البرامج والمنظومات الديمقراطيةالجماعات الاسلاميةالدراسات البحثية

إشكالية العلاقة بين التصوف والسياسة في المشرق الإسلامي

الكاتب : ممدوح غالب أحمد بري

ملخص:

يمثل هذا المقال دراسة تاريخية وتحليل لمجريات أحداث معاصرة مرتبطة بالدين والسياسة، وتعالج حقيقة الإشكال الدائر حول التصوف في المشرق العربي، وتشمل هذه الدراسة المختصرة مقدمة حول حركة تاريخ التصوف وفعله الاجتماعي خلال مراحل صعود حضارة المسلمين وتوسع حركة فتوحاتهم، وتشمل هذه الدراسة تأثيرات مدارس التصوف في تشكيل البيئات الإجتماعية وفي تعزيز بعض مفاهيم وقيم المجتمع.

وتصف هذه الدراسة بعض التحولات التي شهدها التصوف الإسلامي، وتتوسع في تتبع الجدل الدائر بين الأطر السياسية والإعلامية حول التصوف في عصرنا الحالي بعد التحولات السياسية الدائرة في المشرق العربي منذ يناير 2011م، وتكشف هذه الدراسة حقيقة علاقة التصوف بالحكم ومؤسسات الدولة، وتبين موقف التصوف من الفرق الإسلامية العاملة ومقدار تداخله فيها، وتكشف عن جدلية العلاقة بين التصوف ولعب أدوار سياسية، وتتوسع لتبين معالم الغموض في العلاقة بين التصوف من جهة والتيارات السلفية وجماعة الإخوان المسلمين من جهة أخرى، وتبحث في بدايات تبلور التشيع لآل البيت عليهم السلام ومدى علاقته في التصوف.

التصوف… المفهوم والإشكالية”:

التصوف فكرة إنسانية فريدة، ومتجردة لسمو ذات الفرد، وتنعكس على المجتمع، وإعتبرها البعض تيار إسلامي له مميزاته، وليست حكراً على حضارة أو دين بعينه، لأنها تختص في ظاهرها بقيم إنسانية مشتركة، ويعتقد عوام مُريدي الطرق الصوفية في عصرنا الحالي بأن التصوف الإسلامي هو عِلم له مذاهبه ومدارسه ومناهجه ومشاربه، َويختص بالتعبد والزهد والتقرب إلى الله بالفرائض والنوافل، وتَحلِيَة أنفُس العباد بالأخلاق ومَحَبَة الله، وتربية النفس وتزكيتها، ويتجنب المنهيات، وكتبت حول التصوف عشرات بل مئات المؤلفات والكتب، وأضحى عِلم بذاته، وله شيوخه ومرجعياته التي تقدم التفاسير والشروحات في الزهد وتزكية النفس والتجرد من حب الذات لصالح تذوق حب الله، ولصالح الجماعة أو المجتمع.

ويروج أئمة التصوف ومريديه بأن التصوف هو عِلم يهتم بالأخلاق ويبتعد عن السياسة ولا يتدخل في صراعات الحكم ومنغصات السلطة في عصرنا الحالي، بينما يقول خصومهم أو منافسيهم عن التصوف بأنه لعب دوراً في دعم الحكام والملوك والسلاطين، وأنه عزز شرعية العديد من الطغاة والمستبدون في المشرق العربي، وأنه حاد عن مدارسه ومناهجه، وانه تصدر قمة هرم التصوف أئمة إرتبطوا بوشائج مع السلاطين وبلاط الحكم، وأنهم إنحازوا لطرف سياسي على حساب طرف آخر، وأنهم تولوا مناصب إدارية عليا في وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في مصر وسوريا والعراق واليمن، ومنهم من تولى مرتبة وزير، وتولى بعضهم قمة هرم مشيخة الأزهر الشريف لمرتين خلال العقود القلية الأخيرة أو مفتي الجمهورية أو منصب قاضي القضاة.

ولوحظت مؤخراً مظاهر التقارب بين مرجعيات التصوف في مصر والشام  ومنظومة الحكم في تلك البلدان، وتجلى هذا التقارب أثناء مشاهد قمع خصوم السلطلة الحاكمة، ولوحظ إبعادهم بعض الشيء عن مناخات الحُكم خلال فترات الوئام والهدوء التي سادت بين الأنظمة ومعارضيها.

وبالمجمل يلاحظ توافر مناخات الإستئناس بين السلطات الحاكمة ومدارس وطرائق التصوف في المشرق العربي، ونرجعه إلى عدم توافر مطامع نحو تولي زمام الحكم لدى أئمة المتصوفة، ولا يُثير حفيظتهم من تولى الحكم والسلطة، وتثار ثائرتهم حال تولي الحكم حركات إسلامية لها مناهج وطرق لا تروق للمتصوفه، ونرى المتصوفه على وفاق تام مع العوائل الحاكمة أو المجالس العسكرية الحاكمة أو التيارات الشعبوية والقومية والإشتراكية الحاكمة في المشرق العربي.

والمتتبع لتصريحات أئمة التصوف يرى جلهم رافض لفكرة وجود علاقة بين الدين والسياسة في الإسلام، وعوامهم ترفض التحدث في الشؤون السياسية، ورغم هذا الرفض تراى أن موقفهم هذا يعتبر من السياسة، ويشغل حيز سياسي ضخم في مجال العمل السياسي، ويُشَكِل تصورات عامة تنعَكِس على إستمرار “إستاتيك” سكون حراك الشارع بإتجاهات داعمه لمؤسسات الحكم الفردية، وتعزل فئة كبيرة من الشعب عن الشأن العام، وتعزز مناخات التفرد، وتسهم في تصدير خطاب ديني تستغله السلطات أثناء التنكيل بخصومها.

ويتهم البعض المتصوفه بلعب دور معيق لنهضة شعوب المشرق رغم ما يحمله من إثراء للبيئة الثقافية والفنية وتزكية وسمو للذات والنفس، وَتُتَهَم المتصوفه بالبِدَع وتَقديس الأولياء والتَبَرُك بالسادة الصُلاح والأولياء وزيارات الأضرحة والتَبَرُك بها، ومنحها خصوصية دينية.

التصوف… في ميزان أئمة السلف والأشاعرة

وتعتبر السلفية المعاصرة وأئمة السلف من أهم من هاجم وكتب المؤلفات الضخمة حول بدعة المتصوفه، وإنتقدت مناهجهم، وعابوا عليهم تبنيهم التصوف وإفتقارهم للفقه، وإنتقدهم في ذلك مالك إبن أنس وأحمد إبن حنبل، وخلال فترات متأخرة ظهر لدى المتصوفه فقهاء كبار ومنهم الإمام أبو حامد الغزالي والعز بن عبد السلام، ويمثل تَبَنى أبو حامد الغزالي للتصوف منعطف هام، وخطوة تضاف إلى حركة التصحيح العلمي المعاصرة في مناهج التصوف، وأسهم الأمام أبو حامد الغزالي بإمتزاج المتصوفه في عصره مع مذهب الأشاعرة في مصر ممن مثلوا عوام مذاهب الأمة في مصر وشمال إفريقيا وأجزاء من الشام في حينه، وكاد أن يعتبر مذهب التصوف جزءاً من الأشعرية، ويمثل َتَبَنى الإمام النووي للتصوف إضافة جديدة، وهنا أتحدث عن مراحل تصحيح مناهج التصوف في التاريخ المعاصر.

التصوف… في ميزان تاريخ الإسلام

ولا يفوتنا الحديث حول أن إحدى أسباب ظهور التصوف كانت نتاج بيئات التخلف والهزائم والصراعات الداخلية خلال القرنين الثالث والرابع الهجري، مما دفع بعض الزهاد نحو الإنكفاء على الذات والإنعزال عن المجتمع، وإتخذوا من سفوح وشِعَب الجبال أماكن لهم للخلوة والعبادة بعيداً عن الحياة العامة وما ينكد صفوهم.

ولا يمكن لنا إختزال الحديث عن التصوف خلال عهود تراجع حضارة الأمة، بل شكل المتصوفة من الزهاد الأوائل طليعة صفوف المرابطين على الثغور، وتجمعوا من مجمل أقاليم المشرق الإسلامي قرب الحدود مع أعداء الأمة في شمال أفريقيا أو في أراضي الأتراك قرب بيزنطة، وأسسوا لهم مدناً جديدة وتجمعات بشرية وفق نظام عسكري وإقتصادي لم يُعرَف من قبل، وأطلق عليها المؤرخون إسم “مُدن الثغور”، ومارسوا العمل العسكري المسلح ضد الغزاة والمحتلين، وعملوا خلال تلك الفترة في حقل الدعوة إلى الله في داخل أقاليم أواسط وغرب أفريقيا وجنوب شرق أوروبا وبلاد القوفقاز، وشكلوا مجتمعات نابضة بالحياة قرب الواحات والممرات الجبلية ونقاط التوتر مع الغزاة، وأهتموا بزراعة الأرض وعملوا بالتجارة، وأُطلِق على حصونهم تسمية “الأربطة”، وتصدرت هذا المشهد قبائل الغُز السلاجقة في بلاد التُرك، ومارستهُ الحركة السنوسية في ليبيا وشمال أفريقيا خلال نهايات القرن التاسع عشر إلى جانب العمل العسكري والإقتصادي.

التصوف… خلال نهايات القرن التاسع عشر

وَإتُهِم التصوف من نخبة المتعلمين ممن تتلمذوا في الغرب الأوروبي مع بدايات القرن الماضي، ووصفوا التصوف بأنه إحدى أسباب إنتشار العادات الشاذة والبِدَع خلال عهود التراجع الحضاري وأنها شر كامل، مما ضاعف من النظرة السلبية لدى مدارس ومناهج التعليم الحديثة تجاه التصوف، وتعرض التصوف السائد في حينه لإنتقاد كبار علماء الأمة، وكتبت المؤلفات حول إنتقاد ما جرى من بدع وعادات تجري بين يدي شيوخ ومُريدي المتصوفه، مما أربك الصورة العامة لدى المحدثين في عصرنا هذا حول الحكم على التصوف.

ووجدت صورة نمطية سلبية عن التصوف عززها ظهور بعض الحركات والتوجهات الدينية الحديثة ذات التوجه الإصلاحي خلال القرن الثامن والتاسع عشر للميلاد، ورغم أن هذه الحركات السلفية بطابعها حملت في معظمها الكثير من مسلكيات ومشارب التصوف، ومن أهمها السنوسية في شمال إفريقيا “ليبيا” والألوسية في وسط العراق والشوكانية في اليمن “صنعاء”، ولكن حدث تحول كبير ورافض للتصوف والصوفية حينما تأسست دعوة محمد بن عبد الوهاب في الحجاز، وتطور هذا الرفض للتصوف حينما تحالفت الوهابية مع قبيلة آل سعود وأسسوا نظام المملكة العربية السعودية الأولى والثانية والثالثة، وتُمَثِل الحركة الوهابية مجمل تنوع مشارب السلف، وتطور الرفض السلفي للتصوف خلال فترة الصِدام بين المملكة السعودية الأولى وجيوش الدولة العثمانية، وساد الرفض للتصوف وطرقه ومدارسه بعد توسع النفوذ الأدبي والسياسي والديني الذي مارسته المملكة العربية السعودية بعد ما حققته من طفرة نفطية أسهمت في تصدير مناهج السلفية إلى مجمل أصقاع المشرق الإسلامي، ومن مظاهر تأثيرها إنتشار تلك المطبوعات والمؤلفات والنشرات والمطويات والأشرطة الدينية المتعددة التي تتحدث حول فساد وبدعة التصوف.

ورغم تبني الدولة العثمانية للمذهب الحنفي وهو إحدى مذاهب شيوخ السلف، إلا أن الطابع الصوفي لم ينفك عن بلاط سلاطين بني عثمان، وعزز من إنتشار التصوف العثماني ما يمثله مذهب أبي حنيفة النعمان من إعتدال وسعة أُفق ساهمت في توسع البيئات الثقافية العثمانية، وقادت إلى تحقيق التعايش بين مشارب حضارتها، وإمتزج التصوف بالدين والإجتماع والسياسة والفنون في سائر أرجاء الدولة العثمانية، وإعتبرت مرحلة هامة أسهمت في نهضة جديدة للتصوف الإسلامي، وأسهمت هذه البيئات في إرفاد بلاط بني عثمان بسلاطين عُرِف عنهم الجهاد والفتوحات والتضحية، وعرفوا بتصوفهم وزهدهم، وتأثروا بأئمة التصوف أمثال الفقيه الحنفي والشاعر جلال الدين الرومي.

التصوف والسلفيه… في العهد الجمهوري

ولم تستأنس الأنظمة الجمهورية التي ظهرت منذ منتصف القرن الماضي في المشرق العربي مناهج التيار السلفي، بل حاولت الحد منها وإحتواء مرجعياتها، وتعاملت مع بعض مدارس السلفية بنوع من التخوف، ونظرت إليها بعين الريبة في مصر وتونس وفلسطين والمغرب، ورفضتها بالمطلق في العراق وسوريا تقريباً وإن لم تستطع، وتعايشت تلك الأنظمة مع الطرق الصوفيه وقربتها إليها، بل هناك من يقول بأن الكثير من الطرق الصوفية في مصر والعراق وسوريا أصبحت تمثل جزءاً من مؤسسة الدولة وتحديداً الجيش والخابرات، بل وجدت طرق صوفية نسوية ذات طابع سري مثل الأخوات القبيسيات وغيرها، ولا سيما أن عضواتها من نساء الطبقة الثرية والحاكمة وبنات عوائل الذوات ونساء قيادات الجيش والمخابرات، ويعتقد البعض بأن هذا التوجه تم دعمه من الدولة للحد من إنتشار تيارات وتوجهات إسلامية معارضة، وحتى لا تنتشر بين صفوف هذه الطبقات الإجتماعية، وحتى لا تسيطر حركات الإسلام السياسي على مؤسسات البلاد الإقتصادية ورأس المال، وخوفاً من تسرب أفكار تيار الإسلام السياسي أو الإشتراكي العروبي بين صفوف الجيش تخوفاً من إنقلابات عسكرية، وهذه ظاهرة عاينتها بنفسي من خلال معرفتي الجيدة ببعض ضباط الثورة الفلسطينية العائدين من العراق بعد توقيع إتفاق أسلو، حيث لاحظت بعض علامات التصوف لديهم ولدى بعض زوجاتهم، ونختص منهم العائدين من العراق فقط، وحينما تبحث حول التصوف والسياسة في العراق أثناء حكم حزب البعث العربي الإشتراكي تقف أمام دور لعبته الطريقة النقشبندية في الحياة العامة في العراق، ومن خلال تتبع تاريخ نشأتها تلاحظ إرتباطها الواضح بجهاز المحابرات العراقي في حينه، ولعبت الطريقة النقشبندية دوراً بطولي في مقاومة الإحتلال الأمريكي للعراق بعد عام 2003م، ولم تقف علاقة طرق التصوف العراقي بالسياسة عند الطريقة النقشبندية فقط بل هناك دور قامت سياسي وعسكري مارسته الطرق والجماعات الصوفية لدى أتباع مذاهب الدعوة لآل البيت عليهم السلام “التشيع”.

وإنتشرت طرق التصوف في الشام والعراق ومصر واليمن، وتراجعت داخل ممالك وإمارات الخليج العربي التي عرفت بإتباعها المذهب الحنبلي، وبعد تحالف الحركة الوهابية مع آل سعود ترعرعت الحركة السلفية في هذه الأجواء البدوية المتأثرة بالمذهب الحنبلي، وتوسع التصوف في الشام ومصر والعراق بعد ظهور الأنظمة الجمهورية، وتوسع التصوف نتيجة مناخات الصراع الذي وقع بين الأنظمة الجمهورية والملكية منذ خمسينيات القرن الماضي حتى عام 1979م.

التصوف… والتشَيُع

وتراجع الصراع بين المَلَكيات والجمهوريات العربية بعد إندلاع الثورة الأيرانية عام 1979م، مما أسهم في دخول المنطقة فترة إنتعاش التشيع الديني والسياسي بعد إنتصار نموذج الثورة الإيرانية، وتراجع التصوف السُني بمقدار ما، وحدث إنتعاش للتيار السلفي في عموم المشرق العربي، لأن أطروحات السلفية أكثر حدة ورفضاً تجاه التشيع، بينما تعايش التصوف مع التشيُع، بل هناك من بحث عن نقاط إتفاق وتشابه بين التصوف ومذاهب التشيع لآل البيت عليهم السلام في موضوعات متعددة، ومنها تقديس مزارات الأولياء والتبرك منهم لدى الصوفيه في بعض العهود التاريخية، وتكريم أئمة آل البيت والتبرك بأضرحتهم لدى مختلف مشارب التَشَيُع، ومجمل الحسينيات لدى الشيعة في العراق وسوريا دُشِنَت حول أضرحة أفراد آل بيت الرسول عليهم السلام المنتشرة في مشارق الأرض ومغاربها.

ولا يفوتنا أن نتحدث حول تاريخ إنتشار هذه المزارات ذات الطابع التصوفي الشعبي في مصر وشمال افريقيا وأجزاء من بلا الشام في العهد الفاطمي أو ما إصطلح على تسميتها بالدولة العبيدية، ولا سيما أنها دولة إسلامية كان مركزها الرئيسي مصر بعد تونس، ومذهبها الإسماعيلي وهو إحدى مذاهب التشيُع لآل البيت عليهم السلام، ومنذ تلك الفترة تم بناء العديد من المقامات والمزارات حول أضرحة أفراد آل البيت والصحابة والتابعين والأولياء في مصر وسائر أرجاء الدولة العبيدية، ومن ضمنها مزارات السيد الحسين والسيدة زينب عليهما السلام في القاهرة وغيرها، ولأسباب سياسية شجع الناصر صلاح الدين الأيوبي بناء الزوايا ومقامات حول الأماكن التي عُرِف أنه زارها إحدى الأنبياء أو الرسول أو الصحابة أو التابعين أو الزهاد والصلاح المتصوفة، وشجع هذا الفعل بهدف تثبيت هوية سوريا الجنوبية “فلسطين” في وجه الخطر الفرنجي الغربي معتمداً على أدوات متعددة ومن ضمنها تثبيت هوية البلاد، وربط أهالي فلسطين بالذاكرة التاريخية والإيمانية وبالهوية الإسلامية.

وفق هذا المشهد توسع للتيار السلفي في مقابل توسع مظاهر التَشَيُع التي إنتشرت منذ بداياتها الأولى في المناطق الشرقية من شبه الجزيرة العربية والجنوبية الشرقية في العراق وبعض مناطق الشام واليمن، ومثلما تواجدت مدارس التصوف لدى الأشاعرة وبعض مذاهب السلف إنتشر التصوف في وقت مبكر لدى أنصار التشيع لآل البيت عليهم السلام، وكلما زاد قمع نظام بني أمية دعوات النُصرَة لآل البيت عليهم السلام إتجه بعض أنصار آل البيت نحو الإنكفاء والعزلة والزهد والتصوف، وظهر خلال تلك الفترة ما عُرِف بالتقية، وكلما سقط شهيداً من أئمة وتلاميذ آل البيت دُشنت حول ضريحه المقامات وحسينات وكان يسكنها الزهاد والمتصوفه، أو نُقِل جثمانه ليُدفَن في الأطراف النائية صوب بلاد المغرب العربي، حيث ترعرعت هناك الدعوة العبيدية وغيرها…، ونقل جثمان بعضهم إلى قِمَم الجبال الشاهقة في شمال اليمن وغربه حيث إزدهر المذهب الزيدي، وأواسط غرب بلاد الشام حيث إزدهر المذهب العلوي، وتبلورت خلال تلك الفترة وربما قبلها بقليل المباكي والمناحات في ذكرى مقتل الإمامين الحَسَن والحَسين أبناء الإمام علي ووفاة زيد بن الإمام علي،… والحيدرية والزينبية والباقرية والجعفرية والمشهدية خلال مشهد القمع والقتل والتنكيل…، ووفق هذه الظروف إحتل التصوف النصيب الأكبر في تبلور منظومة التشيُع، وأسهمت هذه البيئات الخصبة في تطور أشكال جديدة من التصوف وصفها البعض بالبدع والمحدثات.

وإنتقلت دعوات التمرد ضد بني أمية وبعض خلفاء بني العباس من الخلوات والعمل السري ذات الطابع الصوفي إلى العمل العسكري الذي يقوده ويشكل عماده شباب تلقوا أفكار دعوتهم داخل خلوات التصوف، ويقودنا هذا الواقع نحو كشف اللثام عن طبيعة العلاقة بين السياسة والتصوف لدى اوائل الدعاة لآل البيت عليهم السلام في جنوب وشرق العراق وبعض أقاليم بلاد فارس، ودوره في تأسيس الدولة العباسية في المشرق العربي.

التصوف… بين التراث والحداثة في القرن العشرين

وحينما إنطلقت دعوة الإمام حسن البنا الإصلاحية تحت إسم جماعة الإخوان المسلمين تأسست في بيئات ناقمة على التراجع والتخلف الحضاري في مصر والمشرق العربي، وأعلنت عن رفضها للإستعمار والإستبداد منذ بداياتها الأولى، وإنطلقت في بداياتها لتبني جيل مؤمن، وحدد أولوياته نحو تزكية النفس وتطهيرها من الرجس والمعاصي، وإهتمت دعوة جماعة الإخوان بأخلاق أفرادها، وإقتربت من التصوف في بعض النواحي ذات الطابع التعبدي والزهد والتقشف، ولكنها تميزت عن مجمل الطرق الصوفية كونها أمنت بالعمل السياسي والجهاد ضد المستعمر والنضال ضد الإستبداد وإهتمت بالبناء والعمل الإقتصادي والإجتماعي، وكذلك النشاط الرياضي والثقافي والإنجاز العلمي والفني، بل شملت الإسلام بما يحتمله من شمولية لحياة الإنسان كافة، وتوسعت أفكار هذه الجماعة لتنتشر في مصر والشام وشمال إفريقيا والعراق واليمن ومجمل المشرق الإسلامي، وأصبحت منافسة قوية لمجمل التيارات السلفية والصوفية لما حملته من إعتدال وأصالة وشمول وحداثة تجاه قضايا الأمة.

ورغم توسع المدارس المنافسة لمدرسة التصوف التقليدية إلا أن هذا الشكل من التصوف التقليدي لم يمت بل بقي محافظاً على نفسه بفضل رعاية المؤسسة الرسمية الحاكمة لهذا الشكل من التصوف، ولم يتمكن السلف ولا الحركة الإسلامية بمختلف مشاربهما من أن تنهي وجود التصوف، بل مثلت هذه الدعوات الحديثة إضافات جديدة لأشكال التصوف، وحافظت على نقاء وإتزان التصوف وأبعدته عن بعض من أشكل حوله من بدع وعادات وخرافات، ورغم إنتهاء عصر “التصوف المنفلت” إلا أن مؤسسات الدولة حافظت على إستمرارية بعض المتصوفة كنظام مؤسس، ونقصد بالتصوف “المنفلت” ذلك النوع من السلوك التصوفي الفردي المبتعد عن المعرفه والعلم والفقه والذي أدخل البدع والعادات إلى عالم التصوف.

وإستمرت الصوفية تحت مسميات جديدة منها الصوفية السلطانية، ولعبت دوراً في مشهد الأحداث الأخيرة التي شهدتها المنطقة بعد 25 يناير، كانون ثاني 2011م، بل شاركت في مظاهر العمل السياسي، لما عرف عنها من علاقة تربطها بمؤسسات الدولة الرسمية، ولم تحافظ على  حياديتها ونقاء سريرتها نحو الزهد والتَعَبُد، بل تحيزت إلى جانب مؤسسات الدولة من جيش وأجهزة أمنية، ويمكن لنا أن نبين لكم على سبيل المثال لا الحصر دورها في المشهد المصري، حينما هاجم الشيخ المعروف عنه تزعم التصوف في مصر “علي جمعة” مفتي الجمهورية الأسبق حينما تحدث عن جماعة الإخوان المسلمين وإستباح قتل كل من ينتمي لها، ودعا إلى تطهير مصر من الإخوان في أكثر من موقف وخطاب رسمي وإعلامي أو مُسرب مما أثار ضجة واسعة، ولم يخرج عن هذه السياقات مواقف شيخ الأزهر أحمد الطيب، وغيره ممن يمثلون أئمة التصوف في مصر وغيرها ومنهم الحبيب بن علي الجفري ممن إنتشرت كتبه على نطاق واسع خلال السنوات السابقة بين أبناء الحركة الإسلامية، وأنا ممن إشترى مؤلفاته منذ نهاية تسعينات القرن الماضي من معارض الحركة الإسلامية في جامعات الضفة المحتلة، ولكن ظهوره هو الشيخ أسامة الأزهري عبر فضائيات مصرية يمتلكها رجال أعمال شاركوا بإعلامهم وأموالهم في حركة إقصاء جماعة الإخوان المسلمين من الحياة العامة بعد مشهد 3 يوليه 2013م عاود إثارة الجدل في العلاقة بين التصوف والسياسة، وَعُرِف عن الجفري والأزهري تبنيهم مناهج التصوف والتنظير لهُ، وفتحت شاشات الفضائيات لأئمة التصوف في مصر خلال مشهد فض إعتصامات الحركة الإسلامية وأنصار الرئيس محمد مرسي في ميداني رابعة العدوية والنهضة في مشهد يوحى بمباركة قتل من قُتل خلال فض الإعتصامات، بينما لم تتمكن تلك الفضائيات ومنها المملوكه للدولة من الدفع ولو بشيخ واحد غير الصوفيه عبر تلك الفضائيات، مما دفع بعض المؤرخين والباحثين إلى الربط بين التصوف والعمل السياسي مجدداً، وإعتبر بعضهم التصوف في مصر يمثل مؤسسة من مؤسسات الدولة، ويماس السياسة في كامل مشهدها من خلال بيانات الأزهر والأوقاف ودار الإفتاء والتصريحات العلنية والسرية، مما أدخل الصوفية في مصر مشهد الفِعل السياسي من أوسع أبوابه.

وختاماً: لا يمكن وضع مجمل مناهج التصوف في نفس الإطار، بل هناك مدارس تصوف برع دورها في قتال المستعمر والتصدي له، وعرف عنها محاربة البدع والعادات المنهي عنها في صحيح الإسلام، ونذكر على سبيل المثال لا الحصر بطولات أسرى وشهداء فلسطين في سجون الإحتلال ممن عرف عنهم الزهد والتعبُد والتقشف، وممن تتلمذوا على يد بعض مناهج التصوف وتزكية النفس المعتمدة لدى مدارس الحركة الإسلامية في فلسطين المحتلة بكافة مشاربها، ونعود إلى التاريخ القديم ونقف أمام مشهد من التصوف يوصف بالرائع حينما تأسست دولة بني سلجوق في بلاد الترك بالقرب حدود بلاد العرب والفرس، حيث تتلمذ شبابها وسلاطينها على مناهج التصوف وحب الزهد والجهاد، ولعب هذا الشكل من التصوف حيزاً رائعاً وبطولي أثناء قتال العدو البيزنطي شمالاً في أجزاء من الشام والأناضول.

وحينما إمتزج التصوف التركي بالبيئات التي كانت سائدة لدى دولة بني عثمان لم يمتزج نتيجة تقرب وتملق أئمة المتصوفه عند بلاط بني عثمان، بل تم هذا التفاعل نتاج مناخات تَعَبُد حقيقية مارسها العديد من مشاهير سلاطين بنو عثمان، وعرف منهم بتصوفه على سبيل المثال لا الحصر السلطان محمد الفاتح فاتح بيزنطة، وعرف منهم السلطان عبد الحميد الثاني…، وتكرر نفس المشهد لدى خيرة سلاطين الأراتقة وآل زنكي وبني أيوب.

بينما إرتبط التصوف بالتخلف خلال نهاية حكم سلاطين بني عثمان حينما إنهارت دولتهم وتراجع الإقتصاد وتخلف التعليم، وإنتشر الجهل، مما منح البدع والخرافات زخم لتتسلل إلى داخل جسم وبنيان التصوف، وتغلغلت في مجمل مناحي الحياة العامة لدى المسلمين قبيل الإستعمار الحديث.

وبعد إنتهاء مرحلة الإستعمار الباشر للوطن العربي، تحالفت الأنظمة العربية الحديثة مع التصوف، وَيُمَثِل هذا التحالف مرحلة تاريخية هامة عاصرها التصوف لدى العرب حينما كانت أحوالهم في غاية البؤس والتخلف، حينما وصفت نظمهم السياسية بالتخلف والرجعية، ووصف التصوف بتلك المظاهر السلبية لأنه لم ينعزل عن مجمل البيئات والحواضن التي شابها التخلف منذ أواخر الحكم العثماني، وعزز من هذا التخلف إستمرار مشهد إنتشار الخرافات والهرطقات حينما تولى المستعمر إدارة بلداننا حيث لم يهتم بإصلاح التعليم والإقتصاد، وحافظ على التخلف كما هو، وورثت الدول العربية الحديثة بممالكها وجمهورياتها بقوميتها وإشتراكيتها وعوائلها الحاكمة مظاهر ومسلكيات التخلف، وعززت تلك الظروف من تلاقح مناخات الإستبداد والظلم، وشرعنها بعض أئمة التصوف ممن وضعهم الحكام الجُدُد على رأس قمة هرم المؤسسات الدينية والدعوية، وتزامن مشهد مرافقتهم لهم في مجمل الزيارات والإحتفالات العامة التي يتم بثها عبر وسائل الإعلام، مما أسهم في تعزيز مشهد العلاقة بين التصوف والسياسة في المشرق العربي.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق