحالة هو مرحلة محتواة ضمن مراحل الظاهرة الكونية الأوسع ألا وهي ظاهرة الصراع الذي قد يبدأ في كثير من الأحيان من تنافس سلمي لا عنفي حول مواضيع ومصالح لا تتميز بالتناقض في ميادين التجارة والتكنولوجيا والاقتصاد، وقد يتطور تدريجيا مع ندرة الموارد وتضارب الأهداف وتعقد وتشابك المصالح إلى توتر فأزمة فصراع مع احتمال وقوع الحرب، والعكس صحيح على إعتبار أنه حدث تحول في دالة الصراع الدولي بعد نهاية الحرب الباردة، من العمل العسكري إلى التنافس التكنولوجي الإقتصادي المعرفي، مع الأخذ في الحسبان أنه يستحيل أن تحدث أي حرب بين أطراف النسيج الاقتصادي الواحد (دول الشمال الغنية)، وإمكانية حدوثها خارج هذا النسيج.

يبين هذا المنحنى مراحل التطور التدريجي لظاهرة الصراع الدولي بمختلف مراحله والتي يمثل التنافس أحدها مقارنة بمحطات تاريخيةعبر مدد زمنية محددة ونلاحظ من خلال هذا المنحنى أن ظاهرة الصراع الدولي إنطلقتفي تزايد مطرد بعد عقد مؤتمر واسفاليا والذي بدأ معه أول ظهور لمفهوم الدولة القومية(الدولة الحديثة)، كما هو موضح من موقف فتوتر فأزمة دولية والتي أشتعلت معها الحرب العالمية الأولى 1918 ليستمر الوضع في التصاعد نحو النزاع المسلح مع الحرب العالمية الثانية إلى غاية 1945لتدخل بعدها العلاقات الدولية في حرب باردة (صراع إيديولوجي) ومثلت أزمة كوبا أحد محطاته 1962 الرئيسية إلى غاية 1990 ليتحول بعدها الوضع الدولي من صراع إيديولوجي إلى تنافس دولي يدور حول المحور الإقتصادي بدرجة أساسية.
نستطيع القول بأن الفرق الأساسي والجوهري بين مفهومي الصرا ع والتنافس الدوليين يظهر أساسا في نمط القوة المستخدمة، فالعلاقات الدولية زمن الحرب الباردة كانت قائمة على الصراع الإيديولوجي بين المعسكر الشيوعي والمعسكر الرأسمالي القطبين المسيطرين آنذاك، فكانت القوة العسكرية في طليعة الإستخدامات والخيارات بين أطراف الصراع وإن كانت لم تستدعى أبدا المواجهة المسلحة المباشرة بين القوتين المهيمنتين، ومع التحول الجذري الذي مس بنية النظام الدولي بعد تفكك الإتحاد السوفياتي، إنتقلت العلاقات الدولية نحو عهد جديد (التعددية القطبية)، تميز في أغلب محطاته بالتنافس الإقتصاديالتكنولوجي بين القوى العالمية على المكاسب الإقتصادية والسياسية ومناطق النفوذ الإستراتيجي بوسائل سلمية غير عسكرية أكثر من أي وقت مضى، خاصة بعد تعاظم الحاجة للموارد النادرة (البترول والغار والمعادن والمياه…)، وتعتبر منطقة الخليج خير دليل على هذا النمط الحديث من التنافس الدولي.

الفصل الثاني/ تفسير ظاهرة التنافس الدولي في نظريات العلاقات الدولية
سنحاول من خلال هذا الفصل شرح وجهات نظر بعض المدارس ورؤيتها لظاهرة التنافس مستندين في ذلك على أهم الأطروحات والافتراضات الأساسية والدعائم الفكرية لكل من المدرسة الواقعية والليبرالية والماركسية، التي تعبر عن نظرتهم الشاملة للعلاقات الدولية والظواهر التي يعج بها هذا الحقل.

التنافس حسب النظرة الواقعية في العلاقات الدولية ظاهرة قديمة بين الشعوب والأمم، حيث تسعى الدول لتحقيق مصالحها بدوافع مختلفة في جو من عدم التكافؤ والفوضى وغياب سلطة عالمية فوق قومية، معتمدين في ذلك على ما يملكون من إمكانيات وقدرات تشكل نقاط قوتهم وتفوقهم إذ أن القوة هي المؤشر الضروري الذي يضمن للدول خوض رهان أي تنافس دولي والفوز به، لكن تبقى هذه رؤية وتفسير أنصار -المدرسة الواقعية- لظاهرة التنافس الدولي، بينما في الحقيقة وجد الكثير من المدارس والنظريات الأخرى التي لها نظرة مغايرة لهذا الطرح على غرار -المدرسة الليبرالية- التي تعتبر التنافس الدولي في نطاق الأخلاق والقيم الديمقراطية وفي إطار حرية اقتصاد السوق وفي ظل وجود مؤسسات فوق قومية دولية تنظمه أمر مرغوب لإقامة السلام وحفظ الأمن العالميين،بينما المدرسة الماركسية (التبعية) التي ترى غير ذلك على إعتبار أن التنافس ينحصر في جهة واحدة(التبعية)، في الغالب بين دول المركز المتقدمة التي تسعى لتعظيم فوائدها باستغلال ثروات دول المحيط المتخلفة، وهذا ما يخبرنا به التاريخ الذي يعج بأحداث التنافس من أجل المستعمرات الذي كان سبب أساسي في اشعال الحربين العالميتين، إلا أنه لا يمكن الاكتفاء والاعتماد على نظرية واحدة فقط لتفسير ظاهرة التنافس الدولي والإجابة على التساؤل التالي: لماذا تتنافس الدول ومن أجل ماذا؟

وما تعدد وتشابك التعريفات والتفسيرات إلا دليل على تعقد هذه الظاهرة وترابطها بغيرها من الظواهر المتعلقة بها.
المبحث الأول/ التنافس الدولي من منظور واقعي:
يرى الواقعيون أنه لا شيء غير المصلحة يحدد التوجه الخارجي للدول. ويؤكد “هانز مورغينتو” على أن فكرة الصراع من أجل المصالح هي في الواقع جوهر السياسة ولبابها. فالسياسة الدولية الخارجية والداخلية ليسا إلا وجهين مختلفين لظاهرة واحدة هي الصراع من أجل السلطان أي القوة والهيمنة(1). وعليه فإن ظاهرة الصراع من أجل اكتساب المزيد من القوة وتنميتها، وتحصيل المصلحة والفائدة وتعظيمهما، للوصول للهيمنة والزعامة العالمية والمحافظة عليها، في عالم ميزته الرئيسية الفوضى وعدم الاستقرار، هي أصل وحالة طبيعية في العلاقات الدولية نظرا لغياب سلطة مركزية منظمة لهذه العلاقات الدولية؛ ونظن أن هذا هو أقرب تصور للعلاقات الدولية من وجهة نظر الواقعية؛ ولما نركز على ظاهرة الصراع كحالة طبيعية في العلاقات الدولية حسب المنظور الواقعي بمختلف توجهاته القديمة منها والجديدة لا يعني أنها تعبير مساوي لظاهرة التنافس الدولي بحذافيره ولكنها مرتبطة بها بشكل مركز ولعل الواقعيين في هذا المجال لا يرون داعيا للتفريق بين ظاهرتي الصراع والتنافس الدوليين على اعتبار أن هذا الأخير يحتوى جميع عناصر الصراع غير أن إدارته تتم بوسائل سلمية بحتة.

وسنحاول من خلال هذا المبحث مناقشة ظاهرة التنافس الدولي من وجهة النظر الواقعية انطلاقا من مفاهيمها وافتراضاتها الأساسية لتفسير الظواهر في العلاقات الدولية.

أهم الافتراضات المدرسة الواقعية لتفسير ظاهرة التنافس الدولي:
يمكن إجمال معظم الافتراضات الواقعية ورؤيتهم للسياسة الدولية في النقاط التالية:
• ركزت الواقعية الجديدة على الصراع السياسي الدولي للهيمنة،الذي هو وراء كل العلاقات الاقتصادية الدولية والذي يحدد دينامية تلك العلاقات بشكل كبير( ).
• يرى “كينيث والتز” أنه لكي تحافظ الدولة على وجودها في السياسة الدولية تحت ظل نظام الفوضى لابد عليها (الدول) اكتساب المزيد من القوة اللازمة والكفيلة بالبقاء عليها( ).
• تسعى الدول إلى تحقيق أقصى ما يمكن من الأمن فوق كل شيء وزيادة قوتها دون أن يؤدي ذلك إلى وضع الأمن في خطر( ).
• تشدد الواقعية الجديدة على أهمية البنية في النظام السياسي الدولي ودور هذه البنية في التأثير على سلوك الدول سواء كانت في نظام الثنائية القطبية أو متعدد الأقطاب( ).
• للدول توجه مصلحي ذاتي والنظام الدولي الفوضوي والتنافسي يدفعها لتفضيل المساعدة الذاتية على السلوك التعاوني بمعنى أن النظام –الفوضوي- يشجعها بل يجبرها على سلوك الاعتماد على الذات لتأمين نفسها وتحقيق مصالحها بدل التعاون مع الآخرين( ).
مما سبق نرى بأن الواقعية مهما تعددت فروعها تنطلق في تحليلها وتفسيرها لظواهر الدولية ومن بينها ظاهرة التنافس الدولي من ما هو كائن، من مسلمات تتناسب والواقع الدولي، بحيث تظل المصلحة هي العامل الأساسي الذي من أجله تتصارع أو تتنافس الدول، ومن ثم القوة كأداة ووسيلة لتحقيق هذه المصلحة، في حين يبقى الفاعل السياسي الأساسي على المستوى العالمي هو الدولة رغم تناقص مكانتها إلى جانب فواعل دولية أخرى لكنها ما تزال أقل منها شأنا، أما على مستوى النظام الدولي فإن الواقعيون يعتقدون بأن غياب سلطة دولية قوية فوق قومية قادرة على حفظ الأمن والسلم العالميين هو السبب الرئيسي وراء فوضوية المجتمع الدولي وما على الدول إلا أن تسعى لتحقيق مصالحها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية باستعمال مختلف الطرق والأدوات والتي تعد القوة أهمها بنوعيها الصلبة والناعمة، في سبيل الحفاظ على وجودها ومكانتها. والملاحظ في السنوات الأخيرة ومع تزايد التطور التكنولوجي وبروز أكثر من قطب عالمي قادر على المنافسة في هذا المجال، ومع تأكد الواقعيين باستحالة حسم النزاعات عن طريق الحلول العسكرية البحتة ازداد الاعتماد على القوة الناعمة التي تجمع بين الثقافة والإعلام –أهم ركيزة للدبلوماسية العامة(*)-، بالإضافة إلى الاقتصاد، والعامل التكنولوجي (المعرفة)- منبأة بعصر جديد وبأسلوب مغاير من أساليب الصراع والتنافس الدولي.

غير أنه ما يعاب على التفسير الواقعي بشكل عام أنه تغلب عليه الصفة التشاؤمية لنظرته للأحداث وتفسيره للظواهر في العلاقات الدولية ويركز على الصراع كمسلمة وسلوك لصيق للدولة والواقعيون بذلك لا يرون بُداً في تفسيرهم لظاهرة التنافس الإنطلاق من الظاهرة الأوسع ألا وهي الصراع وحتى تفسيره بها.

المبحث الثاني/ التنافس الدولي من منظور ليبرالي (المثالية):
تنطلق المدرسة المثالية بمختلف فروعها ومكوناتها الفكرية والفلسفية حديثة كانت أم قديمة من مسلمات لا جدال فيها، كغيرها من الاتجاهات التي تعتبر بأن لها الصواب والأحقية الكاملة لما تدعيه في تفسير ومعالجة ظواهر العلاقات الدولية، حيث تعتبر القيم الأخلاقية كالحرية والعدالة والمساواة والديمقراطية حجر الأساس وقاعدة الانطلاق لما يليها من بناء فكري، وهذه المسلمات قد تتفاوت درجة استخدامها وتوظيفها بين أساتذة ومفكري هذا الاتجاه الذي أصطلح على تسميته بالاتجاه الأخلاقي أو المعياري الذي غالبا ما ينطلق مفكروه ومنظروه في بحثهم عن ما يجب أن يكون لتحليل وتفسير الظواهر التي يعج بها حقل العلاقات الدولية.

وسنركز في هذا الصدد لمعالجتنا للتنافس كظاهرة دولية على أهم وأحدث ما جاءت به هذه المدرسة انطلاقا من مسلمات الاتجاه الليبرالي،ويمكن إجمال افتراضاته في النقاط التالية:
• إيلاء أهمية أكبر لدور الفرد في العلاقات الدولية وإحترام حريته وموقعه في هذا الإطار.
• الدول هي فواعل رئيسية في العلاقات الدولية، لكنها ليست الفواعل الوحيدة في النظام الدولي( ).
• في هذه البيئة التنافسية، تبحث الدول عن الحد الأعلى من المكاسب المطلقة عبر التعاون. ويقود السلوك العقلاني الدول إلى رؤية القيمة في السلوك التعاوني، بمعنى أن الليبرالية تركز على المكاسب المطلقة بدلا من المكاسب النسبية عبر ظاهرة الإعتماد المتبادل.
• ضرورة خلق مؤسسات فوق قومية قادرة على تنظيم العلاقات الدولية الاقتصادية والسياسية وتسهر على حل النزاعات الدولية وحماية الأمن والسلم الدوليين.
على مستوى الفواعل فإن الليبرالية تقر بأهمية الدولة كفاعل أساسي ولكن دون إغفال الفواعل الدولية الأخرى مثل المنظمات الدولية والشركات متعددة الجنسيات وحتى الأفراد،ومبدأ الحرية هو المحدد الوحيد للعلاقات بين هذه الفواعل كحرية الاختيار والمنافسة والتنقل والاعتقاد…إلخ.

أما على مستوى النظام الدولي فالليبرالية تقف على النقيض من الطرح الواقعي، فهي تدعو إلى ضرورة إيجاد مؤسسات فوق قومية تمتلك سلطة الإلزام من شأنها إقامة العدالة والقانون وتنظيم العلاقات الدولية بين أفراد المجتمع الدولي في إطار التعاون والاعتماد المتبادل، ومع غياب هذه الهيئات فوق الوطنية فإن الدول والفواعل الدولية الأخرى ستغوص في البحث عن مصالحها وغاياتها وقد تتضارب هذه المصالح مما يخلق حالة من العداء بين القوى الدولية المتنافسة الأمر الذي يهدد السلم والأمن العالميين. وإن “مقاصد الدول من وراء التفاعل غير النزاعي (التنافسي) حسب الليبرالية يتمثل في إدراك الدول بأنها في وضع لا يدعوا للارتياح بوجود تحديات عدة، يجعلها تتلافى مقارنة مكاسبها مع الآخرين، لأن إرساء التعاون سيحقق لها مستوى معين من المكاسب وهو في حد ذاته كافٍ “( ).
وأفضل طريقة يعتقد الليبراليون بفاعليتها للمحافظة على السلم والأمن العالميين دون تقييد حرية الفواعل الدولية أو التدخل في توجيه العملية التنافسية (الشريفة) في مختلف المجالات (إقتصادية وتجارية، ثقافة، سياسية…) هي ضرورة إنشاء مؤسسات عالمية تشارك فيها الدول وتحترم قراراتها وتنظيماتها دون إلحاق الضرر بأي من الأطراف المتنافسة مهما كان وزنها في السلم الدولي.
وكان التركيز الليبرالي خاصة بعد نهاية الحرب الباردة ومع زيادة أهمية العامل الاقتصادي في حياة الدول والأشخاص،على وضع تصور لما يجب أن تكون عليه المناخات الاقتصادية للدول في إطار إعادة الهيكلة التي مرت بها أكثر من دولة في العالم -وما أحدثه تفكك المعسكر الشيوعي وإنهيار معظم الأنظمة الإشتراكية وخروج المعسكر الغربي الرأسمالي منتصرا- يتمثل فيما يعرف”بسياسة الترشيد الاقتصادي الجديدة”( )والتوجه نحو الانفتاح السياسي التعددي والاقتصادي الحر،وتسويق هذا النموذج لباقي دول العالم،ومن أبرز مبادئه نجد:
– ضرورة تبني الديمقراطية كخيار أساسي لنظام الحكم وتسيير الشؤون العامة.
– احترام حقوق الإنسان والحريات العامة والقوانين الدولية.
– خصخصة القطاع العام، وانتهاج سياسة اقتصادية مفتوحة أو ما يعرف باقتصاد السوق الحر.
– الانخراط في المؤسسات والهيئات الدولية واحترام قراراتها.
ويأمل مناصرو هذا الاتجاه من خلال انتهاج معظم الدول النموذج الليبرالي القائم على فكرة الحرية والسلام الديمقراطي والانخراط في الهيئات العالمية واحترام قراراتها، أنه سيساهم بشكل كبير في تنظيم عملية التنافس الدولي وفق القواعد الديمقراطية والقانون الدوليين بالموازاة مع اقتصاد السوق الحر.
غير أن من أهم الانتقادات التي يمكن استحضارها في هذا الصدد هو ما ورد في كتاب المفكر الأمريكي الشهير نعوم تشومسكي المعنون بـ “الربح مقدما على الشعب النيوليبرالية والنظام العالمي” حيث يوجه انتقاده لما يصفه غالبا بالتوحش الليبرالي ويعتبر أن هذا المذهب ما هو إلا الصورة المعاصرة لكفاح القلة الغنية من أجل تطويق الحقوق السياسية والقوى المدنية للأكثرية هذا من جهة، أما من جهة أخرى فإن نعوم تشومسكي لا يعتقد بالقول السائد الذي يصف الاقتصاد أنه تنافسي وعقلاني، وهو أيضا كفؤ وعادل، لأنه على النقيض من ذلك فالأسواق في الغالب غير تنافسية وتهيمن على معظم الاقتصاد شركات عملاقة تتمتع بسيطرة هائلة على أسواقها( ). وفي هذا المقام تدور معظم الأفكار الماركسية والماركسية الجديدة والتي على رأسها نظرية التبعية.

المبحث الثالث/ التنافس الدولي من منظور ماركسي
مع انهيار الاتحاد السوفياتي الشيوعي ظهر للعالم جليا ضعف الطرح الماركسي وقصر نظرته للأحداث كغيره من الاتجاهات النظرية التي سادت فترة الحرب الباردة،وبدا واضحا وجليا للعيان ولمؤيدي هذا الاتجاه ضرورة إعادة صياغة تلك الأفكار القديمة وتكييفها مع الواقع الدولي الجديد.
ورغم “فشل التجربة الكبرى للشيوعية يعتقد بعض الباحثين أن الفكر الماركسي عموما يرفض الانسحاب من حقل العلاقات الدولية وذلك لسببين رئيسين أولهما انحراف النظام الشيوعي الذي كان قائما خاصة في عهد ستالين عن النهج الماركسي مما دفع بالكثير للتبرؤ منه وعدم مساندته، ومن ناحية أخرى فشل الرأسمالية في الحفاظ على التوازن الاقتصادي العالمي وهذا ما أثبتته عدة أزمات دولية منها أزمة أسواق المال 1987، والأزمة المالية الآسيوية مع نهاية التسعينيات من القرن الماضي “(1) وكان آخرها الأزمة المالية العالمية لسنة 2008 أو ما يعرف بأزمة الرهن العقاري، كلها أزمات تبرر التفسير الماركسي على حساب الطرح الليبرالي لما أحدثته من اهتزازات في حياة الأفراد والدول.
وكان”ثاني هذه الأسباب هو الاهتمام بالترابطية والسياق المتعلقان بمفهوم المادية التاريخية Materialist Conception Of History وهذا ما يبرر فكرة التطور الاقتصادي للمجتمع “(2) وهذه الفكرة تعتبر كن وجوهر الطرح الماركسي -تطور مادي تاريخي قائم على الصراع الجدلي الطبقي-
الاتجاه الماركسي يحتوى على العديد من الاتجاهات الفرعية وتعد الماركسية الجديدة أحدثها، حيث يمضى هذا الاتجاه إلى اعتبار أن العلاقات الدولية في جميع تجلياتها لا تخرج عن حيز ما يعرف بنظرية التبعية التي سيطرت على الفكر الماركسي خاصة بعد نهاية الحرب الباردة والصعود المتزايد للهيمنة الاقتصادية الأمريكية التي تشكل الشركات متعددة الجنسيات أهم روافدها، حيث يرى أصحاب هذه النظرية بأن بنية العالم بينة هرمية تسيطر عليها القوى الكبرى(3).
وتكمن مهمة نظرية التبعية (النيوماركسية) النظرية القادمة من العالم الثالث،في دراسة وتحليل طبيعة العلاقة بين دول الشمال (المركز) ودول الجنوب (المحيط) من خلال تطرقها للأسباب المباشرة وغير المباشرة التي أدت إلى تخلف دول الجنوب وبالتالي تبعيتها لدول الشمال. وهي تتخذ من النظام العالمي وحدة تحليل أساسية في ظل هيمنة الاقتصاد الرأسمالي( ).
أهم افتراضات وأفكار الاتجاه النيو- ماركسي المفسرة لظاهرة التنافس الدولي:
سنتطرق ولو بإيجاز لأهم الافتراضات النيو- ماركسية حسب ما جاءت به نظرية التبعية والتي سنحاول من خلالها تفسير ظاهرة التنافس الدولي التي بدورها تنقسم لعدة اتجاهات على غرار تيار التخلف، الإمبريالية، والمركز- محيط، وكذا تيار النظام العالمي التي يرى أصحابها بأن التنافس الدولي هو صراع من أجل الموارد والتحكم الاقتصادي الدائر أساسا على ساحة دول المحيط المتخلفة، وبين دول المركز المتقدمة.

وهذه الفرضيات يجملها الأستاذ عبد الناصر جندلي في النقاط التالية( ):
• ضرورة الفهم اليقيني للصيرورة العالمية الشاملة التي تتفاعل في سياقها كل الوحدات السياسية للمجتمع الدولي في إطار الدول التابعة ودول الميتروبول.
• أهمية التحليل التاريخي لاستيعاب النظام الرأسمالي العالمي بصفة خاصة والنظام الدولي بصفة عامة.
• انتهاج النظام الرأسمالي العالمي لميكانيزمات هيمنة، هي بمثابة معوقات تنمية للدول التابعة.
• أهمية العامل الاقتصادي في تفسير وتحليل تطور النظام الرأسمالي العالمي وتخلف التوابع.
جاءت هذه النظرية للرد على التحكم والهيمنة الرهيبة التي يفرضها النظام الرأسمالي العالمي على باقي دول العالم الثالث وهي ترى بأن التنافس الدولي بعد الحرب الباردة تحكم في توجيهه العامل الاقتصادي وفق النهج الرأسمالي دون اختيار للضوابط الأخلاقية أو القانونية، وهنا يظهر جليا بأن التنافس الدولي ينحصر بين القوى العالمية الكبرى التي كانت في السابق تمثل قوى استعمارية إمبريالية ساهمت في نهب ثروات دول العالم الثالث وتجهيل مجتمعاته وإضعاف اقتصادياتها وإخضاعها بقوة السلاح، أما اليوم فقد تغيرت ميكانيزمات التنافس والتأثير في الآخر وبروز أدوات جديدة فرضتها معطيات النظام الرأسمالي العالمي الجديد بعد زوال المعسكر الشيوعي، التي تهدف للهيمنة الاقتصادية ومن أبرز هذه الأدوات والآليات نجد: التبادل اللامتكافئ، تصدير رؤوس الأموال، تسلط المؤسسات الاقتصادية الدولية، الشركات متعددة الجنسيات، المعونة.
ويرى تيار المركز- المحيط أن هذه العلاقة قائمة على الهيمنة والاستغلال نتيجة تناقض المصالح بين دول العالم المتقدم والعالم المتخلف وقد تتفاوت هذه المصالح حتى داخل إحدى طرفي المعادلة( )،وعليه أصبح التنافس الاقتصادي الدولي اليوم لا يخرج في مجمله عن هذه العلاقة (تبعية المحيط للمركز وهيمنة المركز على المحيط) وإجمالا يمكن تلخيصها في الشكل التالي:

أكثر ما يعاب على أصحاب الطرح النيوماركسي بمختلف تياراته هو غرقهم في تفسير وتحليل عيوب النظام الرأسمالي وأفكار الليبرالية ونحن نتفق مع كثير من الحجج التي صاغوها لذلك ولا ننكرها، ورغم ذلك فهم لم يقدموا البديل النموذجي الذي يمكن من خلاله تنظيم العلاقات الدولية وتحقيق مصالح الدول ومختلف الفواعل الدولية الأخرى على اختلافها وتناقضها والمساهمة في التنمية العالمية المستدامة وإحلال السلام والتعاون بين دول وشعوب العالم دون اللجوء للقوة والعنف أو تبني سياسات استغلالية تحت أياً كان من المسميات.

خـــاتمـــة:
في الأخير وكخلاصة لهذا البحث المقتضب الذي نقشنا من خلاله مفهوم التنافس الدولي نجد بأن التنافس أصبح ظاهرة حتمية تميز العلاقات الدولية في عالم ما بعد الحرب الباردة، لو نظرنا إلى القوى الفاعلة في النظام الدولي الراهن، وبسبب غياب المعطى الإيديولوجي المضاد، وبسبب كون العديد من هذه القوى تدين بنفس الإيديولوجية (االرأسمالية) التي تحملها أعتى القوى على الساحة الدولية حتى روسيا الإتحادية نفسها، لوجدنا أنها قوى متنافسة أكثر من كونها قوى متصارعة، صحيح أننا لا نستطيع نكران وجود خلافات فيما بينها، إلا أن هذه الخلافات ذات طبيعة تنافسية يصعب وصفها بأنها خلافات إيديولوجية أو مذهبية-عقائدية ذات طبيعة تصارعية، وبالتالي فإن السمة الغالبة التي تتميز بها قواعد إدارة العلاقات بين هذه القوى هي سمة التنافس وليس الصراع.

العنوان:——————————————— الصفحة
الشكل الأول 01: منحنى يوضح دالة ومراحل الصراع ومرتبة التنافس بينها…………….08
الشكل الثاني 02:رسم يوضح كل من دول المركز والمحيط ودرجة تفاوت المصالح بينهما……17

قائمة المراجع:
أ/ المصادر:
1) القرآن الكريم.
2) المنجد في اللغة والإعلام، (بيروت: دار المشرق، ط 27، 1984).
ب/ الكتب:
1) أحمد محمد محرز، الحق في المنافسة المشروعة، (مصر، القاهرة: د د ن، 1994).
2) إسماعيل عبد الفتاح، عبد الكافي، الموسوعة الميسرة للمصطلحات السياسية عربي- إنجليزي، (كتب عربية، www. Kotobarabia.com)
3) ثامر كامل الخزرجي، العلاقات السياسية الدولية واستراتيجية إدراة الأزمات، (عمان: دار مجد لاوي للنشر والتوزيع، 2009).
4) حسين قادري، النزاعات الدولية دراسة وتحليل، (الجزائر: باتنة، منشورات خير جليس، 2007)
5) خالد المنيعي، الصراع الدولي بعد الحرب الباردة، ( دمشق: دار كيوان للنشر و التوزيع، ط1، 2009).
6) روبرت غلين، الاقتصاد السياسي للعلاقات الدولية، (ترجمة ونشر مركز الخليج للأبحاث، 2004).
7) شيلدون رابتون وجون ستوبر أسلحة الخداع الشامل، (بيروت: الدار العربية للعلوم، 2004).
8) صلاح أحمد هريدي علي، العلاقات الدولية مفهومها وتطورها، (مصر: الإسكندرية، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، 2007).
9) عامر مصباح، نظرية العلاقات الدولية الحوارات النظرية الكبرى، (القاهرة: دار الكتاب الحديث، 2011).
10) عبد الناصر جندلي، التنظير في العلاقات الدولية بين الاتجاهات التفسيرية والنظريات التكوينية، (الجزائر: دار الخلدونية، 2007).
11) مبروك غضبان، المدخل للعلاقات الدولية، (الجزائر: عنابة، دار العلوم للنشر والتوزيع، 2007).
12) نعوم تشومسكي، ترجمة: لمي نجيب، الربح مقدما على الشعب النيوليبرالية والنظام العالمي، (سوريا: منشورات الهيئة العامة للكتاب، 2001).
ج/المذكرات:
1) عادل زقاغ، النقاش الرابع بين المقاربات النظرية للعلاقات الدولية، (باتنة: مذكرة لنيل درجة دكنوراه في العلاقات الدولية، دراسة غير منشورة، 2008/2009).
د/ مقالات ومنشورات على الأنترنت:
1) عدنان فرحان الجوراني، “تقرير التنافسية العالمية 2012-2013″، الحوار المتمدن، تم الاطلاع بتاريخ: 05/03/2013، على الرابط التالي:
www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=324144‎

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق