الاجتماعية والثقافيةالدراسات البحثية

العلاقة بين الدولة ومحيطها الإجتماعي الثقافي فى إطار”التعددية الثقافية” منظورات مقارنة

اعداد الباحثة : علياء جاويش

-المركز الديمقراطي العربي

” العلاقة بين الدولة ومحيطها الإجتماعي الثقافي فى إطار “التعددية الثقافية” من منظورات مقارنة “( رؤية تنظيرية ومفاهيمية )

*المقدمة ( إستهلال نظري) :

تتناول الدراسة موضوعا نظريا وفكريا ذات إهتمام فى حقل ” النظرية السياسية ” فى خضم الصراع التنظيري والفكري حول نظريات الدولة ونشأتها وطبيعتها ووظائفها؛ حيث أنتج الصراع القائم حول تفسير الكيان السياسي المتمثل فى ” الدولة” أنماطا فكرية ومنظورات مختلفة عديدة تري فى دراسة الدولة وتحديد مهامها وأدوارها وعلاقتها بغيرها من الكيانات الاخري الناشئة او ماقبل التاريخ وارتباطها بالعديد من المفاهيم النظرية إشكالية مربكة وفقا لمفكري القرن ال19 والقرن ال20 ؛ وسمحت هذه الاشكالية حول طرح جدل حقيقي حول تحديد : ماهية الدولة؟  وماعلاقتها بالمفاهيم المتداخلة والمترابطة حولها؛ واذا كان علم ” النظرية السياسية” قدم أطروحات ومقاربات مفاهيمية وتنظيرية لهذا الكيان الا ان النظرية شأنها شأن نظريات العلوم الاجتماعية لم تقدم تحليلا امبريقيا يتعامل مع ” الدولة” باعتبارها مفهوم واضح المؤشرات القابلة للقياس؛ الا انه الدولة قدم مفهوما ديناميكا قابلا للاتساع او التضييق وفقا لخصوصية الارتباط بقضية تشكيل وتكوين الدولة.

وفى خضم ارتباط الدراسة ببحث جوانب ” العلاقة بين الدولة والمجتمع ” فان الرؤية المعرفية والعلمية والنظرية لمفكري ” النظرية الليبرالية ” و ” النظرية الماركسية ” قدمت أطروحات متناقضة فى جوانب عديدة حول دراسة الدولة وتكوينها وبحث محيطها السياسي والاجتماعى والثقافي والامتداد للبعد الاقتصادى كما طرحها “كارل ماركس”  او ” جرامنشي” وغيرهم من مفكري النظريتين؛ واذا كانت بحث العلاقة بين الدولة ومحيطها الاجتماعى فى اطار بيئة الحداثة او مابعد الحداثة شكلت تطورا لنواة واضعي مفهوم المجتمع المتعدد ثقافيا او الامة ذات الكيان المتشعب ومفهوم المجتمعات الإقليمية والفرعية فإن الرؤية المصبوغة لتلك المفاهيم نشأت فى اطار حداثي كنقد لأطروحات ” النظرية الليبرالية ” و ” النظرية الماركسية” او كإضافات منهاجية فى النظرية السياسية الغربية وكتحدى تنظيري يتفق او يختلف مع هيكل البناء الاجتماعى والثقافي للدولة.

ووفقا لذلك فان الاستناد على الأطر الفكرية والنظريات المختلفة لمنهاجية البحث حول (العلاقة بين الدولة والمجتمع المتعدد ثقافيا وعرقيا) فانها تكمن حول مفهوم ” المجتمعات متعددة الأطياف” فوفقا للمفكر أريند ليبارت “ كمثال عن المنظور الليبرالي ” فى كتابه “الديمقراطية في المجتمعات متعددة الأطياف” أقر بأن التمكين السياسي للدولة وممارسة ” الديمقراطية المستقرة ” أمر يصعب تحقيقه للغاية في هذا النوع من المجتمعات متعددة الأطياف مستندا لقول ” أرسطو” عن نظام الحكم المستقر فالدولة “تهدف للاستمرارية قدر الإمكان” ويتحقق ذلك عندما يتألف المجتمع من أفراد متساوين وأقران” ولكى يتحقق الاستقرار في المجتمعات الليبرالية لا بد من وجود تجانس اجتماعي وتوافق سياسي بين الأقسام الاجتماعية العميقة، ولا بد من وضع حد للخلافات السياسية. فهذه العوامل تساعد في عدم استقرار المجتمعات الليبرالية وانهيارها وحاول ” أريند ليبارت” معالجة تلك الاشكالية من خلال تقديمه نوعًا معينًا من الديمقراطية تسمي ب “الديمقراطية التشاركية” التى قد تواجه بعض الصعوبات الا انها ليست مستحيلة ويمكن التوصل من خلالها إلى الحكومة الديمقراطية المستقرة والحفاظ عليها في المجتمعات متعددة الأطياف([1]).

اما الرؤية الماركسية للدولة ذات المحيط الاجتماعى والثقافي المتعدد اتسمت ببعض الاتساق وفقا ” للماركسية السوفيتية” على خلاف ” الماركسية الغربية” التى مثلت تناقضا ونقدا للماركسية السوفيتية حيث تتمثل الإشكالية فى طرح فرضيات متشابكة تنبثق من عودة الاهتمام الغربي بالمعطى الديني والثقافي وهو ماتمثل فى الهم المعرفي الأبرز ” لنظريات مابعد الحداثة ” انطلاقا من مفاهيم (الدولة – الأمة)  سياقاتها الاصطلاحية والتاريخية ومانتج منها من أزمات بنيوية وبحث إرهاصات التعدد فى منظومات غربية تتراوح مابين (الدمج والاقصاء) فى ظل ” دولة الرفاه ” وتخوف الجماعات ذات الهويات المتعددة من أفول هذه الدولة ؛ وفى نفس السياق الماركسي فان ( الدولة – الأمة ) تحتضن اثنياتها وتحفظ لهذه الأقليات حضورها الوجودى والتواصلي الا ان هذه الأطروحة تغيرت للنقد من داخل وخارج الماركسية لأن الدولة فى ظل هذا الاطار تعرضت للتفكك بفعل عوامل سيكلوجية وسلطوية بفعل عوامل الولمة من جهه ومن سوء ادارة الدولة لملف الأقليات من جهه اخري؛ وهى أطروحات اتفق حولها كلا من  (إيتيان باليبار، وتشارلز تايلور، وإيمانويل رينو، وجورج بوردو، وأغنر فوغ) الا ان تفسيرات الكندي “ويل كيملكا” بدت الأكثر حضوراً في أطروحته، لجهة معالجته مسألتين أساسيتين: اللغة، والبناء الفكري للحركات القومية. ،حيث تؤدى اللغات دورا متميزا فى ترسخ النزوع أكثر فأكثر نحو الإقليمية اما ” النزعات القومية للأقليات” فلقد رتب ” كيملكا ” معادلة  تضع سياقا حول بناء دولة متعددة الثقافات، تبدو في عالم ما بعد الحداثة ذات صدي تنظيري اوسع([2]).

ومما سبق يمكن استنتاج مجموعة من المؤشرات والأسئلة المثارة حول رؤية الدولة لمحيطها الاجتماعى الثقافي؟  والعلاقة القائمة بين الدولة والمجتمع فى ظل مجتمع متعدد الهويات والثقافات ؟ والسياق الفكرى والتنظيري للنظرية الليبرالية والنظرية الماركسية ؟ وكيف استطاعت الدولة فى ظل اشكالية تعدد الهويات والثقافات التعامل مع مشكلة الاقليات الثقافية والاجتماعية بمجتع متعدد الأعراق غير متجانس وفقا للمنظورات المختلفة ؟

وتسعي الدراسة من خلال ذلك بحث تلك الاسئلة المثارة لنظريات مقارنة ( الليبرالية والماركسية ) وأطر واتجاهات فكرية متداخلة ومتناقضة وبحث المفاهيم المرتبطة بها فى ظل السياق النظري ومحاولات تقديم الاجابة عليها من خلال النظريتين مع طرح السؤال التجريدى نظريا حول ماهى علاقة الدولة بالمجتمع المتعدد ثقافيا وهل استطاعت تقديم أطروحة معالجة لدمج او اقصاء الأقليات العرقية والثقافية ؟ وماهى اهم القيم المعيارية ( الحرية والعدالة والمساواة ) التى ارتكزت عليها الدولة لتحقيق مقاربتها المعالجة ؟ وماهى اهم المنظورات النقدية لنظرية التعددية الثقافية؟

وتنقسم الدراسة لعدد من المحاور والعناصر متضمنه مايلي :

أولا : العلاقة المفاهيمية بين الدولة والمحيط الاجتماعى الثقافي ( المدارس الفكرية والمفاهيم المرتبطة) “بنظرية التعددية الثقافية ” :

ثانيا : الإطار الفكري والتنظيري والمفاهيمي لعلاقة الدولة بالمجتمع المتعدد الثقافات واهم الاتجاهات الرئيسية فى المنظورين (الليبرالي والماركسي)  فى اطار ” نظرية التعددية الثقافية” :

ثالثا: أهم الأطروحات والفرضيات والحجج الرئيسية الفكرية والنقدية والحجج المضادة لعلاقة الدولة بالمجتمع من داخل ” نظرية التعددية الثقافية ” وفقا للمنظور الليبرالي والماركسي :

رابعا: النتائج والاستخلاصات المترتبة على علاقة “الدولة بالمجتمع المتنوع ثقافيا” تحليليا وعمليا فى سياق المنظور الليبرالي والماركسي  :

خامسا : المنظور النقدي حول مدى الاتفاق او الاختلاف واهم اسهامات واضافات المنظور الليبرالي والماركسي من داخل ” نظرية التعددية الثقافية”:

التعددية الاجتماعية – الثقافية  ظاهرة ملازمة للمجتمع البشري منذ عرف هذا المجتمع ظواهر التبادل السلعي والملكية الخاصة والدولة. بل وقبل ذلك وبعده فان التمايزات الثقافية والعرقية والدينية بما تفرضه من تمايزات في الرؤى والمواقف السياسية فرضت تمايزات ملازمة لطبيعة المجتمع البشرى ذاته.

والتعددية تأكيد وإقرار وتسليم لعالم متنوع ومختلف، وغدت أحدى ثوابت آلية الحياة المعاصرة. وكيفية التعامل والتفاعل معها سيقود بشكل أو بآخر، إلى بلورة الملكية الذاتية والاحترام والتسامح والحوار والمرونة في الحوار والتعايش مع الاخر.

وتعبر الاختلافات أو المتعددات عن ذواتهما في الهويات الثقافية والبرامج الاقتصادية والاعتقادات الدينية والتجمعات الاثنية والأنظمة السياسية وغيرها، فلم يعد كافياً تشخيص التعددية وإنما كيفية تجسيدها عملياً باعتبارها حقيقة واقعية حاضراً، كما كانت في الماضي وستكون في المستقبل. ولا تعني الاختلافات أو التعدديات علامات الفشل أو دلائل الخطأ أو عدم القدرة في الوصول إلى جواب واحد كما يرى البعض. فالسياق التعددي الثقافي، على سبيل المثال، هو عنصر ضروري لترجمة القيمة الموضوعية في الواقعين السياسي والأخلاقي. ومن ذلك فان الرؤية العلمية والنظرية لبحث تلك العلاقة بين الدولة والمجتمع المتعدد ثقافيا واجتماعيا ستتطلب الارتكاز على العناصر التالية :

أولا : العلاقة المفاهيمية بين الدولة والمحيط الاجتماعى الثقافي ( المدارس الفكرية والمفاهيم المرتبطة) “بنظرية التعددية الثقافية ” :

تعتبر الدولة شكل من أشكال التنظيم السياسي والتنظيم السياسي فى حد ذاته هو شكل من أشكال الجماعة الانسانية التى تتشعب تفصيلاتها؛ ويتفاعل الوجود الانسانى بعضه لبعض ليس فقط عن طريق التنظيمات لكنه قد يتفاعل عن طريق تدابير جماعية مثل الاسرة والمدينة والثقافات والاديان والمجتمعات والامم.

ومن العسير تعريف الدولة وتحديد علاقتها مع مختلف أشكال التنظيمات السياسية ووصف طبيعة علاقتها مع الجماعة الانسانية  وتحيد مواطن الصعوبة فى عده نقاط: 1- الدولة هى شكل من اشكال التنظيمات ذات التاريخ وتعريف الدولة ككيان متطور ويتقدم بشكل مستمر يجعل النظر الى هذا الكيان كنقطة فوتوغرافية ثابتة أمر مستحيل. 2- مفهوم الدولة فى حد ذاته له اصول تاريخية لذلك فان اى استدعاء لابد وان يتعامل جيدا مع حقيقة ان مفهوم الدولة استخدم فى العديد من المواضع ب\ريق مختلفة. 3- ان التشابه بين الدولة واى كيان اخر قد ينظم بشكل يشبه تنظيم الدولة ولايعنى على انهم من نفس الدرجة من التقارب حيث الاختلاف فى الحجم ولزمن والقوة والشرعية وطبيعة التنظيم السياسي.4 – الدولة ككيان سياسي فان التعامل مع مفهوم الدولة سيحتم بالضرورة التعامل مع مفاهيم معيارية اخري مثيرة للجدل مثل مفهوم الشرعية والسيادة.

ويمكن استنتاج من اشكالية ” مفهوم الدولة” بأنها كائن مجرد لكنه ملموس وموجود اجتماعيا وهو مايشكل شكلا لاهوتيا لأشكال الممارسة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية وان الدولة تقوم على روابط (العلاقات) وليست أشكالا جوهرية خالصة ذهنية او فكرية او روحية الا انها كيان تفاعلى من الكائنات الاجتماعية البشرية تعمل على وضع اطارا مستقلا لها يعبر عنها فى ظل سياق فكرى ونظرى اجتماعى يجعلها فكرة مستقلة بذاتها.

وبالتالى يمكن اعتبار إشكالية الدولة من بين أكثر الإشكاليات تعقيدا والتباسا وللاسف لم يجهد المفكرون إيلاء الدولة ما تستحقه من البحث والاهتمام العلمي والتأصيل النظري، فبقيت مفهوما مختلطا بمفاهيم القومية والسلطة والحكومة والإدارة وما شابهها([3]).

ومن ذلك يمكن التدرج نحو إشكالية العلاقة بين مفهوم الدولة ومفهوم المجتمع فاستند المفكرين حول الدعوة نحو تدشين تفكير نظري فى وضه اساسا مفاهيميا للدولة والسلطة ومحيط الدولة الاجتماعى الثقافي مع تقديم تأملية جدلية حادة وشديدة التوتر تحكم المجتمع عبر جدلية التوحيد والانقسام المتداخلة فى النسيج الداخلى باحتدام ووضعه مع ظواهر مختلفة فى حال المراوحة المديدة بين التماسك النسبي والتشظى المتسع نطاقا؛ كما ان البحث فى هذه الجدلية يقود بالضرورة الى التفكير فى الدولة والمجتمع نظرا لكونها مسرحا لتلك الجدلية والفاعل الأساسي فى انتاج الديناميكية والجهه التى ترتد عليها النتائج الايجابية فى قليل من الحالات وسلبا فى معظمها.

وبالتالى فان ماتطلبة الدراسة فى بحث إشكالية العلاقة بين الدولة والمجتمع بوصفها الإشكالية الأم التي يندرج في نطاقها بحث الجدلية المدروسة، واتباع منهجية نقدية صارمة، لا يجري فيها تناول الأفكار والمفاهيم بوصفها مسلمات نهائية، بل بطرح الأسئلة عليها، ومحاولة هزها واستنطاقها وخلخلتها، بغية تقديم خلاصات مفيدة حول إشكاليات الدولة ومحيطها الاجتماعي الثقافي وتحريض التفكير فيهما ضمن السياقين السياسي والاجتماعي المحددين لهما.

كما ان العلاقة بين الدولة والمجتمع احدى القضايا المركزية في علم السياسة وتمثل العلاقة بينهما محورا اساسيا في النظريات والاتجاهات الفكرية كافة، والدولة هي احد اهم مفاهيم علم السياسة، ولمدة طويلة عرف علم السياسة بانه علم الدولة او علم التخصيص السلطوي للقيم النادرة والمتنازع عليها، اما المجتمع فهو مجال التفاعل الانساني بين الافراد والجماعات (الارثية والطوعية الارادية). وتثار الاسئلة بشأن ماهية جذور العلاقة بين الدولة والمجتمع ما هي علاقات التداخل والتأثير المتبادل بينهما؟. وهل يمكن التمييز بين متغير مستقل واخر تابع؟ وهل تتغير هذه العلاقة بتغير مراحل التطور السياسي والاقتصادي وبدرجة نضج النظم السياسية والاجتماعية وبما اذا كانت ديمقراطية او تسلطية وبشأن الاجابة عن هذه الاسئلة برزت في التنظير السياسي مدرستان رئيسيتان:

الاولى، تنطلق من مفهوم اولوية الدولة لذلك اسماها بعض الباحثين (الدولانية) وتقوم هذه المدرسة على عد ان الدولة هي التعبير عن المصلحة العامة وهي بذلك تحقق التوازن والانسجام بين فئاته وطبقاته وهي (الحكم العادل) بين المطالب المختلفة لجماعات المصالح، ويؤكد انصار هذه المدرسة ان الدولة هي دائما حاضنة وهي الحامية للمجتمع، وهي التي تصون هويته واستقلاله.

اما المدرسة الثانية فانها تنطلق من اولوية المجتمع وان الدولة ليست مستقلة او محايدة، وهي امتداد للثقافات والمصالح والافكار السائدة في مجتمعها، وانه عندما تنفصل الدولة عن المجتمع لتتحول الى قوة براغماتية (ارغام) لا تحظى بالشرعية او القبول ودعم من حجة هذه المدرسة ما اسفرت عنه نتائج العديد من البحوث، مثل ان فشل سياسات التنمية في العديد من الدول يعود الى نمط العلاقة الابوية بين الدولة والمجتمع او ان فشلها يعود الى انقسام الدولة ذاتها وما ارتبط بذلك من سقوط الدولة في احدى الاثنيات، بحيث لم تعد حكما، بل طرفا يسعى لتحقيق مصلحة جماعية اثنية على حساب الاخرين([4]).

كما ان التفسير النظرى للدولة وعلاقتها بذلك المحيط الاجتماعى المتعدد الاثنيات والثقافات  يذهب الى اشكالية عدم التجانس  حيث ادت السياسات الى العوامل الانقسامية في المجتمع والى بروز مختلف مظاهر الاحتقان بشتى اشكاله ومع ذلك ان العلاقة بين الدولة والمجتمع ليست علاقة (صفرية). وانما تنشأ بينهما شبكة من العلاقات المعقدة فالدولة تتبنى اختيارات وسياسات بهدف ارضاء المواطنين، وهي تتبع سياسات يكون من شأنها تغيير هيكل الفرص السياسية للجماعات، وبعض من في السلطة قد يقومون بممارسات سلطاتهم وسطوتهم بما يحقق مصالح اقتصادية خاصة من خلال العلاقة مع السوق وجماعات رجال الاعمال ومن ناحية اخرى فان الثقافة السائدة في المجتمع وتوقعات المواطنين من الدولة يمثل عنصر دعم او تعويق لسياساتها. وارتبط كل ماتقدم بالموقف الحرج الذي وجدت الدولة نفسها فيه بحيث اصبحت في بعض الحالات (تحت الحصار) فهي من ناحية محاصرة من الخارج بفعل تأثيرات العولمة والتدخل المؤسسي والقانوني للعوامل الخارجية في شؤونها الداخلية اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وهي محاصرة في الداخل بسبب عدم قدرتها على الوفاء بالاحتياجات الاساسية للمواطنين وتخليها عن سياسات الرفاهة الاجتماعية وتصاعد دور جماعات الضغط من رجال الاعمال والمجتمع المدني وشعور الاقليات العرقية والاثنية والجماعات المتعددة ثقافيا بعدم المساواه وتحقيق الفرص المتكافئة للتعبير عن مطالب هذه الجماعات مما يدخل الدولة فى سياق صراعي جديد.

مما تقدم ادى الى اجتهادات متعددة بشأن اعادة تعريف الدولة ولعلاقتها بمجتمعها وازداد الادراك بحدود سلطة الدولة. وبعدم قدرتها على تجاوز حدود وقيود مجتمعية. ان الدولة لا يمكن مهما بدت متسلطة ان تستقل عن مجتمعها، وان جهاز الدولة ذاته ليس كيانا (صامتا) انما يعكس اجتهادات واولويات متنوعة، وارتبط بذلك بروز افكار عن (السيادة المقيدة) للدولة والقيود المتزايدة التي تفرضها اشكالية التعدد الثقافي واحترام حقوق الانسان وادى ذلك الى اعادة النظر في مفهوم قوة الدولة وانها لا تنبع من قدرتها العسكرية او القمعية، ولكن اساسا من قدرتها على تنفيذ السياسات العامة التي توفر الخدمات الاساسية للمواطنين وقدرتها على توزيع الادوار مع الجماعات بما يزيد المشاركة ويحقق التعاون بينها فالدولة القوية تستند الى مجتمع قوي والمجتمع القوي وحده والقدرة للتخلص من الاختلالات وادارة الاختلافات فى مجتمع متعدد ومتنوع هو الذي يفرز دولة قوية.

كما نجد ان ” مدرسة مابعد احداثة “ وضعت اطارا فكريا حول “اشكالية  نظرية التعددية الثقافية” ودور الدولة فى التعامل مع الاشكالية ففي اطار المنظور الليبرالي اعتمدت الدولة على المساواة بين الافراد وجعلت التحاور التنظيري القائم على التعدد دائرة مفروغة لاتقدم جديد فكيفية التعامل مع واقع التنوع الثقافي واللغوي والديني، والتعدد العرقي والقومي، في مجتمعات العالم المعاصر. أنشأ اجتهادات نظرية وعملية عديدة، وخاصة في مرحلة “ما بعد الحداثة” في الغرب. وتدور هذه الاجتهادات إجمالاً حول قضية “إشكالية التعددية الثقافية” مع التركيز بصفة خاصة على المحاولة الكبرى التي قدمها أحد أكبر منظّري “التعددية الثقافية” وهو المفكر السياسي ” ويل كيملكا” حيث فرق بين نوعين من سبل معالجة الإشكالية من خلال سبل المعالجة في المجتمعات الغنية، والغربية منها بصفة خاصة، والمزدحمة بمشكلات ناجمة عن الهجرة الدولية الموسعة من أوروبا إلى الأمريكيتين في العصر الحديث، وتهميش “السكان الأصليين” وازدواجية الأغلبية والأقليات القومية، مما يطرح حلولاً قائمة على نوع من التفكيك الداخلي لبنية “الدولة ـ الأمة”. وكذلك سبل المعالجة في دول العالم الثالث، حيث التنوع الثقافي أصيل تاريخياً ومتجذر، مجتمعياً وجغرافياً، مما جعل الجماعات الثقافية ذات موروث تاريخي وثقافي مشترك، بالرغم من تسيّس هذه الجماعات وتنافسها ـ وتبعاً لذلك فإن أصالة وجودها التاريخي والثقافي، تؤدي إلى تركيز مطالبها الذاتية على المشاركة في السلطة والتعبير عن ذاتها الثقافية([5]).

ومن ذلك فان ادراك رؤية  ومنظور ” كيملكا “ فى معالجة اشكالية نظرية التعددية كما فى اطار ” مدرسة مابعد الحداثة ” دفع الى وضع معيار فكري اكثر وضوحا ورؤية عن اسباب الاشكالية والبحث فى مسبباتها التنظيرية فى (مدرستى الدولنة وأولوية المجتمع ) ووفقا لما بعد الحداثة فلقد قدمت اساسا منهاجيا عبر عن مؤشرات مفاهيمية حول العلاقة بين الدولة ومحيطها الاجتماعى والثقافي فى ظل مجتمع منقسم ومتنوع الهويات والاثنيات والعرقيات.

 

فوفقا ” لما بعد الحداثة ” فان كون الدولة واحدة والواقع المجتمعي متنوعاً ثقافياً، انعكاساً لوحدة الدولة ام جعل الدولة انعكاساً للتنوع الثقافي؟ جعل البحث من قبل الآخذون بالاتجاه الاول يشددون على اهمية تطابق احادية الدولة مع الاحادية الثقافية للمجتمع، وذلك بغية الحفاظ على استمرارية تماسك الدولة والشمول دون تشظيها، بينما دعاة الاتجاه الثاني يؤكدون اهمية تنوع المكونات الثقافية للمجتمع باعتبارها ذات حق جوهري في نيل استقلالها التام([6]).

وبين هذا الاتجاه وذاك، يحاول اتجاه فكري ثالث صياغة نظرية معاصرة تنتهج نهجاً وسطاً للتوفيق بين كلا الاتجاهين من خلال التركيز على فكرة كون وحدة الدولة لا تقتضي احادية ثقافية المجتمع، وان التنوع الثقافي لا يُفضي عادة الى تشظي الدولة. وتُعرف هذه النظرية بتسمية (التعددية الثقافية). وهي عموماً من قبيل نظريات ما بعد الحداثة التي تتميز بتركيزها على اهمية الوعي بالذات الجماعية، من منظور ان ذلك هو ما يميز عالم ما بعد الحداثة حيث الاثنيات والنزعات القومية والقبلية، من عالم الحداثة الذي ساد فيه الاهتمام بوحدة الدولة- الامة ووحدة ثقافتها واقتصادها ومؤسساتها.

وان كانت (الهوية الثقافية) تعني شعور افراد جماعة ما بالانتماء الى ثقافة مشتركة. وما تؤمن به من معتقدات وافكار عن اصولها الاجتماعية وموطنها وموروثها التاريخي وطريقة حياتها وما يؤديه ذلك من دور فعال في ربط اعضاء الجماعة ببعضهم البعض، وعلى النحو الذي يجعلهم متماثلين في نمط حياتهم ومعتقداتهم، وكذلك يجعلهم متباينين عن ذوي الثقافات الاخرى وانماط حياتهم. ومن هذا المنظور تقوم اية هوية ثقافية بوظيفتين جوهريتين: فمن جهة هي بمثابة قطب الرحى في اكساب اعضائها حسب الانتماء المشترك، وذلك من خلال توليد الاعتقاد بتماثلهم في الاصول والمعتقدات والموروث الثقافي عموماً.

ومن جهة اخرى تعمل الهوية الثقافية بابعاد كل من لا ينتمي اليها واقصائه عن تلك الجماعة، اي انها اداة للتمييز بين المنتمين وغير المنتمين اليها. هاتان الوظيفتان يطلق عليهما تسمية (التباينات الثقافية) على اساس ان الهوية الثقافية لا تتولد من ذاتها وانما تتفحص بفعل التباين والتمايز من الآخر الذي يتوطن المكان والزمان عينهما، بحيث تبرز التباينات في شتى مكونات الثقافة، وهي- اللغة، والدين، والاصل القومي، والاثني، والمواطن الجغرافي. ولذلك، فهي تتخذ اشكالاً عدة: لغوية، ودينية، وعرقية، واثنية، وقبلية اي بمعنى تنصب التباينات الثقافية ما بين الجماعات في كلا الجانبين، الملموس وغير الملموس للهوية الثقافية سواء من حيث اللغة والأصل المشترك والممارسات الموروثة او من حيث معتقدات وتصورات الجماعة عن ذاتها وعن الآخر([7]).

وفي ضوء ذلك يُعرف “مفهوم التعددية “ بأنه الايمان بوجود العديد من طرق الحياة العقلانية لعيش حياة كريمة. والتعددية هي تنوع قائم على تميز وخصوصية، فهي لا يمكن ان توجد الا بالمقارنة بالوحدة وضمن اطارها، فلا يمكن اطلاق التعددية على التشرذم والقطيعة التي لا جامع لأحادها ولا على الاحادية التي لا اجزاء لها او المقهورة اجزاؤها على التخلي على المميزات والخصوصيات. اما مفهوم التعددية الثقافية فهو ذو معان وتعريفات عدة، وذلك بحكم تنوع مجالات التعددية الثقافية، فضلاً على تعدد زوايا النظر اليها، ويمكن توزيع تلك التعريفات على ثلاثة زوايا رئيسية:

فالاتجاه الاول – يري ان التعددية الثقافية هي ايديولوجيات. حيث لا تقتضي العدالة الاجتماعية ان يعامل الافراد على انهم متساوون سياسياً وحسب بل التعامل ايضاً مع معتقداتهم الثقافية على انها معتقدات صائبة بصورة متساوية. وان تتم مأسستها في المجال العام. اي ان الهدف من التعددية الثقافية يتمثل بتشكيل مجتمع تكون فيه كافة الجماعات العرقية والأثنية والقومية قادرة على ان تكون جزءاً لا ينقسم عن المجتمع بصورة متساوية دون الحاجة الى قيامها بالتخلي عن خصائصها وهوياتها المتمايزة مما يستوجب ذلك اقتسام النفوذ والسلطة وصناعة القرار على نحو متساو في المجتمع المتعدد الثقافات بدلاً من الاستئثار بالسلطة والقرار من لدن جماعة ثقافية بعينها([8]).

الاتجاه الثانى –  يري ان التعددية الثقافية هي تجربة حياة، اي هي تجربة العيش في مجتمع اقل انعزالية وضيقاً في الافق، واقل تجانساً، واكثر حيوية وتنوعاً. اي تجربة عيش في مجتمع تعددي ومتسامح فكرياً ومتنوع في تكويناته ثقافياً واجتماعياً بحيث يغدو الموقف من شتى الثقافات موقفاً متفتحاً وايجابياً او على الاقل يشتمل على احترام الناس وايلائهم التقدير والاهتمام من خلال الاعتراف بحقوقهم في اختيار طريقة الحياة التي يريدون عيشها.

الاتجاه الثالث – يشير الى ان التعددية الثقافية هي سياسة عامة، اي انها سياسة معينة بتلبية احتياجات الجماعات الثقافية على صعيد التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية.

ومما تقدم يمكن وضع الاطار المفاهيمي (للتعددية الثقافية) بانها نظرية وسياسة في التعامل مع التنوع الثقافي، بحيث تستند الى فكرة اقتسام السلطة ما بين الجماعات الثقافية في مجتمع ما على اساس المساواة والعدالة الثقافتين، والاعتراف رسمياً بكون تلك الجماعات متمايزة ثقافياً، ومن ثم تطبيق ذلك عملياً من خلال سياسات معينة تميل الى مساعدة تلك الجماعات والتعزيز من تمايز كل منها ثقافياً.

ان التباينات الثقافية بين اعضاء الجماعات الثقافية تباينات اصيلة وتشكل عاملاً جوهرياً في دفع بني الانسان نحو بناء الهوية وانشاء السلطة السياسية، ومن ثم الدولة وربما السبب الرئيسي في فاعلية هذه التباينات، هو كونها وثيقة الصلة بذات الانسان ونمط حياته ومعتقداته الموروثة. فالانسان نادراً ما يتمكن من العيش خارج نطاق المجتمع وجماعته الثقافية، لانه مجبول بالفطرة على العيش بصورة جماعية، وهو كائن اجتماعي يعيش على شكل جماعات شأنه في ذلك شأن معظم المخلوقات الاخرى، ومن تأثير القيم والمبادئ الناجمة عن انتظام حياة الانسان داخل اطار الدولة ومؤسساتها. ان ما يؤكد هذا المنظور هو نشأة الدولة- الامة وتطورها. فمنذ اولى مراحل بنائها كانت الدولة- الامة قوة استيعابية قسرية. فالجماعة المهيمنة في المركز لم تكن عموماً متسامحة مع التباينات الثقافية داخل نطاق الدولة. وما يؤكد ذلك ان الاندماج الداخلي وبناء الهوية الموحدة قاما اساساً على فكرة التخلص من الهويات الفرعية في سبيل خلق الولاء للدولة وهو الولاء الذي اتخذ في بداية هذه المراحل صيغة الولاء لشخص الحاكم واسرته، ثم تطور لاحقاً ليتخذ صيغة الولاء للدولة ومؤسساتها.

ووفقا “للمدرسة الماركسية ” فلقد رصدت اشكالية التنوع والتعدد الثقافي وعلاقة الدولة المركزية فى رصد مرتكزات واليات ادماج الجماعات العرقية المتنوعة ثقافيا من خلال اطر فكرية شملت اطارين فكريين الا ان تخوف المركز ونظره بعين الشك الى التباينات الثقافية وامكانية ان تتحول الهويات الفرعية الى مراكز منافسة لمركز الدولة- الامة وبالتالي اعادة الدولة الى العصور الوسطى تكمن فى اخذ الدولة- الامة بالانتقال الى مرحلة الدولة المتعددة الثقافات([9]).

فلقد اشتمل الاطاريين الفكريين للماركسية 1- كيفية نشوء الدولة- الامة وتنوع مكوناتها الثقافية من قبيل التحديات الجدية امام وحدتها السياسية 2- التركيز على فكرة ان نوعية تعامل هذه الدولة مع الاقليات التي ادت بالدولة على نحو جوهري الى الوقوع في حالة الازمة ليقود ذلك الى محاولة العمل على معالجة كيفية تبلور اتجاه التعددية الثقافية فكراً وممارسة ضمن هذه الامة كما فى حالة الاتحاد السوفييتى.

وفى سياق تنظيري اخر فان التصورات التي تحملها الاتجاهات الفكرية المعاصرة وبناءها الفكري ازاء التعامل مع التنوع الثقافي بغية معرفة المكان الذي تتمركز فيه (نظرية التعددية الثقافية) ما بين الاتجاهات المعاصرة في الفكر السياسي بحيث هدف المفكرين من وراء ذلك الى معرفة هل ان التعددية الثقافية محاولة لأصلاح البناء الفكري لليبرالية، ام انها محاولة ترمي الى الحلول محل الليبرالية بذاتها؟ ام انها محولة لتشوية الاطار الماركسي ونجا بعض التجارب فى داخله([10]

كما ان  تناول (بناء الدولة المتعددة الثقافات) وذلك من حيث اساسه الفكري وكيفية تحقيق الاندماج الداخلي رغم تشجيعه للمكونات الثقافية على الاحتفاظ بخصوصياتها وهوياتها و معرفة اشكال الحقوق الجماعية وماهية علاقتها بالحقوق الفردية فضلاً على آليات معالجته لأزمة الدولة- الامة ابرز المدلولات الابرز في سياق فكري ونظرى اقام تحديات فى النظريتين الليبرالية والماركسية عبر الاسهامات التى عبر عنها مفكري كل نظرية.

وبالتالى يمكن القول بأن ” التعددية الثقافية ” (Multiculturalism) هى نظرية وسياسة فى التعامل مع التنوع الثقافي كما تستند الى فكرة اقتسام السلطة مابين الجماعات الثقافية فى مجتمع ما على اساس المساواة والعدالة الثقافيتين والاعتراف رسميا بكون تلك الجماعات متمايزة ثقافيا ومن ثم تطبيق ذلك عمليا من خلال سياسات معينة تميل الى مساعدة تلك الجماعات والتعزيز من تمايز كل منها ثقافيا. ” فالتعددية الثقافية ” كم حيث كونها نظرية سياسية هى بمثابة اعتقاد او ربما فرض يحاول دعاته سبر اغوار جديدة تتناول المرجعية الفكرية (للدولة – الامة) بالتعديل او التغيير بما ينسجم وطبيعة التنوع الثقافي للمجتمع اما من حيث كونها سياسية وهى عادة ماتعرف بتسمية ” سياسة التعددية الثقافية” فهي من قبيل اليات عمل تهدف الى معالجة الحرمان بشكل عام؛ كما ان بحث الاسباب والعوامل والاسئلة المثارة تدور فى اغلبها حول تلك العوامل التى ادت بالاقيات الثقافية الى الانبعاث وخصوصا بامكانية الموائمة بين الوحدة السياسية والتنوع الثقافي وفقا ” لنظرية التعددية الثقافية”  وماتأثير الاخذ به وفرضه على عملية الاندماج الداخلي للدولة؟

وعلى فرض ان التعددية الثقافية هى نظرية وهى ماتزال كذلك فى وضعية التعامل مع ” التنوع الثقافي” فهى اسلوب فى معالجة ظاهرة الانبعاث وهو ماسيدفع الى افتراض مفاده مدى الدفع ” بمركزية الدولة – الامة” الى السيطرة على اطرافها وهو مايثير فى الوقت ذاته التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية بين الاكثرية المهيمنة والاقليات المتباينة ثقافيا([11]).

*إشكالية بناء الدولة – الأمة وأزمتها : تطرح تلك الاشكالية من الجانب المفاهيمي المطروح من داخل ” نظرية التعددية الثقافية” الى ان ايه هوية ثقافية تقوم بوظيفيتين جوهريتيين فمن جهه تكسب اعضائها حس الانتماء المشترك بمعنى التضامن من خلال توليد الاعتقاد بتماثلهم فى الاصول والمعتقدات والموروث الثقافي عموما؛ ومن جهه اخري تعمل الهوية الثقافية على ابعاد كل من لاينتمى اليها واقصائه من تلك الجماعة؛ وهاتان الوظيفتان يطلق عليها ” التباينات الثقافية ” على اساس فكرة كون الهوية الثقافية لاتتولد بذاتها وانما تتمخض عادة بفعل التباين والتمايز من الاخر الذي يتوطن عين المكان والزمان بحيث تبرز التباينات في شتي مكونات الثقافة وهى ” اللغة والدين والأصل القومي والاثني والموطن الجغرافي.ولذلك تتخذ اشكالا عده لغوية ودينية وعرقية واثنية وقبلية بمعنى انها تنصب التباينات الثقافية ما بين الجماعات فى كلا الجانبين الملموس وغير الملوس للهوية الثقافية.

كما ان فكرة فاعلية تأثير التباينات الثافية فى نشوء الدولة عموما كانت فكرة فى حال من التطور التدريجى التاريخي اذ ابتدئت بالقبيلة والدين فى الدول القديمة  وذلك بحكم كونهما الاساس الذي يقوم عليه التنظيم الاجتماعى اذ بالرغم من ظهور الدولة الا ان المركز لم يعمل بدورة على التخلص من هذه التباينات الثقافية([12]).

وفى ضوء ذلك فان الفكرة القائلة بكون الدولة التى أنشأت الأمة والهوية القومية اذ ان تكون الدولة – الامة فى مسارها التاريخي انما نجم اصلا عن ارادة واعية وتخطيط هادف من لدن المركز فى تعامله مع اطراف الدولة؛ حيث ساهم فى بلورة الوعي القومي والانتماء المشترك وكانت غاية المركز الرئيسية من ذلك الافلات من سلطة الدين والكنيسة ذات التوجه العالمي وولايتها على الافراد؛ فمفهوم الدولة – الامة او الدولة الحديثة بذاته مفهوم يشير في ثناياه لى ذلك الصراع الذي دار بين السلطتين السياسية والدينية فى اوروبا اى الصراع بين مشروع الدولة الدينية العالمية التوجه ومشروع الدولة المدنية ذات التوجه القومي.

وفى اطار هذا الصراع قام الترابط الوثيق مابين ” الدولة – الامة والليبرالية ”  ففي القرنين التاسع عشر والعشرين شهد الغرب اتجاهين رئيسييين :

ابتدأ اولهما بإعادة التنظيم شبه الشامل للمجال السياسي وذلك بالانتقال من كتلة مختلطة ومضطربة من الامبراطوريات والممالك والدول – المدن والحاميات والمستعمرات والدخول فى نظام ” الدولة – االامة” حيث شرعت جميعها فى انتاهج سياسات بناء الدولة – الامة بحيث شرعت جميعها فى انتهاج سياسات بناء الامة مستهدفه نشر الهوية القومية المشتركة فضلا ثقافة ولغة موحدتين داخل اقاليهما.ويتمثل ثانيها  فى الاستبدال شبه الشامل لكل اشكال الحكم غير الليبرالية بأنظمة حكم ديمقراطية ليبرالية ومن الناحية الظاهرية فان هذين الاتجاهين لايجمعهما جامع الا ان حقيقة الامر هى ان هناك ترابطا جوهريا مابين الدولة – الامة والديمقراطية الليبرالية.

وهذا الارتباط الفكري يتجسد فى كون الدول – الامم تجسد الوحدات الملائمة لتطبيق الأطروحات السياسية الليبرالية فقد انتهج الليبراليون حزمة من السياسات لبناء الامة الواحدة تتمثل فى سياسة الهجرة الداخلية والتوطين وسياسة التلاعب بحدود وسلطات الوحدات الفرعية الداخلية فضلا عن سياسة اللغة الرسمية فهذه السياسات تستهدف احداث تغييرات جذرية فى البناءين المادى والفكري للاقليات المتباينة ثقافيا عن الاكثرية حيث تبتغي السياستان الاولى والثانية احداث تغييرت فى الوجود المادى للاقليات المستهدفة بالشكل الذي يقود الى اضعاف القدرات المادية ولاسيما على صعيد الثقل الديمجرافي والانتشار الاقليمي الامر الذي يوفر الارضية الملائمة للسياسة الثالثة فى تحقيق هدفها والمتمثل فى ” الاستيعاب الثقافي “ اى الولوج الى داخل البناء الثقافي واللغوى للاقلية ثم تغييره كليا حتي يتحقق بذلك الاستيهاب الكلى وذلك لادراك دعاى الليبرالية بأن استمرارية تنوع البناء ثقافيا وتباينه داخليا ستؤدي الى جعله مصدر تهديد الى حد كبير للبناء السياسي واساسه الفكري معا. ومن ثم فان العمل بتلك الاسس مثل المساواة في فرص العمل والمشارك السياسية والحرية لفردية تقتضي جميعا وجود مجتمع متماسك ثقافيا ومتضامن اجتماعيا بحيث تتلاشي التباينات الثقافية ويتم تحييدها وابقائها فى منأي عن المجال العام للدولة([13]).

كما شهدت ” ظاهرة انبعاث الهويات “ للعديد من التفسيرات فمنها مايركز على ” البعد السيكلوجى ” ومنها مايشدد على ” لبعد السلطوي ” واخري تولى الاهتمام ” للعولمة” غير ان ابرزها تمثل بإرجاع الظاهرة وتزايد فاعيتها فى الازمة التى تعيشها ” الدولة – الامة” وتناقضاتها الداخلية حيث يقوم الاعتقاد على فكرة عدم زوال التناقض القائم مابين “النزعة القومية للدولة” و ” النزعة القومية للأقلية “ حتى ولو عمدت.

طرحت المنظورات السياسية المختلفة (الليبرالية ؛ الماركسية ؛ الليبرالية الديمقراطية ؛ التعددية) اطرا نظرية تعبر بشكل او باخر عن مفهوم الدولة وارتباط الدولة بمحيط اجتماعي وثقافي متنوع؛ فوفقا “للمنظور الليبرالي “فقد تفاوتت رؤي انصاره لدور الدولة فبينما اشترك بعض أنصار هذا التقليد من اتباع التقليد المحافظ فى الدعوة لتقليل دور الدولة والاختلاف حول قبولها للمساواه بين المواطنين فان الاولى الى انتهاج مبادئ حقوق الانسان فى سياستها وفى اتعامل مع اقلياتها الثقافية ذلك لان هناك  سبلا عديدة تعمل فيها الدولة على تجريد الاقليات من قوتها وعلة نحو منظم حتى مع الحفاظ على حقوق الفرد ؛ المدنية منها والسياسية. وتتجسد تلك السبل فى “سياسات بناء الامة” وهو مايفسر الى حد بعيد بقاء ” النزعة القومية للأقلية كقووة فعالة ضمن نطاق الديمقراطيات الغربية بجانب تفسير سبب استمرار الانفصال كقضية حية فى العديد من الاقاليم([14]).

*البناء الفكري والمفاهيمي ” للتعددية الثقافية ” فى اطار الثقافة القومية : يؤمن دعاه التعددية بأن فكرة الاشتراك فى ثقافة قومية عو مايضفي معنى على الحرية الفردية واستنادا الى ذلك فان الحرية تستلزم تعيين خيارات من بين مجموعة متنوعة منها بحيث لاتعمل ثقافة المرء على توفير تلك الخيارات فحسب بل تقوم على جعلها ذات معنى بالنسبة الى الفرد ذاته ولذلك فان تفتت الثقافة تدريجيا سيؤدي الى التلاشي التدريجي للاستقلال الذاتي الفردي وهو الاحتمال الذي ستواجهه الاقليات اقومية التى لاتحوز حقوق الاستقلال الذاتي الجماعي وتأسيسا للبناء الفكري فان النزعة الاقليمية للاقليات الناجمة بفعل العام اللغوى نزعه تعمل  على دفع الاقلية الى مقاومة ” سياسات بناء الامة” وان مايزيد هذه الاقليات فاعلية فى ابداء هذه المقاومة وهى طبيعة البناء الفكري للحركات القومية؛ حيث ان البناء الفري يساعد على تعبئة قدرات الاقلية وتنظيم المطالب والنشاطت السياسية فى مواجهة ” عملية بناء الامة” وذلك من خلال فكرة الربط بين الحرية الفردية والانتماء الثقافي وهو مايساعد الاقليات القومية عموما على الاحتفاظ بخصوصياتها وعدم الاندماج فى الثقافة المهيمنة بحيث ان هذه الاقليات اضحت تنظر الى ذاتها من زاوية كونها امما داخل الدولة – الامة الواحدة.

كما يتبين من ذلك ان ” الدولة – الامة” هى التى جعلت الاقليات واعية لذاتها الجماعية وكيانها الثقافي لان الدولة تتيح عددا محدودا من الخيارات امام الاقليات وبالتالى غدت استجابات الاخيرة متسقه مع طبيعة تلك الخيارات حيث ان العنصر المشترك فى تلك الاستجابات قد تمثل فى الاحتفاظ بالخصوصية الثقافية وجعلها محورا رئيسيا تدور حوله مطالبها السياسية وغير السياسية؛ ويضاف الى ذلك كون تباين الاقليات القومية والاثنية والدينية فى تجاوبها مع سياسات بناء الأمة انما هو ناجم عن تباين درجة شعور كل منها بالتهديدوجاءت الاستجابات المتراوحة مابين عدم الاندماج مطلقا بفعل شده حساسيتها تجاه المخاطر المترتبة على الاندماج فى الثقافة السائدة حيث انه يتنافي مع انماط تصورات الحياة وهى استجابه نموذجية تعبر عنها الطوائف الدينية الانعزالية وبين البقاء داخل كيان الدولة ومع تجنب الاندماج فى الثقافة المهيمنة وذلك من خلال توفير السبل امام الشروع فى عملية بناء الامة وهو ماتم انتهاجه من الاقليات القومية والاندماج فى تلك الثقافة ولكن شريطة تيسير شروط الاندماج وهو مايجسد موقف المهاجرين والاقليات([15]).

*” نظرية التعددية السياسية ” بين الاطار المفاهيمي والمنظور الفكري : شهدت مرحلة مابعد الحرب العالمية الثانية بروز اتجاهات فكرية تجت اطار مفاهيمي أطلق عليه ” مابعد الحداثة” ” كالنسبية الثقافية” و ” المجتمعاتية” و ” التعددية  الثقافية” وكل هذه الاتجاهات هى الجوهر لاتجاهات ليبرالية  ناقدة ” لليبرالية الفردية” التى مثلت الاتجاه المهيمن فى “المنظور الليبرالي” لكن اهم مايميز هذه الاتجاهات التركيز على اهمية الجماعات والولاءات الاجتماعية فضلا نقدها الحاد ” لليبرالية الفرية” و اسسها الفكرية؛ ومنذ اواخر الثمانينات اخذت دراسات ” التعددية الثفافية ” تزداد تبلورا ونضوجا وذلك بفعل التفاعلات وامتزاجها بأطروحات النسبية الثقافية والنظريات الاخري لما بعد الحداثة حيث ان : التعددية الثقافية ” لم تعزز وحسب من الخواص النسبية المكتسبة والتركيز على ” المساواة الثقافية” بتأثير هذه النظريات كما استقت منها ايضا فكرة نقد الذات عبر التخلص من ” خاصية المركزية الغربية” وانتهاج لفكرة العمل ل ” صالح المضطهدين” اى الاقليات التى سعت ثقافة الاكثرية المهيمنة الى استيعابها قسرا ابان “مرحلة الحداثة” ومن ثم افساح السبيل امام بروز الولاءات القومية والاثنية والدينية([16]).

وبحكم طبيعة ” البناء الفكري ” فقد ظهرت ” التعددية الثقافية” عادة بمظهر الموقف الانتقادي البالغ الشده تجاه المعتقدات والدول الليبرالية اى بالضد من اسس الليبرالية والشعور القومي للاكثرية والمواطنة والحقوق الفردية وبالتالى فقد اثارت بذلك انتقادات شديدة ضد رؤاها ” النسبية والتجزيئية” حيث ان دعاه ” التعددية الثقافية” ولاسيما منذ تسعينات القرن العشرين لاينظرون الى التشرذم الثقافي على انه يشكل اشكالية فى حد ذاتها؛ فالمشكلة ليست فى وجود الفوارق بل تكمن فى التعامل مع هذه الفوارق بإزدراء وعلى انها انحرافات عن المألوف؛ وهذا التوجه الفكري فى ازدياد حيث تجوز حقل النظرية السياسية ليشمل الصعيدين الفلسفي والتربوي باعتبارها محاولة من دعاة التعددية الثقافية لاحداث تغييرات عميقة فى طريقة تفكير المجتمعات الغربية وتعاملها مع الاقليات القومية والاثنية والدينية وتحويل ” أطروحات المساواة الثقافية” و ” النسبية الثقافية” و ” الحقوق الجماعية ” وغيرها الى فلسفة عامه لهذه المجتمعات لتنعكس محتوياتها الفكرية على صعيد الحياه اليومية.

وإمعان النظر حول الجدل القائم بين ” التعددية الثقافية والليبرالية الفردية” فان الجدل الدائر حول ” العدالة وكيفية تحقيقها عمليا” بمعنى ان دعاه ” التعددية الثقافية حاولوا توسيغ نطاق العدالة لتشمل المستوى الجماعي ايضا الى جانب المستوى الفردي بخلاف الحال مع انصار ” الليبرالية الفردية” الذين يفضلون بقاءها محصورة فى النطاق الفردي فالمهم الاشارة الى كون التركيز على فكرة العدالة فى مستواها الجماعي بديلا عن العدالة فى مستواها الفردي؛ وبالتالى فان ” تيار التعددية الثقافية” يعمل على نقد ” الليبرالية وقواعد بنائها” اعتمادا منها بعدم جدوي الليبرالية فى صورتها الفردية المعاصرة وكذلك لعدم القدرة على الانسجام مع تنامى التنوع الثقافي الذي تتميز به المجتمعات الغربية”.

وفى ضوء تلك الرؤية الفكرية والمفاهيمية يمكن تلمس الفكرة القائلة بكون ” التعددية الثقافية” هى فصيل من الاتجاهات الفرعية فى الفكر الليبرلي التى تقع تحديدا ضمن اطار ” الليبرالية الاجتماعية” فهي موزعة بين اتجاهيين رئيسيين : الاول : الاتجاه العام والمهيمن الذي يمثله كل من ” جون راولز” و ” توماس همفري مارشال “ ويركز هذه الاتجاه على فكرة المساواة بين المواطنين والحقوق المدنية والسياسيى الأساسية. ثانيا : يتمثل فى الاتجاهات الفرعية ويعبر عنها كل من ” بروس اكيرمان” و ” تشارلز تايلور “ و ” مايكل والزر” و ” ويل كيملكا “ وبالرغم من تباين اتجاهات هؤلاء المفكرين الا انهم يشتركون فى محاولة تسوية التباينات والاختلافات مابين الأفراد داخل المجتمع. وذلك عبر توسيع نطاق العدالة والمساواة على نحو اكبر مما ينتهجه الاتجاه المهيمن.

ويمكن توزيع الاتجاهات الفرعية بدورها الى نوعين من مستويات الالتزام بالتعدددية حث يعرف الاول : باتجاه التعددية الثقافية الصلبة” تلك التى يدافع عنها ” كيملكا وتايلور ووالزر” حيث تم التشديد فى ظل هذه التعددية الثقافية على حقوق المواطنة المتميزة او الخاصة لصالح الاقليات وذلك استنادا الى الثقافة التى تنتمي اليها كل منها اى يعمد انصار هذا النوع الى الدفاع عن الحقوق الثقافية للاقليات مع المحافظة على التزامهم بالليبرالية فى الوقت ذاته وكل تبعا لاتجاهه الفرعي([17]).

ثانيها : التعددية الثقافية الرخوة ويدافع عنها كلا من ” بروس أكيرمان”؛ ويسعي انصار هذا الاتجاه الى تحقيق هدف اخر يتمثل فى توسيع افاق مناهج التعليم وتطويرها على نحو يعكس اسهام الاقليات وانجازاتها الثقافية. ومن ثم فان مايوحد اولئك المفكرين على اختلاف اتجاهاتهم الفرعية انما يتجسد فى الهتمام بفكرة وجوب مقاومة ضغوط الاكثرية المهيمنة والرامية الى استيعاب او مجانسة المجتمع بأسره فضلا عن مقاومة نزعتها الاحادية المتجسدة فى فكرة ان هناك سبيلا واحدا لاغير لفهم وتنظيم انشطة الحياة.

ثانيا : الإطار الفكري والتنظيري والمفاهيمي لعلاقة الدولة بالمجتمع المتعدد الثقافات واهم الاتجاهات الرئيسية فى المنظورين (الليبرالي والماركسي)  فى اطار ” نظرية التعددية الثقافية” :

الامر عندما يتعلق بالحقوق المدنية والسياسية ومحور اشكالية التعددية الثقافية فلقد ذهب تيار من داخل المنظور الليبرالي نفسه الى توسيع دور الدولة فى توفير الرفاهية للمواطنين واخراج الاقتصاد من الركود؛ وفى اطار ذلك فان المنظور الليبرالي ينظر للدولة باعتبارها ” فاعلا محايدا ” لايتحيز لأي جماعة من الجماعات الاجتماعية وبالتالى فان الطبيعة الاجتماعية التى ترتط بها الدولة ثقافيا واجتماعيا تتوقف على نوع القوي الاجتماعية التى قد تصل للسطة  او ادارة الجماعات الاخري المتنوعة فى الدولة؛ بجانب تأكيد الليبرالية على ان الافراد والجماعات الصغيرة والتفاعل بينها جعل من القبول بها امرا شكليا لاكتمال مدلولات العلاقة بين الدولة والفرد والمجتمع .

اما بالنسبة ” للمنظور الماركسي “ فلقد رصد كلا من ” كارل ماركس ” و”فريدريك انجلز” مفهوما ومقاربة تعبر عن العلاقة بين الدولة وذلك المحيط الاجتماعي بوضع فهم دقيق وبتبسيط اشد عن الدولة فى الماركسية وهو الامر الذي ادي الى تقليل الاهتمام بالدولة ذاتها وفهم الابعاد الاخري داخلها من الطبقات والحركات الاجتماعية والثقافية ومحاولات لتنظيم المجتمع لضمان تحقيق مصالح ذلك المجتمع داخل الاطار الاوسع للدولة؛ فالدولة الماركسية ماهى الا مجرد مستودع لقوى اجتماعية معينة وباعتبارها مؤسسة لاتمثل اى استقلال نسبي بالمقارنة بالطبقة او الجماعة التى تسيطر عليها فهى مجرد أداة لهذه الطبقة؛ كما انه ليس هناك مايدعو الى تحليل الدولة فى حد ذاتها وانما النظر الى منظور علاقتها بالمجتمع ومحيطها الاجتماعى الطبقي.

كما ان علاقة الدولة بالمجتمع فى اطار اتعددية الثقافية جعل العلاقة مستقلة نسبيا والتى ظلت محل خلاف كبير بين المفكرين والفلاسفة فبينما أعطى ” هوبز” استقلالا للدولة عن المجتمع الى درجة اتهامه بعدم الديمقراطية؛ فان ” روسو” جعل العلاقة مرتبطة ارتباطا وثيقا فالدولة مجرد وكيل عن الإدارة العامة وهو امر على خلاف ” الماركسيون” الذين يرو الدولة اداة فى يد احدى طبقات المجتمع.

حيث ان بحث مؤشرات الارتباط النظرى والفكري بين الدولة ومحيط اكثر تعددية فى مراحل النظريتين الليبرالية والماركسية على اختلاف أطروحاتهم والمفكرين الا ان ” النظرية المعيارية “ على عكس تلك النظريات القائمة قدمت أطروحات مثالية ولم تقدم بالتالى معالجات فكرية ونظرية لاشكالية ” التعددية الثقافية” فى الدولة لكن لا يمكن الاستغناء عن النظرية المعيارية فى نفس السياق نظرا لانه قد تم الاستفادة من أطروحاتها فى تقديم تحليلات علمية وفلسفة طبيعة الدولة ادت الى تطوير ممارسات الدولة فى العديد من المجتمعات([18]).

ولتأصيل العلاقة بين الدولة ومحيطها الاجتماعى والثقافي ومعالجة اشكالية التعددية الثقافية فى الاطار الفكري والمفاهيمى فلابد من التأصيل المفاهيمى “لمفهوم التعددية “فلقد تنوعت المفاهيم المقدمة “لمفهوم التعددية” فيذهب معجم المصطلحات الاجتماعية إلى أن التعددية تعني:”تعدد أشكال الروح الاجتماعية في نطاق كل جماعة، وتعدد الجماعات داخل المجتمع وتعدد الجماعات نفسها؛   أما معجم المصطلحات السياسية فيعرف التعددية على أنها” من الناحية الاجتماعية تعني وجود مؤسسات وجماعات غير متجانسة في المجتمع المعاصر يكون لها اهتمامات دينية واقتصادية وإثنية وثقافية متنوعة، والتعددية من الناحية السياسية تصف مجتمعاً تكون القوة فيه موزعة بصورة واسعة على جماعات متعددة مرتبة في أنماط متنوعة للصراع أو المنافسة أو التعاون؛ أما قاموس المصطلحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية فيعرف التعددية على أنها عبارة عن” تنظيم حياة المجتمع وفق قواعد عامة مشتركة تحترم وجود التنوع والاختلاف في اجاهات السكان في المجتمعات ذات الأطر الواسعة، وخاصة المجتمعات الحديثة حيث تختلط الاتجاهات الأيديولوجية والفلسفية والدينية”.

وبالتالى فان معرفة الاطار الفكري لأهم مفكري ” النظرية الليبرالية ” والنظرية الماركسية” من الجماعات الثقافية المختلفة ومدى التزامها بقيم الديموقراطية المشتركة، وطرح اسئلة استثارية يجيب عنها المفكرين مثل  مدى تحقيق السلم الاجتماعي؟ فى الدولة من قبل الجماعات المتعددة الثقافات فى مواجهه الدولة الرأسمالية والدولة الماركسية؟ هل سمحت الليبرالية وطالبت المواطنين في الدولة الواحدة، على اختلاف ثقافاتهم ولغاتهم وهوياتهم، بالالتزام بالقيم الديموقراطية المشتركة ؟وهل يمكن إقامة هوية وطنية مشتركة على أساس الجمع بين هويات اجتماعية مختلفة؟
ففهم الإطار النظري لمفهوم (الهوية متعددة الأبعاد)، يسعى لفهم أشكال التراكم والتزاحم بين الانتماءات، وتحديد عدد من العوامل المؤثرة فيها، ويدعو للاهتمام بتحليل العلاقات والتفاعلات المحتملة بين مختلف السمات، وذلك على خلاف ما تنزع إليه أغلب الدراسات حول الهوية نحو الاهتمام بسمة واحدة من سمات الهوية، واعتبار السمات مستقلة بعضها عن بعض، ثم محاولة دراسة تلك السمة في الجماعات أو المؤسسات الاجتماعية، ومن خلال سياقات اجتماعية مختلفة بجانب بحث لمجموعة من المفاهيم المتعلقة بدراسة الهوية، كالهوية الفردية والهوية الاجتماعية، والعوامل المؤثرة في تشكل الهوية، وترتيب أهمية السمات، وتراكم الهويات وتزاحمها و
أين، وكيف، ولماذا تتراكم أو تتزاحم أنواع الهوية المختلفة ضمن سياق معين؟و ما هي الهويات التي يمكن أن تتراكم فيما بينها؟ والهويات التي يمكن أن تتزاحم فيما بينها؟ و ما هي طبيعة الهويات الجديدة أو التكيفات الناتجة عن التزاحم بين الهويات؟ و ما هي الأنماط التي تظهر في مجتمع محدد، ويمكن أن تظهر أيضا في سياقات اجتماعية أو ثقافية مختلفة؟ كيف يمكن تفسير هذه الأنماط؟ كما ان مفهوم (الهوية الثقافية) و(الأمة) والآليات التي تعمل الهوية الثقافية على أساسها، وتحديات بناءها في ظل التعددية الثقافية، إضافة إلى بروز ظاهرة الهوية بلا مواطنة (أو الهوية العابرة للحدود)، التي تجعل من الانتماءات التنظيمية والحركية والإيديولوجية فوق اعتبارات المواطنة اثارت اشكاليات من داخل ” النظرية الماركسية” ذاتها([19]).

عند تناول ” إشكالية التعددية الثقافية ” بين الاندماج والتنوع فان الفرضيات المطروحة فى الفكر السياسي والنظرية السياسية من قبل مفكري ” المنظور الليبرالي “ وجدت إطارا تعدديا لبحث اصول التعددية الثقافية فى المجتمع الراسمالى؛ فبعد سقوط المعسكر الاشتراكي، وانحسار الدور الحاضن للدولة القوميّة  في عالم ما بعد الحرب الباردة تصاعدت الكتابات التنظيرية والفكرية حول ” الهوية الثقافية ” حيث شكلت بعدا مفاهيميا ترسخ لدى المجتمعات المتعدة الاثنيات ف “صموئيل هنتغتون ” تناول صحوة الهويات الثقافية والدينية ضمن بانوراما متوجسة عن فوضى إدارة عالم ما بعد سقوط الاتحاد السوفييتى وسقوط المنظور الماركسي السوفييتى معها؛ حيث عبر عن أطروحته “إشكالية التعددية الثقافية في الفكر السياسي المعاصر و جدلية الاندماج والتنوع” من خلال فرضيات متشابكة.

اهمها عودة المعطى الديني والثقافي في الغرب، وتمثّل الهم المعرفي الأبرز لنظريات ما بعد الحداثة. وانطلاقاً من مفاهيم الدولة ـــــ الأمة، وسياقاتها الاصطلاحية والتاريخية، وما نتج منها من أزمات بنيوية، يطالع المفكرين إرهاصات التعدد في منظومات غربية، وما يتجاذبها من نزعات دمج وإقصاء. على إيقاع انضوائها تحت جناح دولة الرفاه، تتخوّف الجماعات ذات الهويات المتعددة من أفول هذه الدولة، بما تضمنه لها من حماية، وذلك بعدما كانت تتحارب معها من موقع قلق الاحتواء. في السياق نفسه، تحتضن الدولة ـــــ الأمة إثنياتها وتحفظ لهذه الأقليّات حضورها الوجودي والتواصلي. لكنّ شكل الدولة هذا معرّض اليوم للتفكك بفعل عوامل سيكولوجيّة، وسلطوية، مرتبطة أساساً بحركة العولمة. واستنادا لذلك فان أهم الخلاصات التي بلورها مفكرو التعددية الثقافية من أمثال “إيتيان باليبار، وتشارلز تايلور، وإيمانويل رينو، وجورج بوردو، وأغنر فوغ”.

كما ان فورة الهويات في الغرب، برموزها وأسئلتها ورؤيتها للاخر لكن تفسيرات الكندي “ويل كيملكا” بدت الأكثر حضوراً في أطروحته، لجهة معالجته مسألتين أساسيتين: اللغة، والبناء الفكري للحركات القومية. ففي بلدان مثل كندا وسويسرا وإسبانيا، تؤدّي اللغات دوراً متميزاً “وترسّخ النزوع أكثر فأكثر نحو الإقليمية. فيما “النزعات القومية للأقليات” في الغرب القلق، “لا تختلف عن النزعة القومية للثورتين الفرنسية والإنكليزية” المعادلة التي ابتكرها “كيملكا” عن بناء دولة متعددة الثقافات، تبدو في عالم ما بعد الحداثة جذّابة أكثر من المتوقع. هذا العالم اللاهث خلف تعدده، والرافض لمركزية الأكثرية القومية. فهل أخطأ هيغل عندما رأى أن البشرية ستتجه حتماً نحو خلق بوتقة جامعة رغم الحروب؟ وهل تجيب السوسيولوجيا وحدها عن مسار المجتمعات؟ وما هو رد النظريات الماركسية والنيوليبرالية؟ وإلى أيّ حد ترتبط يقظة الهويات بالرأسمالية وأنماطها؟ وهل الغرب مقبل على حروب خفية قوامها الدين أو الإثنية؟ ولماذا اعتقدنا فترةً طويلة أن مشاكل التعددية الثقافية نتاج الشرق؟ الجواب الديني والقومي يحيلنا على عولمة من نوع آخر، عولمة التعدد وفوران “الهويات القاتلة”بحسب تعبير “أمين معلوف” فنظريات ما بعد الحداثة، ومن بينها شروح كيملكا، جاءت كردّ فعل على عجز الفكر الحداثوي عن مواجهة الصحوات. في هذا السياق، كما يفند موقف الاشتراكيّة والليبراليّة من التعددية الثقافية ؛ فاليسار الليبرالي، يُقر بأنّ الهوية خاصيّة جوهرية عند أي جماعة.

أمّا اليسار الاشتراكي، فيرفض التعددية الثقافية. “آرون كوندناني” مثلاً، وهو أحد أهم المنظّرين “للطبقية المعرقنة” لا يرى في التنوع إلّا “إيديولوجيا محافظة تقف على نقيض الرغبة الحقيقية في التقدم” بمعنى أنه يُقيم علاقة عضوية ما بين التعددية والتباين الطبقي؛ وما ينطبق على الهوية والإثنية والقومية ينطبق كذلك على الطبقات، بحسب إيزايا برلين صاحب “نسيج الإنسان الفاسد.”

اما اليمين الليبرالي، المتمثّل “بباتريك ويست” و”آلان ولف” و”آرثر شيلزنغر” فيعيد إشكالية التعددية الثقافية في الغرب إلى رهاب الغرباء. رهاب هو نتيجة لغياب الجوامع المشتركة للإثنيات المتنافسة على الموارد الاقتصادية وأحقيّة التعبير عن الذات، مما يفضي إلى استعداد ضمني في العقل الجمعي المجزأ إلى نبذ الغريب المنافس. ولا حلّ لهذه المعضلة عند منظظري اليمين الليبرالي إلّا عبر التقسيم العادل لخدمات الدولة. لكنّ البناء المجتمعي القائم على التعدد، سيُنتج نزعات انفصالية يطاول تأثيرها الهوية القومية للأكثرية. وهذه النظرية هي الأكثر انتشاراً في الولايات المتحدة، وقد أعرب عنها بطريقة صارخة المؤرخ الأميركي “آرثر شيلزنغر”. وفي رأيه فإنّ “التعدديّة الثقافية” مؤامرة يقودها اليسار الماركسي لهدم الثقافة الأميركية. وهو مادفع مفكري الولايات المتحدة إلى تبني مقولة أن هناك عدواما يتربص به؟ ولماذا يتجه إلى تصنيف الهويات من الأدنى إلى الأعلى؟ فلقد صنفت “الليبرالية الغربية” وجود في التعددية مؤامرة ماركسية حيادية الدولة حيال التعدد الثقافي، فكرة تبدو شاعرية للكثيرين من دعاة الأكثرية القومية([20]).

 فاليسار الليبرالي يتبنى موقفاً إيجابياً منها وكذلك اليمين أمّا الجامع المشترك بينهما، فيتأسّس على قابلية المراجعة والعقلانية من جهة، وعلى حيادية الدولة في التعامل مع مفاهيم الأفراد من جهة أخرى. لكنّ “كيملكا “ينتقد فكرة حيادية الدولة، فهي عنده بمثابة أسطورة. “فالديموقراطيات الليبرالية “كلها سعت منذ نشأتها إلى تعزيز ثقافة مجتمعية واحدة من خلال إدماج المواطنين في ثقافة الأكثرية المهيمنة” ويضع مشروعه “لإشكالية التعددية الثقافية” تحت عنوان عريض هو “بناء الدولة المتعددة الثقافات”كردّ على أزمة الدولة ـــــ الأمة. ويقسم “كيملكا “نتوءات التعدّد في بلدان مثل كندا والولايات المتحدة وفي أوروبا إلى محورين: 1- التعايش بين أكثر من أمة داخل دولة واحدة، والتعايش بين مكوّنات هذه الدولة والجماعات المهاجرة إليها.2- جماعات ستُلزم الدولة قبول التنوع الثقافي من خلال الدمج المؤسساتي واستيعاب الهوية المميزة للأقلية الوافدة.

وهكذايغدو بالإمكان جعل التنوع الثقافي سبيلاً للوحدة من خلال تعزيزه مؤسساتياً وبالتالى فانه وفقا للمنظورات المقارنة السابقة وفقا لفكر ” ويل كيملكا ” طرحت إشكالية التعدديّة الثقافية في الفكر السياسي المعاصر كأطروحة تأسيسية، تطرق الى إشكالية الإشكاليات في الغرب. مما يدفع الى فضاء التساؤلات الكبرى: هل يتجه الصراع باتجاه طفرة الهويات والاثنيات فى الدولة والمجتمع ([21]

* مؤيدي قضايا الليبرالية السياسية والتعددية الثقافية فى المنظور الليبرالي ( ويل كيملكا نموذجا):

” ويل كيملكا “ كأحد مفكري المنظور الليبرالي تناول اشكالية التعددية الثقافية من داخل الإطار الفكري والمفاهيمي طارحا نظريته التعددية ومقاربات اكثر تنوعا؛ يعتبر ويل كيمليكا واحدا من ­ إن لم يكن­ أهم فيلسوف معاصر في أمريكا الشمالية في قضايا الليبرالية السياسية ومفهوم المواطنة. ركز جل جهده على بحث وتطوير العلاقة بين المواطنة والمجتمعات متعددة الثقافات.

نال شهادته الجامعية في الفلسفة من جامعة كوينز عام 1984، وشهادة الدكتوراه من جامعة أكسفورد في عام 1987. له عدد كبير من المؤلفات والدراسات والمقالات، بينها (الليبرالية، المجتمع والثقافة) (1989)، (الفلسفة السياسية المعاصرة) (1990)، (المواطنة متعددة الثقافات) (1995)، (البحث عن طريقنا: تأملات في العلاقات الإثنية-الثقافية في كندا) ( 1998)، (القومية، التعددية الثقافية والمواطنة) (2001).)

إلى ذلك، شارك كيمليكا في تحرير عدد من الكتب والموسوعات والدوريات الفلسفية. ومن أهم تلك الأعمال (حقوق الأقليات الثقافية) و(المواطنة في المجتمعات المتعددة الثقافات) و(مفاهيم بديلة للمجتمع المدني) حاز البروفيسور “كيمليكا” على عدد كبير من الجوائز، بينها جائزة ماكفيرسون الكندية المرموقة وجائزة بانش الأمريكية، و(رويال سوسيتي أوف كندا) و(مارسيل كاديو) و(جائزة مؤسسة ترودو) وغيرها. ‏

يعمل بروفيسور “كيمليكا” حاليا أستاذ كرسي لمادة الفلسفة السياسية في جامعة كوينز، وأستاذا زائرا لبرنامج الدراسات القومية، في الجامعة الأوروبية المركزية. وسبق له أن درس الفلسفة السياسية خارج كندا (في بودابست وبرشلونة وفيينا).

ومن ذلك يمكن معرفة واستنتاج رؤيته ومنظورة حول ” إشكالية التعددية الثقافية ” كما يلي:

تضمنت أفكاره مجموعة من  الاتجاهات الفكرية في الدول الغربية أوالديمقراطيات الغربية التي تبحث عن قواسم مشتركة للتعامل مع الأقليات في العالم بشكل عام في الغرب وبقية العالم. فلقد اهتم ‏بوضعية الأقليات في المجتمعات الغربية ووضع اطرا تنظيريا لمعرفة التمييز بين اشكالية المجتمعات المتعددة ثقافيا من خلال الربط مع عناصر تنظيرية اخري مستخدما الاسلوب المقارن ودراسة إمكانية تعميم النماذج الغربية بالتعامل مع الأقليات من قبل المجتمع الدولي في العالم أجمع([22]).

كما وضع اطارا نظريا مجددا ” للنظرية الليبرالية ” كان سياقها بعد الحرب العالمية الثانية وبشكل خاص أثناء الحرب الباردة كان هناك محاولات داخل الغرب لتغيير وجه الليبرالية لأنه كانت الدول الغربية في حالة صراع مع الدول الاشتراكية السابقة، وهذا ما أدى إلى قمع بعض الوجوه الليبرالية القديمة مثل الوجه الاجتماعي لليبرالية والوجه الجماعي لليبرالية لان هذه الأفكار بشكل أوبآخر ارتبطت بالمنظور الماركسي الشيوعي غساعد ذلك على ظهور ” الليبرالية ”  بمنظور اداتى يختلف عن المنظور الماركسي وتم تخفيف الى حد كبير المظاهر الليبرالية الأصلية التي قد تتماثل أوتتشابه أويساء فهمها باعتبار أن لها صلة بالمنظور الماركسي  ولذلك فأنه وضع اطارا جديدا ” للمنظور الليبرالي يساعد فى عودة الليبرالية الأصلية قبل أن تشوه في فترة ما بعد الحرب الكونية الثانية وخلال الحرب الباردة وهذه الليبرالية فيها مجال كبير من قضايا التعددية والتنوع والغنى بهم الآخر. ‏

ولقد ارتبط المنظور الليبرالي لدي ” كيملكا ” بالاستعمار ومفهوم التوسع الذي أساسه الاقتصاد وكيفية الفصل والتمييز فى اطار مجتمعات باتت اكثر تعددية؛ والاعتراف تاريخيا برؤية المفكرين الليبراليين امثال ” جون ستيورات ميل ” خاصة فيما يتعلق بازالة الاستعما وان المفكرين الليبراليين اسدو العديد من النظريات لتلافي تلك الاشكالية من خلال وضع مفاهيم جديدة للاستعمار وتنقية الليبرالية من الاستعمار من خلال معرفة كل مجتمع تعزيز ديمقراطيته والاعتراف بالتعدد والاختلاف ومعرفة الدولة كيفية ادارة تلك الاختلافات والاقليات متبنية قيمة المساواة بشكل كبير؛ كما ربط ” كيملكا ” بين نظريته عن تجديد الليبرالية والتعددية الثقافية حيث ان العولمة ارتبطت بالتجديد الليبرالي وهو مانعس على رؤية الدولة لعلاج اشكالية الاقليات فى داخلها واهمالها بشكل او باخر والاعتماد على التعددية الديمقراطية كسبيل لعلاج القصور والخلل فى التعددية الاجتماعية الثقافية؛ الا ان العولمة لم تمل الجانب الانسانى والاجتماعى الثقافي بشكل كبير؛ مميزا بين مفهومين من العولمة فى اطار “النظرية التعددية الليبرالية ” المفهوم الاول وهو “العولمة المتوحدة او المندمجة ” و المفهوم الثانى  ” العولمة غير المندمجة ”  فالمفهوم الاول يري فيه ” كيملكا ” اظهار العولمة كعملية تقوم بتحجيم القوة والدولة واعطاء المزيد من الحقوق الى الفئات المهمشة والاقليات الثقافية؛ اما المفهوم الثانى فيتناول الادماج مع تجديد الليبرالية فيما يتعلق بحقوق الاقليت والتعددية الثقافية من خلال العولمة ولعب دور اجتماعى وثقافي وسياسي فى المجتمع من قبل الدولة.

وبالعودة الى اشكالية التعددية الثقافية فى المجتمع الليبرالي الغربي فان ” كيملكا ” يري ان الاشكالية فى الاساس فى ” الاندماج” بين الأقليات والمجتمع والدولة وان رفض الحوار من قبل الدولة ساهم بشكل كبير فى احتقان ازمة التعدد فى المحيط الاجتماعى والثقافي وان اعلاء النموذج العلمانى ساهم فى تكريس تلك الاشكالية على الرغم من انها اشكالية اجتماعية ثقافية بالاساس وليست دينية .

وأوضح ” كيملكا ” فى كتابه ” أوديسا التعددية الثقافية ” أن  التعددية الثقافية منظومة فكرية ونظرية للتعامل مع المجتمعات غير المتجانسة، منظومة فكرية تبنتها دول وتيارات سياسية، فكرية للتعامل مع واقع وجود أقليات لغوية، قومية، عرقية، ودينية في مجتمع “الأغلبية”، وهي منظومة أكاديمية يستعملها علماء الاجتماع والسياسة والفلسفة السياسية في تحليل علاقات الأغلبية المسيطرة، والدولة القومية مع الأقليات والجماعات المهمشة([23]).

و ينظر “للتعددية الثقافية الليبرالية”  بوصفها محاولة تنظيرية للدمج بين الحقوق الجماعية والحقوق الفردية،والدمج بين الفردانية والجمعية، بين الدولة الليبرالية والدولة القومية، إذن ما يحاول كيمليكا أن يدعيه هو أن التعددية الثقافية لا يمكن أن تضمن حقوق الأفراد إلا إذا انتظمت تحت كنف المنظومة الليبرالية، لأن التعددية الثقافية في غياب السقف الليبرالي قد تضطهد الأفراد وقد تخرج المجموعة على الفرد كشخص وككيان باسم الحفاظ على الخصوصية الثقافية، وهو ما يخشاه دعاة التعددية الثقافية الليبرالية.

وبالتالى تنطلق التعددية الثقافية من الاختلاف بين الهويات المختلفة للمجموعات الثقافية وأفرادها، وباستحضار إنتاج “كيمليكا”، فإنه يعتقد بضرورة إنتاج هوية مدنية واحدة تعتمد على القيم الديمقراطية وذلك من خلال مناهج التعليم للمواطنة، وليس بناء هوية ليبرالية أحادية، وعلى كل حال يعترف كيمليكا، بعدم امتلاكه لنظرية متكاملة حول التعددية الثقافية  حيث عبر “ولسوء الحظ، أنا لاأعتقد أننا نملك بالفعل نظرية يمكن العمل بها للتسلسل المناسب للتعددية الثقافية الليبرالية،والواقع أنا لا أعتقد أن لدينا الأساس العملي المطلوب لبنا مثل تلك النظرية، ونحن ببساطة لا نعرف الشروط المسبقة التي نحتاج إليها لتمكين العملية الناجحة ذات الجوانب المختلفة من التعددية الثقافية الليبرالية من أجل أنواع مختلفة من جماعات الأقلية”([24]).

ويفرق “كيمليكا” بين خطاب حقوق الإنسان، وخطاب حقوق الأقليات، ويعتقد أن خطاب حقوق الإنسان الذي جاء بعد الحرب العالمية الثانية كان يهدف بالأساس إلى تحييد خطاب حقوق الأقليات الذي كان مهيمنا قبل الحرب العالمية الثانية، ويعتقد بوجود مصلحة آنذاك لتغييب خطاب حقوق الأقليات لأنه يساهم في غياب الاستقرار في الدول القومية، وأدى مثلا إلى اندلاع الحرب العالمية الأولى؛ الا ان عودة خطاب “حقوق الأقليات” من جديد في الثمانينيات من القرن الماضي ساهم بالأساس نتيجة انهيار الاتحاد السوفياتي والخوف من عودة عدم الاستقرار، في حالة عدم إعطاء حقوق جماعية للأقليات التي عاشت في كنف الاتحاد السوفياتي. ولكن هذه المرة ظهر خطاب حقوق الأقليات الأصلية، حيث أدرجت حقوق السكان الأصليين في مواثيق وبنود العشرات من المنظمات الدولية، والإقليمية، والمحلية، وهذا كدلالة على التفريق بين حقوق الأقليات عموما، وبين حقوق الأقليات الأصلية.

ويري كيملكا فى نقده للمنظور الماركسي قبل نشوء “التعددية الثقافية الليبرالية ” ان سياسات الدولة القومية تهدف إلى بناء الهوية القومية والثقافية لمجموعة الأغلبية،وإقصاء ثقافة الأقلية وتهميشها سياسيا واقتصاديا، وتشمل هذه السياسات:

أولا: تبني قوانين اللغة الرسمية، والتي تعترف بلغة المجموعة المسيطرة على أنها اللغة القومية الرسمية الوحيدة.

ثانيا: بناء نظام قومي للتعليم الإلزامي يقدم الرواية التاريخية والقومية للمجموعة المسطرة.

ثالثا: مركزية القوة السياسية واستبعاد أشكال السيادة والحكم الذاتي التي تمتعت بها جماعات الأقليات تاريخيا.

رابعا: نشر ثقافة الجماعة المسيطرة من خلال المؤسسات الثقافية القومية، بما في ذلك وسائل الإعلام القومية والمتاحف العامة.

خامسا: تبني رموز الدولة والاحتفال بتاريخ الجماعة المسيطرة.

سادسا: إنشاء نظام قانوني وقضائي موحد.

سابعا: تبني سياسات استيطان لصالح الجماعة القومية المسيطرة.

ثامنا: تبني سياسات الهجرة التي تتطلب معرفة باللغة والتاريخ القوميين كشرط للحصول على المواطنة.

تاسعا: الاستيلاء على الحيز العام الذي كان يملكه السكان الأصليون.

جاءت التعددية الثقافية وحقوق الأقليات لإعطاء الأقليات، وخصوصا الأصلية منها، حقوقا هضمتها الدولة القومية الحديثة التي تماهت مع المجموعة المسيطرة، وكما يشير “كيمليكا” فإن خطاب حقوق الأقليات، أعيد إحياؤه في الثمانينيات بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وظهور حقوق القوميات التي كانت تعيش في كنف هذه الإمبراطورية، وقد نشأ اهتمام أوربي خاص في موضوع حقوق الأقليات بسبب التأثيرات الممكنة لهذه المسألة في شرق أوربا وروسيا الدول الغربية.

وقد وجه كيملكا رؤية علاجية من داخل النظرية الليبرالية لعلاج اشكالية الاقليات من خلال 3 مسارات مستندا الى الرؤية والمنظور الماركسي السوفييتى فى علاج اشكالية القوميات الثقافية فى داخله:

أولا: إعطاء حكم ذاتي إقليمي للأقليات.

ثانيا: وضع معايير قانونية واضحة تتولى تطبيقها دول ما بعد الشيوعية.

ثالثا: التدخل في حالات معينة، وينطلق مبدأ التدخل من خلال محاولة لتدويل قضايا الأقليات.

ولقد وجه ” لكيملكا ” العديد من الانتقادات وقوبلت افكاره بالنقد فى كثير من المواضع حيث انه استند على المنظور الليبرالي وتجديده بما يسمح التعامل مع المنظومة العولمية الا ان الدولة لم تتخلص من مؤشراتها القومية بشكل كامل فلم تعد فاعلا وحيا الا انها فاعلا اساسيا ومازالت بداخلها اشكالية التعامل مع المحيط الاجتماعي الثقافي بشكل او باخر([25]).

ومن اهم تلك الانتقادات انتقاد ” بيكوبارك ” الذي يري ان ” كيملكا ” وضع الليبرالية كشرط اولى لحل مشكلات الاقليات والتعددية الثقافية والمواطنة؛ كما انه يري ان الفئات المهاجرة والاقليات التى تناولها لاتعرف الافكار الليبرالية ولاتوافق على الحل الليبرالي الذي طرحه كيملكا وان وجهه نظر الليبرالية قد تتماس مع مايؤكده كيملكا الا انه اغفل عناصر التبلور حول التنوع الثقافي والتعدد.

كما ينتقد الجانب المفاهيمي عند ” كيملكا ” من خلال متابعته الادبيات المعاصرة التى حاولت تقديم اطروحات تنظيرية لما تم طرحه عن ” مفهوم التعددية” والكشف عن تباين واضح في الاتجاهات النظرية للمفهوم، ومن ثم تعدّد في التعريف، غير أن هذا التعدّد من شأنه أن يمثل ركيزة متنوعة للتعامل فى الحياة العامة باعتبار ان حل مشاكل الحياة يجب ان يكون نتاج جهد بشري؛ ” فروجيه لابوانت ” عبر عن ذلك بأن التعددية توجد حيثما يوجد تنوع ايا كان الشكل الذي يتخذه دينى او عقائدى او فلسفس او طبقي او حزبي كما يري ان كيملكا اهمل الجانب الجماعى ف اطار نظرته للفرد وبهذه الصورة فان التعددية تغيرت بتغير القبول بها ايجابيا او سلبيا وكذلك اختلاف القيم والظروف الاجتماعية والتعدد والتنوع فى كل حالة([26]).

* ناقدي نظرية التعددية الثقافية والليبرالية السياسية (بريان باري نموذجا ) :

يعتبر الاقتصادي “فيرنيفال” هو أول من صاغ مفهوم التعددية والمجتمع المتعدد في النصف الأول من القرن العشرين. ثم طور عالم الاجتماع م.ج. سميث ما بدأه “فيرنيفال” وحاول صياغة نظرية عامة عن ” التعددية الثقافية”؛ كما ركز مفكري المنظور الليبرالي على ” مفهوم التعددية ” وتم صياغة نظرية التعددية بناء على تطور مفاهيمي ونظري بشكل اكثر امبريقية باعتباره مفهوما ليبراليا ينظر إلى المجتمع على أنه يتكون من روابط سياسية وغير سياسية متعددة ذات مصالح متباينة ومشروعة ومتفرقة بما يحول دون تمركز الحكم ويحقق المشاركة في المنافع؛ واجمال مفاهيم النظرية التعددية فى مجموعتين أساسيتين الأولى: هي المفاهيم الشكلية التي حاولت رسم حدود للمفهوم وبيان معالمه بوجه عام وحاولت الربط بينه التعددية والتنوع والاختلاف والربط بين معنى التعددية وبين مجال القانون والدولة، والتفرقة بين الدور التحرري الهادف لتبرير مطالب جماعة معينة في احترام معتقداتها في مواجهة تعسف الجماعات الأخرى، والدور السلبي المستخدم لتبرير الاستغلال والتمييز ضد جماعة جماعة معينة دون الجماعات الأخرى. والثانية: المفاهيم الموضوعية وهي التي  حاولت أن تنفذ لصميم الظاهرة وبالتالي تنوعت بحسب موضوع التعددية وربطت بين مفهوم التعددية وبين عملية التفاعل بين كتلتين سياسيتين واجتماعيين أو أكثر. وفي المقابل فإن التعددية السياسية يمكن أن تكون هي ذاتها نتاجاً وانعكاساً للتعددية الاجتماعية.

ولعل ” بريان باري ” قدم نموذجا نقديا من داخل المدرسة الليبرالية للتعبير عن الجانب الاخر من نظرية ” التعددية الثقافية “ وبريان باري  (1936 ـ 2009) أحد أبرز الفلاسفة المعاصرين المختصين في فلسفة الأخلاق، والفلسفة السياسة، تابع دراساته العليا بجامعة أكسفورد، وحصل بها على شهادة الدكتوراة، ناقش باري أهم القضايا الفكرية والسياسية المعاصرة من قبيل العدالة الاجتماعية، الليبرالية المساواتية التي تتلخص حول حماية الحريات التقليدية للبرالية، ولكن في نفس الوقت على التوزيع العادل لثرواتها ما بين الأغنياء والفقراء، والحرص على المساواة لولوج الخدمات العمومية.

من جهة أخرى دافع “باري” عن مبدأ تكافؤ الفرص الذي تجسده مؤسسات من قبيل التعليم الخصوصي، والمستشفيات الخصوصية، ويدعو إلى استفادة جميع المواطنين من نفس الامتيازات التي تتيحها الدولة لأفرادها من تعليم وصحة وخدمات اجتماعية والولوج إلى الوظائف العمومية ليس بالاعتماد على تأثيرات جنسية أوعرقية أو طبقية أو اجتماعية([27]).

أصدر باري العديد من المؤلفات أبرزها “لماذا نطرح أسئلة حول العدالة الاجتماعية” “الثقافة والمساواة، نقد مساواتي للتعددية الثقافية” من “النظرية اللبرالية” حول العدالة.

يرى برايان باري أن الخطأ الذي ترتكز عليه تشخيصات التعددية الثقافية؛ هو ميلها الدائم إلى افتراض أن الخصائص الثقافية المميزة، هي السمة المحددة لجميع الجماعات، وهذا الافتراض يقود إلى  استنتاج مفاده أنه مهما تكن المشكلات التي قد تواجه أي جماعة، فإن تلك المشكلات تنشأ حتما بصورة أو بأخرى عن خصائصها المميزة.

ويرى باري أن هذا الاستنتاج يعتبر خطأ، نظرا لأن ما يزدريه العنصري ليس هو ثقافة السود، بل إنه يزدري السود أنفسهم، فلا يوجد أي تضارب في الرؤى بين ثقافات السود والبيض، واعتباره مصدرا للخلاف العنصري.

ومن جهة أخرى يعتقد باري، بأن هناك فئة أخرى من المطالب يجب مقاومتها، وهي التي من شأنها أن تضع سلطة الدولة وراء إلحاق الأذى الجسدي، أو وراء نظم قانون الأحوال الشخصية التي تتسبب بشكل منهجي في وجود حقوق غير متساوية، وهنا حقا تكون الثقافة هي المشكلة، بمعنى أن المطلب ينشأ عن إحدى القواعد الثقافية العرفية، أو أحد المعتقدات الدينية،ولكن الثقافة ليس هي الحل، لأن تلبية هذا المطلب الذي يستند إلى الثقافة يستلزم من الدولة أن تنتهك واجبها الأساسي في حماية مواطنيها من الأذى، وتضمن لهم المساواة أمام القانون.

ويستعرض باري بعض الأسئلة لبعض الحالات لبعض الأقليات، حينما يقوم الآباء بتشويه أبنائهم ومع ذلك يفلتون من العقاب، أوحينما يتركون أبناءهم يموتون نتيجة نقص الرعاية الصحية، وفي مثل هذه الحالة فإن الدولة يجب أن تتدخل عن طريق فرض عقوبات زجرية على مثل هذه الأفعال.

أما فيما يخص مطالب بعض الأقليات بتطبيق نظم خاصة بالأحوال الشخصية بدل القانون المدني، مثل مطالبات المسلمين واليهود، فإن باري يعتقد بأن الرضوخ لمثل هذه المطالب قد يؤدي إلى إنفاذ قواعد مجحفة للغاية بشأن الطلاق، كما أنها ستسمح للرجل بأن يتزوج حتى أربع نساء.

ويستطرد “باري” في نقد نظرية “التعددية الثقافية” من خلال ما جاء في تعريف كيمليكا للدولة متعددة الثقافات “بأنها هي التي يكون أفرادها ينتمون إلى قوميات مختلفة،  أو قد هاجروا من قوميات مختلفة” فيرى بأن هذا التعريف لا ينطبق إلا على النموذج الذي ينتمى له ” كيملكا ”  حيث من الممكن أن تعاني الجماعات الحرمان المادي، وانعدام تكافؤ الفرص، والتمييز المباشر،وليس هناك من سبب لافتراض أن هذه المساوئ تنشأ من امتلاك الجماعة لثقافة مميزة، حتى عندما تمتلك هاته الثقافة المميزة. كما يري ان التعددية الثقافية ليست اشكالية فى حد ذاتها وهو السؤال الرئيسي الذي طرحه ” بريان باري ” اذا لم تكن التعددية هى الاشكالية فماهى هى الاشكالية وماهو الحل ؟؟ واستعرض دراسته النظرية بانه لاتوجد اشكالية فى المقام الاول لذلك ليس هناك حل مطلوب؛ فبقدر ما يتعلق الأمر بمعظم الجماعات المتمايزة ثقافيا، نجد أن هناك إطارا من القوانين الليبرالية المساواتية تترك لهم الحرية في السعي وراء أهدافهم، سواء بصورة فردية أو بالاشتراك مع بعضهم البعض([28]).

وحينما يقول “كيمليكا” بأن المهاجرين “يجب أن تكون لهم الحرية في الحفاظ على بعض عاداتهم القديمة المتعلقة بالطعام واللباس والدين والترفيه، وفي التجمع مع بعضهم البعض”، فإن باري يرى بأن هذه الحقيقة لا تسبب عموما في ظهور مطالبات صحيحة للحصول على معاملة خاصة، ذلك أنه داخل الدولة الليبرالية تتمتع جميع الفئات بالحرية في استغلال طاقاتها. كما يري انه أبعد ما نكون عن أن نجد كل جماعة عرقية تطالب بمعاملة خاصة من نوع ما، فإن ما نكتشفه في الواقع هو  أن معظم المطالب تنشأ بفضل اعتناق ديانة غير المسيحية، فأينما يتم الاعتراف باليهود والمسلمين كأقلية في بلد ما، يكون من المتوقع منهم أن يضغطوا على السلطات للحصول على استثناء من قوانين الذبح الإنساني، لتمكينهم من ذبح الحيوانات وهي ما تزال واعية. أما السيخ فإنهم سيرغبون في السماح لهم بتقلد أسلحتهم التقليدية، أما المسلمون فسيرغبون أن ترتدي النساء أغطية الرأس، وربما ملابس تقليدية أخرى في الأماكن العامة. كما ان  ” برايان باري ” يرى بأنه ليس من الممكن محاربة التمييز وعدم المساواة بأنواع أخرى من التمييز المضاد، وأن الحل الوحيد هو المساواة الليبرالية؛ باعتبارها دعوة إلى المساواة السياسية والاجتماعية بين كل مواطن منذ الولادة، ولا يقصد بها التساوي المعيشي، بل التساوي في منح الفرص (تكافؤ الفرص) بحيث يكون الجميع سواسية تحت مظلة القانون والمجتمع.

ويخلص برايان باري في النهاية، بأن “التعددية الثقافية” تخلق من المشكلات بقدر ما تحلها، لأنها لا يمكنها معالجة التفاوتات الضخمة في الفرص والموارد داخل المجتمعات.

وانتهاءا لاستعراض اهم مفكري الليبرالية ورؤيتهم لاشكالية التعددية الثقافية واستعراض نظرية التعددية من الجانب العملى فان الرؤية المعرفية والفكرية لم تقتصر على هذا الجانب التنظيري والمفاهيمى لطرح التعددية وعلاقة الدولة والمجتمع بها وانه لابد من الفهم العميق للمدلولات النظرية التى تقدمها النظرية الماركسية فى جانبها الشيوعي والغربي واهم الانتقادات التى عبر عنها مفكرين المنظور الماركسي.

وبالتالى فانه يمكن استنتاج الفهم العميق للمدلول المفاهيمى والفكري ” للتعدية الثقافية ” باعتبارها تمثل مستوى فكري من مستويات ونتاج “فكر الأنوار” والاطروحات العلمانية، وظهور الدستور كمرجعية حقوقية لممارسة السلطة، وتراجع أطروحة الحق الإلهي في الحكم، ويمكن تحديد مفهوم “التعددية الثقافية” من خلال ثلاثة مستويات:

أولا: على المستوى الاجتماعي فإن التعددية الثقافية؛ فهي نتاج تنافس قوى اجتماعية في السوق، فالمجتمع ينافي أطروحة ديكتاتورية الطبقة الواحدة، سواء في المجتمع الاشتراكي، أو في المجتمع الرأسمالي، الذي يمكن في مراحل معينة، أن تتولى طبقة واحدة فرض الديكتاتورية الاجتماعية والسياسية على المجتمع.

ثانيا: وعلى المستوى السياسي فالتعددية نتاج عقد اجتماعي بين مختلف مستويات الدولة والمجتمع، حيث تقوم الدولة بقيادة التوازن بين القوى الاجتماعية، السياسية الوطنية أو القومية تعكس سلطتهم من خلال اختيارهم. وبذلك فإن التعددية الثقافية؛ تعني قبول الآخر، أو قبول كل طرف لجميع الأطراف في ظل سيادة القانون.

ثالثا: على المستوى الثقافي؛ فإن التعددية تقوم على الحداثة، فلا حداثة بدون تعددية، لأن الحداثة تعبير عن تجاوز الثبات الزمكاني الذي تحاول الأنظمة الشمولية تكريسه، وهذا يعني أن التعددية، بهذا المعنى هي عملية نقدية شاملة، وهي مرهونة بشرط بروز ظاهرة التنوير، ورهينة كذلك بشروط تفكك الشمولية، وتفكك الشمولية مرتهن بدوره ببروز مؤسسات المجتمع المدني، ومنها مؤسسة الثقافة كمؤسسة مدنية.

ومن جهة أخرى يمكن القول بأن “التعددية الثقافية” من المفاهيم المهمة في المجتمع الحديث، الذي بات يضم جماعات متنوعة ثقافيا، الأمر الذي يطرح إشكاليات حول “التنوع” في إطار “الوحدة”، و”الانسجام” في إطار “احترام الاختلاف” ولقد نما هذا المفهوم في الولايات المتحدة، كمفهوم سياسي ضد التمييز العنصري([29]).

وفى اطار ” اشكالية العدالة ” فلقد طرح كيملكا اطروحات متباينة حول تلك الاشكالية الا ان التمييز بينه وبين نموذج ” راولز” عن العدالة كان له اسسه الفلسفية التى انطوت عليه اشكالية التعددية فى المنظور الليبرالي؛ فلقد وقعت اطروحات راولز ضمن نطاق العقد الاجتماعي للفلاسفه جون لوك ؛ جان جاك روسو” ايمانويل كانط؛ فلقد قدم افتراضاته بأهمية احيتء التراث الذي يتلاشي وفى ذلك اختلف عن المنظرين الكلاسيكيين ذوى الصلة وذلك فى عدم التركيز على فكرة تبرير وجود الدولة والعمل على تبرير فكرة توزيع ” المنافع” و ” الاعباء ” فى ظل الدولة. وتتمثل المنافع فى الموارد المادية والحرية الفردية والسلطة السياسية اما الاعباء لاتشمل التخفيف او ازالة التفاوتات ايا كان نوعها بل تشمل وجوب العمل بمبادئ العدالة وبصورة قسرية ان تتطلب الامر ذلك؛ كما يؤكد راولز ان اراءه تدخل ضمن الاتجاه الاخلاقي فى النظرية السياسية وليس الاتجاه النفعي حيث انه تم توليه اهمية مطلقة للحريات والحقوق الاساسية على اعتبار ماده ان العدالة ترفض الفكرة القائلة ان فقدان البعض لحرياتهم لايغدو امرا صائبا لانه سيفضي الى خير اكبر يتقاسمه البعض الاخر؛ ففي المجتمع العادل حين تكون الحريات والحقوق الاساسية ممنوحة ومضمونة بواسطة العدالة فان ذلك يجعلها موضوعا غير قابل للمساومة السياسية وبالتالى ليست حاصل جمع المصالح الاجتماعية.

وبالتالى فان ” راولز ” يطبق اطروحاته من خلال اتجاهين رئيسيين : الاول تطبيق النظرية على البنية الاساسية للمجتمع؛ وتتكون البنية الاساسية من تلك المؤسسات التى تؤثر بصورة رئيسية فى فرص حياة الفرد وتشمل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بما فيها الحقوق الدستورية التى يتم بموجبها تعيين نطاق الحرية الفردية. الثاني : عدم استهداف مجرد اقناع غالبية الافراد بجدوي النظرية حيث ان الهدف الرئيسي تحقيق حالة الاجماع على قبولها.

وتجدر الاشارة فى هذا السياق ان ” نظرية راولز عن العدالة “ تعد المحاولة الاولى فى التعامل مع مشكلة ” التعددية الاخلاقية” والتعددية وفقا لنظريته امر حتمي ومرغوب فيه فى ان واحد؛ وفى ضوء ذلك غدا رد   ” راولز”  على الواقع المتنوع متمثلا فى ” الليبرالية السياسية “ الذي يشتمل عموما عى البنية الاساسية للمجتمع. ويؤكد ان بقاء المجتمع محتفظا بتعدديته الاخلاقية ذلك لكون المواطنين سواء على صعيد الشؤون الشخصية او على صعيد الحياة داخل المجتمعات التى ينتمون اليها ينظرون الى غاياتهم وارتباطاتهم على انها غير قابلة للنغير. وبالتالى يتضح من ان ” راولز” يعملى على تمييز ليبراليته من الليبرالية الشاملة للمفكر ” جون ستيورات ميل” والذي كان يعتقد بوجوب تمكن الناس من تقييم وتعديل الممارسات الاجتماعية فى كافة المجالات ([30]).

والمنظور الماركسي وان كان انطلق من التطور المفاهيمي السابق فالماركسية السوفيتية كانت متقدمة من وجهه نظر العديد من مفكري التعددية الثقافية من رؤية انها وجدت حلا وعلاجا يتلائم معها من خلال رسم سياسات اكثر ادماجية تعبر عن فصيل وهويات ثقافية منفصلة ولعل ماقام عليه الاتحاد السوفييتى دليلا عمليا لدرء الفكرة والمنظور الماركسي فى التعبير عن ذلك البعد التنظيري من داخل الماركسية نفسها حيث ان المنظور الماركسي قدم نقدا لنفسه ومن داخله.

وبداية فان التعددية فى الفكر الماركسي قائمة على ملمح تاريخي واعتبارها ضرورة تاريخية فمن أبرز العلائم المميزة لهذا الاتجاه الفهم ان التعددية هي ضرورة تاريخية لن تتطور الماركسية ولن تصمد بدونها. وأكد ممثلو هذا التيار انه من الأهمية أن تُقر التعددية كمسالة أساسية وأولى متفق عليها بدون تردد، وذلك في إطار الاشتراكية النظرية والاشتراكية التطبيقية (أي في نهج البناء الاجتماعي والقانوني للمجتمع الاشتراكي) سواء بسواء.
للأسف لم تحظى التعددية بأي نصيب، وعومل كل دعاتها كأعداء ، ومن طالته يد الكومنترن أو السلطة السوفيتية اعدم أو نفي أو القي به في السجون السيبيرية الرهيبة، وبأحسن الحالات أنهى حياته في الصمت والعزل.
من المواضيع التي طرحها تيار ” الماركسية الصحيحة” أو “التيار الماركسي الغربي” كما يعرف في الدراسات الأكاديمية، كان مفهوم “الثورة” ([31]).
إن الفهم للاطار النظري والمفاهيمي حول “الثورة وربطه بمفاهيم القدرة على تحقيق الاستقلالية للجماعات المختلفة” لدى النهج السوفيتي، ويشاركهم في هذا الفهم التيار الإصلاحي للاشتراكية الديمقراطية، هو أن الثورة هي مفهوم ينبع من التفسير الصحيح للفكر الماركسي. ولكن الفهم الماركسي “الصحيح” يمتد باتساع بدءا من الفهم الذي يقول أن الثورة هي عمل بروليتاري ثوري عبر إقامة وحدة بين الطبقة العاملة (البروليتاريا) مع طبقات أخرى، حتى مفهوم الثورة كحرب ضد أعداء العصرنة، وأعداء الثقافة الحديثة العصرية والإنسانية. والفهم هنا يمكن تلخيصه انه لا يوجد انتقال فوري من الهمجية إلى المدنية إنما عبر تطور يمر بمراحل متعددة.
مراجعة أدبيات الفكر الماركسي الغربي، نجد مفاهيم أو تفسيرات مختلفة، تمتد من النضال الثوري البروليتاري في طرحه الماركسي التقليدي، إلى فهم أهمية التحالف بين الطبقة العاملة وطبقات أخرى كما يطرح ذلك المفكر الايطالي “انطونيو غرامشي” حتى مفاهيم الثورة التي تعني تصدير ثقافي عميق للإنسان المعاصر بروح إنسانية،أي بدون عنف، كما طرح ذلك المفكر الماركسي الفرنسي “روجيه غاروديه”.
من الواضح أيضا أن مفهوم الثورة الماركسي الرسمي المرتبط بنظرية ماركس التاريخية، الحتمية التاريخية، أي حتمية التحول إلى الاشتراكية والشيوعية، نرى أن التطور الحاصل أسقط هذه النظرية، التي لم تصمد في امتحان التاريخ، رغم أن جوانب هامة منها تعتبر فتحا فكريا فلسفيا لفهم تطور التاريخ. مثلا موضوع الثورة التي تعني استبدال تشكيلة اقتصادية اجتماعية (رأسمالية مثلا) بتشكيلة أخرى (اشتراكية مثلا)، أرقى وأفضل وأكثر عدالة ، حسب المفهوم الثوري الماركسي، تحطم القديم ، الاستغلالي، وتبني الجديد العادل الديمقراطي وتحدث قفزة للمجتمع والإنسان .. النظرية بخير والتطبيق سقط بالأخطاء والانحرافات والفساد، والنظرية كانت ابعد مايكون عن الاطار التطبيقي.
بالطبع نظرية الثورة تتحدث أيضا عن تحرير العلاقات الإنتاجية من قيود تمنع تطور القوى المنتجة (البروليتاريا في النظام الرأسمالي – غني عن القول أن مفهوم البروليتاريا ظل مفهوما أوروبيا، ويمكن استعمال صيغة طبقة العمال أو الشغيلة للدقة).
التطور التاريخي والاقتصادي نفى نظرية ماركس عن الثورة والتغيير. الثورات لم تقد إلى التغيير المنشود. إلا إذا اعتبرنا فقدان الحرية، والإفقار والخضوع لشبه حكم استعماري ابتزازي (حالة مجموعة الدول الاشتراكية تحت السيطرة السوفييتية بعد الحرب العالمية الثانية) هو تغيير ماركسي.
وهنا لا بد من توضيح، بأن النظام السوفييتي ابتز مليارات الدولارات من دول المجموعة الاشتراكية رغم اوضاعها الاقتصادية الصعبة بعد الحرب. وقد عانت الشعوب في هذه الدول من فاقة وفقر وبطء في التطور والرفاه الاجتماعي بالمقارنة مع الغرب استمرالفقر والعوز والقمع حتى سقوط الأنطمة (مثلا المانيا الشرقية والمانيا الغربية كنموذج).
وشهدت المعسكر الشرقي تبعا لذلك، ثورات في المجر وتشيكوسلوفاكيا ، وابتعاد يوغوسلافيا عن المعسكر السوفييتي. ونظام روماني استبدادي ابتعد تدريجيا عن الاتحاد السوفييتي، ثم حركة نقابية ثورية في بولونيا وعمليا بدأ انهيار المعسكر الأشتراكي([32]) .
قد نجد تفسيرات وتبريرات حول الأسلوب السوفيتي في التطبيق. لا خلاف في ذلك حولها. ولكننا أمام ظاهرة أفلاطونية حيث تحول الحزب نفسه إلى طبقة مسيطرة، سيرا على طريق “جمهورية أفلاطون”، حيث الحكماء والفلاسفة (اقرأ زعامة الحزب الشيوعي والدولة) يشكلون طبقة الحكام ، وقوى الأمن هم طبقة حراس النظام، والطبقة الأخيرة هم الصناع (العبيد). للأسف هذه هي الصورة التي سادت النظام الاشتراكي.صورة نقيضة لرؤية ماركس الفلسفية والنظرية عن المجتمع الاشتراكي العادل بدلا منه مجتمع استبدادي.
الا ان مفكري المنظور عند طرحهم لاشكالية معالجة الماركسية نفسها للسياق النقدى الذي برز من داخلها تطبيقيا دفع للبحث عن اجابة للاسئلة المثارة والتى استندت على النتائج في الصراع الاجتماعي والاقتصادي لم تكن لصالح النظام الاشتراكي. ما السبب؟ النظام الرأسمالي تجاوز النظام الاشتراكي بحقوق الإنسان، بالديمقراطية، بالتطور الاجتماعي والاقتصادي، بمستوى الرفاه الاجتماعي بمستوى الخدمات، بالحقوق المدنية، بالتعددية الفكرية، وبمختلف أشكال الضمانات.

ولقد تعرض جراء ذك المنظور الماركسي لنقد ففى جانبه حيث إن غياب التعددية الفكرية وحرية التفكير والنقد جرد الفكر الماركسي من عناصر قوته التجديدية؛ ودور الدولة والمجتمع.

ووفقا لما سبق فان رؤية المنظور الماركسي للتعددية الثقافية لم تنطوي على اطار مفاهيمى نظري وحسب وانما تعدت الى اطارا تطبيقيا ابعد عن سياق ” كارل ماركس ” التاريخى الا انه لم يفقد عناصرة النظرية الرئيسية والفكرية وهو ماسيتبين من قراءة الاطار الفكري لكلا من “كارل ماركس ” و “انطونيو غرامشي” حول علاقة الدولة بمحيطها الاجتماعى والثقافي([33]).

*رؤية “كارل ماركس” و “فريدريك انجلز ” للتعدية الثقافية وفقا للاطار الفكري النظري المفاهيمي :

بحث كارل ماركس فى نظريته عن أصول وتكوّن المجتمعات الحديثة وطوّر كارل ماركس وفريدريك أنجلز نظرية مادية جديدة للتاريخ والمجتمع المتنوع عرقيا وثقافيا وطبقيا من خلال تقديم مفاهيم مثل نمط الإنتاج، قوى وعلاقات الإنتاج، تقسيم العمل، الأيديولوجيا والصراع الطبقي واتقسيم المجتمع ثقافيا وعرقيا  بوصفها مداخل أساسية لفهم المجتمع والتاريخ وبالتالى وضع اطارا اكبر لتقسيم المجتمع وفقا لمنظور الطبقات والتعدد داخل الطبقة الواحدة وبلور ماركس وأنجلز رؤية للتاريخ بوصفه تعاقباً لأنماط الإنتاج، ووضعا مخططاً لنشوء المجتمع البرجوازي الحديث وتحوله مستقبلاً إلى مجتمع شيوعي.


وعلى الرغم من وضع ماركس اللبنات الاولى لاطارة التنظيري والفكرى عن الدولة والمجتمع الا ان برزت بعد وفاة ماركس وأنجلز كتابات اكثر عمقا ففي حين إتخذ الجيل الأول من المنظّرين والناشطين الماركسيين منحى التركيز على الإقتصاد والسياسة، فإن أجيالاً لاحقة من الماركسيين الغربيين ظهرت في أوربا بعد الثورة الروسية وطورت نظريات ماركسية عن الثقافة، الدولة، المؤسات الإجتماعية، علم النفس، وموضوعات أخرى لم يتم التعامل معها بطريقة منهجية من قبل جيل الماركسية الأول. حاولت هذه الأجيال تحديث النظرية الماركسية لكي تفسر التطورات الحاصلة في الزمن المعاصر. عدد كبير من المنظرين الماركسيين في القرن العشرين يضم (جورج لوكاش، كارل كورش، أنطونيو غرامشي، آرنست بلوخ، والتر بنجامين، ويشمل جان بول سارتر، هربرت ماركوزة، لوي ألتوسير، فرديريك جيمسون، وسلافوي زيزيك) إستخدموا النظرية الماركسية لتحليل الأشكال الثقافية والإقتصادية والسياسية والإجتماعية القديمة والراهنة في إطار علاقتها بالإنتاج، وفي تداخلها مع الإقتصاد والتاريخ، وأثرها ووظائفها داخل الحياة الإجتماعية([34](.
أستخدم مصطلح الماركسية الغربية للمرة الأولى من قبل الشيوعيين السوفييت للإنتقاص من العودة إلى أنواع محددة من الماركسية الهيغلية والنقدية في أوربا الغربية، لكنه سرعان ما تم تبنّيه من قبل مفكرين كلوكاش وكورش لوصف ماركسية أكثر إستقلالية ونقدية إزاء حزبية و علمية؛ تدعى “ماركسية الأممية الثانية والثالثة”. وقد فسّر “بيري أندرسن”(1976) التحول من التحليل الإقتصادي والسياسي إلى “النظرية الثقافية” كأحد أعراض هزيمة الماركسية الغربية بعد سحق الحركات الثورية الأوربية في عشرينيات القرن الماضي وصعود الفاشية. بيد أن منظّرين من أمثال “لوكاتش، بلوخ، بنجامين وأدورنو” كانوا مثقفين ذوي إهتمام عميق وملتزم بالظواهر الإجتماعية والثقافية، ولذلك فمن الطبيعي أن يجلبوا تلك الإهتمامات إلى الماركسية.
في سنوات الستينات والسبعينات من القرن الماضي وتحت تأثير الطيف العالمي الواسع للحركات الثورية والنضالات، إلتفت الراديكاليون الشباب والطلاب إلى دراسة تقاليد الماركسية الغربية التي ظهرت في العقود الأولى من القرن العشرين. وبرزت الماركسية الغربية في أوربا عقب الثورة الروسية والإنتشار الواسع للأفكار الماركسية لتغطي الجيل الأول من الماركسين الغربيين، (مدرسة فرانكفورت)، و(ماركسية ما بعد الستينات). حيث ان الماركسية الغربية كان لها سبقا فى وضع واعادة تعريف البنى الاجتماعية والثقافية بشكل اكثر قوة من نواه ماركس حول لدولة والمجتمع([35]).

وبالتالى يمكن استنتاج رؤية ماركس وانجلز حول علاقة الدولة بالمجتمع والطبقات من خلال  ايمانه بالوعي الاجتماعي الذي يحدد الوجود الاجتماعي، وتحديد الوجود الاجتماعي للوعي الاجتماعي” ، وبالتالي فان فهم وتعريف أي فلسفة أو نظرية أو أيديولوجية يستلزم ،أولاً وأخيراً، توضيح الوجود الاجتماعي الذي يشكل أساسها. هكذا فان ماركس ينظر إلى الدين بصفة عامة باعتباره “الوعي الذاتي والإدراك الذاتي للإنسان الذي لم يتوصل بعد لنفسه، أو فقد ذاته مرة أخرى بالفعل” وان الدولة والمجتمع ينتجان موقف الدين المقلوب رأسا على عقب من العالم، لأنهما عالمان مقلوبان رأسا على عقب كما يكشف ماركس الأسرة الأرضية باعتبارها سر الأسرة المقدسة وبالمثل يحلل انجلز المسيحية الأولى بأنها ديانة العبيد والعبيد المتحررين، ديانة الأشخاص الخاضعين أو المشتتين بواسطة روماوفي البيان الشيوعي يعرف ماركس مدارس الاشتراكية القائمة المختلفة مباشرة بالإشارة للمصالح الطبقية التي تمثلها، معطياً الاشتراكية الإقطاعية والاشتراكية البرجوازية الصغيرة والاشتراكية البرجوازية مستندا الى رؤية ” تروتسكي “ بأن مفتاح الأيديولوجية الفاشية بالإضافة إلى الحركة الفاشية يكمن في الوضع الطبقي للبرجوازية الصغيرة المعتصرة بين رأس المال والعمل. يمكن مضاعفة هذه الأمثلة بلا نهاية، ويجب تطبيق نفس منهج التحليل على الماركسية ذاتها – وهذا بالطبع ما فعله ماركس وأنجلز بنفسيهما.
ويتناول “انجلز” كتاب ضد دوهرنج بتأكيد “إن الاشتراكية الحديثة” في مضمونها هي بالأساس نتاج إدراك الصراعات الطبقية القائمة في المجتمع الحديث بين الملاك وغير الملاك، بين الرأسماليين والعمال المأجورين من ناحية، والفوضي التي تحكم الإنتاج من ناحية أخرى. مع اكمال الصياغة بإضافة أن الماركسية هي إدراك هذه التناقضات من وجهة نظر البروليتاريا. وكما يقول ماركس في بؤس الفلسفة “مثلما أن الاقتصاديين هم الممثلين العلميين للطبقة البرجوازية، فان الاشتراكيين والشيوعيين هم منظرو الطبقة البروليتارية”؛ بجانب الرؤية العامة حول التعددية الثقافية التى تمحورت حول الربط بين مجتمع الاعراق والثقافات المدمجة([36]).

*رؤية ” انطونيو غرامنشي ” حول الطبيعة الاجتماعية والثقافية واشكالية التعددية الثقافية وتبلور ” مدرسة فرانكفورت ” كمنظور نقدي ماركسي :

قدم ” انطونيو غرامشي ” رؤية نقدية من داخل المنظور الماركسي وكان مطورا لمجموعة من النظريات والمفاهيم فى اطار التعددية الثقافية وكان مساهما فى اعداد ” مدرسة فرانكفورت” والتى كانت محطة فكرية ماركسية تقيم القوى الفكرية والثقافية السائدة ؛ فبالنسبة ” لجرامشي ” أولى نوعا من الهيمنة او السيطرة بواسطة الأفكار والأشكال الثقافية التى تستحث على او تغري بقبول حكم الجماعات القائدة للمجتمع؛ وقدم حدد نقدية نظرية بأن وحدة الجماعات السائدة عادة ماتنتج من قبل الدولة؛ ولمؤسسات المجتمع المدنى ايضا دور فى اقامة وتدعيم الهيمنة؛ وفى نظر غرامشي فان المجتمعات المتعددة ثقافيا قد تكون مجالا لترسيخ النمط الصراعي بين الافراد او تحافظ على الاستقرارمن خلال الربط بين “السيطرة” أو القوة و”الهيمنة” المنظور إليها كقبول بـ أو إجماع على “القيادة الفكرية والإخلاقية”. لذلك نرى وجود النظم الإجتماعية وإعادة إنتاجها يتحقق عبر بعض المؤسسات والجماعات بإتباع العنف لممارسة السلطة والسيطرة لحفظ الحدود والضوابط الإجتماعية في حين أن مؤسسات ( كالدين والتعليم والإعلام) تدفع بإتجاه القبول بالنظام السائد من خلال ثبيت الهيمنة، أو السيطرة الأيديولوجية لنمط محدد من النظام الإجتماعي إضافة إلى ذلك، تثبت المجتمعات هيمنة الرجال وبعض الأعراق عبر إضفاء طابع مؤسسي للنظرة الأبوية وتفوق الذكور أو سيادة عرق حاكم أثنية على جماعات أخرى تابعة.
من خلال سيطرتها على الدولة وممارستها، القمعية غالباً، التأثير على التعليم، الإعلام، والمؤسسات الأخرى الثقافية والإجتماعية والسياسية. إن نظرية الهيمنة عند غرامشي تتضمن في وقت واحد تحليل قوى الهيمنة القائمة والأساليب التي بواسطتها تحوز جماعات سياسية معينة سلطة مهيمنة، وترسيم خطوط القوى والجماعات والإفكار المضادة للهيمنة والتي بوسعها قلب وضع الهيمنة السائد.

كما تطلبت رؤيته دراسة تفصيلية لتمكن الجماعات المحافظة من الهيمنة عبر السيطرة على الدولة، إستخدام الإعلام، التكنولوجيا الجديدة، والمؤسسات الثقافية مثل مراكز البحث، جمع التمويل، والجماعات السياسية الفاعلة. إن تفسير صعود وهيمنة السياسة المحافظة يتطلب تحليل كيفية فرض هيمنة تلك السياسة في الإعلام والمدارس والثقافة بصورة عامة. ولا بد لهذا التحليل من أن يناقش كيف تم النظر إلى السوق، على المستوى العام أو المعولم، وليس إلى الدولة كمصدر لجميع أشكال الثروة وكحلّ لكل المشاكل الإجتماعية، في مقابل ذلك، صُورت الدولة كمصدر لنظام ضريبي مفرط، تقييدات مبالغ فيها، وعطالة بيروقراطية.
حدد غرامشي الأيديولوجيا بأنها الأفكار السائدة التي تشكل ” السمنت الإجتماعي” الذي يوحّد النظام الإجتماعي السائد ويضفي عليه التماسك. ووصف فلسفته بأنها “فلسفة ممارسة” لكونها تمثل نمطاً من الفكر المناقض للأيديولوجيا ونوعاً من الفعل الذي ينازع المؤسسات والعلاقات الإجتماعية السائدة، وذلك بهدف إنتاج “هيمنة إشتراكية مضادة”. في مقاله ” موضوعات ثقافية: مادة الأيديولوجيا” لاحظ غرامشي أن الطباعة في زمنه كانت الوسيلة السائدة لإضفاء الشرعية الأيديولوجية للمؤسسات وللنظام الإجتماعي القائم، رغم ذلك، هناك مؤسسات أخرى كثيرة مثل الكنيسة، المدارس والجمعيات الثقافية-الإجتماعية والجماعات لعبت هي الأخرى دوراً في ذلك. ودعا إلى توجيه نقد مستديم لهذه المؤسسات وللأيديولوجيا التي تضفي الشرعية عليها، وبموازاة ذلك، دعا إلى إيجاد مؤسسات وأفكار مضادة من شأنها أن تنتج بدائل للنظام القائم.
نقد غرامشي لنمط الثقافة السائدة والمجتمع إستأنفته مدرسة فرانكفورت والدراسات الثقافية البريطانية، اللتان وفرتا العديد من الأدوات النافعة للنظرية الإجتماعية والنقد الثقافي. إن مفاهيم مثل الأيديولوجيا واليوتوبيا والنظرية الإجتماعية المادية التاريخية التي أسهم كل من لوكاش وبلوخ في تطويرها، قد أثّرت في مسار مدرسة فرانكفورت([37]).

يشير مصطلح ” مدرسة فرانكفورت” إلى نتاج مجموعة معهد البحث الإجتماعي الذي تأسس في فرانكفورت/ ألمانيا عام 1923 وكان أول معهد ذا توجه ماركسي مرتبط بجامعة ألمانية مهمة. تحت قيادة مديره، كارل غرونبيرغ، نهج عمل المعهد في عشرينيات القرن الماضي نهجاً تجريبياً وتاريخياً متوجهاً نحو مشاكل حركة الطبقة العاملة الأوربية. في عام 1930 تولى رئاسة المعهد ماكس هوركهيمر الذي جمع حوله شلّة من المنظرين الموهوبين أمثال أريك فروم، فرانز نومان، هربرت ماركوزة، تيودود أدورنو. وسعى المعهد بتوجيه من “ماكس هوركيمر” إلى تطوير نظرية إجتماعية متعددة الإختصاصات يمكن توظفيها كأداة للتحول الإجتماعي. كان عمل المعهد في تلك الحقبة يقوم على جمع وتركيب الفلسفة والنظرية والإجتماعية، عبر الربط بين علم الإجتماع وعلم النفس والدراسات الثقافية والإقتصاد السياسي.

وقد قدم ” ماكس هوكيمر ” نظرية نقدية تناولت البعد الاجتماعى الثقافي ووضع اطارا اشمل لمعرفة الفهم بين علاقة الدولة فى ظل النظرية ورسم الابعاد الاجتماعية الاخري حولها ووضع اطارا اشمل من خلال النظرية التقليدية تتناول المؤثرات الاجتماعية المختلفة والجماعات الثافية بالمجتمع من خلال المنظور الماركسي وتقديم نهج نقدى للمجتمع القائم بجانب تحالف الجهود المبذولة من الدولة ؛ مع التأكيد على ان محتوى ” النظرية النقدية يكمن فى تغيير المفاهيم التى هيمنت على مفاهيم العدالة الاجتماعية والمساواة وتوفير شروط اجتماعية لتوفير نظرية حول ” الحركة التاريخية” ؛ كما يري ” هوركمير” بأن النظرية النقدية اشتملت نقدا من جانب تأثير الاشتراكية ونقد الحاضر خاصة فى جانبي التعددية الثقافية الاجتماعية والطبقية وترسيخ دور الثقافة الجماهيرية فى اعادة انتاج المجتمعات المعاصرة وربطها بالانحدار الحاث فى الديمقراطية ومكانة الافراد.

ولقد استند ” المنظور الماركسي ” بالتالى الى رؤية ” ديالتيك هيجل” و ” نيتشه ؛ فرويد ؛ ماكس فيبر؛ واتجاهات الفكر الاجتماعى من المنظور الماركسي كما رسمت ملامح واضحة للنظريات التى احتلت موقعا من مركز النظرية الاجتماعية لعده عقود؛ كما اهتم بوضع نظرية ماركسية محدثة لواقع اجتماعي متغير ولوضع تاريخي جديد؛ كما طرح نقدا حادا مع ” ادورنو” حول النزعة العلمية العقلانية فى فكر التنوير ولنظم السيطرة الاجتماعية والتاكيد على أولوية العمل والعقل الاداتى فى نزعتهمها واحتفائها بالانتاج الاشتراكى واقتسامها كمسلمات حول ” الحداثة الغربية والهيمنة على الطبيعة”؛ وبالتالى فقد مثل ” هوركمير ” و ” ادورنو” تيارا فكريا بارزا واصبح مصطلح ” مدرسة فرانكفورت” منتشرا كسمه مميزة لطريقة البحث الاجتماعي المتعدد الاختصاصات وبشكل خاص ” للنظرية الاجتماعية – والثقافية” وانخرط رواد المدرسة فى نقاشات منهجية وجوهرية مع منظرين اجتماعيين اخرين وهو ماعرف بالخلاف الوضعي؛ كما انتقدو المقاربات التجريبية والكمية فى النظريات الاجتماعية ([38]).

*الرؤية النقدية ل”يورغن هابرماس” حول المنظور الماركسي للمحيط الاجتماعي والثقافي للدولة:

قدم ” هابرماس” أحد طلاب “أدورنو” و”هوركهيمر” مادة غنية من الأعمال الدائرة حول إشكالية الماركسية الغربية، لتفضي تدريجياً إلى تقديم مساهمة فلسفية خاصة به عن العقل التواصلي والنظرية النقدية الإجتماعية كما طرح هابرماس رؤى تاريخية نقدية حول الإنتقال من الثقافة التقليدية والحيز العام الديمقراطي إلى مجتمع الإعلام الجماهيري والإستهلاك. في كتابه الرائد ” التحول البنيوي للحيز العام” كما وضع هابرماس في السياق التاريخي تحليلات “ادورنو وهوركهيمر” لصناعة الثقافة. من خلال عرض الخلفية التاريخية لإنتصار صناعة الثقافة، ناقش هابرماس كيفية تميز المجتمع البرجوازي في نهاية القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر من خلال صعود مكانة الحيز العام الذي يقف بين المجتمع المدني والدولة والذي يلعب دوراً وسيطاً بين المصالح العامة والخاصة. فلأول مرة في التاريخ صار ممكناً للأفراد والجماعات تحديد ملامح الرأي العام وإعطاء تعبير مباشر لحاجاتهم ومصالحهم أثناء تأثيرهم على الفعل السياسي. فالحيز العام البرجوازي جعل من الممكن تشكيل حقل للرأي العام المعارض لسلطة الدولة والمصالح المتنفذة التي صنعت ملامح المجتمع البرجوازي.
لقد حلل هابرماس التحول من الحيز العام الليبرالي الذي نشأ في عصر التنوير ومن الثورتين الأمريكية والفرنسية إلى الحيز العام المسيطر عليه من قبل الإعلام في المرحلة الراهنة التي يدعوها مرحلة “دولة الرفاه الرأسمالية والديمقراطية الجماهيرية”.
وهذا التحول التاريخي يجد أساسه في نظرية هوركهيمر وأدورنو عن صناعة الثقافة حيث سيطرت شركات عملاقة على الحيز العام وحولته من حقل للتحاور العقلاني إلى حقل يتحكم فيه الإستهلاك والروح السلبية. في هذا التحول إنتقل ” الرأي العام” من الإجماع العقلاني النابع من المجادلة والنقاش والتأمل إلى رأي مصنّع من قبل إستطلاعات الرأي وخبراء الإعلام. وبالنسبة لهابرماس، فإن الترابط الداخلي بين مجال المناظرة العامة والمشاركات الفردية قد انكنسر وتحول إلى مجال التحكم السياسي والإستعراض، حيث يستقبل المواطن- المستهلك ويمتص بصورة سلبية مواد التسلية والمعلومات. لذلك تحوّل المواطنون إلى مشاهدين لبرامج وخطابات وسائل الإعلام التي تتحكم بالنقاش العام وتختزل مشاهديها إلى مواضيع للأخبار والمعلومات والشؤون العامة. لكن نقاد هابرماس حاججوا مدعين أنه قد أضفى بعداً مثالياً على المجال العام البرجوازي المبكر لأنه قدمه كمنتدى للنقاش العقلاني في حين أنه جرى، في الواقع، إستبعاد بعض الجماعات، وتم تجاهل عدة قوى معارضة كالطبقة العاملة، عامة الناس، والحقل العام للنساء، تلك القوى التي نمت إلى جوار الحقل العام البرجوازي لتمثل أصوات ومصالح بقيت مستبعدة من هذا المنتدى([39]).

لكن القطيعة الأكثر وضوحاً لهابرماس مع النظرية الإجتماعية لمدرسة فرانكفورت ومع الماركسية الغربية تمثلت في كتابه ذي الجزئين ” نظرية الفعل التواصلي” (1983). في هذا العمل الكبير أظهر هابرماس بأن كلاً النظرية الكلاسيكية (القديمة) والنقدية قد أخفقتا في تطوير أفكار عن الفعل التواصلي، ولذلك لم تقدما نماذج وافية للتحليل اللغوي والمعياري وكذلك للنظرية الديمقراطية عن الإجماع. عبر حوار مع المنهج التأويلي، نظرية النظم، البراغماتية، فلسفة التحليل اللغوي وبعض الإتجاهات الوضعية في العلوم الإجتماعية حاول هابرماس تطوير أسس معيارية جديدة للنظرية النقدية رابطاً إياها مع مشروع الديمقراطية الجذرية.
وقد واصل هابرماس وآخرون ممن تأثروا بمدرسة فرانكفورت سعيهم لإيجاد نماذج مختلفة للنظرية الإجتماعية النقدية بربطها بالنظرة النسوية (كنانسي فريزر سيلا بن حبيب وآخريات) التعددية الثقافية وموضوعات وحقول كثيرة أخرى.
من استعراض حقل النظرية النقدية، يلاحظ المرء وجود عدم إنسجام في النظريات والمنظرين والمشاريع ذات الصلة الضعيفة بالإلتزام بالبحث المتعدد الإختصاصات في النظرية الإجتماعية، وبالإهتمام بالنقد الإجتماعي والتحول تحت تأثير أعمال منظرين كأدورنو، هوركهيمر، ماركوزة، هابرماس وآخرين. النظريات النقدية تنزع لأن تكون متشككة ومتحفظة إزاء النظرية الإجتماعية التجريبية والكمية، ومتعاطفة مع التركيب النظري، النقد الإجتماعي والتحول الإجتماعي. وقد واصلت دورها كنظرية ذات نزعة فاعلة رغم أنها غالباً ما تكون هامشية حيث نازعتها خلال ستينات القرن الماضي أشكال ماركسية أكثر فاعلية ([40]).

ثالثا: أهم الأطروحات والفرضيات والحجج الرئيسية الفكرية والنقدية والحجج المضادة لعلاقة الدولة بالمجتمع من داخل ” نظرية التعددية الثقافية ” وفقا للمنظور الليبرالي والماركسي :

بحث الاطروحات والفرضيات الرئيسية التى تم محورتها من خلال استعراض كلا من مفكري المنظور الليبرالي والماركسي امثال كارل ماركس وويل كيملكا وانطونيو جرامنشي وفريدريك انجلز والانتاج النظرى والفكري لمدرسة فرانكفورت حول التعددية الثقافية كان له تاثيرا علميا ومركزيا من داخل الحقل المرجعي لكلا المنظورين.فاستنادا لأطروحات (المدرسة فرانكفورت) ومفكري الجيل الثالث فان الخطوط العامة والرئيسية التى تم ادماجها للتعبير عن مفهوم التعددية فى المجتمعات الليبرالية والماركسية لاقت رواجا من داخل هذه المدرسة بشكل كبير.

وبالتالى لفهم ” التعددية الثقافية “ فان دراسة الخطاب الموضعي والنقدي يعد مهمه صعبه استنادا للفكر والنظرية حيث يترتب عليها لملمة النصوص والتحليل فى اطار المدرسة من جهه ومن جهه اخري فهم الميكانيزمات التى تقبع خلف تكوينات المنظورين الفكرين؛ فان رصد مكامن ومظاهر الجمع بين ” مفهوم التنظير والممارسة النقدية” فى مجال النظرية السياسية؛ وبالتالى تم الارتياء نحو التركيز على مجموعة من الموضوعات التى تعطي بجمعها صورة تعريفية ووصفية حول “اشكالية التعددية الثقافية فى السياسة العالمية “وما تخلقه من تأثيرات على الثقافات المختلفة نفسها، وكيف ان الاشكالية عبرت عن أكثر من دلالة لمفهوم التعدد. وبناءا عليه بحث كل منظور عن اقتراحات لتشكيل منظومة حلول للمشاكل التي تخلقها التباينات والاختلافات. وماتم طرحه من خلال ” مدرسة فرانكفورت ” تحديدا حول مشروع المواطنة العالمية، والديمقراطية التعددية التشاورية الذي يعد الأداة الفعلية للتأصيل النظري والممارساتي لفكرة الدولة العالمية التي اقترحها ه”ابرماس” من قبل من داخل المنظور الماركسي تحديدا.

تختلف الرؤية المحورية بين اطروحات المدرسة الليبرالية والمدرسة الماركسية على اختلاف الاجيال التى تم التعبير عنها فى اطار مراحل تاريخية وفكرية تسبق الحداثة او مابعد الحداثة الى اطر محورية رتبت العيديد من محاور البحث حول النقاط المركزية للتعددية الثقافية واشكالية تعامل الدولة الليبرالية من جهه والدولة الماركسية معها من جهه اخري والتى تتعلق بالعادات الثقافية وبالمعتقدات الجماعية، لماورائيات تسيطر على العقل الفردي والجماعي،حيث انها مظاهر جماعية وثقافية لايمكن الاستغناء عنها في عيش الجماعة الإنسانية لأنّها تشكل هويتهم وذاتهم الجماعية. ولهذا فان نقد المرسة الاجتماعية فرانكفورت لمشروع التنوير في عدم قدرته محو هذه الخصوصيات الاجتماعية، ونجدها في أطروحتها تدافع عن اختلاف ثقافات الشعوب ووجوب احترام هذا الاختلاف والتساير معه، من قبل الحكومات.

حيث ارتكز مضمون تلك المدرسة على نقد المشروع التنويري من خلال نقطتين مهمتين، هما: مكانة الشخص وأهميته داخل المجتمع وأهمية المعتقدات باختلافها من منظور الثقافات الإنسانية. حيث إن قيمة ومكانة الشخص المستقل بذاته والحر عن العالم أصبح من المستحيل الجمع بينهما في وحدة متكاملة، وإن وعود التنوير بتحرير الإنسان من جميع السلطات المتحكمة فيه والمهيمنة عليه لم يعد من الممكن تحقيقها في ظل العقلانية، ولاسيما أنّ هذه العقلانية أصبحت اليوم أداتيه فهي تؤكد على أنّ قيمة الإنسان لا تكون عن طريق ماهيته المستقلة، والمقصية لعاداته ومعتقداته، وإنّما تكون عبر الممازجة بينهما؛ الماهية الفردية والمعتقدات الاجتماعية، لأن العقل الأداتي عمل على تخليص الإنسان من هذه المعتقدات التي يراها معيقة لطريقة تفكير الإنسان، لكنّه لم ينجح في ذلك بسبب الارتباط الكبير الموجود بين الإنسان، كعضو في جماعة، وبين هذه المعتقدات الجماعية.

كما ان كل من “أدورنو هوركهايمر” وبعض المفكرين الأوائل من مدرسة فرانكفورت يدعون إلى العقلية النقدية بدل العقلية الأداتية، وقد استفادت “سيلا بن حبيب” احد مفكري البحث الجدلى لاشكالية التعددية الثقافية  من تطوير  “النظرية التعددية المبنية على أساس العقلية النقدية السجالية” إضافة إلى استراتيجيات نقدية وسجالية طورتها سيلا عبر قراءتها لأعمال كل من مؤلفي كتاب جدل التنوير، فإنها استفادت كثيرا من تجربة “هربرت ماركوز” (Herbert Marcuse) (1898/1979) في نقده للوضعية الراهنة في أمريكا من انعدام الحرية، المفارق لما كان في القديم من أساليب تسلب حرية الإنسان، قاصدا بهذا النظام الرأسمالي في المجتمع الأمريكي، هذا النظام الذي وصفه بمجتمع التسامح القامع لكونه يسير وفق نظام شمولي من دون قهر خارجي ومن دون وجود شرطة، ومن دون قهر مفروض مرئي، ماعدا التكنولوجيا التي أضحت تصنع الإنسان، ربما أكثر مما يصنعها” باعتبارها من نتائج العقل الأداتي([41]).

ووفقا للعقلية النقدية الماركسية للمنظومة الليبرالية اليمينية وتقييم رؤية الاطروحات نحو التعددية الثقافية فان الوصل إلى تخليص الإنسان من هيمنة التكنولوجيا والوصول إلى مجتمع دولي تعددي، يتمتع الفرد في إطار جماعته بالحرية التامة. هذا من ناحية، كذلك الاستفادة من الخبرة النضالية داخل التجمعات الطلابية في المناداة بضرورة التغيير النظام السياسي عبر التواصل بين الأكاديميين والمفكرين في إطار خبرة جمالية معينة.

الافتراضات الرئيسية من داخل المنظور الليبرالي : فان التعددية الثقافية كتيار فكري مرت بإرهاصات قبل انبجاسه، وبمراحل اختلفت فيها كل مرحلة عن الأخرى، وقد حصرت هذه التطورات في مرحلتين أساسيتين، جرتا أساسا داخل الفكر الليبرالي الذي تبنى التعددية، كسلاح ضد التيار الجمهوري، لكن هذه التبني كان بطريقته الخاصة، وهاتان المرحلتان هما:

1- المرحلة التعددية التقليدية: صاحبت الفكر الرأسمالي الليبرالي كما صاحبت فيما بعد، أيضا، الفكر الجمهوري الاشتراكي، من الفترة الممتدة من بدايات القرن التاسع عشر إلى ثمانينياته. لقد كان ينادي مفكرو هذه المرحلة من الليبراليين والجمهوريين، أمثال: “كارل ماركس” و”توكفيل” بالأحادية الأخلاقية (moral monism) التي تقوم على فكرة رئيسية، وهي أنّ البشر متساوون، لكونهم يتقاسمون طبيعة إنسانية واحدة، ما يعني بصورة بديهية أنّ الحياة الكريمة هي الأخرى واحدة بالنسبة للجميع، وتبعا لذلك، فإن هذه الطبيعة الإنسانية المشتركة تشكل الأساس الذي يستند إليه كل من مبدأي المساواة والتطابق الأخلاقي(Moral Uniformi) وان التعددية، في حقيقتها، ترتكز على تلبية الحقوق والمتطلبات الغريزية والفطرية للمواطنين، فقد انطلقت من مسلمة أنّ كل الجماعات البشرية مشتركة في متطلباتها البيولوجية، وبالتالي، يجب إقامة أنموذج أساس في توزيع الحقوق عليهم، وفي حالة ما إذا طالبت جماعة بحقوق أخرى غير ذلك الأنموذج فيجب إخضاعها بالقوة وإعادتها إلى المنطلق العام للجماعة. ويؤكد المفكر “باريخ (Parehk) “ في شرحه للتعددية التقليدية”يتم إخضاع طرق حياة البشر جميعا إلى نموذج واحد معين، وإلا فإن للآخرين، أي دعاة هذا النموذج الحق الشرعي في السيطرة عليهم وإرشادهم بالقوة إلى جادة الصواب. إنّ هذه الرؤية التقليدية انتقدتها “سيلا بن حبيب” أكثر من مرة، لأنها حسب وجهة نظرها، “تكريس لمركزية العقل” من قبل المنظور الماركسي (Centrality of Reason)  في الحياة الإنسانية. بدأ هذا الاتجاه يفقد هيمنته على مستوى الساحة السياسية خصوصا مع مجهودات كل من “فريد دالماير”، و”مونتسيكيو”و”باريخ” الذين اهتموا بطرح أسئلة تتعلق بدرجة كبيرة بثقافات الشعوب وعاداتها المختلفة، ومن هذه الأسئلة نذكر، على سبيل المثال، لا الحصر: كيف يكون بمقدورنا فهم وتقييم الثقافات الأخرى؟ ولماذا تتباين الثقافـات ؟ وهل أنّ التباينات مابين البشـر هي ظاهرة عابـرة أم ميزة دائمة الارتباط بالحياة الإنسانية؟ ولماذا يحظى التنوع الثقـافي بقيمة كبيرة الأهميـة؟.

ووفقا لهذه الاسئلة في الحقيقة، بداية ظهور الاتجاه الفكري للتعددية الثقافية التي لا تقتصر في ممارساتها السياسية على الجوانب المشتركة للبشر في حياتهم الطبيعية (حقوقهم الأساسية)، بل تنظر وتركز، كذلك، على ثقافاتهم وعاداتهم التي يعتزون بها ويحافظون عليها من كل ثقافة أخرى، وكذلك ادراك أن الانتماء الأحادي لا مجال له في ظل التعدد([42]).

2- مرحلة التعددية الثقافية: يمكن تقسيم هذه المرحلة بدورها إلى مرحلتين أساسيتين، المرحلة الأولى صاحبت الحرب العالمية الأولى، وقد كان زعيمها “كولين” الذي شكل اتجاها فكريا معارضا لظاهرة إرهاب الأجانب التي أصابت المجتمع الأمريكي خلال فترة الحرب العالمية الأولى، إلى جانب وقوفه ضد تطبيقات فكرة بوتقة الصهر خلال العشرينيات من القرن العشرين التي بموجبها تم إكراه الجماعات الثقافية على الانصهار والاندماج في الثقافة المهيمنة للأكثرية، وفي المقابل تمسك “كولين” بحق الجماعات المهاجرة في المحافظة على تماسكها واستقلاليتها الذاتية  ووفقا لذلك فان الاستناد الذي أقام عليه ” كولين ” فرضياته الاساسية من داخل المنظور الليبرالي في هذه المرحلة، التي لم تدم طويلا بسبب (التضييق الأيديولوجي) المُمَارس على مثل هذه الأفكار التي رأتها معظم الأيديولوجيات هدما وتفكيكا “لمفهوم الأمة”([43]).

افترض المنظور الليبرالي وفقا ” لكولين” على فكرة مفادها أنّ التشابه الطبيعي للبشر في حاجياتهم الأساسية لا يعكس بالضرورة ذلك الأنموذج الموحد التي تفرضه الدول، ولهذا نجده يدعو إلى ما يسميه الوحدة في إطار التعددية. علاوة على المدة الزمنية الفاصلة بين هذه المرحلة والمرحلة الثانية التي اشتغلت فيها “سيلا بن حبيب” مكنت من القول بأن النزعة الفردية التي أولتها عصبة الأمم أهمية بالغة كان لها، أيضا، الأثر الكبير وراء اضمحلال الصيحات المنادية بالتعددية للجماعات الثقافية المتنوعة، فبدايات هذه المرحلة كانت في أمريكا في منتصف الثمانينيات وبداية التسعينيات إلى الوقت الحاضر؛ حيث كان المجتمع الأمريكي، ولا يزال يعيش حالة من التنوع الثقافي والإثني، ولهذا كان معظم مفكري هذه المرحلة أمريكيين، أمثال “جوديث بتلر” (Judith Butler)، و” نانسي فريزر”Nancy Fraser))  و”أكسل هونيت” (Axel Honneth)، الذين جمعتهم عدة كتب ودراسات حاولوا من خلالها التنظير حول “التعددية الثقافية.

افترض المنظور الليبرالي اعادة صياغة حول مفهوم التعددية وربطه بالجانب العملى والنظري وهو مانطوي عليه المنظور فى اطار المرحلة الثانية وهو اهم ماميزها حيث انها ارتبطت زمانيا  بمرحلة ما بعد الحداثة، كما ان من اهم الافتراضات التى استند عليها المنظور الارتباط بفكرة “النسبية الثقافية” حيث تقوم على انه لا يمكن تقييم ثقافة ما وتكوين تصور عنها إلا بصورة نسبية، وفقا لمعايير تلك الثقافة بذاتها، لا المعايير الخاصة بثقافة أخرى، وكذلك، أخذت عنها المنظور القائل إن السلوك الأخلاقي لثقافة ما هو إلا سلوك نسبي من الناحية الثقافية، إذ لا يمكن تقييمه من قبل الذين ينتمون إلى الثقافة نفسها. وبالتالى فان الافتراض الرئيسي القائم على ” مفهوم الاعتراف” فى المرحلة الثانية عملت على تكريس الاعتراف بالثقافات على اختلافاتها وتناقضاتها، ونفي الفكرة القائلة بأن الاختلاف الثقافي هو إيقاد للفتن والحروب، مثلما كان يعتقد ” صامويل هنتنجتون” حيث قدم اطروحته النقدية فى اطار المنظور الليرالي للتعددية الثقافية من هذا الجانب.

افتراض عدم حصر إشكالية التعددية الثقافية في اعتبارها محاولة لضبط مفهومها الدقيق فقط من منظور علم السياسة، بقدر ما تكمن في اعتبارها مشكلة اجتماعية وسياسية قد تساهم، إن فهمت خطأ، في تفتيت خصوصيات المجتمعات بصفة خاصة، والقوميات بصفة عامة وبالتالي اسهمت فى طرح افتراضات استفهامية نقدية حول ماهية المبادئ والاستراتيجيات الضرورية لفهم هذه الظاهرة واحتوائها، على اختلاف مستويات تمظهرها؟ وما هي النظرة التي نظر اليها مفكري المنظور الليبرالي على وجه الخصوص تجاه هذه التعددية الثقافية من منظور سياسي وفلسفي؟

ولقد قامت الاطروحات الليبرالية على مجموعة من الاسس الجوهرية فى اطار التعددية الثقافية :  1- الفردية : وتعاملت الليبرالية مع الفرد عموما استنادا الى اربعة اطروحات متلازمة هى ان الاشخاص فرادي هم الوحدات الجوهرية التى تحظى بالقيمة الاخلاقية؛ ان المجتمع غاية شاملة وهى تحقيق مصلحة الافراد وليس مصلحة اجتماعية الا تلك الخاصة بالافراد؛ ان رفاهية الفرد تتطلب وجود اناس قادرين على تحقيق اختياراتهم بانفسهم حالما يكون بمقدورهم ذلك؛ ان الافراد المعنيون دون سواهم بالحقوق الطبيعية او حقوق الانسان.

وتبعا لتلك الاطروحات الليبرالية فانها افترضت ان الفرد هو عبارة عن شخص يري من زاوية مجردة نسبيا فهو مفهوم عام ومجرد وعلى الضد من المنظور الليبرالي ينزع المحافظون الاشتراكيون الى زاوية الفرد من زاوية كونه عضوا فى جماعة.

2– الشمولية : وتعنى ان الليبرالية تنظر الى الافراد – كل الافراد من زاوية كونهم يتسمون بعدد من الخصائص العامة : يتسمون بالانانية ويولون اكبر قدر من المنفعة الذاتية  ويتسمون بنزوعهم الراسخ الى التنافس والكسب والتملك ويتسمون على نحو اساسي بكونهم مدفوعين بحافز السعي وراء السعادة واجتناب الالم؛ ويتصفون بالعقلانية والميل الى تقرير المصير الذاتي وهو مايجعل الافراد احرارا فى اختياراتهم باعتبار انهم يمتلكون ارادة حرة؛  بجانب التمتع بالحرية والشعور بالمساواة([44]).

ويتأسس ” مفهوم الشمولية ” وفقا لرأي ” جون غراي” وهو ان الليبرالية لدي عموم الليبراليين تمثل النظام الافضل المنفرد فى صلاحه للبشرية جمعاء وذلك بقدر مايترتب على ” مفهوم الشمولية” من حقوق وواجبات كبيرة الاهمية لعموم البشر بوصفهم برا وبغض النظر عن تباين الظروف التاريخية والمواريث الثقافية التى يعيشون تحت تاثيرها فالنظام الليبرالي يغدو بذلك النظام الامثل للبشر وان كل انظمة الشعوب الاخري تقاس عبر معرفة مدي تقاربها من ذلك النظام([45]).

3- التحسينية ( التطورية ) : ضمن نطاق هذا الاساس بقيت الفرضية الرئيسية لليبرالية متمثلة فى ان المجتمع قابل للتحسين والتطوير الى مالا نهاية والملاحظ ان هذه الفرضية من الناحية التاريخية مشتقه اصلا من اراء النفعيين فالكثير من الليبراليين الاوائل كانوا نفعيين مثل ” جيرمي بينثام” و ” جون ستيورات ميل ” وخصوصا تلك المتعلقة بفكرة تقييم مدى الكفاءة او عدم الكفاءة للانشطة والمؤسسات والمهارات بصورة كلية حيث يتم الاعتماد على النتائج المتولدة عبر التساؤل عن الانشطة والمؤسسات والمهارات التى تعمل على احداث زيادة فعالة فى المصالح الخاصة المرغوب فيها وبالنسبة الى النفعيين الاوائل فان النتائج المعنية كانت تتعلق بصورة مباشرة بفكرة تحقيق السعادة وهو مايتوجب حينئذ للعمل على تعديلها او استبدالها واعتماد غيرها.

4- الحرية : تعرف فى هذا الاطار من ناحيتين : الاولى : انها تعنى بدلاله عدم وجود تهديد ما يحول دون قيام الفرد بما يرغب فيه من انشطة وممارسات وهو التعريف السلبي.

الثانية : بدلالة انها تعنى ان ذلك الوضع الذي يتحرر فيه الفرد من القوي الاجتماعية والثقافية التى تري انها تعيق الفرد وتمنعه من تحقيق ذاته بصورة مباشرة وهو مايعرف بالتعريف الايجابي للحرية.

ويعد المفكر “برلين” اول من اشار صراحه الى هذا الجانبين من الحرية فى الفكر الليبرالي؛ وقد عرف ” مفهوم الحرية السلبية” وهو المفهوم الذي يعبر عن حرية الفرد الى المدى الذي يمتنع فيه الاخرون فى التدخل لشؤون الخاصه وبالتالى تغدو الحرية السياسية المتمثلة بصورة مجردة فى هذا النطاق؛ اما الحرية الايجابية فهي رغبة الفرد فى ان يكون سيد نفسه ولا تكون متوقفه على قوة خارجية  وان يكون الفرد صنيعة ارادة نفسه لا ان يكون صنيعة ارادة الاخرين.

5- المساواة : ادت المساواة الى تعدد المصالح للافراد وتباين ملكاتهم فى المنظور الليبرالي الى عدد من النتائج ويأتي فى مقدمتها عدم المساواة بين الافراد اذ غالبا مايؤدي التمتع باحدي الملكات او باحد المصالح عند قيام عدم المساواة فى غيرها مابين الافراد انفسهم ومن ثم فقد غدا الاقرار بتعدد المصالح فضلا على تعدد المجالات التى قد يعامل فيها الفرد بصورة متساوية او غير متساوية امرا لا مفر منه؛ وهذا الاقرار يعد امرا جوهريا لفهم التعقيد الحاصل فى النقاش الدائر حول المساواة واللامساواة فى اوساط الليبراليين وهو مادفع البعض امثال ” هوفمان وغراهام” الى التساؤل عما يتم عمله واقتسام وتوزيع العل وهو الشئ الذي يتم التساوى وعدم التساوى فى حيازته ([46]).

طرح التيار الليبرالي اطروحة افتراض مطالب الثقافة حول المتماثل والمختلف في جميع العصور اساسها قضية اختلاف الثقافات وتنوعها، وما تثيره من إشكاليات في مجال السياسة العالمية، من خلال تقديم نماذج لدحض نهجا بديلا لأساليب التفاهم بين الثقافات ونشرها على نطاق عالمي عن طريق نفي بعض المسلمات الشائعة.

*تفسير ” ويل كيملكا ” لظاهرة انبعاث الهويات : يستند كيملكا الى الفكرة القائلة ان انبعاث الظاهرة فى الغرب وتزايد فاعليتها السياسية ناجم اساسا عن الازمة التى تعيشها ” الدولة – الامة” وتناقضاتها الداخية فهو يعتقد بعدوم زوال التناقض القائم مابين النزعة القومية للدولة والنزعة القومية للاقلية حتى اذا مانتهجت الاولى مبادئ حقوق الانسان فى سياساتها حيث انه توجد سبلا عديدة تعمل فيها الدولة على تجريد الاقليات من قوتها على نحو منظم دون انتهاك حقوق الفرد المدنية منها والسياسية وتتجسد تلك السبل فى سياسة الهجرة والتوطين والتلاعب برسم حدود وسلطات الوحدات الفرعية والداخلية وسياسة اللغة الرسمية. وتعد هذه السياسات بمثابة العنصر المشترك فى كافه عمليات بناء الامة فى الدول الغربية والحقيقة ان عملية بناء الامة يمكن ان تعمل على تحطيم الاقلية حتى اذا تمت العملية نفسها بموجب دستور ديمقراطي ليبرالي وبالتالى تفسير بقاء النزعة القومية للاقلية قوة فعالة ضمن نطاق الديمقراطيات الغربية وتساعد كذلك فى تفسير سبب استمرار الانفصال كقضية حيه والى جانب عملية بناء الامة هناك باعثان اخران يساعدان الاقليات على الاحتفاظ بخصوصياتها الثقافية وهما ” عامل اللغة” و ” البناء الفكري للحركات القومية” فى تلك الاقاليم.

* كما ان الاتجاهات الليبرالية المعاصرة اطوت مداخل نظرية وفكرية مبين ” مدخل اليمين ” و ” مدخل اليسار”: حيث تعود جذور استخدام مفاهيم اليسار ؛ الوسط ؛ اليمين فى التحليل السياسي والاجتماعى للمتمعات الحديثة  فلقد وصف اليسار بالدعوة الى الاصلاح الاجتماعى وتبنى قيمة المساواة اما اليمين فقد جسد التوجه الارستقراطي والمحافظ؛ كما تم توسيع نطاق استخدام المفاهيم مع قيام الاحزاب السياسية مابين اليميم المتطرف او اليسار المتطرف او اليمين الوسط او اليسار الوسط  والمقصود به المهادن؛ غير ان هذا التصنيف ولد مع ولادة ” الاشتراكية العلمية ”  فى اوساط القرن التاسع عشر حيث اضحي اليسار متمثلا فى الاشتراكيين عموما على اختلاف توجهاتهم الفكرية بينما اليمين غدا كل القوي الشاملة الرافضة للتغيير؛ وهو ماعبر عنه ” غيدنز” والذي راي ان ميلاد الاشتراكية جاي نتيجة تحلل النظام القديم تماما كما نشات النزعة المحافظة من محاولة حمايته وظلت الاشتراكية على مدى قرنين من الزمان منذ ذلك الوقت حاملة لمعيار ” التقدمية” اى الفكرة القائلة ان هناك اتجاها للتاريخ وان انوعا ملائمة من التدخل السياسي يمكنها ان تساعد على تحديد مسار التاريخ او تعجل بمسيرته.

ووفقا لذلك فان موقف اليسار انطوي على اتجاهين: 1- اليسار الليبرالي وهو الاتجاه المجتمعاتى ومن ابرز دعاته ” ساندل ” ويتفق مع انصار التعددية الثقافية فى ان الجماعة لاتعبر عما يتمتع به اعضاؤها بكونهم شركاء فى المواطنة بل هى تعبير عن ماهيتهم اذ ان الجماعة ليست عبارة عن علاقة يختارها اعضاء الجماعة بمحض ارادتهم كما هو الحال فى التجمعات الطوعية بل انها تجسيد للرابطة التى يكتشفون انها تجمعهم([47]).

2- الاتجاه الثاني فهو اليسار الاشتراكي وهو ماسيتم طرح افتراضاته كما يلي :

من داخل المنظور الاشتراكي الماركسي : فان الافتراضات والاطروحات الرئيسية حول اشكالية التعددية فى المجتمع الماركسي فلقد عبر يورغن هابرماس (Jürgen Habermas) من داخل المدرسة النقدية “فرانكفورت” عن الرؤية الاطروحية وتحديد مجموعة من المفاهيم التى شملها ” هبرماس” ولاسيما في نزوعه الى ما أسماه “دولة عالمية أو مواطنـة عالمية يكون فيها جميع البشر متساوين في الحقوق والواجبـات، وكذلك، استفادت من الديمقراطية التشـاورية التي هيئها لتكون الأنسب في حكم الدولـة العالميـة. تشترك كذلك “سيلا بن حبيب” مع هابرماس في تعريفه للحداثة على أنّها “لاترتبط بمرحلة تاريخية معينة” وإنما تحدُث كلما تجددت العلاقة بالقديم وتم الوعي بالمرحلة الجديدة”. “فسيلا” تذهب نفس المذهب في تأكيدها المطلق على أن الحداثة لا تعني القطيعة الابستمولوجية عن كل ما هو ماضي، كالعادات والتقاليـد وإنما تؤكد على ضرورة التمسك بها وعدم الذوبان في ثقافة العولمـة التي تسيّرها الأغلبية الحاكمـة في العالم.

يكاد انصاره يرفضون ” نظرية التعددية الثقافية” جملة وتفصيلا؛ فوفقا للباحث البريطانى ” كينان مالك” فان المشكلة ليست فى قبول التعددية عموما او ” التعددية الثقافية” خصوص بل المشكلة ببساطه تتجسد فى اللامساواة وذلك لان القبول ” بالتعددية” هو فى جوهره اقرار بحتمية الامساواة وروسوخها وهو مايعنى القبول بالتعددية فى جوهره وعدم رفض القبول بالتعددية اى بمعنى رفض المجتمع الذي يتمتع بالحق فى حرية التعبير سياسيا وثقافيا  ودينيا بل الخوف من التحيز والتعصب  واعتبار مفاده ان المجتمع دون سواه يتم اختيار الاختلاف والتمايز بكل حرية. اما فى مجتمع اللامساواة كالذي يعيش الناس اليوم فيه فان ممارسة الاختلاف تعنى العمل على ترسيخ التفاوتات ففي المجتمع الاول يتمتع المواطنون بكامل الحرية فى ممارسة قيمهم المتباينة وانماط الحياة امختلفة ضمن نطاق مجال الحياة الخاصة اما المجال العام فيتم فيه التعامل مع المواطنين على اساس انهم متساوون سياسيا ايا كنت معتقداتهم الخاصة بينما النقيض من ذلك هو مجتمع اللامساواة اى مجتمع التعددية الثقافية وفى اطاره يصبح الحق فى ممارسة دين ما والتكلم بلغه ما وتبنى ممارسة ثقافية ما  بمثابة مصلحة عامة بلا من النظر اليها على انها حرية شخصية اذ تطالب شتي الجماعات بإضفاء الصفة المؤسساتية على اختلافها وتمايزاتها وذلك بجعلها جزءا لايتجزأ من المجال العام ولن يفضي ذلك الى تحقيق المزيد من اللامساواة والتسويغ فى الوقت نفسه لعدم المساواة بين الافراد([48]).

وبعبارة اخري من هذا المنظور يرفض دعاته التعددية الثقافية بدعوى انها تؤدي عمليا الى اللامساواة بحيث ان العمل بالتعددية الثقافية يقود الى تضييق الحرية الشخصية لصالح المساواة بين الجماعات وعبر منح الاخيرة مزيدا من الحقوق والحريات فى ممارسة ثقافتها اى مأسسة التباينات الثقافية بتحويلها من المجال الخاص الى المجال العام ومن ثم اتخاذ المجتمع للشكل الطائفي بحيث يقوم على اساس المحاصصه فى توزيع الموارد الاقتصادية والسلطة السياسية بناءا على مختلف الانتماءت الثقافية لافراد المجتمع.

اما ” ارون كوندنانى” يختلف مع هذا الراى فهو يري فى التعددية الثقافية سوي كونها ” ايدلوجية محافظة تستهدف الحفاظ على استمرارية الوضع الراهن دون تغيير” وتقف بالضد من الرغبة الحققية فى التقدم نحو الامام اى بمعنى ان بإمكان التعددية الثقافية ان تصبح اليه فعاله بيد الدولة المسيطرة على التقسيمات الطبقية المعرقنة والعمل على ادامتها كما ان التعددية الثقافية ماهى الا اداة جديدة بيد الطبقة البرجوازية ودولتها بحيث تعمل بواسطتها على ترسيخ التفاوتات الطبقية والعرية بغية ادامتها.

واتساقا مع هذا المنظور يؤكد ” اليسار الاشتراكي ” ان دعاة التعددية الثقافية فشلوا فى ادراك عدة حقائق اساسية بخصوص العلاقات الطبقية تتجسد فى ان العلاقات الطبقية توجد ضمن نطاق اللامساواة فى المجتمع ؛ كما ان جميع اشكال الاضطهاد السياسي مرتبطة بشكل وثيق الصلة بالطبقة وذلك ضمن اطار علاقات السلطة وكذلك تزايد التباينات داخل كل جماعة ى الاخري طبقا لمجالات ومحاور التباين والانقسام متمثلة فى الجنس والسن والمنطقة والطبقة والثروة وغيرها.

ولقد قدم “هابرماس” حلولا لإشكالية التعددية الثقافية،وهي:1- إخضاع التعدد الثقافي لمساطر ومعايير الإدارة التشاورية للدولة والمجتمع،وذلك من أجل خلق توازناتبين الثقافات. 2- مطالبة التراث والتقليد بأن يراجع نفسه وأن ينفتح على الغير وأن يمارس النقد الذاتي ليجعل ثقافة الأغلبية خاضعة للثقافة السياسية حينما تتفاعل لا إكراها مع ثقافات الأقليات،3- الاعتراف المتبادل لكل المواطنين في ثقافة سياسية واحدة تكفل تلك المهام وهي الثقافة التشاورية الديموقراطية،4- التعامل مع التعدد الثقافي بمنظار العقلنة التواصلية الذي يعول على تعددية الشبكات والقنوات التي تغذي المجال العام بفاعلية النقاشو الحوار لقضايا الشأن العام.

كما تتوافق ” سيلا” إلى حد كبير، مع “هابرماس” في المقولات الثلاث للحداثـة التي انبنت عليها، وهي:

1- الذاتية: التي من خلالها “يمكن للانسان أن يفهم ذاته وتخليصها من الكثير من القوى الخارجة عن إرادته وبالتالي تصبح هي التي تصنع حقائقه”  وقد كيّفت سيلا هذه المقولة مع المعطى الاجتماعي وأصبحت تدعو إلى ضرورة فهم الجماعة لذاتها من أجل التخلص من المعايير التي تحكمهم وتسيطر عليهم”.

2- العقلنة: هي مؤسسة على الذات الإنسانية ذلك أنّ الذات تنظمها قوانين عقلية ومعقولة، بحيث إن بروز الإنسان كذات يتجلى في قدرته على مقاومته ضغوط العادة والخضوع فقط لحكم العقل “فسيلا تحاول دائما إخضاع الأنساق الثقافية الاجتماعية إلى حكم العقل.

3- العلموية: ومعناه أن العلم هو المصدر الوحيد والأوحد للمعرفة البشرية، وفي هذه النقطة تختلف سيلا مع هابرماس، فهي ترى أن هناك أشكالا أخرى من المعرفة يمكن لها أن تتحقق وتؤسّس عبر طرائق غير علمية، كالميتافيزيقيا أو الماورائيات والتأويلات العقلية([49]).

كما افادت “سيلا بن حبيب” كاهم المفكرين من داخل المدرسة النقدية والمنظور الماركسي الى تاكيد ابعاد التعددية الثقافية من النقد الذي قدمه “كارل أوتو آبل” (Karl Otto Appel) للمشروع التواصلي الهابرماسي خصوصا في فكرته الأساسية، وهي الخروج عن الذات والتركيز على مبدأ التواصل اللغوي وغير اللغوي، حيث عاب “آبل” الالتزام فقط بالتواصل على مستواه اللغوي، دون تقديم استراتيجيات أوضح وأنجع لهذا التواصل على المستوى العملي الممارساتي، وعدم قدرته على مجـاوزة السقف التأسيسي الذي وضعته “مدرسة فرانكفورت”وبالخصوص “هوركهايمر” و”أدورنو” كذلك، عجزه أن يقدم إيتـيقا أخلاقيات سلوكية تكون عنـوان علاقته مع الآخر ضمن نظريته التواصلية.

ولقد تأثرت “سيلا بن حبيب” ب”كارل أوتو آبل”فى ترسيخ تلك الافتراضات الرئيسية حول الدعوة إلى أخلاق عالمية/ كونية، تسير وفقها الدول الرأسمالية الصناعية الكبرى، بدل تلك النزعة الأخلاقية النسبية/ الجهوية التي تعتمد على ما يسميه “آبل” بحجج العقل الموضوعي التى تقتضي قدرا من الالتزام بالموضوعية الا انها قد تقع فى الذاتية نتيجة النزعة البراجماتية التي تتحكم فيه بطريقة أو بأخرى؛ كما ان اطروحات المنظور الماركسي عبرت من داخل ” مدرسة فرانكفورت ” باعتبارها تقدم سجالا نقدية حول المنظور الليبرالي ورؤيتة القاصرة على المساواة بين الافراد فى اطار المجتمع التعددى فان المنظور الماركسي استفاد فى ذلك من خلال النظرية الموسومـة “أخلاقية/ إيتيقا النقاش” التي تهدف إلى “إرساء مبادئ وقيم ومعاييـر جديدة على أسس عقلية، فما يضمن الكلية والموضوعية للقرارات هو إخضاعـها إلى الجدل والنقاش، ويفيد النقاش معنى التبرير والتعليل والحجاج”. ففي الأطار الاجرئي لذلك  تسمح النظرية بإخضاع كل المبادئ وكل الاختيارات إلى التحليل والتقييم قصد التأييد أو التفنيد حسب شروط الحجج الرئيسية العقلانية في ظروف نقاش جدي بين الأطراف المعنية.

فنظريتها السجالية/ الحجـاجية التي تصر على وجوب تطبيقـها للوصول إلى حلول للمشاكـل والخلافات الإنسانية قد استقتها من “نظريـة كارل أوتو آبـل”.

كما تطرح الماركسية فى نظريتها الحكم على الغايات الفردية من خلال دحض الاطر الفكرية الخاطئة  والحكم بين الافراد والاقليات وربطها بالتطرق إلى المبادئ السياسية الصحيحة التي تضمن هذا التعدد كضرورة حفاظ المرء على جميع الحقوق والدفاع عنها وقد شبهت هذا الفعل بالكفاح من أجل الحرية([50]).

والمفكرة  “حنه أرندت ” دعت فى اطار النظرية الماركسية الى وضع حجه رئيسية تقضي إلى فكر تعددي من أجل تأسيس دولة الحق التي تدعو إليها، ، كما تجدر الإشارة أيضا أنّها ممن تبنى فكرة إنشاء دولة عالمية رفقة هابرماس، ولكن باستراتيجيات مغايرة له في بعض النواحي.

ووفقا لرواد الجيل الثاللث فان ” أكسل هونيث” وبالخصوص في فكرته الأساسية جعل من افتراضاته الرئيسية المتعلق بالتعددية الثقافية محورا مفاهيميا يستند على ” مفهوم الاعتراف” الذي يعد “المحور الأساسي في فلسفته الاجتماعية والأخلاقية التي استهدفت تأسيس مقاربة جديدة داخل التيار الفكري لمدرسة فرانكفورت” لأنّ سياسية الاعتراف تكتسي أهمية كبيرة. حيث انه يري إنه بسب كون الناس يأتون من خلفية ثقافة ما فان هناك حاجه الى  الاعتراف بأن الثقافة الخاصة ووجهة النظر تتأثران دوما بوجه نظر أخلاقية. فهي أفضل استراتيجية طرحتها الماركسية في مواجهة الظلم والتمييز، بالإضافة إلى سياسة إعادة التوزيع على جميع المستويات التي تضمن تطبيق سياسة الاعتراف القائمة أساسا على إعـادة بناء شبكة العلاقـات الاجتماعية، قصد التخفيف من المعاناة والظلم الاجتماعي والسيـاسي واللامساواة بين الناس وكل أشكال الاحتقار والازدراء والأمراض الاجتماعية، وبالتالي تحقيق قيم العدالة وحقوق الإنسان والحرية في إطار الاعتراف المتبادل بين جميع الأفراد وجميع الثقافات المتباينة ([51]).

* نظرية ” ويل كيملكا ” من داخل ” نظرية التعددية الثقافية ” والافتراضات الرئيسية والحجج المضادة : كما تم تناول الاطار الفكري للمفكر ” كيملكا ” فى سياق النظرية والفكر فان رؤية ” كيملكا” حول نظرية التعددية تتناول الممارسات الحالية للحقوق الجماعية التى نشأت فى فراغ نظري دونما فهم واضح لأهدافها البعيدة المدى والمبادئ لأساسية حيث تم اعتماد حقوق الاقلية عمليا من زاوية كونها تسويات خاصة او مؤقته لمشاكل معينة وغالبا مايكون ذلك لدواعي الاستقرار لا العدالة ودون ايلاء كبير اهتمامها باتساقها او عدم اتساقها مع اسس المنظور الليبرالي والماركسي والتعددي وبالتالى فان انتهاج تلك الحقوق من قبيل السياسات التقديرية بدلا من النظر اليها على انها التزامات وحقوق اساسية لذلك وممارسات الدول الليبرالية تحديدا وذلك بتطوير نظرية تساعد على فهم وتقييم ممارسات بناء الولة وحقوق الاقلية فى عالم الواقع.

بناء على ذلك يتبنى ” كيملكا ” ” مفهوم العدالة الاثنية الثقافية” ويتم تعريفها بأنها غياب علاقات الاضطهاد والاذلال مابين مختلف الجماعات الاثنية الثقافية؛ حيث يتحقق التكامل مابين انصاف شتي الجماعات الثقافية عن طريق ” الاعتراف بحقوق الاقلية” من ناحية والعمل على حماية الحقوق الفردية ضمن لمجتمع السياسي لكل من الاكثرية والاقلية عن طريق حقوق الانسان التقليدية من ناحية اخري. ويعنى ذلك التعامل مع الافراد والجماعات الثقافية على اساس الحرية والمساواة فيحظي كل فرد بالحقوق والحريات التى يحوزها اقرانه وفى الوقت نفسه تنال الجماعة حقوقها الجماعية وذلك تعويضا لها عما لحق بها من حرمان وضلم ثقافي بفعل سيطرة الاكثرية على مؤسسات الدولة ومحاولتها ” بناء الدولة – الامة ” لتقوم مقامها ” وضعية المواطنة المتعددة الثقافات” ثم يعمل ” كيملكا “ على جعل المنظور الثقافي عن العدالة قائما على مبدأين رئيسيين : الحرية الثقافية والمساواة الثقافية وقد عمد الى معالجتهما على النحو التالى :

– الحرية الثقافية : يشير ” كيملكا ” الى اعتبار الحرية تشمل تبنى الخيارات من بين مختلف الخيارات المتاحة واستدعاء حرية الاختيار ان يكون الفرد قادرا على اتخاذ قرار بشأن اختيار الكيفية التى يريد بموجبها استمرار حياته وان يكون بمقدور الفرد تغيير اختياراته وتعديلها اى بعبارة اخري اقتناع الفرد بكون اختياراته غير معصومة من الخطأ وبالتالى ” قابله للتعديل” وتبعا لذلك تدور عملية الاختيار وامكانية التغيير داخل نطاق الثقافة المجتمعية بذاتها حيث يتبنى الافراد خياراتهم بخصوص الانشطة والممارسات الاجتماعية التى تحيطهم بالاعتماد على معتقداتهم ذات العلاقة بقيمة تلك الممارسات واهميتها بالنسبة اليهم بغية تحقيق التوازن بين حقوق الفرد وحقوق الجماعة من الناحية العملية  كما يشير ” كيملكا ” الى امكانية تقيييد حقوق وحريات الاكثرية المهيمنة لصالح  الأقليات الثقافية من خلال الاعتراف بأهمية موروثهم الثقافي وشرعية مطالبهم بحماية ثقافتهم من خطر التلاشي والزوال حيث ينبغي ان تحمل ” الاقلية مسؤولية احترام حقوق أعضائها الانسانية وفى الحين ذاته تحمل الاكثرية مسؤولية  احترام حقوق الاقلية.

– المساواة الثقافية : يري ” كيملكا ” ان مايتجاهله انصار الليبرالية الفردية هو كون ” الاقليات الثقافية” غالبا ماتكون ضعيفة فى مواجهة الضغوط الاقتصادية والسياسية والثقافية التى يمارسها المجتمع الاكبر وبالتالى فان قابلية ابقاء والتطور لدى هذه الاقليات قد تتقوض بفعل القرارات الاقتصادية والسياسية التى تتخذها الاكثرية المهيمنة فان حوق الاقلية كحق المطالبة بالارض وصلاحية النقض وحق استخدام اللغة الام والتمثيل السياسي المضمون يمكن ان تساعد جميعا على معالجة ذلك الضرر والحرمان عن طريق تجنيبها للاقلات الثقافية من الوقوع فى حال من الضعف والاستسلام لقرارات وسياسات دولة الاكثرية المهيمنة ومن ثم فان المساواة الحقيقية لا تقتضي المعاملة المتطابقة وانما تستدعي المعاملة المتباينة بغية اشباع الحاجات المتمايزة للاقليات من حاجات الاكثرية ومن ثم تقتضي المساواة الثقافية ان تحوز الاقلية نفس ماتحوزه الاكثرية من سلطة وموارد حتى تتمتع كلتاهما بقابلية البقاء والتطور الثقافي عينها داخل اقليم الدولة المتعددة الثقافات([52]).

وبالتالى فان الافتراض الرئيسي والحجه المضادة التى يقوم عليها ” كيملكا ” تم اختزالها فى اطار المنظور الليبرالي عن العدالة بناء على فكرة الجمع بين الاستقلال الذاتي والثقافة بحيث يعتبر الاخيرة بمثابة القاعدة التى يرتكز عليها الاستقلال الذاتى للفرد ولكن كيف يوفق ” كيملكا” بينهما او كيف يكون فى الامكان جعل الثقافة اساسا لاستقلالية الفرد وحرياته ضمن اطار ” النظرية الليبرالية ” فى العدالة ؟ ويسعي “كيملكا” للاجابة من خلال اتجاهين ؛ الاول : الانتماء الثقافي يحظي بمكانه مهمه واكثر مما هو متصور ظاهريا فى الفكر الليبرالي.

ثانيا : ان اعضاء الجماعات الثقافية التى توصف بالاقليات يواجهون اشكالا معينة من الحرمان ذي الصلة بفائدة الانتماء الثقافي ذاته بحيث تتطلب معالجة اشكال الحرمان وتبريرها فى ان واحد ووجود لحقوق الاقلية.

كما يقوم الافتراض الرئيسي حول اهمية ” الانتماء الثقافي” ” فينظر ” كيملكا ” الى بنى البشر من زاوية كونهم ” مخلوقات ثقافية” وذلك لسببين رئيسيين ” الاول “ ان الثقافة تعمل على تعيين نطاق وبناء عالمهم فتساعدهم بذلك على اتخاذ القرارات الصائبة بخصوص ماهو قيم بالنسبة اليهم فى حياتهم. فتقدم لهم الخيارات الهادفة وترشد قراراتهم ذات الصلة بكيفية  عيش حياتهم وتوفر للافراد ارضية امنه وضرورية لتطوير قدرتهم على الاختيار وبذلك تشكل الثقافة بيئة لامفر منها لممارسة الفرد حريته واستقلاله الذاتي؛ اما الثاني فهو ان الثقافة تهب الافراد حس الهوية فهي توفر لهم مصدرا غير مشروط وشامل للانتماء والارتباط ببعضهم البعض اذ انها تسهل امكانية التفاهم المتبادل وتعزيز التضامن الاجتماعي والثقة فى مابينهم.

– الحرمان الثقافي : يذهب “كيملكا” الى ان العمل بحيادية الدولة يخل فعليا بذلك التوازن الذي يراد تحقيقه مابين الجماعة المهيمنة ثقافيا والجماعات الخاضعة لها حيث تعمل هذه الحيادية على استمرارية اللاتوازن بينهمها لانها تقوم غمليا بضمان حيازة الجماعات الخاضعة لعدد محدود من الخيارات فى سباق تفاعلها المتبادل مع الجماعة المهيمنة وكيفية مجابهة ماتتمتع بها الاخيرة من سيطرة وتفوق ؛ وقد تم بيان ماهية تلك الخيارات المتجسدة فى التهميش الدائم او الاندماج التام او الاحتفاظ بالخصوصية الثقافية ونيل حقوق الاستقلال الذاتي. وبذلك تصبح حيادية الدولة مجرد اليه بيد الجماعة المهيمنة لحماية ثقافتها والتعزيز من شأنها على حساب الجماعات الاخري. ومن جهه اخري فان فشل مؤسسات الدولة فى الاعتراف بثقافة وهوية جماعة ما وعدم احترامها. مما سيقود الى نتيجة متمثلة فى الاضرار البالغ باحترام الجماعة لذاتها وشعورها بالانتماء. وبالتالى لاتغدو الحقوق الجماعية بمثابة امتيازات غير عادلة او انها شكل من اشكال التمييز العرقي تجاه الجماعة المهيمنة بل من الممكن رؤية الحقوق الجماعية من زاوية انها تعويض ع ن الحرمان الجائر الذي لحق بالاقليات وان هذا لاينسجم وحسب مع العدالة بل انه ضرورى لتحقيقها([53]).

– مشروع بناء الدولة فى ظل ” المفهوم التعددي الثقافي ” : يستثنى ” كيملكا “ من مشروعه تلك الجماعات غير المتمعته بالهوية الثقافية وتبعا لذلك يستخدم ” مفهوم التعددية الثقافية “ باعتباره مفهوما جامعا يشمل بين ثناياه مجموعة كبيرة من السياسات المعنية بتوفير مستوى معين من الاعتراف الرسمي والدعم للجماعات الاثنية الثقافية غير المهيمنة سواء كانت تلك الجماعات من المهارين او الاقليات القومية والسكان الاصليين بناء على ذلك يمكن معالجة الاطروحات ذات الصلة فى الاطار التالى : 1- كيفية بناء الدولة وتحقيق الاندماج:  يبنى ” كيملكا ” افتراضه النظري على اساس ان التنوع الثقافي له شكلين رئيسيين فى المجتمعات الغربية :الاول :  ” التنوع القومي ” و ” التنوع الاثني “ . اما الثاني : يتمثل فى المجتمعات الناشئة بفعل الهجرة الدولية حيث تفضي الى نشوء جماعات اثنية عده تعيش على شكل تجمعات سكانية منعزلة؛ وبالتالى يمكن تحقيق الاندماج عن غير طريق سياسات بناء الامة وهذا الشكل من الاندماج يمكن له ان يتحقق فى ظل توفر شرطين: الشرط الاول : هو قبول الأقلية بالتكيف مع خصائص معينة تتسم بها الثقافة المهيمنة ى المجتمع؛ مثل تعلم اللغة الرسمية والمشاركة فى مؤسسات عامة معينة. والشرط الثاني هو قبول الاكثرية بفكرة توسيع كامل نطاق الحقوق والفرص الممنوحة للاقلية وذلك بالعيش والعمل على نحو تعاوني مع اعضاء الاقلية وتهيئة مؤسسات الثقافة السائدة كلما اقتضت الضرورة وذلك لاجل استيعاب الحاجات والهوية المميزة للاقلية ومن ناحية اخري وهو مايعنى التركيز على الاندماج المؤسساتى تحديدا دون شمول العادات والتقاليد والدين بحيث يتم الاندماج فى مؤسسات مشتركة تعمل على اساس لغة مشتركة وتتيح مجالا واسعا للتعبير عن التباينات الفردية والجماعية على الصعيدين العام والخاص كذلك السماح للاقليات القومية دون غيرها بالانخراط فى عمليات بناء امم خاصة بها من اجل تمكينها من الحفاظ على ذواتها باعتبارها ثقافات مجتمعية مميزة([54]).

وعلى هذا الاساس يتضح ان ” التعددية الثقافية” تعبر عن الكيفية التى ينبغي بموجبها بناء التضامن السياسي والاجتماعي فى مجتمع متنوع ثقافيا بحيث يتم فيه احترام مكونات التنوع والتكيف معها ومن ثم فان الواجب المطلى على الدولة يتجسد فى الاعتراف بالتنوع الاثني الثقافي المتزايد والتكيف معه لا ممارسة الاكراه تجاه الاقليات الثقافية بعينها.

كما تقوم أطروحة ” كيملكا ” حول اليات مشروع بناء الدولة المتعددة الثقافات من خلال معالجة ازمات الدولة – الامة على اليتين رئيسيتين : الاولى : هى سياسة التعددية الثقافية ؛ الثانية : الفدرالية المتعددة القوميات.

  • سياسة التعددية الثقافية : تعنى هذه السياسة بثلاثة انواع من الاقليات : المهاجرون ؛ السكان الاصليون؛ الاقليات القومية.
  • الفدرالية المتعددة القوميات : يعد هذا النوع من الفدرالية لدي اتباع هذا الاتجاه الالية الوحيدة التى بامكانها الاعتراف بمطالب الاقليات فى الاستقلال الذاتي فحينما تتمركز الاقليات القومية اقليميا ويمكن رسم حدود الوحدات الفرعية على النحو الذي تشكل فيه الاقلية القومية اكثرية فى احدي تلك الوحدات الفرعية وبالتالى توفر الفدرالية استقلالا ذاتيا موسعا للاقلية القومية اذ تتضمن القدرة على صنع القرارات دون ان تتمكن اكثرية مهيمنة من تحقيق الغلبة العددية وعليه تتوزع الوحدات الفرعية للفدرالية المتعددة القوميات على 3 اصناف:

الوحدات ذات الاساس القومي: وهى الوحدات الفرعية التى تجسد رغبة الاقليات القومية فى المحافظة على ذاتها باعتبارها مجتمعات متميزة ثقافيا ومتمتعة بالاستقلال الذاتي سياسيا ومهما تكن الطريقة التى ترسم بها الحدود الداخلية للدولة فان هناك اعضاء من الاقلية القومية يعيشون خارج نطاق الوحدة الفرعية وهى الاساس القومي.

– الوحدات ذات الاساس الاقليمي : وهى الوحدات الاخري التى تتكون منها الدولة وتمثل جماعة الاكثرية المهيمنة بحيث يتم فيها نشر وتوزيع السلطات استنادا الى الاساس الاقليمي.

– الوحدات العاملة خارج النظام الفدرالى : وهى وحدات فرعية ذات اساس قومي لكنها تعمل خارج نطاق النظام الفدرالى فنظرا الى استحالة تشكل اقلية صغيرة الحجم الاكثرية فى احدي الوحدات الفرعية التى تهيمن عليها قومية اخري فان بمقدور مثل هذه الاقليات القومية الصغيرة الحجم ان تنال الاستقلال الذاتي وذلك عبر منحها مكانة سياسية خاصة ليست بفدرالية او شبه فدرالية بحيث تتخذ صيغة الكومنولث او الفيدراسية او المحميات كى تكون بذلك غير خاضعة لهيمنة اية وحدة فرعية وترتبط مباشرة بمركز النظام الفيدرالى([55]).

وهذا النمط الذي قامت على اساسة النظرية الماركسية السوفيتية فى جانبها التطبيقي ولعل الاتحاد السوفييتي كان اقرب لمنح الاقليات القومية فى داخله والسكان الاصليين الى الاستقلال الذاتي فى نطاق الدولة الواحدة.

وبالتالى يمكن استنتاج اهم الافتراضات والمقولات الرئيسية والاتجاهات الرئيسية  “لاشكالية التعددية الثقافية” فى الاطار النظري والفكري كما يلي :

لقد أثارت إشكالية التعددية الثقافية أو تنوع الثقافات اهتمام العديد من المفكرين والباحثين من مختلف المجالات والتخصصات، كعلم السياسية والانثروبولوجيا وعلم الاجتماع، بل حتى النقد الثقافي، بين مراوح لإيجابية هذه الظاهرة في المجتمع والعملية السياسية، وبين مراوح لسلبيتها وتأزيمها الأوضاع الإجتماعية. فهنالك كثير من الدلالات لمفهوم التعددية الثقافية: فمن منظور الأنثروبولوجيا يعني، ذلك الاختلاف النمطي في طريقة العيش بين الجماعات الإنسانية، أما مع علم السياسة، فيعطي المفهوم طبيعة أخرى، يحصرها في تلك الفروق التي تميز بعض الجماعات التي تفصلها حدود أماكن جغرافية معينة، وهي أيضا، من المنظور نفسه، “نتاج عقد اجتماعي بين مختلف مستويات الدولة والمجتمع”.في حين يستند علماء الاجتماع في تعريفهم “للتعددية الثقافية” على تلك الرغبة التي تعتري الجماعات للحفاظ على أوجه تماثلها فيما بينها، واختلافها عن جماعات أخرى، بحجة أنّ الانتماء إلى جماعة متماثلة القيم والعادات هو مصدر شعور الفرد بالاعتزاز والانتماء. أمّا النقد الثقافي، فيربط بين التعددية الثقافية والحداثة، خصوصا في تجاوزها للحدود الزمنية والمكانية، لأنّ التعددية الثقافية لا تكون إلا بتجاوز هذين الحدّين، فالثقافات المتعددة لا زمان محدد لها، ولا مكان([56]).

وبالنظر الى المنظورات الليبرالية والماركسية والتعددية فان طريق دحض بعض المسلمات التي تتبناها الكثير من المجتمعات والشعوب، بل وحتى الباحثين والمفكرين السياسيين، وهذه المنطلقات المعرفية والايبستيمولوجية الخاطئة، تتلخص حول محاولة إيجاد حلول فعالة لهذه القضية المعقدة بين السياسة والثقافة من خلال تبنى رؤية تنظيرية ومفاهيمية لفهم  1- “الثقافات العالمية المختلفة هي كيانات وأبنية مستقلة قابلة للتحديد والتنميط” بجانب 2- بحث الرؤية النظرية حول الثقافات التى تتوافق بشكل كلي مع الجماعات السكانية، فمن الممكن أن نصل إلى توصيف لا خلاف عليه لجماعة سكانية من خلال ثقافتها الخاصة.3- إنه على الرغم من عدم توافق الجماعات السكانية مع الثقافات توافقا تاما، وعلى الرغم كذلك، من اجتماع أكثر من ثقافة داخل الجماعة الإنسانية الواحدة، أو امتلاك أكثر من جماعة سكانية واحدة السمات الثقافية نفسها مع جماعات سكانية أخرى، فإن هذه القضايا العديدة لا يمكن أن تمثل مشكلات ذات أهمية تذكر بالنسبة للسياسات العالمية أو السياسة الوطنيـة.

بجانب استناد المنظورين على بحث الافتراض الرئيسي حول دحض هذه المسلمات إلى توظيف نمط جديد في النظرية السياسية يميل بدرجة كبيرة إلى النأي عن السياسة العنصرية التي تفضل ثقافة معينة على حساب ثقافة أخرى، من خلال نفي لفكرة الحدود الثقافية التي كانت متجذّرة في الفكر السياسي الغربي، والتأكيد على ضرورة عدم “النظر إلى الثقافات، كشكل متميز وبمعزل غيرها من الثقافات وبعضها البعض، فالجماعات والأفراد في أية ثقافة هم من يؤلفون معانيها وممارستها والاختلافات الثقافية لا تقوض الديمقراطية، والنظر الى العقلانية باعتبرها الطريقة الأمثل لفهم المتغيرات التي تحدث داخل المجتمعات الثقافية والتفاوض حول هذه الاختلافات يتم إنجازه عبر عملية استبدال قادر على الإصغاء لخبرات الآخرين.

من ناحية أخرى التاكيد على التفريق بين الممارسين للثقافة وبين الباحثين فيها، فالممارسون للثقافة على عكس الدارسين لها، تسيرهم التقاليد والقصص والطقوس والرموز وظروف المعيشة. فالثقافة تكون أشكالا قابلة للتحول المستمر عند مستعملها، ومنه يتوجب على الباحث فيها ألا يعتبرها أبنية يمكن ضبطها بدقة عن طريق منهج معياري معين، لأنّ الثقافة تملك طبيعة دينامية متحولة، لا ستاتيكية ثابتة، فمهما حاول الباحث أن يصل إلى توصيف دقيق لثقافة جماعة معينة، لا يمكن أن يفلح إلى درجة مطلقة. ووفقا للاطار الفكري فان الباحث الذي يسعى إلى فهم ثقافة جماعة معينة أن يكون ملمّا بعناصرها الأساسية وكيفية تشكل وتبلور هذه الثقافة.

أما فيما يتعلق بنسبة اختلاف الثقافات وتشابهها بين الجماعات فان الاشكالية الرئيسية فى اطار التعددية  تعد مشكلة سياسية بين الدول بصفة عامة وداخل الدولة الواحدة بصفة خاصة وهو مارفضته المنظورات الفكرية من داخل الليبرالية والماركسية والتاكيد على بعض الاطر التصحيحية والعلاجية  لهذه الإشكالية وهي تتمثل في ضرورة الالتزام “بالديمقراطية التشاورية (Deliberative Democracy)” من خلال إدماج جميع الثقافات الإنسانية المتنوعة والفئات البشرية (رجل، امرأة) في العملية السياسية”وكذلك عن طريق ردم الهوة الموجودة بين النظرية والممارسة في الثقافة السياسية والسياسة الثقافية على حد سواءعن طريق التخفيف من حدّة الخلافات، عبر شبكة تواصلية ترتكز على أخلاقيات التواصل الحجاجي المعتمد على الفلسفة، والذي يروي إقناع الآخر بالحجة والتأقلم معه في ظل الاختلاف القائم دون أي تعصب أو مبالغة من وتيرة الخلاف كإطار وفضاء فعال يجب أن يحتوي هذه النقاشات والتفاعلات الثقافية التي من شأنها المساهمة في تطوير النظرية النقدية، واقتراح الاستفادة من خلال “الاستراتجيات التي قدمها كـل من: (كارل أتو آبل) و(يورغن هابرماس) في أخلاقيـات النقاش الحجاجي داخل المجتمـع ([57]).

ووفقا للمنظور الاجتماعي الذي تم فرضه فى اطار المدرسة الليبرالية فانه اقام اطروحاته باعتباره اتجاها اجتماعيا وضمن نطاق الاتجاه كلا من ” تشارلز تايلور ” و ” ايمانويل رينو” واللذين اكدا البعد الاجتماعي لسياسة الاعتراف سواء فى تفسير انبعاث ظاهرة الهويات او فى تبيان كيفية تلبية المطالب من قبل الدولة – الامة.

ويري ” تايلور” ان سياسة الاعتراف تعنى الاقرار بالتباينات مابين الجماعات وخصوصيات كل منها بصورة رسمية وذلك لان من الضرورى الاعتراف بالعوية المميزة لهذا الفرد او تلك الجماعة حتى يتم بذلك تمييزها من هوية فرد اخر او جماعة اخري. ” فالقضية الجوهرية ” تتجسد فى التمايز والخصوصية باعتباره امرا قد تم تجاهله واخفاؤه ومن ثم السعي من اجل استيعابه بواسطة ” الهوية المهيمنة” او ” هوية الاكثرية” ومن ثم يغدو بروز النزعة القومية والاثنية لدي الاقليات امرا لايمكن الحؤول دون قيامه اذا واجهت الجماعة المتمركزة اقليميا مايمكن ان تفهمه على انه هيمنة او اضطهاد ممارس اجاهها من قبل جماعة اخري .وبالتالى نجمت لدي الاقليات الحاجة الى الاعتراف بخصوصياتها وتباينها فى مابينها من جهه وبينها وبين الاكثرية المهيمنة ثقافيا من جهه اخري.

وبجانب ذلك تأكيد ” تايلور “ وجود صلة رابطة بين الهوية والاعتراف وتتمثل تلك الصلة فى الخاصية التى يتسم بها نمط حياة الانسان بعينه وهى ” الخاصية التحاورية” اذ بموجبها تكون الكائنات البشرية قادرين على ادراك ذواتهم وبالتالى يغدو بمقدورهم تحديد الهوية مع التاكل بما تعنيه الهوية وانها تعنى ماهو الانتساب اليه ومن ثم ادراك الهوية كموضوعا للحوار مع الاخرين وبالتالى اعتماد الهوية الى حد كبير على العلاقات التحاورية مع الاخرين.

اما ” التفسير السلطوي “ فقد استند على دعم اطروحاته كلا من ” جورج بوردو” و ” مايكل هيكتر ” و ” مارغريت ليفي ” وتندرج اهمية السلطة والامتيازات المترتبة على نيلها فى تعميق حدة التنوع والتباين داخل الدولة بالشكل الذي يفضي الى تبلور نزعة اقطاعية جديدة فيها.

ويري ” بوردو” ان الحياة السياسية كانت دائما تتحرك بفعل الخصومات بين السلطة القائمة ومختلف انواع القوى التى تحاول اما الحلول محلها واما اخضاعها لمتطلباتها ولكن ماتتسم به “الدولة التعددية ” هو ان مثل هذه المطالب تعتبر شرعية؛ وتبعا لهذا المنظور يؤكد ” بوردو ” بروز نزعة اقطاعية جديدة داخل الدولة وانطلاقا من ذلك يسعي الافراد الى تقديم المساعده لها مباشرة وذلك لتامين المستقبل فى حال تقصير الدولة هذا الدور.

وفى هذا الاتجاه يعنى ان الهويات الثقافية تنبعث من داخل الدولة التعددية لان الدولة تعترف اصلا بشرعية مطالبها وكذلك بسبب قصور الدولة عينها فى توفير الامن والنظام الداخلي مما يضطر الافراد الى البحث عن مصادر بديلة توفر الشعور بالامن والاستقرار.

وضمن ” التفسير العولمي ” يتم ايلاء التركيز على عاملى الهجرة الدولية و تقنيات الاتصال وتأثيرها فى صحوة الهويات واحتفاظها بروابطها الثقافية ومن ابرز رواد هذا الاتجاه ” اغنر فوغ” صاحب ” نظرية الانتخاب الثقافي” وابتداء لابد من معرفة ان الهجرة الدولية تعنى هجرة الجماعات الاجتماعية من العالم الثالث خاصة نحو الدول الغربية المتقدمة بحثا عن فرص حياة افضل وتعود اسبابها الى الهوة الكبيرة مابين الطرفين من حيث الاستقرار والتقدم الاقتصادي فضلا على الجانب الديموجرافي اذ يزداد معدل النمو السكانى بصورة كبيرة فى العالم الثالث وذلك فى مقابل الانخفاض الحاد فى معدل نمو سكان الدول الغربية مما يجعلها فى حاجه ماسه ومستمرة الى الايدي العاملة لموازنة التخلخل الديموجرافي([58]).

وتجدر الاشارة فى هذه الافتراضات الرئيسية التأكيد على ان ” فكرة حيادية الدولة ثقافيا” يست سوى اسطورة كما عبر عنها ” كيملكا” لان الديمقراطيات الليبرالية كافه سعت جاهده منذ بداية نشأتها الى نشر وتعزيز ثقافة مجتمعية واحدة داخل بلدانها وفى كلا مجالى الحياة العام منها والخاص مثل المدارس والاعلام والقانون والاقتصاد والحكومة وسوي ذلك بحيث ان عمليات بناء هذه الدول قامت على اساس ادماج المواطنين فى ثقافة الاكثرية المهيمنة من خلال جعل فرص حياتهم مرتبطة بالمشاركة فى مؤسسات الدولة واعتماد لغة الاكثرية ويصدق على ذلك كافة الدول الغربية التى تزعم انها نموذج تطبيقي للدولة الحيادية([59]).

 

رابعا: النتائج والاستخلاصات المترتبة على علاقة “الدولة بالمجتمع المتنوع ثقافيا” تحليليا وعمليا فى سياق المنظور الليبرالي والماركسي :

إنّ هذا التضخيم السياسي الذي مارسته بعض الدول الكبرى لإشكالية التعددية الثقافية تحت غطاء أوسع أسمته “صراع أو صدام الحضارات” وهذا الإخفاء المتعمد للدور الفعال والإيجابي للحجاج والمحاججة في درء الخلاف بين الثقافات والسياسات، كان من ورائه استعمال هذه الاشكالية لأغراض برغماتية على عدة أصعدة سياسية واقتصادية وحتى ثقافية واجتماعية، ولعل حادثة 11 سبتمبر كانت حجة لتنشيط وتفعيـل هذه الفكـرة. وماتطرقت له ” سيلا بن حبيب ” إلى ما يسميه “صامويل هنتنجتون” Samuel P. Huntington  صراعا للحضارات، هذا الصراع الذي لن يكون أيديولوجيا أو اقتصاديا وإنّما سيكون الانقسام الكبير بين البشر سببه ومصدره الغالب ثقافيالأن ما يسمى ثقافة عالمية، من منظور “هنتنجتون” ما هي إلا ثقافة الدول الكبرى التي تحاول جاهدة تصديرها إلى الدول الأخرى، إيهاما لها بأنها ثقافة عالمية وعصرية يجب الأخذ بها والاستغناء عن الثقافة المحلية التي تراها الدول السياسية الكبرى ما هي إلا ثقافات لا قيمة لها.

ففي اعطاء الوجه المقارن حول المنظور الليبرالي فى صورته الحداثية ومابعد الحداثية والمنظور الماركسي مابعد النقدي  فنجد ” صامويل هنتنجتون “و”سيلا بن حبيب” مختلفين إلى حد معين، فصامويل هنتنجتون في إصراره على وجود صراع بين الحضارات المتكونة أساسا من عدة كيانات ثقافية، حسب وجهة نظره، يقع في إحدى المسلمات الخاطئة التي تحدثت عنها سيلا بن حبيب وحذرت من عواقب التسليم بها، هذه المسلمة القائلة بإمكانية تحديد الثقافات وضبطها بطريقة آلية، وفي حدود دقيقة. لكنه، من ناحية ثانية نجده يشترك مع “سيلا” في أن التعدد الثقافي النسبي حسب وجهة نظرها يمكن أن يؤدي إلى أضرار، في حالة ما إذا تم توظيفه بطريقة سلبية أو لأغراض نفعية.

حيث ان الاستنتاج النظري حول ” إشكالية التعددية الثقافية” وما تطرحه من إشكاليات جزئية وثانوية على الصعيدين الاجتماعي والسياسي، للوهلة الأولى، بهيئة ثورة دفاع عن الحق والعدل والمساواة بين الثقافات المتنوعة فالقراءة الدقيقة الفاحصة كشفت عن بعدا أو هدفا أخر يرمي الى الحديث والدفاع عن الثقافات بصفة عامة وفي اختلافها بصفة خاصة، إلى التخلص من تبعات الثقافة التقليدية التي تتأسس معالمها على التفريق، والتمييز بين الأجناس البشرية، والهدف إلى تعزيز وإقامة للثقافة السياسية الجديدة، التي لا تقيم للنوع الثقافي ولثقافة الجنسين أي اعتبار يمكن أن يؤدي بالضرورة إلى صراع حتمي.

وتؤكد كتابات مفكري الليبرالية بأن  التعددية الثقافية هي عملية نقدية شاملة للسياسيات الشمولية والقومية العنصرية، ولهذا نجدها تحث الأقليات بضرورة المطالبة بها في إطار مناقشات أخلاقية يسودها التسامح، لكنها في الوقت ذاته تحذر من تناسي هذه الحقوق، الذي يؤدي بهذه الأقليات إلى ثلاث نتائج وخيمةلا مفر منها، وهي:

  1. قبول الاندماج وبالتالي الانصهار في ثقافة الأكثرية، لكنها في الوقت نفسه وفي المقابل قد تطرح مسألة التحاور والنقاش مع الآخر حول شروط الاندماج الثقافي وحدوده.
  2. 2. السعي من أجل إيجاد أنواع أخرى من الحقوق والسلطات ذات الصلة بالاستقلال الذاتي ابتغاء الحفاظ على الثقافة المجتمعية لتلك الأقلية، مثل إنشاء مؤسسات تعليمية وثقافية واقتصادية بل وحتى سياسية وفقا للغتها الخاصة داخل الحدود المسموح بها من قبل السلطات المعنية، ووفق هذا الخيار يعني أن الأقليات، ستنخرط في عملية بناء أمة خاصة بها، وتكون في حال من المنافسة مع عملية بناء الأمة التي تعتمدها الأكثرية السياسية المهيمنة على عدة مجالات.
  3. 3. أما الخيار الثالث، وهو الأسوأ، فهو القبول بالتهميش الدائم.

تنتقل الأقليات الثقافية لهذه الخيارات في حالة ما إذا واجهتم أنظمة شمولية لا تعترف بالتجزئة ولا الدولة غير القومية كون الكثير من الدول العالمية، خصوصا ذات الاتجاه الأيديولوجي الجمهوري، تواجه هذه الأقليات بعنف وقوة مبالغ فيهما، لزعم هذه الدول أنّ الأقليات هي مصدر تفكيك للدولة القومية، هنا، وفي هذه الحالة تتواجه التعددية الثقافية مع الإيديولوجية التي لا تتسامح في تعاطيها مع القضايا الحساسة التي تكون في غير مسار أيديولوجيتها الثابتة وتعاطي الأيديولوجية الفاشية والنازية مع اليهود خير مثال يعبر عن الصدام القائم بين الدولة الأيديولوجية القومية والدولة العالمية أو ما يسميه “هابرماس “و”سيلا بن حبيب “”المواطنة العالمية”([60]).

تفكيك القوميات والدعوة إلى مواطنة عالمية:

شكلت القوميات الأوروبية نقطة مهمة في أطروحات “سيلا” كون هذه الإيديولوجية القومية كانت لا تعطي للآخرين؛ أي الذين لا ينتمون لها، الحقوق الكاملة، كالعدالة والمساواة والديمقراطية والمشاركة السياسية لإنهم يمثلون من منظور القوميات عنصرا سلبيا، يمكن في أي لحظة، وبأي وسيلة كانت، أن يفكك بنية أيّ أيديولوجية قومية كانت، إذا ما تم مساواته في الحقوق مع جميع المواطنين، وخصوصا السياسية، لهذا فان الاسئلة التى تم طرحها حول تلك الاشكالية مثل محورا لرؤية المفكرين فى المنظور الماركسي والليبرالي على السواء حول هل إعطاء الاقليات الثقافية والمقيمين الحقوق نفسها مع المواطنين يمكن أن يسهم في تفكيك الدولة القومية؟ وإلى أيّ مدى يختلف مشروع المواطنة العالمية مع مشروع القومية؟ وما هي الاستراتيجيات التي يمكن من خلالها الوصول إلى نموذج المواطنة العالمية؟

وقدمت اجابات لهذه الاسئلة الاستثارية من قبل المنظور الليبرالي والماركسي من خلال التركيز أولا على الظروف الاجتماعية – خصوصا الجوانب الدينية، التي يهابها القوميون لاعتبارات خاصة – التي تعيشها الاقليات والمهاجرون في بلدان إقامتهم، لأن هذه الظروف الصعبة هي، في الأساس، الباعث الحقيقي لإعادة إحياء مشروع المواطنة العالمية لدى “سيلا بن حبيب”ومن الناحية التاريخية، فأول من نادى بهذا المشروع، هم “الرواقيون “وإن لم تكن رؤيتهم تتضمن تأليف دولة عالمية بأي شكل رسمي، بقدر ما كان ذلك الحكم موجودا خلال ألف وخمسمائة سنة ق. م. فإنه اتخذ شكل الطموح إلى إمبراطورية رومانية كونية أو متجددة، لم يقم فيها الاعتبار لقضية المواطنة  كما كان هنالك اهتمام كبير لدى “كانط” بالكثير من الأبعاد العالمية الكونية ضمن “مشروعه في السلام الدائم والعالمي” والذي أنتج، نظريا لديه، القول “بمفهوم الإنسان العالمي، أو المواطن العالمي”، كما طور”هابرماس” أيضا في الفلسفة السياسية المعاصرة الكثير من المفاهيم لإعادة تشكيل “المواطنة العالمية “وفق الإرث الكانطي والرواقي([61]).

اما عن استنتاج التنظيري حول اشكالية التعددية “حقوق الأغلبية والاقلية” :

فلم يكن اهتمام النظرية السياسية فى الربط بين العلاقة بين الدولة والمجتمع مقصورا على الأقليات الثقافية والعرقية التي تعاني من الإقصاء في موطنها الأصلي، وإنما تجاوزت ذلك إلى الدعوة للحفاظ على حقوق الآخرين من الأجانب والمقيمين والمهاجرين، فقد ظلت تدعو إلى ضرورة تسهيل التجنيس في جميع البلدان العالمية، ، ويندرج الاهتمام الكبير بحقوق الآخرين في هذا المجال أو المشروع باعتبار ” المواطنة العالمية” التي يمثل الفرد فيها في الوقت نفسه مواطن العالم ومواطن دولته، والسلطات العالمية: هي الراعية لحقوق المواطنة عندما يقع الاعتداء عليها من طرف الدولة الوطنية، وقاعدتها القانونية أن الإنسان ليس فقط مواطنا داخل دولة ذات سيادة، بل هو مواطن عالمي، وموجود في العالم ويطلب من هذه الحكومة العالمية أن تصون كرامته إذا تعرض إلى أي اعتداء.ولقد اثارت تلك الاشكالية بلهجة عنيفة وحادة مهاجمة عدة دول أمريكية وأوروبية تفتعل المعوقات للأجانب المقيمين فيها وهو مااستدعى النقاش النظري والفكري حول حدة التوتر بين الدول الكبرى حول المبادئ والقوانين العالمية لحقوق الإنسان وخصوصا الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية للأجانب والمهاجرين والمهجّرين باعتبارهم اقليات فى مجتمع متعدد الثقافات([62]).

كما ان مشروع ” المواطنة العالمية” الذي طرح فى الاساس من داخل الفكر الماركسي النقدي هدف فى اساسه إلى تفكيك الدولة القومية والتى تتمثل في “التحول من منطق الهوية القومية والدولة الأمة التي رافقت نشوء الديمقراطيات إلى بعد عالمي”والذي تحكمه مجموعة من القوانين الدستورية لا يكون مبدأ القومية فيها بالضرورة، وإنما تتعدد القوميات وتتفاعل وفق مبادئ معيارية وأخلاقية شاملة لا يمكن أن تختزل في نص دستوري لدولة معينة، وبالتالى يجب إعادة النظر من جديد في قضية الانتماء السياسي لدى الأفراد، وإعادة النظر، أيضا، في “المفهوم التقليدي للمواطنة القومية ” من خلال تفكيكه داخليا والتحول منه إلى “مواطنة عالمية” كما سماها “هابرماس” فتكون هذه المواطنة العالمية مبنية على عدم التركيز على الحدود الجغرافية، فلكل فرد حقه المشروع في التنقل وفقا للاطار التنظيري الذي وضعه رواد المشروع.

على الرغم من هذه الدعوة إلى الاعتراف بحرية التنقل في كامل أرجاء العالم، إلا أننا لا نجدها تدعو إلى فتح الحدود بصورة كاملة لأن هذا حسبها قد يكون غير متطابق مع حق تقرير المصير لدى المجتمعات الديمقراطية، فقد يتحول بطريقة معينة إلى احتلال، وبالتالي يجب تفعيل إجراء قانوني أنسب، وهو تسهيل الإجراءات القانونية التي يكون لجميع الدول دخل كبير في كيفية تنظيرها وتجسيدها، لكن في ظل مراعاة الاختلافات الإثنية التي يجب أن تعتبر أساس العملية الديمقراطية.

كما ترتبط ” المواطنة العالمية” بحق التنقل في البلدان العالمية بل يتجاوز مطلبها هذا إلى أمور وقضايا أهم بكثير وهي ترتبط بالحقوق الاجتماعية والثقافية والدينية لهؤلاء الأجانب والمقيمين فهي تصرّ على الجانب الديني بطريقة كبيرة، كحق مشروع لهؤلاء المقيمين، فعلى المواطنين احترام ديانتهم وتقبلها، وكذلك احترامهم كأفراد عاديين جدا غير مختلفين عنهم في شيء سوى الدين، كما على الدولة إنشاء مؤسسات دينية إ بقدر مواز للمؤسسات الدينية للديانات الأخرى. واما عن “اشكالية الاندماج” ضمن المجتمع فان الإشكالية تكمن في عدم توحد قانون أو دستور للمجتمع في القوانين التي تؤطّر حقوق الإثنيات والأقليات وواجباتها السياسية تجاه الدولة التي يعيش بها الاقليات الثقافية  فهناك ولايات تضيق على المهاجرين عكس ولايات أخرى يكون لدى قاطنيها حريات أوسع وأكثر

واشكالية ربط مسألة حقوق الآخرين بقضايا أمنية وقومية، و إعطاء حقوق للأجانب مساوية لحقوق المواطنين ينتج من خلاله الفوضى والتشتت باعتبارها مسألة مهمة وواقعية وبالتالى فالمنظور الماركسي عبر عن رفضه لهذا السياق قى المنظور الليبرالي باعتباره يؤدى خللا، و يسعى إلى تفكيك أنظمة الدولة فمشاركة الاقليات حالة سلبية قد تكون مشاركة سياسية واجتماعية فاعلة فى اطار الليبرالية الديمقراطية([63]).

وعن علاقة التعدد الإثني والديني في الدولة الواحدة بالحروب الأهلية، فان الافتراض الرئيسي للماركسية واليبرالية ان هنالك تلازما وحيدا وتاما بين الطرفين. لأن التعدد يبقى، دائما أمرا طبيعيا يجب التأقلم معه، بل ترجع المسألة إلى”التفرقة التي حدثت في الفلسفة السياسية المعاصرة بين: ethnos “الإثني”وdemos “الديموس”في التعاملات السياسية للحكومات الأوروبية، فقد تمّ توظيف الإثني والديموس بطرائق مختلفة، وضمن أنماط متعددة، فنجد ما يسمى بالقوميات المدنية، مثل الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا أين ينتج “الديموس” (حكم الشعب) دون التناسب بشكل دقيق وكامل مع المجتمع القومي، من ناحية ثانية نجد، كمثال في ألمانيا واليابان أو في أقل التقديرات، إيطاليا، هذه البلدان التي تتكون من “قوميات إثنية”؛ أي هي قوميات يكون فيها بناء الدولة القومية خاضعا لتركيز واضح على مفهوم “الإثني” فالنموذج الأخير كان دائما مثار صراع، هناك على الدوام توترات بين النموذج الديموقراطي أو الجمهوري للديموس (حكم الشعب)، وبين نموذج القوميات الإثنية، وبالتالى المزاوجة بين الديمقراطية والقوميات الإثنية.

كما ان استعراض مفهوم “الديموقراطية والاختلاف” بطريقة مسهبة عن أهمية إعطاء الحقوق الضرورية للإثنيات المختلفة داخل مواطنها وخارجها لأن إعطاء حقوقهم يمنعهم من الشعور بالغربة التي من خلالها يتولد الشعور بعدم الانتماء، وحتى عدم الشعور بالكينونة، فيكون نتيجة هذا أعمال تخريبية قد تمتد إلى الحروب الأهلية والهجمات الإرهابية، لهذا لا يجب دائما اعتبار الأغلبية على حق واعتبار الأقليات أقل شأن في القرارات السياسية.  وبالتاليفان طرح مفاهيم عالمية لادماج واحتواء الأيديولوجيات والقوميات، فبعد الحرب العالمية، عندما طُرحتْ أسسٌ لبناء نظام دوليٍّ جديد، ظهرتْ مقاربةٌ جديدةٌ تقومُ على استبدال الحقوق الإنسانيةِ الشاملةِ بالحقوق الخاصة بالأقليات العرقية والدينية، فبدلا من الحماية المباشرة للجماعات الضعيفة من خلال التأكيد على الحقوق الخاصة بها، يتم حماية الأقليات بطريقة غير مباشرة، وذلك عن طريق ضمان الحقوق السياسية والمدنية الأساسية لجميع الأفراد، بغض النظر عن عضويتهم في الجماعة العرقية أو الدينية أو الثقافية، على الرغم من أن الفرد غير حاصل على جنسية البلد الذي يقيم فيه، فإنه بالإمكان الحفاظ على حقوقه وتجنيسه بعد إجراءات معينة وهو الاطار الذي افترضته النظرية الليبرالية للتعبير عن المواطن الفرد داخل الدولة واعتبار التعددية الديمقراطية علاجا تصحيحيا([64]).

ونجد ان النتائج التحليلية والعلمية انتجت الاستراتيجيات التي طمح من خلالها تحقيق و توحيد جميع الحقوق الاجتماعية والمدنية، مثل: الحق في حرية التنقل وحق الانتخابات البلدية إن هذه الحقوق الممنوحة للأجانب لا تعني الفوضى والهمجية، بقدر ما هي تأسيس لاطار يحمي الأقليات من الغطرسة الشوفينية للأغلبية. لهذا وضعت الليبرالية والماركسية شروطا قانونية للانتقال من نظام الدولة القومية إلى المواطنة العالمية، وهذه الشروط، هي:

  1. توفير مؤسسات في المجتمع تمكن الاقليات ( الآخر) من أن يصبح عضوا من أعضائها ويساهم في التنظير والتسيير داخلها.
  2. 2. صياغة الشروط والقوانين بصيغة تتوافق مع حقوق الإنسان وتراعي الديمقراطية بقدر الإمكان ضمن الاعتبارات الإثنية.
  3. عدم استغلال شرط إتقان اللغة في أغراض تعجيزية، مثل صياغة أسئلة صعبة للغاية من أجل اختبار المعرفة باللغة بحيث أنه لا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة حتى من قبل قسم كبير من المواطنين ، فتصبح اللغة في هذه الحالة تشويها للديموقراطية فلا يجب أن تشكل اللغة والدين والعرق شرط الاندماج في الفضاء العمومي.
  4. السماح للاقليات المقيمين منذ مدة زمنية معينة بالمشاركة في الانتخابات.

من الديمقراطية الليبرالية والجمهورية إلى الديمقراطية التشاورية التعددية:

طرح الاطار النقدى القائم على درء النمط الليبرالي التقليدى الى النمط الغير تقليدى من خلال استمرار نوع جديد من النظام السياسي العالمي المتفاعل، يكون فيه الاعتراف بسلطة الاختلاف وبتعدد الرؤى والحقائق أمرا ضروريا عبر الانفتاح على الآخر من خلال الاعتراف والاحترام المتبادل بين الثقافات والمعتقدات الإنسانية ما يخلق نوعا من التوحّد الثقافي لا يلغي ثقافات معينة لضعف هيمنتها السياسية، وإنما يفتح آفاقا جديدة لتأقلمها في نطاق اختلافاتها وتباينها، بل حتى في تصارعاتها. ولهذا اقترح “هابرماس” نموذج الديمقراطية التشاورية التي تقوم أساسا على التشاور والنقاش البناء بين مختلف الفرقاء في مجالي الثقافة والسياسية. أما “سيلا بن حبيب” فقد حاولت تطوير هذا الجانب من الديمقراطية عبر تحيينه وتكييفه من جديد مع التعدد الثقافي والإثني.

الفروقات وآليات التحول الاستراتيجي:

إنه مع تراجع الانتماءات القبلية والعشائرية في الأزمنة الموالية لعصور التنوير والعقل في كل من أوربا وأمريكا، ظهر اتجاه جديد على الساحة الفكرية والفلسفية وحتى السياسية، وهذا الاتجاه هو “الفردية” (Individualisme)، حيث صار الفرد يشكل كيانا منفصلا ومستقلا بنفسه له حاجياته وآراؤه، ويسعى إلى تكوين ذاته ووجوده عبر أعماله ومجهوداته. من الناحية التاريخية، ترجع هذه المطالبات بفردية الفرد وماهيته المستقلة إلى المذهب الوجودي الذي يقدس ذات الفرد وتفردها عن الذوات الأخرى عبر ما تقوم به، وعبر الأثر أو الأعمال التي تتركها في المجتمع الذي هو ليس بالضرورة ملازما لها.

وقد استغل “التيار الليبرالي” هذه الأفكار ليؤسس لتيار فكري وسياسي يقوم على “حرية الفرد” في التعبير، وفي كثير من متطلبات المعيشة الإنسانية الأخرى، فكانت هذه الأفكار نقطة جذب لكثير من شرائح الراقية في المجتمع والتي كانت تعول على ذاتها لتضمن الكثير من مصالحها، ولعل هذا حاليا ما يبرر الاستمرار والتواصل للمنور الليبرالي على الفكر السياسي الغربي القائم على ضمان حرية أكبر شريحة من المجتمع، والمقصود با ” الأغلبية”  الا ان الشرائح والأقليات معرضة في كل لحظة إلى ضياع حقوقها الإنسانية المشروعة وتواجه اشكالية الاندماج مع الاقليات([65]).

في هذه النقطة كانت المفارقة التي تم الاستناد بها “للمركزية الليبرالية حول الفرد وغلبة الأكثرية “في شتى ميادين الحياة. فكيف تؤكد  “الليبرالية ” على دعم حرية الإنسان بجانب تكريس مراكز القوة السياسية والاقتصادية لحكم القوي من شتى النواحي، خصوصا الاقتصادية فتصبح إنسانية الإنسان منغمسة في الآلة الالكترونية، فما تعرف هذه المجتمعات علميا وتكنولوجيا من شروط تسمح بتحقيق حرية وسعادة الإنسان المعاصر، وهو مايؤدى الى  ازدياد القمع والسيطرة بأشكال وصور جديدة لم تعرفها الإنسانية من قبل، هذه السيطرة الكلية والشمولية التي تمس كل أبعاد الإنسان النفسية والعقلية والجسمية والاجتماعية، بحيث يصبح مندمجا ومتكيفا مع الوضع القائم ومؤسساته الاقتصادية والسياسية التي لم تعد تسمح له بأن يحتفظ لنفسه حتى ببعده الداخلي.  هذا من الناحية الفردية، أما من ناحية أخرى الاجتماعية، فإن أغلب الشعوب والإثنيات لا يمكنها أن تعيش في حالة أحادية أو انتماء لمرجع واحد بسبب التعددية الثقافية التي تمنع حدوث هذه الأحادية.

واجهت “الديمقراطية الليبرالية والجمهورية “هذه التعددية بتعصب وميل كبير تجاه الأغلبية أو الأكثرية- بعدما كانت تدعو إلى ضرورة حماية الفرد وضمان حقوقه الأساسية، فالقرار يخرج في النظام الليبرالي من الأكثرية في التصويت دون مراعاة أو أخذ بعين الاعتبار م”سألة الأقليات وحقوقها” أو محاولة إذابة واقع الأقلية مع توجه الأغلبية لتحقيق رأي الشعب الذي سيكون بدوره رأي الأغلبية”.

ففى ذلك الاطار الفكري فالأمر به نوعا من التناقض بين أن تحمى التشريعات بإرادة أغلبية، وبين أن تحمى الحقوق الفردية، والتي لا يمكن أن تشكل فيها الأقليات أي دور سياسي؛ وهو مايعبر عن ” إشكالية الحداثة في مجال التأسيس الإنساني والفلسفي للممارسة السياسية”ووهو ماقدمت له الماركسية من نقدا  حيث ان النماذج الديمقراطية وخصوصا “الاتجاه الجمهوري ” الذي يقوم على أساس انبثاق السلطة عن الشعب أو ممارستها من قبله مباشرة أو بواسطة الانتخاب والاختيار، وبذلك فإن “مفهوم الأمة “والتجانس يلعب دورا أساسيا فيها لذلك اتهم هذا النظام بكونه “دكتاتورية الأغلبية “ وبالتالى وضعت الماركسية رؤية علاجية تصحيحية انطلاق من المكنون الفكري والنظري وترسيخ “مفهوم الديمقراطية التعددية التشاورية “باعتبارها إستراتيجية سياسية بإمكانها احتواء جميع الأقليات والأغلبية وجعلها في حالة انتماء سياسي متكامل في ظل التعدد، وبعيدا عن حالات التمزق والصدام.

كما ان المقارنات بين نماذج الديمقراطية، مثل الليبرالية والجمهورية وبين الاطر التصحيحية فانها تندرج، كنموذج بديل يحمي حقوق جميع مواطني العالم من بطش وسلطة الأغلبية، الا وهو نموذج ” الديمقراطية التشاورية التعددية ” الذي يختلف مع النماذج الأخرى في عدة نقاط، الا انها رتبت مجموعة من الاستنتاجات النظرية نذكر منها:

  1. 1. على الرغم من أن الليبرالية أكثر مرونة في مسألة حقوق الفرد لأنّها عكس الجمهورية في مسألة الأغلبية فقد دعت إلى المطالبة ومحاولة إشراك الأقليات في الحكم عبر تقسيم السلطات أو عبر تفعيل آلية المعارضة الوفية أو الموجهة، وهي في حقيقة الأمر تقضي بالاهتمام بحقوق الأفراد كأفراد وليس كشعب أو أمة أو أغلبية إلا أنها تكرس لنوع أخر جديد من حكم الأغلبية لأنه غالب الشخص الأقوى نفوذا من الناحية السياسية يمثل تيار الأغلبية. أما الديموقراطية التشاورية التعددية فهي لا تكرس لهيمنة تيار واحد بعينه وإنما تفتح المجال لمشاركة جميع التيارات والأقليات مما يولد جوا من التفاعل يسوده التسامح البناء على عكس اللبرالية التي تسعى وراء هيمنة الفرد على الجماعة بشكل معين من أشكال السلطة.
  2. الديمقراطية الليبرالية تعتمد فلسفة الذات بدل فلسفة التواصل مع الذوات الإنسانية، لذلك نجدها على الدوام تركز على منافع الذات ومصالحها، في حين لا تعير أي اهتمام أو مبالاة للآخر الذي يشكل جزءا مهما في العملية السياسية.
  3. 3. في حين تنادي “الديمقراطية التشاورية التعددية” بضرورة التواصل بين الذوات، كما تعمل من أجل إعطاء الآخر الحقوق نفسها التي تسعى إليها الذات في جميع المجالات الحياتية، فهي تسعى جاهدة من أجل إعطاء المجموعات الإنسانية شرعية واعتمادية (طائفية، قبلية، وسياسية) وتدعم حقّها في ممارسة جميع شعائرها ومعتقداتها، في حين تتعامل الديمقراطية الجمهورية مع جميع البشر على أنهم مجموعة أفراد/ ذوات لهم نفس الواجبـات والحقوق، وبالتالي فإن آراء الأغلبية وقراراتها السياسية ستسري على الجميع بما فيه، الجماعات الثقافية الصغيرة. والديمقراطية التعددية- التشاورية لا تعني أن القرار يجب أن يتخذ انطلاقا من رأي الأقلية فيما يلغى رأي الأغلبية وإنما يجب مراعاة الحقوق الخاصة بالأقليات واحترام وجهة نظرهم في القضايا المختلفة واعتماد سلطة النقاش والحجاج الأساس الوحيد في اختيار القرار الصحيح والأنسب([66]).
  4. لم يسلم هذا الاتجاه الديمقراطي -التعددي من النقد، فهو يثير الكثير من المشاكل والعقبات، من ضمنها أنّه يدعو إلى فكر يكرس الهمجية، وحكم الأقليات على الأغلبية؛ وأنها تثير قضايا الشحنات القبلية والعنصرية من جديد.

واستنتاجا لما أسسته الافتراضات البنيوية للماركسية فى اطار التعددية الثقافية فانها استقت النموذج التنظيري لكارل ماركس الا ان الانعطاف الذي قاد الى دول الاتحاد السوفيتى فى اطاره التطبيقي جعل النظرية والتطبيق ابعد مايكون وبالرغم من ذلك فقد تم تصنيف هذا النموذج بالنجاح النسبي قياسا على المنظور الليبرالي الذي رفض الاعتراف بالاشكالية وحقوق الاقليات وجعل الاساس الذي تقوم عليه المجتمعات تتمحور حول قوة وحقوق الاغلبية.

واستلهاما لما قام به ” كارل ماركس “و ” فريدريك انجز” فلقد استندت النظرية الماركسية على ملامح الحركات العمالية عام 1848 وكان لتشكل وانتشار الماركسية الغربية فان نجاح الثورة البلشفية عام 1917 ساعدت على خلق تقاليد الماركسية الاوروبية ومن ثم الحركات الثورية العالمية فى السيتينات؛ كما ان الاتجاهات من داخل الماركسية رفضت الماركسية النقدية الثورية ورفضت الماركسية العلمية التى تم الترويج لها من قبل النزعات السائدة فى الأمميتين الثانية والثالثة؛ فان كثير من الاكادميين الماركسيين تناولوا التطورات النظرية والنقدية فى الاتجاهات الرئيسية للماركسية الغربية  حيث تم تدشين فى حقبة الثمانينات ومع بداية انهيار النظم الشيوعية فى شرق اوروبا ثم الاتحاد السوفييتى فى بداية التسعينات فلقد احدثت الماركسية انعطاف كبير فى داخلها حيث انها قدمت اشكال اكثر جدية لنظرية مابعد الحداثة ومابعد البنيوية ونظرات ” التعددية الثقافية ” بمختلف اشكالها التى استندت على سياسة الهوية وتحول عدد من اليساريين السابيين الى النظرية والسياسة الليبرالية حيث ساعد ذلك كلا من ” ارنست لاكلو” و ” شانتال موف “ فى كتاب ”   ” الهيمنة والإستراتيجية الإشتراكية” (2001) على رسم ملامح نسخة واسعة التأثير لما بعد الماركسية وجهت سهام نقدها للنموذج اليساري المحافظ وطورت نموذجا لـ “الديمقراطية الجذرية” المرتكز على الحركات الإجتماعية الجديدة. الحوارات اللاحقة بين لاكلو، جوديث بتلر، وسلافوي زيزيك واصلت إعادة تشكيل مشروع الماركسية الغربية بالإستناد إلى مقدمات ما بعد البنيوية والتعددية االثقافية ( 2000). وهناك العديد من الكتب التي حاولت تفسير إنهيار الشيوعية ولتقييم مستقبل الماركسية بعد زوال الإتحاد السوفيتي، مستخدمة الماركسية لتوضيح عيوب الماركسية التقليدية والإتحاد السوفيتي وأسباب إنهيارهما. فمثلاً، حاجج “كاغارليتسكي (1990)” بأن الشيوعية الروسية ليس شيوعية بما فيه الكفاية، وبأنها قمعت وغرّبت الطبقة العاملة، لتنتج بذلك نقيضها. وكذلك فعل “كالينيكوس” (1991) الذي أراد أن يبرهن على أن الإتحاد السوفيتي كان لينينياً وستالينياً منذ البداية وأنه كان من المحتم العودة إلى نماذج أكثر أصالة “للماركسية الثورية” ممثلة “بتروتسكي”. وإدعى آخرون بأن الإتحاد السوفيتي لم يرتقِ كما ينبغي للتطور التكنولوجي وبقي متخلفاً عن الرأسمالية، إضافة إلى أن صور حياة الرخاء في البلدان الرأسمالية المجاورة خلقت خيبة أمل ومعارضة وإضطراب في النهاية.

وماقدمه ” آرنسن ” ( 1995)  من جدلية بأن الماركسية نظرية تعود إلى القرن التاسع عشر وماعادت وثيقة الصلة تماماً بالزمن المعاصر، وبأن الماركسية الغربية لم تعالج هي الأخرى بطريقة مناسبة قضايا مثل “التمايز الجنسي، العرق، الجنسية” وعدد لا يحصى من أشكال القمع، مركزة بدلاً من ذلك وبصورة ضيقة على الطبقة والبعد الإقتصادي. بالنسبة “لآرنسن” مثلت “الماركسية النقدية” وحدة النظرية والممارسة، وإن أرضية طموحاتها للثورة وقيام مجتمع بديل كانت موجودة في القوى التاريخية الفعلية. وعندما هزمت الأحزاب والطبقة التي كانت أساس آمال الماركسية الكلاسيكية([67]).

وكفت النظرية الأصلية عن أن تكون قادرة على فهم تعقيدات الواقع المعاصر، غدا من المناسب، كما يدعي “آرنسن” المضي إلى “ما بعد الماركسية” نحو نظريات وسياسات جديدة.
رغم ذلك وخلال الفترة ذاتها، حصل إنفجار في الكتب، المتأثرة غالباً بالمواقف الماركسية، تناولت الحداثة والعولمة. في هذه الفترة برز (تأثير فكر) “ماركس” في أغلب نسخ النظريات الإجتماعية الكلاسيكية كأحد مؤسسي هذه النظريات إلى جانب “دوركهايم” و”ماكس فيبر” وآخرين. ورغم هبوط تأثير الكثير من المفكرين الماركسيين الغربيين بشكل عام، إلا أن النسخة النظرية النقدية والجدلية وغير الجامدة والمفتوحة للماركسية الغربية عن المجتمع الحاضر قد إمتدت بأشكال متغيرة إلى الكثير من نسخ النظرية المعاصرة وحددت بعمق ملامج الدراسات الثقافية.
بمعنى ما، فإن الماركسية الغربية قد تم تجاوزها بأشكال نظرية أكثر عالمية، لكنها إستمرت كتيار أساسي في النظرية المعاصرة. في صيغتها الأولى، ظهرت الماركسية الغربية في القارة الأوربية كإستجابة للثورة الروسية وأنتشرت عالمياً بعد ذلك كأثر لاحق للحركة الثورية الواسعة في الستينات والسبعينات. وبقي مفكروها إلى اليوم مثيرين للإنتباه جداً، لكن الكثير مما يصار يعتبر نسخاً كلاسيكية لها مرتبط بالأصول التي نشأت منها. إن منظرين من أمثال “لوكاش” و”غرامشي” و”بلوخ” و”بنجامين” و”أورنو” و”ماركوزة” وآخرين الذين إرتبطت أسماؤهم بالماركسية الغربية ما زالت لهم فائدة وصلة بالنظرية الإجتماعية بفضل ما تبنوه من منظورات نقدية لجميع أشكال الحياة الإجتماعية.

واستنتاجا لظهور ” الدولة – الامة ” فقد غدت الدولة فصيلا مابين الامة وغيرها من الجماعات فوفقا ” لروبرت جاكسون ” فان الجماعة سواء اكان اهتمامها منصبا على تحقيق شروط الاستقلال السياسي ام كانت فى حال المحافظة على استقلالا ام كانت فى وضعية استرداده فان الجماعة الساعية فى ذلك يمكن ان يطلق عليها تسمية ” الامة ” وبعبارة اخري ان الامم هى عبارة عن جماعات تمتلك استقلالها السياسي او لديها الرغبة فى تحقيقة او استذكار انها كانت تحوزه ذات مره وتتطلع الى استعادته مجددا وبذلك تختلف الامة عن الجمعات الاثنية التى تستبعد من نطاق اهتمامتها والتركيز على حيازة الاستقلال النسبي. كما ان التلاحم مابين الدولة – الامة تحقق بواسطة القومية التى اضفت البعد السياسي على الامة وهى التى جعلت الدولة بمثابه الجسد السياسي والثقافي للامة وذلك سعيا من القومية الى تحقيق حالة الانسجام بين الامة والدولة. ومن هنا فان وصف ” الدولة القومية “ احيانا و الدولة  – الامة فى اكثر الاحيان.

وحيث ان القومية ” وفقا ” لاميتاي اتزيونى ” عقيدة تمجيد الامة “ فانها تعتبر قيمة جوهرية وهى تؤثر الى حد بعيد فى شعور المواطنين بأنفسهم وتعتبر قيمة جوهرية وهى التى تؤثر الى حد بعيد فى شعور المواطنين بانفسهم وفى استقرارهم النسبي وفى هويتهم وتجعلهم يعتبرون الدولة – الامة جماعتهم الاساسية وحين تكون الدولة فى اوجها ينظر اليها الناس على انها شبه مقدسة او حتى انها فى خدمة ربهم مباشرة وبالتالى فان القومية تتجه نحو هدف رئيسي هو ” بناء الدولة” وهى قائمة على ” مبدأ عملى – ديناميكى “ مصحوب بالظواهر ذات الصلة بتعبئة سياسية متنامية ودرجة متصاعدة من التنظيم السياسي من اجل بلوغ الهدف حيث ان ” القومية” بحكم كونها ايدوجيا وحركة سياسية منظمة فانها تطمح الى تحقيق التطابق بين الامة – الدولة.

كما استند التحليل النظري للوقت المعاصر وتنظير هادف عملياً نحو التغيير. وبينما فقدت النظرية النقدية الهيمنة التي كانت تمتلكها يوماً في بعض حلقات اليسار، فإنها بقيت جزءاً مهماً من أجهزة وأدوات النظرية الإجتماعية المعاصرة. وما زال المنظرون يستعينون “بالماركسية الغربية” في حقول كثيرة، بضمنها “النظرية الإجتماعية النقدية”([68]).

هذه الأشكال من الماركسية الغربية التي تقوم على إختصاصات متعددة إلى حد كبير، وتشمل طيفاً واسعاً من الحقول والموضوعات، هي غالباً ذات طبيعة عالمية وتزود منظورات نقدية متعددة للحقول المعرفية الأكاديمية السائدة وللمجتمعات المعاصرة. لذلك فإن الماركسية الغربية لم تتوقف عن أن تكون خصبة نظرياً، مانحة نظرات نقدية عميقة لمشاكل وأزمات عديدة للرأسمالية والعولمة، وكذلك أجوبة لقضايا مثل البيئة، الإرهاب، وإنتشار أشكال جديدة من التكنولوجيا.

انتج بروز نظرية التعددية الثقافية “ باعتبارها تبلورت كتيار فكري وتنظيري فان تبلورها فكرا وممارسة امتد للدراسات التطبيقية فى التعددية الثقافية؛ فمنذ ثمانينات القرن العشرين استلهمت النظرية سؤالا نظريا عن ماهية العلاقة بين التعددية الثقاية والمنظورات الفكرية الليبرالية والماركسية فى الدولة([69]).

فانتجت مراحل “تطور التعددية الثقافية “  بغية فهم كيفية تطور التعددية من ادراك حقيقة رئيسية وهى ان التطور جري فى نطاق الفكر الليبرالي ذاته ثم تبلورت التعددية تدريجيا بمرور مرحلتين رئيسييتين تم معالجتهما  من خلال :

  • مرحلة التعددية التقليدية : وامتدت هذه المرحلة من القرن التاسع عشر وتميزت ” بالنزعة الأحادية الاخلاقية” والتى كانت ومازالت حاكمة لأطروحات الفكر الليبرالي وهو فى مرحلته الكلاسيكية والنزعة الاحادية الاخلاقية باعتبارها الصفه الغالبه على الفكر السياسي منذ العصور القديمة وتقوم على فكرة رئيسية هى ان البشر متساوون لكونهم يتقاسمون طبيعة انسانية واحدة مما يعنى بصورة بديهية ان الحياة الكريمة هى الاخري واحد بالنسبة للجميع وبالتالى فالطبيعة الانسانية المشتركة تشكل الاساس الذي يستند اليه كل من مبدأي المساواة والتطابق الاخلاقي واخضاع حياة البشر الى نموذج واحد معين ويدعو دعاه هذا النموذج الى الحق الشرعي فى السيطرة عليهم وارشادهم بالقوة الى جادة الصواب وهذا النمط من التفكير تشترك فيه الاطروحات الليبرالية وغير الليبرالية للكثير من المفكرين من امثال ” توكفيل” و ” هيجل” و ” كارل ماركس”.
  • مرحلة التعددية الثقافية غير التقليدية : بدات المرحلة فعليا فى اثناء الحرب العالمية الاولى ويعد ” هوراس كولين” اول من استخدم ” مفهوم التعددية الثقافية” وعالج الموضوع بصورة مباشرة من خلال ” الديمقراطية فى مواجهه بوتقة الصهر” وهو كتاب صادر 1915 وتؤكد الاطروحة الرئيسية للكتاب بأن الجماعة لاتنزع للمحافظة على لغتها ومؤسساتها وموروثها الثقافي بل ان الديمقراطية هى الاخري تمنح كل جماعة الحق فى الاحتفاظ بخصوصيتها فالدولة تعدت كونها اتحادا من مجموعة من الوحدات الجغرافية والادارية واصبحت كيانا مؤلفا من التباينات الثقافية اى انها عبارة عن اتحاد او كومنولث مكون من عده ثقافات قومية.
  • التعددية الثقافية فى مرحلة معاودة البروز: انتجت هذه المرحلة بعد الحرب العالمية الثانية دراسات متزايدة عن التعددية الثقافية وتبلورت نضجا بفعل التفاعل وتمازج الاطروحات النسبية الثقافية ونظرية مابعد الحداثة؛ فقد نهلت ” النسبية الثقافية” فكرة النسبية فى التعامل مع الثقافات وهى الفكرة التى تعنى انه لايمكن تقييم ثقافة ما وتكوين تصور عنها الا بصورة نسبية ووفقا لمعايير الثقافة بذاتها لا المعايير الخاصة بثقافة اخري؛ كما اخذ المنظور القتل ان السلوك الاخلاقي لثقافة ما هو سلوك نسبي من الناحية الثقافية اذ لايمكن تقييمه من قبل الذين لاينتمون الى الثقافة نفسها.؛ وبعبارة اخري فان ” التعددية الثقافية” استمدت فكرة ” المساواة بين الثقافات من النسبية الثقافية”؛ لتجعلها قاعدة تتعامل بموجبها مع مختلف الجماعات سواء اكانت من الاكثرية ام من الاقلية ومن ثم تجاوزت التعددية الثقافية بذلك خاصية المركزية الغربية والتمركز حول الذات الغربية واعلاء مكانة الثقافة الغربية ومقارنتها بالثقافات الاخري.

ووفقا لذلك فان مراحل التعددية الثقافية عبرت فى المرحلة الاولى عن ” النزعة المجتمعاتية” وتشمل هذه المرحلة الفترة السابقة لعام 1989 حيث اعتقدت القلة القليلة من المنظرين مناقشة ” التعددية الثقافية” فى سبعينات وثمانينات القرن العشرين؛ فالجدل الدائر مابين الليبراليين والمجتمعايين اى مابين دعاة الفردية وانصار الجماعية كان نتاجا لنظرية التعددية وكان الجدل يطرح اطروحة حول مسألة اولوية الحرية الفردية وايهما يحظى بالاولوية الفرد ام المجتمع؛ ففي الوقت الذي عارض فيه الليبراليون ” فكرة التعددية الثقافية بوصفها غيرضرورية وانها بمثابه انحراف خطير عن الاهتمام القويم بالفرد اعتقد دعاة ” المجتمعاتية بالمقابل ان ” التعددية الثقافية” هى الطريقة المناسبة لحماية المجتمعات من تأثير الاستقلالية الفردية التى تسببت فى تفتيت المجتمع وتفكيك اواصره ومن ثم فهم يشددون على قيمة المجتمع واهميته؛ وتبعا ” للمنظور المجتمعاتى” فان الاقليات الاثنية الثقافية خصوصا تستحق الحماية لانها معرضة للخطر كما انها ماتزال تحتفظ بنمط جماعى بحاجه الى الحماية لان هذه الاقليات وخلافا للاكثرية لم تستسلم بعد لهيمنة الفردية واستطاعت المحافظة على نمط جماعى متماسك فى الحياه ([70]).

وانطوت المرحلة الثانية على نطاق التعددية الثقافية من داخل ” الليبرالية “ وشملت المرحلة الفترة مابين نهاية الثمانينات وبداية التسعينات وازداد الوعى فيها بحقيقة النقاش للمرحلة الاولى والتى لاتجدى نفعا فى وضع تصور مجد لمعظم مطالب التعددية الثقافية فى الديمقراطيات الغربية اذ ان معظم الجماعات الاثنية الثقافية فى الديمقراطيات الغربية اذ ان معظم الجماعات الاثنية الثقافية تريد ان تغدو بمثابة شركاء متساووين بصورة كاملة للاكثرية فى ” المجتمعات الليبرالية الحديثة” حيث ان الجماعات المهاجرة التى تسعي للانضمام والمشاركة التامة فى الثقافات السائدة فى تلك المجتمعات كما يصح ذلك ايضا على معظم الاقليات القوميةحيث ان البعض من افرادها لا غالبيتهم يرغبون فى الاستقلال رسميا؛ ووفقا لهذه المرحلة فان الجدل الدائر انتج فروضا واطروحات مابين الاكثرية الليبرالية والاقليات المجتمعاتية.

وانطوت المرحلة الثالثة حول ” التعددية الثقافية بوصفها رد فعل على بناء الامة” وبدات هذه المرحلة منذ اواخر تسعينات القرن العشرين ودار النقاش فيها بين المجتمعاتيين ودعاة ” التعددية الثقافية” خاصة ” كيملكا” واكد الطرف الاول على فكرة التزام الدولة الليبرالية “بمبدأ الحيادية الاثنية الثقافية” فى التعامل مع هويات مواطنيها الثقافية ليكون علاجا لمشكلة انبعاث الهويات الاثنية والقومية فى الدولة – الامة اى بمعنى وجوب ان تتعامل الدولة الليبرالية مع الثقافة بالطريقة ذاتها التى تتعال بموجبها مع الدين وذلك باعتبار الثقافة امرا يكون الناس فيه احرارا.

ويؤكد انصار دعاة التعددية القافية على فكرة كون الدول الديمقراطية الليبرالية دولا حيادية من الناحية الاثنية الثقافية وهى فكرة باطلة بصورة واضحة؛ وان النموذج الدينى عموما نموذج مضلل لتفسير العاقة مابين تلك الدول والجماعات الاثنية الثقافية؛ وان جميع الدول الديمقراطية الليبرالية انخرطت اساسا فى عملية بناء الامة([71]).

خامسا : المنظور النقدي حول مدى الاتفاق او الاختلاف واهم اسهامات واضافات المنظور الليبرالي والماركسي من داخل ” نظرية التعددية الثقافية”:

تناول البحث والدراسة فى اطار المنظور النقدي للتعددية الثقافية يفتح افاقا علمية ونظرية حول التعددية بشتى مجالاتها الفكرية والثقافية ومنفذا نحو ” تعددية النظرية النقدية” باعتبارها ليست بمعزل عن الفكر الفلسفي التنظيري الذي يتماس مع ” النظريات الفكرية العالمية” لذا فإن تعددية النظرية النقدية تعتبر من صلب التعدديات الفكرية الأخرى. ولقد بزغت “تعددية النظرية النقدية” كحل ائتلافي أمام التعصب للنظريات النقدية السالبة لغيرها من قريناتها، والفضل يعود لنقاد “مدرسة شيكاغو” في الاعتماد على “تعددية النظرية النقدية” حينما انشغلوا بالتنظير النقدي على حساب التطبيق، وعملوا على نقد النقد المعاصر مما أكسبهم بعدًا تنظيريًا أوسع أحالهم إلى قبول التعددية النقدية والإيمان بها كمقابل “للعصبية التنظيرية ” التي انغمس بها النقاد فيما بعد الحرب العالمية الثانية ؛ فأنشأ نقاد شيكاغو مجلة ( البحث النقدي) في العام 1974م الصادرة عن جامعة شيكاغو التي جعلت جلّ همها التنظير لقبول التعددية النقدية والبحث في النظرية النقدية المعاصرة لتلك الفترة التي ماجت بنظريات عديدة ذات عصبيات مختلفة. وانتهجوا نهجًا يرفض التوفيقية في تعددية النظرية النقدية ويهتم بحرية النظرية المتبعة في النقد شريطة عدم التوفيق بين أكثر من منهج في الدراسة النقدية، وعلى أن المناهج قد تتماس فيما بينها ولو في أصولها إلا أن الخلط في المنهج النقدي بأكثر من نظرية يعتبر عيبًا منهجيًا عند الناقد([72]).

كما ان ” التعددية النظرية النقدية” تنبثق من أمرين مهمين يشفعان لنا بقبولها وهما: ارتباط النظرية النقدية الحديثة والمعاصرة بالفلسفة والأفكار التي تقبل التعددية وتموج ضمن عالم يتجدد مع تجدد نظرياته وتعدد أفكاره، فالذي يقبل التعددية الثقافية أو السياسية – مثلاً- يتحتم عليه قبول التعددية النقدية للعلاقة الوثيقة بينهما في أصول النظريات وتعدديتها، ولم تعدْ النظرية النقدية، كما كانت في بداية النقد التنظيري المقتصر على وجهة نقدية واحدة لا تكاد تتجاوز الرؤية الفكرية والمفاهيمية.

بجانب ان قبول ” التعددية “  يعتمد على نظريات تتفارق وتتماس بحسب أصولها ومناهجها، فالنظرية القديمة التي تهتم بالكلمة والجملة فحسب لا يمكن أن تفتح مجالاً للتعددية لكونها انفردت بعزل الجملة والكلمة عن النص، بينما تعاملت النظريات النقدية الحديثة والمعاصرة مع النص بمنظور آخر لا تشاركها فيه النظرية القديمة؛ بدءًا من الشكلانية التي حيّدت كل ما هو خارج النص حتى الدراسات الثقافية التي أعادت النص للواقع، والجامع لهذه النظريات هو البعد عن الوحدانية اللغوية الكامنة في الكلمة والجملة منعزلة في النص عن مثيلاتها، وهذا الأصل يجعلنا نقبل التعددية لأنها ستمنح نقدًا لايمكن ايجاده فى اطار تنظيري اخر حتى وإن كان هذا النقد أيديولوجيًا فإنه ولابد سيفتح لنا ثغرةً نحو نقد النقد أو نقد الأيديولوجيا ذاتها، ولعل النقد الثقافي مثال ظاهر على هذا الارتباط الوثيق بين النظريات النقدية والعلوم الإنسانية الأخرى فلسفية وثقافية واجتماعية وسياسية وغيرها ليقطع برهانا بالتَّماس بين النظريات والعلوم التي تدلل لنا على قبول “التعددية النقدية”وكذلك يعتبر برهانًا آخر على ارتباط النظريات النقدية بعضها ببعض عندما يطبق “ما بعد الكولونياليون” النقد الثقافي باستحضار أو بتأثر بالنقد التفكيكي كما عند “هومي بابا “و”إدوارد سعيد”.

وبالتالى فان “النظريات النقدية الفلسفية والفكرية” لم تقتصر على النقد التعددي فحسب بل تجاوزته إلى تطبيقها على علوم إنسانية أخرى عديدة كالنظرية البنائية والسيميائية والتفكيكية والظاهراتية وغيرها للاقناع بإمكانية التعددية واتساع تطبيقاتها .

ومن جراء ذلك فان ” اشكالية التعددية الثقافية” وماقدمته النظرية الليبرالية والماركسية من افتراضات واطروحات رئيسية فى هذا الشأن ساهمت بشكل او باخر فى فهم المدلاولات المفاهمية والتنظيرية التى شملتها الاشكالية وفقا للمنظور النقدي فان مصطلح ” التعددية الثقافية “ والذي واجه اختلالات مفاهيمية من داخل الاطار الفكري فانه وضع بصورة تنميطية مثالية فلقد بدا استخدامه في الولايات المتحدة خلال الثمانينيات للإشارة إلى مجتمع مثالي يمكن لثقافات متنوعة فيه أن تتعايش باحترام متبادل، ولكن من خلال تجنب الهيمنة أو الانصهار ضمن ثقافة مهيمنة معينة؛ كما كانت التعددية الثقافية طموحا لدى من يمثلون أو ينطقون باسم الأقليات المختلفة لأنها تضفي الشرعية على انتمائهم الثقافي المختلف وتمنح الاعتراف بخصائصهم الثقافية المتمايزة. لكن هناك تباينا في المواقف حول المقصود من قبول الاختلاف والاعتراف بالخصوصية الثقافية. وهناك تفسيرات تتباين في قوة تأكيدها لهذا الموقف وتتراوح من الدعوة إلى التسامح العام تجاه الاختلافات الثقافية وإلى المطالبة بدعم بقاء الثقافات الأصلية ؛ لذلك قدمت ” نظرية التعددية الثقافية ” نفسها كبديل “لنظرية البوتقة التقليدية “والقائمة على المفهوم الأمريكي في الاستيعاب، حيث يجري التشديد على توحيد واندماج كل المجموعات في أمة واحدة. هناك من يفسر هذا التحول من “مفهوم البوتقة” إلى “مفهوم التعددية الثقافية” باعتباره نتيجة لفشل او عدم اكتمال النموذج القديم حيث كانت الوحدة تعني، في الحقيقة، الانصهار في المجموعة المهيمنة من جانب، والتمييز والعزل المتواصلين ضد الأقليات من جانب آخر([73]).

كما إن “الهيمنة الثقافية” وعدم المساواة الاجتماعية ظهرتا كنتيجة محتملة لطروحات وسياسات الاندماج التقليدية، والتي عارضتها الأقليات المتضررةوتبنت في مقابلها موقفا يؤكد الخصوصية ويحتفي بالجذور الثقافية المغايرة للثقافة المهيمنة.
وماقدمته ” النظرية التعددية ” فى نهاية الثمانينيات من العديد من الاطروحات باسم التعددية الثقافية. فالمدارس الفكرية النظرية بدات فى تقديم اطر تنظيرية تشمل المعارك التي خيضت حول البرامج التعليمية، وبشكل خاص ضد المعايير التقليدية ومن بينها الأدب الكلاسيكي والمدارس الفكرية الغربية الكلاسيكية التي يجري تدريسها بشكل تقليدي، فظهرت مطالب تدعو إلى توسيع البرنامج التعليمي ليضم النتاجات الفنية والأدبية للثقافات الاخرى و ظهر نقاش حاد حول هذه القضية بين “مؤيدي الخصوصية الثقافية “و “التعددية الثقافية” وبين المدافعين عن التقليد الذين شنوا هجوما مضادا. وانقسم “الليبراليون الديمقراطيون” بين الفريقين، بعضهم يدعو للاندماج العادل والآخر يعارض الخصوصيات والنواحي النسبية للاحتفاء بالاختلافات.
واسهمت النظرية فى بروز “التعددية الثقافية” من خلال معركة المناهج التعليمية ومن الولايات المتحدة، وقد وجدت مؤيدين مشهورين مثل ويل كيمليكا وجوزيف راس وافيشاي مارغاليت” كما تناولنا و الذين عالجوا اطروحات ومطالب تشمل مسائل من قبيل الملابس المقترنة بالمناسبات الثقافية والمدارس التي تدرس بلغتين، وكذلك التغييرات في وجبات الطعام المدرسية والمطالب بالحقوق الثقافية. بنهاية التسعينيات وبقدر تعلق الأمر بالشرعية التي أضافها الجدل المفتوح، بدا أن “التعددية الثقافية” قد ربحت المعركة، ولكن ليس لزمن طويل. فقد ظهرت “انتقادات للتعددية الثقافية “ آنذاك باسم حقوق المرأة. في عام 1998 وكتبت “سوزان اوكينن” مقالة شهيرة بعنوان: “هل مفهوم التعددية الثقافية سيء بالنسبة للمرأة ؟ ” وفي هذه المقالة كشفت أن حماية الثقافة غير الغربية ينطوي على تجاهل لحقوق المرأة في الثقافات الأبوية والقمعية.
وعلى المستوى الفلسفي والفكري قدمت النظرية التعددية  نماذج رفضت البحث الاطر المفاهيمية للاشكالية أمثال “بريان باري (2000)” والذي  جادل بأنه ليس من الممكن محاربة التمييز وعدم المساواة بأنواع أخرى من التمييز المضاد، وان الحل الوحيد هو المساواة الليبرالية. ويمكن أن نضيف إلى هذه المواقف مناخ الشك وعدم الثقة تجاه من بعض الاقليات بعد 11 سبتمبر 2001، والذي تعمق مع الهجمات الإرهابية الأخرى، مما يفسر تراجع مصداقية التعددية الثقافية وكذلك السياسات التي تأثرت بها. وكان لذلك تأثيرا غريبا من حيث انه أدى إلى ظهور نقد “للتعددية الثقافية “ حتى قبل ان تصبح هذه الظاهرة مفهومة ومدروسة ومتبناة كموجه للسياسات الثقافية(([74].
هناك من يسأل حول ما إذا كانت التعددية الثقافية تقود بشكل حتمي إلى ظهور “مجتمع موزائيكي”، وتقاليد شبيهة بالتقاليد القبلية، وإلى التنازل عن حقوق المرأة وحرية الأفراد داخل ثقافاتهم، وإلى منظور “للنسبية الثقافية “والذي يستدعى بتفسير هزلي ومتحيز “للتعددية الثقافية”. إذا دُعم مفهوم ” التعددية الثقافية” بالمبادئ العالمية القائمة على المنظور الليبرالي (كالاحترام المتبادل وعدم التمييز والتسامح والفرص المساوية )، كما يحصل في افضل التفسيرات، وإذا ما نفذت التعددية الثقافية بعقل منفتح وعبر المحاولة والخطأ من أجل أن تتكيف لكل هذه الاعتبارات، فانه لايمكن العثور على بديل افضل يضمن تعايش المجموعات والثقافات المختلفة.

ووفقا للمنظور “اليبرالي والماركسي والتعددي” فان ” نظرية التعددية الثقافية” والتى سعت الى وضع اجابة معربة عن اطارها النظرى والمفاهيمي حول ” مدي اشكالية المجتمع المتعدد ثقافيا وعرقيا ” وعلاقة الدولة الليبرالية والماركسية بتلك الاطروحات النظرية فنجد ان قدرة النظرية على تفسير الظاهرة ومدي الاتفاق والاختلاف وهل استطاعت النظرية من داخل الاطار الفكري للدولة من تقديم تفسير مختلف للظاهرة؟ فان ماسعت الدراسة للاجابة عنه من خلال طرح رؤي المفكرين فى التوجهات المختلفة كان له تأثيرا على اختلال المفهوم ذاته والنظرية والمنظور الذي سعي لتقديم الاجابة المنشودة لتصحيح الخلل الذي احاط بعلاقة الدولة بالمجتمع المتعدد.

“فمفهوم الثقافة” الذي لاقي بحثا جدليا من داخل دائرة العلوم الاجتماعية  والسياسية ونقدا بارزا لنموذج ” ويل كيملكا ” فان النظرية قدمت اطارا اضيق منه يتمثل فى ” مفهوم الهوية” والذي وجد اساسا نظريا من داخل ” نظرية التعددية ” ذاتها  (وهو غالبا مايرتبط بالاول) يشيع استخدامه تدريجيا؛وساعد تطور المفهوم الى بحث الاشكالية في اطار الضعف الذي يشهده نموذج (الدولة – الامة) وفي مدى الدمج السياسي الذي يتجاوز الحدود الوطنية وفي شكل معين من اشكال عولمة الاقتصاد وبشكل اكثر دقة يمكن القول بأن الشكل الهوياتي الحديث هو امتداد لظاهرة تمجيد الاختلافات التي انبثقت في السبعينات كنتيجة للتحركات الايديولوجية المتنوعة اي المتناقضة, سواء كان المديح للمجتمع المتعدد للثقافات([75]).

وبالتالى فان ارتباط المفهومين ” الثقافة والهوية الثقافية” ليس من السهل خلط احدهما بالاخر, اذ يمكن للثقافة ان تعمل بدون وعي للهوية بينما يمكن لاستراتيجيات الهوية ان تعالج الثقافة او تغيرها وبالتالي لايبقى هناك شئ مشترك مع ما كانت عليه في السابق, تنشأ الثقافة في جزء كبير منها عن عملية لا واعية اما الهوية فتحيل الى معيار انتماء يجب ان يكون واعيا لانها اي الهوية تقوم على تعارضات رمزية؛ فالمفاهيم الموضوعية والذاتية للهوية الثقافية تقوم على علاقة وثيقة بين المفهوم المتصورعن الثقافة وبين مفهوم ” الهوية الثقافية”كما ان الذين يماهون الثقافة بـ (طبيعة ثانية) يرون في الهوية ان يحدد الفرد بشكل نهائي طابعه بشكل لايقبل الجدل تقريبا في هذا المنظور, يمكن للهوية ان تحيل بالضرورة الى المجموعة الاصلية التي ينتمي اليها الفرد التي وفقا للتصور العادي هو اساس الهوية اي ما يحدد الفرد بشكل اكيد واصيل, هذا التصور شبه وراثي للهوية والذي يستخدم كعماد لايديولوجيات التجذر الذي يقود الى جعل الانتماء الثقافي بعبارة اخرى قد تكون الهوية سابقة على الفرد الذي لايسعه الا الانضواء فيها, والا سيعد هامشيا اذا نظرنا الى الهوية على هذا النحو فانها تبدو بمثابة جوهر قابل للتطور بمعزل عن سلطة الفرد او المجموع.
كما ان اشكالية الاصل المطبقة على الهوية الثقافية يمكن ان تؤدي الى جعل الافراد والجماعات عنصريين وبما ان الهوية كما تقول بعض الاطروحات المتطرفة محفورة في الارث الوراثي, وبما ان الفرد بطبيعة وراثته البيولوجية يولد مع العناصر المكونة للهوية العرقية والثقافية ومنها الصفات النمطية الظاهرية والمزايا النفسية الناشئة عن (العقلية) و (العبقرية) الخاصة بالشعب الذي ينتمي اليه الفرد فان الهوية ترتكز بالتالي على شعور غريزي بالانتماء الى حد ما, وتعد الهوية شرطا ملازما للفرد وتحدده بشكل ثابت ونهائي؛ وماسمح بتزايد الاشكالية فان قضية قضية الهوية وضعت قواعد والضوابط حيث بقول منطق الدولة (الامة ان تكون صارمة شيئا فشيئا من موضوع الهوية لان الدولة الحديثة تسعى الى توحيد الهوية فاما انها لاتعترف الا بهوية ثقافية واحدة لتحديد الهوية الوطنية) او انها بعد قبولها لنوع معين من التعددية الثقافية” في كنف الامة, تقوم بتحديد هوية مرجعية تكون الهوية الوحيدة, والهوية الوطنية المتعصبة هي دولة ايديولوجية تقوم على استبعاد الاختلافات الثقافية ويقوم منطقها المتطرف على منطق (التطهر العرقي.؛ كما عمل الدولة لا يستجلب اي رد فعل من قبل الاقليات التي انكرت هويتها او تم التقليل من شأنها, وتنامي المطالبة بالهوية الذي نلاحظه في كثير من الدول المعاصرة هو نتيجة لبيروقراطية السلطة ومركزيتها ولا يمكن لتمجيد الهوية الوطنية الا ان يجر الى محاولة تخريب رمزية ضد تلقين الهوية.
والاحساس بالظلم الاجتماعي يؤدي بأعضاء مجموعة التمييز الى شعور قوي بالانتماء الى الجماعة والى التباهي بها, وقد اصبح التباهي بهذه الجماعة قويا لدرجة ان تضامن الجميع اصبح ضروريا من اجل الحصول على الاعتراف, ومع هذا يبقى خطر الانتقال من هوية مرفوضة الى هوية حصرية كأولئك الذين ينتمون الى الجماعة المهيمنة والتي ينبغي على كل فرد ان يعترف على نفسه من خلالها بشكل مطلق ؛ كما ان الهوية ذات الابعاد المتعددة  تنتج عن بناء اجتماعي مما يكسبها طابع التعقيد الاجتماعي, كما ان اختزال “الهوية الثقافية”والانطلاق نحو  تعريف بسيط, هو مايعنى عدم الاهتمام بتنوع المجموعة الاجتماعية وانه لاتوجد مجموعة او فرد ان يكون حبيس هوية ذات بعد واحد, كما ان الهوية تتميز بطابع متقلب الذي يمكن ان يخضع لتأويلات واستخدامات مختلفة
والواقع ان الفرد يدمج في ذاته بشكل تركيبي, تعددية المرجعيات الخاصة بالهوية المرتبطة بتاريخ هذا الفرد والهوية الثقافية تحيل الى مجموعات ثقافية لا تتوافق حدودها, والفرد يعي انه يحمل هوية ذات هندسة متغيرة لابعاد المجمـــوعة التي يرجع الفرد في هذه الحالة العلائقية او تلك لكن حتى لو كانت الهوية متعددة الابعاد فانها لا تفقد وحدتها([76]).
وتنطلق “اشكالية حدود الهوية” بان ما يفصل بين مجموعتين عرقيتين ثقافيتين ليس الاختلاف الثقافي اذ يمكن للجماعات تعمل تماما وفي كنفها شئ من التعددية الثقافية, ويعود السبب في هذا الفصل اي وضع الحد الى ارادة الجماعة في التميز واستخدامها لبعض السمات الثقافية كمحددات لهويتها النوعية ومن شأن الجماعات القريبة من بعضها ثقافيا ان تعد نفسها غريبة تماما عن بعضها بعض بل ومتعاديـة حينما تختلف حول عنصر في المجموعـة الثقـافية.
فان العلاقات التي تقوم مدة طويلة بين المجموعات العرقية لا تؤدي بالضرورة الى الالغاء المتدرج للاختلافات الثقافية بل غالبا ما تنتظم هذه العلاقات بشكل تحافظ معه على الاختلاف الثقافي بل احيانا تزيد هذا الاختلاف عن طريق لعبة الدفاع (الرمزي) عن حدود الهوية لكن هذا لا يعني ان الحدود لاتتبدل, وكل تغير يصيب الحالة الاقتصادية او السياسية من شأنه التسبب في انزياحات الحدود ودراسة هذه الانزياحات ضرورية إذا اردنا تفسير تنوعات الهوية وبالتالي تحليل الهوية لايمكن ان يكتفي بمقارنة تزامنية بل عليه ايضا ان يخضع لمقاربـة تطورية.

ومن داخل المنظور النقدي فان بروز التمييز بين الدولة الحديثة والدولة القديمة ساهم فى وضع اطار معرفي يتلائم مع اشكالية ” نظرية التعددية الثقافية ” من خلال اشكالية ” التجانس السياسي والثقافي “ فخلافا للواقع  فان حال الدول القديمة يختلف عن تركيز الدولة الحديثة على التجانس السياسي ولثقافي باعتباره تركيزا راسخا فى صميم الطريقة التى جري بموجبها تعريف هذه الدولة وتكوينها خلال القرون الثلاثة الماضية واذا كانت الدولة تتوقع من كافه مواطنيها الاشتراك فى طريقة واحدة لتعريف انفسهم وتحديد صلاتهم بها وببعضهم البعض وكان هذا الفهم الذاتي المشترك هو مبدأها التأسيسي والفرضية الرئسيسية التى تستنتد اليها بعكس الدولة الحديثة التى بمقدورها ان تتحمل كافة التباينات وان تتساهل مع كل الامور الاخري ماعدا هذا الامر وبالتالى فهي تلجأ الى استخدام كل ماواتيت به من وسائل تعليمية وثقافية وادوات قسرية وغيرها من اجل ضمان ” التجانس السياسي والثقافي “ لمواطنيها وبذلك تعد ” الدولة الحديثة” مؤسسة منخرطة على نحو عميق فى مهمة اضفاء خاصية التجانس والتطابق على مواطنيها ونظرا الى ذلك فانها تنظر بعيد الشك الى الجماعات الاثنية والدينية المنظمة وتشعر بأنها مصدر تهديد لها يتمثل فى مقدرتها على التدخل والولوج فى العلاقات القائمة بين الدولة ومواطنيها ومن ثم انشاء مراكز قوة تنافس الدولة على استقطاب الولاءات([77]).

ومن ذلك المنظور فان التساؤل النقدي الذي تم طرحه عن تلك الاشكالية وعملية البناء الفكري بمفهوم ” الدولة – الامة ” فانها ارجحت فى داخلها نوعا من الاتساق النسبي مع المنظور الليبرالي والماركسي على خلاف المنظور التعددي الذي عبر عنه ” كيملكا ” من داخل “لنظرية التعددية الثقافية” فالسؤال الرئيسي تبلور حول مدي استمرار الدولة – الامة بعد تكوينها بفعل الهوية القومية فى انتهاج المركزية والاستيعاب فى تعاملها مع اطرافها كما حققت الدولة عمليا فكرة التجانس والتطابق بين وحدتها السياسية ووحدتها الثقافية.

ومن التفسيرات المميزة لاستمرارية نهج الدولة – الامة فان بنية التفسير الذي قدمها ” عبد الوهاب المسيري “ تعد أطروحه نقدية من خارج المنظورات الفكرية حيث انها ابقت على فكرة “الدولة العلمانية القومية المركزية” على صفتها المطلقية؛ فما اسقط من ” المطلقية السياسية للملكية” وليس ” المطلقية المعرفية والاخلاقية والسياسية للدولة “ ومن ثم اصبحت الدولة هى الاله او على الاقل المبدأ الواحد والمطلق وهو مايشكل المرجعية النهائية للنسق المعرفي والاخلاقي وبقيت الدولة مطلقا وحيدا ومرجعية اخلاقية وفلسفية وسياسية جديدة للانسان الغربي يحظى بالاجماع القومي ويوظف البشر فى خدمته([78]).

ووفقا للمنظور النقدي الذي قدمته المدرسة البنيوية فى ظل الليبرالية الديمقراطية  بان عملية البناء للعلاقة مابين الدولة ومحيطها الاجتماعي والثقافي من داخل نظرية ” الدولة – الامة ” فانها اعتمدت على اتجاهان رئيسيان : الاول : يشدد على فكرة ان بناء الدولة عملية تنموية اجتماعية – سياسية عادة ماتستغرق فترة زمنية طويله بحيث تتيح للمجتمعات المفككة فى المستهل ان تغدوا مجتمعا موحدا متطابقا مع كيان الدولة فى نهاية المطاف وهو مالايعنى انها عملية مستمرة تلقائيا بل انها قد تحدث اصلا على نحو قسري او سلمي او على النحوين معا وهو السائد عمليا.

الاتجاه الثانى : يؤكد على ان بناء الدولة هو هدف سياسي فى المقام الاول بحيث يسعي الساسة من الخارج او الداخل الى خلق وتقوية نظام سياسي منشأ اساسا فى ظل دولة – امة وذلك من اجل تحقيق المصالح او ابتغاء تعزيز السلطة والعمل على اضعاف سلطة الخصوم ففي سياق الاتجاه الثاني يدافع اللاعبون الداخليون عن نموذج الدولة – الامة بهدف الاحتفاظ بالسلطة او ان اللاعبين الخارجين هم الذين يسعون الى تحقيق الهدف ذاته وبالتالى فان ” بناء الدولة” ضمن هذا الاتجاه وجه له المنظور النقدي باعتباره ولد خللا استراتيجيا تنمويا او امبرياليا منوطا بالظروف السياسية واللاعبين السياسيين.

وهو مايعنى فى الاتجاه الاول التركيز على بناء الدولة بصورة ذاتية من الداخل بهدف خلق دولة – امة متجانسة ثقافيا وموحدة سياسيا واقتصاديا ؛ اما الثاني فيعنى بوصول جماعة معينة الى السلطة وتوجيه عمليات بناء الدولة من الخارج بصورة غير ذاتيه؛ بحيث لايكون التحديث او المجانسة الثقافية بين المركز والاطراف الا هدفا عرضيا وهو مالايدخل فى صلب الاهتمام.

كما عبر المنظور النقدي لليبرالية وعملية البناء الذاتي للدولة – الامة من خلال الاستبدال شبه الشامل لكل اشكال الحكم غير الليبرالية بأنظمة حكم ديمقراطية ليبرالية. ومن الناحية الظاهرية يبدو ان هذين الاتجاهين لايجمعهما جامع الا ان حقيقة الامر هى ان هناك ترابطا جوهريا ما بين الدولة – الامة والديمقراطية الليبرالية؛ وهذا الارتباط الجوهري يتجسد فى كون الدول – الامم تعد الوحدات الملائمة لتطبيق ” الأطروحات السياسية الليبرالية ” ف ” القيم الديمقراطية الليبرالية ” المتمثلة فى العدالة الاجتماعية والديمقراطية التشاورية والاستقلال الذاتي الفردي قيم لايمكن زرعها وانتهاجها وفقا لاعتقاد ” القوميين الليبراليين” الا فى هذا الكيان الذي نطلق عليه تسمية ” الدولة – الامة اى فى الدولة التى تمكنت من جعل مواطنيها ذوى لغة وهوية قومية مشتركة فوفقا لمنظور ” ويل كيملكا” فانها تفسر كون معظم الليبراليين هم من القوميين وسبب سير الليبرالية والقومية جنبا الى جنب فى الحياة السياسية الغربية([79]).

وبالتالى فان النخب القوية كانت اصلا ذات توجه قومي ومن ثم فان نشر التوجه القومي وبناء هوية قومية موحدة باعتباره الهدف المركزى لتلك النخب كما انه من خلال الاعتقاد العام بوجود الهوية المشتركة سيبذل الجميع التضحيات لبعضهم البعض فى وقت الشدة والرخاء ومثل هذا التوجه العام يستلزم بدورة مرجعية فكرية موحدة توفر الارضية الملائمة لتحقيق الهدف بحيث يتم من خلالها التعامل مع الجميع على اساس تكافؤ الفرص والمشاركة السيياسية العامة والاستقلالية الفردية وذلك من اجل ترسيخ الهوية القومية المشتركة.

وتأسيسا من منظور التعددية الثقافية” فان الليبرالية انتهجت مشروع بناء الدولة – الامة حيث اضحي قيام دولة موحدة قوية ومترابطة اقليميا وذات سيادة ؛ فاحدي الفرضيات الرئيسية لليبرالية تقوم على ان كل مجتمع بحاجه الى دولة وبأنها اهم المؤشرات المميزة للمجتمع المتحضر ولكي تدعم هذه الدولة من وجودها سياسيا وايدلوجيا وتخلق ثقافة سياسية واخلاقية فردية فقد قامت بتدمير المؤسسات والمجتمعات وطرق الحياة التقليدية وذلك بمساعدة الليبراليين انفسهم الذين وفروا لها التبرير الايدلوجي اللازم وفقا لتعبير ” بيخو باريخ”.

ووفقا بذلك المنظور فان ” كيملكا ” استطاع اضافة بعدا جديدا للنظرية وعملية بناء الامة فى هذه المرحلة انطوت على 3 سياسات رئيسية : سياسة الهجرة الدالية والتوطين ؛ وحدود وسلطات الوحدات السياسية الفرعية الداخلية؛ سياسة اللغة الرسمية.

ووفقا لذلك الاطار النظري المستحدث فان السياسات استهدفت احداث تغييرات جذرية فى البنائين المادى والفكري للاقليات المتباينة ثقافيا عن الاكثرية حيث تهدف السياستان الاولى والثانية الى احداث تغييرات فى الوجود المادى للاقليات المستهدفة بالشكل الذي يقود الى اضعاف القدرات المادية ولاسيما على صعيدي الثقل الديمجرافي والانتشار الاقليمي وهو الامر الذي يوفر الارضية الملائمة للسياسة الثالثة فى تحقيق هدفها المتمثل فى “الاستيعاب الثقافي” اى الولوج الى داخل البناء الثقافي واللغوى للاقلية ثم تغييره كليا حتى يتحقق الاستيعاب الكلي([80]).

واخيرا فانه فى ضور المنظورات التى شملتها ” نظرية التعددية الثقافية ” للتعبير عن اطار العلاقة بين الدولة والمجتمع وعملية بناء الدولة – الامة فى سياق النظرية السياسية فانه من داخل المنظور النقدي للمدارس الفكرية لليبرالية والماركسية والتعددية فان الفكرة الرئيسية التى تم اتساقها مع العناصرالداخية للنظرية وعبرت عن سياق الاختلاف بين المنظورات الفكرية والنظرية المختلفة فانها استهدفت الانسجام والتلاحم الاخلى واستهداف التوفيق بين البناء الاجتماعي والاسس الفكرية التى تقوم عليها المجتمعات المتعددة الثقافات وذلك لادراك المفكرين بام استمرارية تنوع البناء ثقافيا وتباينه داخليا سيؤدى الى جعله مصدرا تهديد جد كبير للبناء السياسي واساسه  الفكري معا. ومن ثم فان المساواة في فرص العمل والمشاركة السياسية والحرية الفردية اقتضت جميعا وجود مجتمع متماسك ثقافيا ومتضامن اجتماعيا بحيث تتلاشي فيه اتباينات الثقافية او على الاقل يتم تحييدها وابقاؤها فى منأي عن المجال العام للدولة.

كما ان التخوف من هذه التباينات الثقافية واللغوية قد اخذت بعدا ينيا وذلك حين ربطت الباحثة ” انتونيا داردير” وزميلها ” رودولفو توريس “ بين امثال هذه التباينات  لتفسير اصل التخوف من استمرارية التباينات كما يعتقد بكون الاطروحات التى يقوم عليها التخوف مرتبطة بشكل وثيق بالتأثيرات الدينية والثقافية والتى تشير الاختلافات اللغوية؛ حيث ان هذه التاثيرات استخدمت بسهولة لتبرير ” التصورات العلمية ” المبكرة لعلماء الانثربولوجيا الذين اعتقدو بأن لغة واحدة متفرقة يتم الحديث والتخاطب بها .

ووفقا للنقد الذي وجه الى منظور ” راولز” حول العدالة : فان نظريته لم تسلم من النقد من اليمين واليسارر فلقد شدد اليمين الليبرالي على ان فكرة ” راولز” تقوم على المغالاه فى تأكيد مبدأ المساواة ويعمد الى وضع الكثير من السلطة بيد الحكومة؛ كما يري ” نوزيك ان ” راولز” يعمل على تقليص نطاق الحرية بشكل كبير لصالح المساواة فى الوقت الذي يتيح فيه السبيل امام انتهاك حق التملك من خلال زيادة الضرائب على الاثرياء بغية مساعدة الفقراء اى الافراد لاقل انتفاعا فى المجتمع وبذلك فان نقد اليمين ينصب على المبدأ الفارق لدي ” راولز”.

اما اليسار الاشتراكي يري ان نظرية ” راولز” اتاحت السبيل امام قيام حالة اللامساواة بصورة واسعة النطاق فقد كان لزاما على ” راولز” ادراك فكرة ان ” السماح بوضع الكثير من السلطة بيد الرأسماليين سيؤدي الى احكام السيطرة على الحكم بالشكل الذي يعزز من مصالحهم” وضمن هذا الاطار يؤكد الماركسيون ان هذه النظرية تنحاز فى تحديد طبيعية الانسان الى وجهه النظر الراسمالية حيث يحصر راولز تركيزة على الشكل الانعزالى من طبيعة الانسان القائم على اساس الفردية التنافسية وبذلك يتجاهل ” السلطة الكبيرة” التى تتمتع بها الطبقة الاجتماعية فى تحديد نطاق الحرية”([81]).

اما اليسار الليبرالي فيعالج من جانبه قضايا اخري في سياق نقده ” لنظرية راولز” كما يرفض ” والزر” فكرة تعميم النظرية لتشمل تطبيق كافه الثقافات كما تري ” العدالة باعتبارها عبارة عن التفسير الانساني وتحنل الخطأ والصواب.وبالتالى ليس بالامكان استخلاص ” مبادئ العدالة” من تجربة فكرية مجردة قائمة على تساؤل مفاده؛ اى من مبادئ العداة يمكن استخلاصها من التجربة الفكرية المجردة والقائمة.

نجد ان الاساس الفلسفي للتعامل مع التنوع الثقافي من دتخل المنظورات النقدية جعلت من البناء الفكري او الاطار المرجعي الذي ينبغي وجوده حين التعامل مع قضية ما حيث ان الاساس الفلسفي للتعامل مع التنوع الثقافي انما يراد به مجموعة من المعايير التى تتخذها السياسة قاعدة للتعاطي مع التنوع الثقافي داخل نطاق الدولة ويتم التعبير عن الاساس الفلسفي بمفردة ” العدالة” وبناء عليه فان اسس التعامل مع التنوع الثقافي من المنظور العام للاتجاهات والمدارس الفكرية المختلفة جعل الاختلاف حول تيار التعددية الثقافية فى الاتجاه العام؟ كما ان دعاه ” التعددية الثقافية” تيارا تفكيكيا يدعو الى المساواة بين غير المتساوين وفقا للمنظورات الليبرالية اليمينة واليسارية الاشتراكية([82]).

وبالتالى اسهمت المنظورات المقارنة فى اطار نظرية التعددية الثقافية فى تبلور الدولة وعلاقاتها بالمحيط الثقافي والاجتماعى واسهمت فى الاساس الفكري لمشروعات البناء للدولة – الامة ؛ والديمقراطية التشاورية و المواطنة العالمية  مما جعلها مشروعات فكرية بنائية قومية متكاملة تقوم على مسارين : الاول: دمج الاقليات دمجا تاما فى ثقافية الاكثرية المهيمنة داخل نطاق الدولة لكى تكون الامة كيانا موحدا ثقافيا  شأنها شأن احادية كيان الدولة؛ من خلال انتهاج سياسات معدة للوصول الى هذا الهدف تحديدا . فالتبيانات الثقافية بعد ان كانت عامل تشجيع للمركز فى الشروع بالسيطرة على الاهداف فانها امست عامل تعويق لاتمامه عملية السيطرة وبالتالى كان سببا رئيسيا لايجاد المسار. الثانى : تم العمل من خلاله على تعميم نموذج الدولة – الامة عالميا عبر التخلص من نماذج الدولة الاخري واستعمارها وانشاء دول – امم جديدة وذلك ابتغاء توفير الدعم المادي اللازم وخلق البيئة الخارجية الملائمة لاستمرارية المسار الاول ليلتقي المسارين فى مصب واحد فى نهاية المطاف.

الخاتمة :

تجد التعددية الثقافية إمكانيات، نظرية، لرعايتها وتقنينها والكلام حولها بما يتناسب مع جميع الثقافات، لكن على مستوى التطبيق والممارسة فإننا نجد هنالك الكثير من معوقات الرعاية والتنظير المُقدمة بشأن التعدد فمن خلال إعطاء مجال سياسي أوسع للأقليات ومساواتها مع رأي الأغلبية وسلطتها، ستولد حتما شحنات صدامات اجتماعية-سياسية، قد تؤدي بدورها إلى حروب وإلى انقسامات للدولة وتفككها، مما يجعل هذه الدول لقمة سائغة لأي خطر خارجي (الاحتلال على سبيل المثال)، كما أنّ هذه الأقليات إن امتلكت حرية أكثر مما هي عليه الآن، ستصبح لا محالة، تتبنّى وترتكز على الاستراتيجيات التي تتعاطى بها الأغلبية مع المشاكـل الثقـافية والاجتماعية، فتصبح الأقليات على شكل دول صغيرة داخل دولة كبيرة. كذلك فإن ماتقوم عليه “نظرية سيلا بن حبيب ” من مقومات للتواصل السياسي، في حال الخلاف، تظل–بدورها- ملتبسة بعض الشيء. فالنقاش الذي ينبني على الحجاج ليس الوسيلة المضمونة للوصول إلى حلول مقنعة بالنسبة جميع الأطراف، فدائما يكون طرف أقوى من الآخر، فبالتالي دائم يلعب الطرف الأقوى على أنه لن يخسر شيئا، فيكون اللف والدوران هو الوسيلة الأنجع له للخروج من دائرة الحجاج بأقل الأضرار، لأن مفتاح وقف النقاش في أية لحظة يكون بيده، لأنه هو من يقرر في الغالب سقف المطالب المسموح بها.

كما ان مشروع ” بناء الدولة – الامة ” مشروع معقد جدا وبعيد المدى يقوم على اساس فكرة مركزية ويبتغي من قيامه تحقيق هدف رئيسي ياتى فى مقدمته استيعاب التباينات الثقافية قسريا ان لزم الامر وجعل ثقافة الاكثرية السائدة هى الثقافة الوحيدة للدولة ليتم من خلال ذلك احداث التطابق بين البناء الثقافي والبناء السياسي كما ان مشروع بناء الدولة المتعددة الثقافات يقوم على فكرة ان التباينلت الثقافية بين المركز والاطراف تباينات راسخة  ومن الصعوبة ازالتها بدليل استمرارية بقائها تى اليوم الراهن ومن ثم كان من الاجدي اتعامل معها على نحو ماهو كائن لا على اساس مايجب ان يكون وفى كلا مروعي بناء الدولة يبقي الهدف المركزى متمثلا فى تحقيق استمرارية وحدة الدولة واستقرارها([83]).

كما ان الاشارة الى اليات معالجة ازمة ” الدولة – اامة” بينت ان الامة متجسده ف انبعاث الهويات الاثنية والقومية فى سائر انحاء نظام الدولة – الامة؛ وقد نجم عن ذلك تحديدا بغعل الكيفية التى تمت بموجبها عملية بناء الدولة؛ وبالتالى يصبح من المنطقي ان تتم معالجة الازمة بكيفية اخري من اجل استمرارية وحدة الدولة وفى هذا السياق نجد ان تيار ” التعددية الثقافية” يستهدف تحقيق وحدة الدولة ولكن دون الابقاء على شكل الدولة – اامة وانما بتحويلها الى دولة متعددة الثقافات او دولة متعددة القوميات وبناءا عليه فان قضي وحدة الدولة وتجانسها الثقافي تكون من القضايا المسلم بها من لدن القرابه لجميه النظريات السياسية التى تتناول الدولة مثل الليبرالية الفردية والمجتمعاتية والقومية. ولاتختلف هذه النظريات الا فى درجة التحانس التى تهدف الى تحقيقها اذ يصر انصار الليبرالية الفردية على وجوب ان يعرف جميع المواطنين انفسهم باوصاف فردانية بينما يري المجتمعاتيون وجوب ان يتقاسم المواطنون فكرة تحقيق غايات جوهرية مشتركة ليكون ذلك تعبيرا عن الانتماء الى مجتمع واحد يعلو مقام الفرد من حيث الاهمية والاسبقية؛ فى حين يهدف القوميون الى ان يتشاطر المواطنون هوية قومية موحدة وثقافة مشتركة.

ووفقا لمفهوم الثقافة الذي طرحه ” كيملكا” او الثقافة المجتمعية  فان الثقافة المتمركزة اقليميا قامت على اساس اللغة المشتركة ومستخدمة على نطاق واسع فى المؤسسات المجتمعية وعلى صعيد الحياة العامة والخاصة ومسؤولة عن توفير طرق العيش ذات المعنى لأعضائها وتشمل كامل نطاق الانشطة الانسانية بما فيها جوانب الحياة الاجتماعية والتعليمية والدينية والترفيهية والاقتصادية؛ فالثقافة المجتمعية اكدت على انها لاتتضمن القيم والذكريات المشتركة فحسب وانما تحوي الممارسات والمؤسسات المشتركة كما يغدو الناس وفقا لهذا المنظور مشدودين الى جماعاتهم الثقافية بصورة وثيقة ونقلها الى ثقافة اخري.

ومن ذلك لوحظ من داخل ” المنظور الليبرالي “ معارضة منح اى حقوق للجماعات استنادا الى الانتماء الثقافي للفرد الى هذه الجماعة او تلك نظرا الى اعتقادهم بأن منح الحقوق اعتمادا على الانتماء الثقافي سيخلق بالضرورة تفاوتا راسخا ذا طبيعة اعتباطية واخلاقية مابين المواطنين وذلك بتوزيعهم الى فئتين : احداهما هى فئة المواطنين من الدرجة الاولى؛ والاخري هى فئة المواطنين من الدرجة الثانية([84]).

وبغية تلافي مثل هذا الوضع طرح ” الليبراليون” المعاصرون فكرة حيادية الدولة القائلة بوجوب عدم لجوء الدولة الى مكافاه او معاقبة اى معتقد من المعتقدات ذات صلة بالحياة الكريمة والحري بالدولة ان توفر ارضية محايدة حتى تتمكن مختلف التصورات المتضاربة عن الخير من الاستمرار والتطور فيها؛ وبالتالى فان حيادية الدولة يخل فيها فعليا بذلك التوازن الذي يراد تحقيقه مابين الجماعة المهيمنة ثقافيا والجماعات الخاضعة لها حيث تعمل الحيادية على استمرارية اللاتوازن بينهما لانها تقوم علميا بضمان حيازة الجماعات الخاضعة عددا محدودا من الخيارات فى سياق التفاعل المتبادل مع ” الجماعة المهيمنة” وكيفية مجابهه ماتتمتع به.

ووفقا للمنظور الليبرالي والماركسي فى اطار النظرية التعددية فان طرح قيم الحرية والعدالة والمساواة الثقافية كان لها بعدا مفاهيميا وفكريا فى وضع الاطر النظرية؛ فالمساواة الثقافية بنت رؤيتها على فكرة مفادها ان المرء يسعي الى تحقيق مطامح شخصية ما فى مجتمع يأخذ بمبدأ تكافؤ الفرص وبالتالى فان نجاح المرء او فشله ام تتحدد نوعيه سعيه الفردي وانجاه فى سبيل تحقيقه.

وفى مثل هذا المجتمع فان ” اللامساواة فى الدخل امرا منصفا” ذلك لان النجاح هو استحقاق يصب فى صالح مستحقيه لاغيرهم.

واخيرا يمكن القول انه من البديهي ان يكون الاستقرار حجر الزاوية فى نجاح اى مشروع وليست الدولة فى الاصل الا مشروعا اراد الانسان من خلاله تنظيم شؤونه وتحقيق امنه بالشكل الذي يوفر له البيئة المناسبة لعيش حياة كريمة وبالتالى فان استقرار هذا المشروع لابد له من مصادر كفيلة بإدامه المشروع والحيلولة دون فشله.

وبناء على ذلك يصب بواعث تركيز استقرار الدولة المتعددة الثقافات فضلا عن مكامن عدم استقرارها وكان من المناسب ايضا تسليط الضوء على الاراء الناقدة لانها ساعدت على بلورة رؤية اكثر وضوحا لتلك الاشكالية.فان مصادر عدم استقرار الدولة المتعددة الثقافات فمثلما تعانى الدولة – الامة عدم الاستقرار فان  مشروع بناء الدولة المتعددة الثقافات فيعانى هو الاخر من عدم الاستقرار متولدا من مصادر عده([85]).

وبالتالى فان الاشكالية التى تم البحث حولها حملت مجموعة من الاسئلة الاستثارية وحاولت تقديم اجابات حولها: اهمها مالذي يحمل الاقليات الثقافية على الانبعاث والبروز فى الدول – الامم الغربية؟ وكيف تمت الموائمة بين الوحدة السياسية والتنوع الثقافي وفقا ” لنظرية التعددية الثقافية ؟ وهل كان من المممكن الاخذ بأطروحات هذا الاتجاه الفكري للمساهمة فى زيادة الاندماج الداخلى للدولة ام انه يعمل على تشظية الدولة؟

ووفقا لتلك التساؤلات فان افتراض اجابة واشكالية حول ” التعددية الثقافية” باعتبارها نظرية التعامل مع التنوع الثقافي ومعالجة ظاهرة انبعاث الهويات الثقافية فى الدول الغربية وان عامل التباينات الثقافية هو العامل الجوهري فى اثارة هذه الهويات وهو الذي يدفع مركز الدولة – الامة الى السيطرة على اطرافها كما ان التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية بين الاكثرية المهيمنة والاقليات المتباينة عنها ثقافيا. نظرت الى عملية السيطرة على تلك تستهدف ذات كل اقلية اى هويتها الثقافية على حدة فان استمرارية هذه العملية تدفع الى استمرارية انبعاث الهويات الثقافية([86]).

وبالتالى فان الاستنتاج الفكري لاشكالية التعددية الثقافية يتمحور حول عدد من المحاور:

اولا : ان التباينات الثقافية بين اعضاء الجماعات الثقافية تباينات اصيلة وتشكل عاملا جوهريا فى دفع بنى الانسان نحو بناء الهوية وانشاء السلطة السياسية ومن ثم الدولة؛ وربما السبب الرئيسي فى فاعلية هذه التباينات هو كونها وثيقة الصلة بذات الانسان ونمط حياته ومعتقداته الموروثه فالانسان نادرا مايتمكن من العيش خارج نطاق المجتمع وجماعته الثقافية لانه مجبول بالفطرة على العيش بصورة جماعية. وهو كائن اجتماعي يعيش على شكل جماعات شأنه فى ذلك شأن معظم اللمخلوقات الاخري. ومن جانب اخر لم تتولد تلك التباينات الثقافية دفعة واحدة بل انها انشأت وتطورت فى ظل عوامل الاجتماع والزمان والمكان بدليل انها اتخذت بادئ ذي بدئ شكل القبيلة والدين واللغة والعرق والمذهب حتى امست هوية الانسان الثقافية هوية مركبة من هذه الانتماءات الفرعية.

ثانيا : ان مايؤكده هذا المنظور نشأة الدولة – الامة وتطورها فالتباينات الثقافية التى كانت تتبلور تدريجيا فى اوروبا خلال القرون الوسطي مثل الانتماء القبلي والديني واللغة والتوطن فى مناطق متباعدة ومتناثرة جغرافيا جميعها تتطورات لتتخذ شكل الهوية القومية ى نهاية المطاف.

ثالثا : لقد كانت الدولة – الامة ومنذ اولى مراحل بنائها قوة استيعابية قسرية فالجماعة المهيمنة فى المركز لم تكن عموما متسامحة مع التباينات الثقافية داخل نطاق الدولة؛ ومايؤكد ذلك الاندماج الداخلى وبناء الهوية الموحدة قاما اساسا على فكرة التخلص من الهويات الفرعية فى سبيل خلق الولاء للدولة هو الولاء الذي اتخذ فى بداية المراحل صيغة الولاء لشخص الحاكم واسرته ثم تطور لاحقا ليتخذ صيغة الولاء للدولة ومؤسساتها.

رابعا : عمل المركز عادة على انتهاج حزمة من السياسات لبناء الدولة – الامة وحاول من خلالها احداث تغييرات جذرية فى البناءين المادى والفكري للاقليات المتباينة ثقافيا عن الاكثرية المهيمنة.

خامسا : استمرارية عملية بناء الدولة وسياساتها ولدت بدورها ردود فعل عكسية لدي الاقليات الثقافية تمثلت فى انفكامها الى هوياتها وممانعتها الشديدةة لفكرة الاندماج فى ثقافة الاكثرية المهيمنة وذلك لان العملية ببساطه تستهدف بقاء واستمرار الاقليات فى حيز الوجود.

سادسا : بعد الحرب العالمية الثانية دخلت الليبرالية بوصفها المرجعية الفكرية للدولة – الامة فى حال المخاض الفكري نجم عنه عده اتجاهات فكرية ويكاد باعث المخاض يكون واحدا وهو التنوع الثقافي المتنامى بجانب القومي والاثني.

سابعا : شهد اتجاه التعددية الثقافية منذ الثمانينات المنصرمة تطورا نوعيا يتمثل فى ان تطبيقاته ومجالاه لم تعد محصورة فى الابحاث والدراسات الثقافية والفكرية كما انها تعدت مجالات التربية والتعليم والصحة والقانون؛ وبلتالى تشديد الاتجاه العام والمنظور النقدي على وجوب تكييف البنية الثقافية لتطابق احادية البنية السياسية ([87]).

ثامنا : اطروحات ” كيملكا” لاتصدق عليها فكرة انها مرت بتحولات فكرية اى انها لم تمر بمراحل متباينة من حيث التوجه الفكري والتقلب بين اليسار واليمين بل انه يكاد لايتخلي عن سائر الافكار وكانها حزمة واحدة فهو يدافع عنها بصوؤة متواصلة ويرد على نقاده فى سياقات مختلفة.

وبناء على ماسبق فان ” مركزية الدولة – الامة “ تعانى تحللا فى قبضته وانفراطا فى سيطرته على الاطراف وذلك نتيجة ماتحدثه ” التعددية الثقافية” من تغيير وانفراط فى سيطرة الاطراف وذلك نتيجة ماتحدثه التعددية الثقافية من تغيير فى المرجعية الفكرية التى يقوم عليها بنيان الدولة؛ وو مايستدعى امتداد تأثير التعددية الثققافية على تفكك الدولة – الامة فى المدي البعيد.

* المراجع :

أولا : رسائل الدكتوراة والماجيستير :

  • أحمد نبيل صادق ؛ ” إسهام ابن خلدون فى النظرية السياسية: بين الفكر والحركة” ؛ كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ؛ جامعة القاهرة ؛ رسالة ماجيستير؛ 2011.
  • نورهان عبد الوهاب احمد قايم ؛ ” ولاية الفقية زمفهوم الدولة عند الامام الخميني”؛ كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ؛ جامعة القاهرة ؛ رسالة ماجيستير؛ 2011.
  • سامح محمد السيد متولي ؛ ” العمران السياسي لدي ابن خلدون دراسة فى العلاقة بين الفساد والاستبداد”؛ كلية الاقتصاد والعلوم السياسية؛ جامعة القاهرة؛ رسالة ماجيستير؛ 2009.
  • حسام الدين على مجيد ؛ ” استراتيجية التغريب تجاه العالم الاسلامي “؛ كلية العلوم السياسية؛ جامعة بغداد؛ رسالة ماجيستير؛ 2002.
  • مسعود ضاهر؛ ” الدولة والمجتمع فى المشرق العربي (1840- 1990) “؛ كلية الاقتصاد والعلوم السياسية؛ جامعة القاهرة؛ 1991.

ثانيا : الكتب:

  • حسام عبد المجيد ؛ ” أشكالية التعددية الثقافية فى الفكر السياسي المعاصر : جدلية الاندماج والتنوع”؛ مركز دراسات الوحدة العربية؛ 2010.
  • ادم كوبر ؛ ترجمة : تراجى فتحى ؛ ” الثقافة : التفسير الانثربولوجى “؛ المجلس الوطنى للثقافة والفنون والاداب ؛ الكويت ؛ 2008.
  • فرانسيس فوكاياما ؛ ترجمة : مجاب الامام ؛ ” بناء الدولة : النظام العالمي ومشكلة الحكم والادارة فى القرن الحادى والعشرين”؛ دار العبيكان للنشر ؛ الرياض ؛ 2007.
  • كارستن فيلاند ؛ ترجمة : محمد حديد ؛ ” الدولة القومية خلافا لاراداتها : تسييس الاثنيات واثنية السياسة : البوسنة؛ الهند ؛ باكستان”؛ دار المدى للثقافة والنشر ؛ دمشق ؛ 2007.
  • راولز جون ؛ ترجمة : ناطق خلوصي ؛ ” قانون الشعوب : مع مقالة عودة الى فكرة العقل العام ” ؛ بيت الحكمة ؛ بغداد ؛ 2006.
  • احمد زايد ؛ ” سيكلوجية العلاقات بين الجماعات : قضايا فى الهوية الاجتماعية وتصنيف الذات”؛ المجلس الوطنى للثقافة والفنون والاداب؛ الكويت؛ 2006.
  • اميتاى اتزيونى؛ ترجمة : ندي السيد ؛ ” الخير العام : اشكاليات الفرد والمجتمع فى العصر الحديث”؛ دار الساقي؛ بيروت 2005.
  • مايكل بارنتى؛ ترجمة : حضه المنيف؛ ” ديموقراطية للقلة”؛ المجلس الاعلى للثقافة؛ 2005.
  • لاري دايموند ؛ ترجمة ” فوزية ناجى جاسم ؛ ” الديمقراطية : تطويرها وسبل تعزيزها”؛ دار المأمون للترجمة والنشر؛ 2005.
  • جون جراي؛ ترجمة : احمد محمود؛ ” مابعد الليبرالية : دراسات فى الفكر السياسي”؛ المجلس الاعلى للثقافة؛ القاهرة؛ 2005.
  • ارون سلزر ؛ ترجمة : فاضل جتكر ؛ ” المحافظون الجدد” ؛ مكتبة العبيكان ؛ الرياض ؛ 2005.
  • احمد عبد الحافظ ؛ ” الدولة والجماعات العرقية : دراسة مقارنة للسياسة الروسية تجاه الشيشان وتتارستان” ؛ مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية ؛ الاهرام ؛ 2005.
  • عزيز العظمة واخرون؛ ترجمة : عبد القادر قتيني ؛ ” الهوية ” ؛ المركز الثقافي العربي ؛ الدار البيضاء ؛ 2005.
  • روناندل واتس ؛ ترجمة :  حسام الدين خضور ؛ “من نحن ؟ : التحديات التى تواجه الهوية الامريكية “؛  دار الراي للنشر ؛ دمشق ؛ 2005.
  • اجنر فوج ؛ الترجمة : شوقي جلال ؛ “الانتخاب الثقافي ” ؛ المجلس الاعلى للثقافة ؛ القاهرة ؛ 2005.
  • عبد الوهاب المسيري ؛ ” العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة “؛ دار الشروق ؛ القاهرة ؛ 2005.
  • عبد العالى دبلة ؛ ” الدولة : رؤية سوسيولوجية” ؛ دار الفجر للنشر والتوزيع ؛ 2004.
  • وجيه كوثراني ؛ ” هويات فائضة مواطنة منقوصة : فى تهافت خطاب حوار الحضارات وصدامها عربيا “؛ دار الطليعة للطباعة والنشر ؛ بيروت ؛ 2004.
  • ريان فوت ؛ ترجمة : ايمن بكر وسمير الشيشكلى ؛ ” النسوية والمواطنة “؛ المجلس الاعلى للثقافة ؛ القاهرة ؛ 2004.
  • جوزيف ياكوب ؛ ترجمة : حسين عمر ؛ ” مابعد الاقليات : بديل عن تكاثر الدول” ؛ المركز الثقافي العربي ؛ بيروت ؛ 2004.
  • ستيفن ديلو ؛ ترجمة : ربيع وهبة ؛ ” التفكير السياسي والنظرية السياسية والمجتمع المدنى”؛ المجلس الاعلى للثقافة؛ القاهرة ؛ 2003.
  • فتحى التريكي ؛ ” الحداثة ومابعد الحداثة “؛ دار الفكر ؛ دمشق ؛ 2003.
  • عمانوئيل فاليرشتاين ؛ ترجمة : عبد الحميد الاتاسي ؛ ” استمرارية التاريخ ” ؛ دار كنعان للدراسات والنشر والخدمات الاعلامية ؛ دمشق ؛ 2003.
  • بيير شونو؛ ترجمة : سلمان حرفوش ؛ ” الحضارة الاوروبية فى عصر الانوار “؛ دار كنعان للدراسات والنشر والخدمات الاعلامية ؛ دمشق ؛ 2003.
  • ميشيل فوكو ؛ ترجمة : الزواوى بغورة ؛ ” يجب الدفاع عن المجتمع : دروس القيت فى الكوليج دى فرانس 1976؛دار الطليعة للطباعة والنشر ؛ بيروت ؛ 2003.
  • موريس فلامان ؛ ترجمة : تمام الساحلى ؛ ” الليبرالية المعاصرة”؛ المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ؛ بيروت : 2002.
  • جاك باغنار ؛ ترجمة : نور الدين اللباد ؛ ” الدولة مغامرة غير اكيدة”؛ مكتبة مدبولى؛ القاهرة؛ 2002.
  • جورج بوردو؛ ترجمة : سليم حداد؛ ” الدولة” ؛ المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع؛ بيروت؛ 2002.
  • حسن خليل غريب ؛ ” الماركسية بين الامة والاممية : نحو طاولة حوار بين المشروعين القومي والماركسي”؛ دار الطليعة للطباعة والنشر ؛ بيروت ؛ 2002.
  • جان جاك شوفاليه ؛ ترجمة : محمد عرب صاصيلا ؛ ” تاريخ الفكر السياسي : من الدولة القومية الى الدولة الاممية “؛ المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ؛ بيروت ؛ 2002.
  • انطونى جيدنز ؛ ترجمة : شوقي جلال ؛ ” بعيدا عن اليسار واليمين: مستقبل السياسات الراديكالية” ؛ المجلس الوطنى للثقافة والفنون والاداب؛ عالم المعرفة؛ 2002.
  • راسل جاكوبي ؛ ترجمة : فاروق عبد القادر ؛ ” نهاية اليوتوبيا : السياسة والثقافة فى زمن اللامبالاه”؛ المجلس الوطنى للثقافة والفنون والاداب؛ عالم المعرفة ؛ الكويت؛ 2001.
  • غيلنر ارنيت ؛ ترجمة : معين الامام ؛ ” مابعد الحداثة والعقل والدين “؛ دار المدى للثقافة والنشر ؛ دمشق؛ 2001.
  • محمد جمال باروت ؛ ” الدولة والنهضة والحداثة: مراجعات نقدية”؛ دار الحوار للنشر والتوزيع؛ اللاذقية؛ 2000.
  • الان تورين ؛ ترجمة : عبود كاسوحة؛ ” مالديمقراطية : دراسة فلسفية”؛ دمشق؛ منشورات وزارة الثقافة السورية؛ 2000.
  • عبد الحق يحيي زلوم ؛ ” نذر العولمة : هل بوسع العالم ان يقول لا للرأسمالية المعلوماتية؟” ؛ بيروت : المؤسسة العربية للدراسات والنشر؛ 1999.
  • صموئيل هنتغتون ؛ ترجمة : طلعت الشايب ؛ ” صدام الحضارات واعادة صنع النظام العالمي ” ؛ دار سطور ؛ القاهرة ؛ 1999.
  • فيليب برو؛ ترجمة : محمد عرب صاصيلا ؛ ” علم الاجتماع السياسي” ؛ المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع؛ 1998.
  • تزفتان تودوروف ؛ ترجمة : ربي حمود؛ ” نحن والاخرون: النظرة الفرنسية للتنوع البشري”؛ دمشق؛ دار المدي للثقافة والنشر؛ 1998.
  • حسين مؤنس ؛ ” الحضارة : دراسة فى اصول وعوامل وقيام تطورها “؛ المجلس الوطنى للثقافة والفنون ؛ 1998.
  • دانيال برومبرغ؛ ترجمة : عمر سعيد الايوبي؛ ” التعدد وتحديات الاختلاف: المجتمعات المنقسمة وكيف تستقر؟” ؛ دار الساقي؛ 1997.
  • ميشيل تومبسون؛ ريتشارد اليس ؛ ارون فيلدافسكي؛ ترجمة : على سيد الصاوى؛ ” نظرية الثقافة” ؛ المجلس الوطنى للثقافة والفنون والاداب؛ عالم المعرفة؛ 1997.
  • محمد عمارة ؛ ” التعددية : الرؤية الاسلامية والتحديات الغربية”؛ دار نهضة مصر للطباعة والنشر ؛ القاهرة ؛ 1997. (سلسلة التنوير الاسلامى 8).
  • برتران بادي ؛ ترجمة : نخلة فريفر؛ ” الدولتان: الدولة والمجتمع فى الغرب وفى دار الاسلام؛ المركز الثقافي العربي؛ الدار البيضاء؛ 1996.
  • جون ستيورات ميل ؛ الترجمة : امام عبد الفتاح وميشيل متياس ؛ ” اسس الليبرالية السياسية “؛ مكتبة مدبولى ؛ القاهرة ؛ 1996.
  • تيد روبرت جار؛ تجمة : مجدى عبد الحكيم وسامية الشامي؛ ” أقليات فى خطر” ؛ مكتبة مدبولى ؛ القاهرة؛ 1995.
  • برهان غليون ؛ ترجمة : المحنة العربية : الدولة ضد الامة “؛ مركز دراسات الوحدة العربية؛ بيروت ؛ 1994.
  • ايزايا برلين؛ ترجمة : سمية فلو عبود؛ ” نسيج الانسان الفاسد”؛ دار الساقي ؛ بيروت؛ 1993.
  • شارلز تيلي ؛ ترجمة : عصام الخفاجي؛ ” الدول والقسر رأس المال عبر التاريخ”؛ دار الفارابي ؛ بيروت؛ 1993.
  • توم بوتومور؛ ؛ ترجمة : عادل مختار الهواري ؛ ” علم الاجتماع السياسي”؛ مكتبة الفلاح للنشر والتوزيع؛ الكويت؛ 1989.
  • محمد السيد سعيد ؛ ” الشركات عابرة القومية ومستقبل الظاهرة القومية “؛ المجلس الوطنى للثقافة والفنون والاداب ؛ عالم المعرفة ؛ الكويت ؛ 1986.
  • عبد الرضا الطعان ؛ صادق الاسود ؛ ” مدخل الى علم السياسة ” جامعة بغداد ؛ بغداد ؛ 1986.
  • بطرس بطرس غالي؛ محمود خيري عيسي؛ ” المدخل فى علم السياسة” ؛ مكتبة الانجلو المصرية؛ 1984.
  • موريس دوفرجيه ؛ ترجمة : سامي الدوربي وجمال الاتاسي ؛ ” مدخل الى علم السياسة” ؛ دار دمشق للطباعة والصحافة والنشر؛ دمشق؛ 1981.
  • محمد اسد؛ ترجمة : عفيف البعلبكي ؛ ” الطريق الى الاسلام”؛ دار العلم للملايين؛ بيروت؛ 1977.
  • دليل بيرنز ؛ ترجمة : لويس اسكندر؛ ” المثل السياسية”؛ مؤسسة سجل العرب؛ القاهرة؛ 1964.
  • ه.ر.ج. جريفر ؛ ترجمة : عبد الكريم احمد؛ مراجعة : عبد الملك عودة ؛ ” اسس النظرية السياسية”؛ دار الفكر العربي؛ بيروت 1961.

ثالثا : الدوريات العلمية :

  • بنجامين عبد الله ؛ ” الهويات الثقافية الجماعية ..وتعددية الحدود كيف تتباين اتجاهات التدفقات المعرفية فى العالم ؟ ” ؛ السياسة الدولية ؛ العدد 154؛ 2010.
  • غاستون ميلاري ؛ ترجمة : محمد بن الشيخ ؛ ” التعددية الثقافية والتربية فى القرن الحادي والعشرين ” ؛ فكر ونقد ؛ العدد 12 ؛ الدار البيضاء ؛ 2008.
  • لاري يونك ؛ ” من السودان الى داكوتا الشمالية .. اللاجئون “؛ مفوضية الامم المتحدة لشؤون اللاجئين ؛ السنة 2 ؛ العدد 119؛ 2000.
  • السيد يسين ؛ ” مفهوم الازمة فى الفكر المعاصر “؛ المنار ؛ العدد 59 ؛ نوفمبر 1989.

رابعا : ندوات ومؤتمرات :

فالح عبد الجبار ؛ ” مابعد الماركسية : ندوة ابحاث فكرية ” ؛ دار المدي للثقافة والنشر ؛ دمشق ؛ 2000.

خامسا : التقارير :

منظمة الامم المتحدة للتربية ولعلم والثقافة. ” اعلان اليونسكو العالمي بشأن التنوع الثقافي”؛ نوفمبر 2001. http://www.unesco.org/ar/culutral-diversity/>

سادسا : المواقع الالكترونية :

http://aafaqcenter.com/post/1271

https://www.goodreads.com/book/show/21840086

http://www.ahewar.org/debat/s.asp?aid=287187&t=4

http://ebn-khaldoun.com/article_details.php?article=216

http://www.hurriyatsudan.com/?p=108586

سابعا : المراجع باللغة الاجنبية :

*Books:

1- Scruton , Roger, ” The palgrave Macmillan Dictionary of political Thought , new york , palgrave Macmillan , 2007.

2- West , Patrick , ” The poverty of Multiculturalism ” , London: Civitas Institute for the study od Civil Society , 2007.

3- Banting, Keith and Will Kymlicka (eds),” Multiculturalism and the Welfare state : Recognition and Redistribution in contemporary Democracies “, Oxford : Oxford University press, 2006.

4- Hoffman, John paul Graham , ” Introduction to Political Idelogies”, London: pearson Education Limited , 2006.

5-Parekh, Bbhikhu, ” Rethinking Multiculturealism Cultural Diversity and Political Theory”, New York : Palgrave Macmillan, 2006.

6-Von Mises, Ludwige,” Liberalism in the classical Tradion ” , Translated by Ralph Raico , Indianapolis: liberty fund Inc, 10th, 2005.

7- Parrillo, Vincent N, ” Understanding Race and Ethnic Relations” Boston, MA: pearson Education Inc, 2005.

8- Hippler, jochen( eds), “Nation – Building: AKey concept for peaceful conflict transformation? “, translated by Barry Stone, London: Pluto press, 2005.

9- Barnett, Randy E, ” The structure of liberty Justice and The Rule of law . “, Oxford: Oxford university press, 2004.

10- Darder, Antonia and Rodolfo D. Torres, ” After Race : Racism after Multiculturalism”, New York university press, 2004.

11- Farrelly, Colin, ” An Introduction to Contemporary political Theory ” , London: saga publication, 2004.

12- Joppke, Christian and Steven Luke ( eds), ” Multicultural Questions”,Oxford: Oxford university press. 2002.

13- Festenstein , Mathew . , ” Cultural diversity and The Limits of Liberalism”, in Noel O Sullivan. Political Theory in Transition. London and Newyork: Routledge, 2000.

14- Chambers, simon and Will Kymlicka ( eds) , ” Alternative conceptions of civil SO-ciety”, New jersey; Printon University press, 2002.

Gutmann,Amy, ” Identity in Democracy”, Princeton university press, 2nd , 2002.

16-Kiviso, Peter, ” Multicultralism in a Global society”, Oxford: Blackwell Bublishing company, 2002.

17-Kymlicka, will, ” Contemporary political Philosobhy : An Introduction “, Oxford university press, 2004.

18-Tapp, Robert B.( ed.) , ” Multiculturalism: Humanist Perspectives”, Newyork: Prometheus books, 2000 (Humanism Today , volum 14).

19-Levy, Jacob T, ” The Multiculturalism of Fear”, Oxford: Oxford university press, 2000.

20-Patrick , Morgan . E. , ” Identity , Diversity and politics of recognition”, London: London university press, 2000.

21-Kallen, Horace M , ” Culture and Democracy in the united states”, new Brunswick: Transaction Publishers, 1998.

22-Vincent, Andrew (ed), ” political Theory : Tradition and Dversity” , Cambridge, Ma : Cambridge university press, 1997.

23-Schmidt, Alvin , ” The Menace of Multiculturalism: Trojan horse in America”, Connecticut: paeger Publishers, 1997.

24-Tiron , Wiliams, ” Multicultural Citizenship: ALiberal Theory of Minority Rights”, Oxford: Oxford university press, 1995.

25-Goldberg, Dvid theo (ed), ” Multiculturalism: A Critical Reader”, Oxford: Basil Blackwell Ltd., 1994.

26-Hutchinson, john and Anthony D. Smith ( eds), ” Nationalism ” , Oxford : oxford university press , 1994.

27-Barrow, clyde W. ” Critical Theories of the state , Marxixt, Neo- Marxist, post – Marxist”, Madison: Wisconsin: The University of Wisconsin Press. 1993.

28-Barry , norman , ” An Introduction to Modern political Theory” , London and Basingstoke: The Macmillan press, 1981.

*Periodicals:

1- Cassatella, Andrea, ” Multiculturalism Justice : Will Kymilcka and Cultural Recognition”, Ratio Juris: vol  19, no.1, march 2006.

2- He , Baogang, ” Confucianism Versus Liberalism Over Minority Rights: A Critical Response To Will Kymlicka” , Journal of Chinese Philosobhy: vol. 31, no. 1, March 2004.

3- Gring, yotre, ” Liberal Individualism and Liberal Neutrality ” , Ethics Journal ( Chicago, IL): vol . 99, no , 4, july 1989.

[1] ) مسعود ضاهر؛ ” الدولة والمجتمع فى المشرق العربي (1840- 1990) “؛ كلية الاقتصاد والعلوم السياسية؛ جامعة القاهرة؛ 1991.ص 123.

– حسام عبد المجيد ؛ ” أشكالية التعددية الثقافية فى الفكر السياسي المعاصر : جدلية الاندماج والتنوع”؛ مركز دراسات الوحدة العربية؛ 2010.ص54.

[2] ) احمد زايد ؛ ” سيكلوجية العلاقات بين الجماعات : قضايا فى الهوية الاجتماعية وتصنيف الذات”؛ المجلس الوطنى للثقافة والفنون والاداب؛ الكويت؛ 2006. ص 26.

[3] ) عبد العالى دبلة ؛ ” الدولة : رؤية سوسيولوجية” ؛ دار الفجر للنشر والتوزيع ؛ 2004.ص37

[4] ) جون جراي؛ ترجمة : احمد محمود؛ ” مابعد الليبرالية : دراسات فى الفكر السياسي”؛ المجلس الاعلى للثقافة؛ القاهرة؛ 2005.ص63

[5] ) ستيفن ديلو ؛ ترجمة : ربيع وهبة ؛ ” التفكير السياسي والنظرية السياسية والمجتمع المدنى”؛ المجلس الاعلى للثقافة؛ القاهرة ؛ 2003.ص53

[6] ) فتحى التريكي ؛ ” الحداثة ومابعد الحداثة “؛ دار الفكر ؛ دمشق ؛ 2003.ص60

[7] ) جوزيف ياكوب ؛ ترجمة : حسين عمر ؛ ” مابعد الاقليات : بديل عن تكاثر الدول” ؛ المركز الثقافي العربي ؛ بيروت ؛ 2004.ص87

[8] ) غاستون ميلاري ؛ ترجمة : محمد بن الشيخ ؛ ” التعددية الثقافية والتربية فى القرن الحادي والعشرين ” ؛ فكر ونقد ؛ العدد 12 ؛ الدار البيضاء ؛ 2008.ص67.

[9] ) فالح عبد الجبار ؛ ” مابعد الماركسية : ندوة ابحاث فكرية ” ؛ دار المدي للثقافة والنشر ؛ دمشق ؛ 2000.ص75

[10] ) بطرس بطرس غالي؛ محمود خيري عيسي؛ ” المدخل فى علم السياسة” ؛ مكتبة الانجلو المصرية؛ 1984.ص69

[11] ) Banting, Keith and Will Kymlicka (eds),” Multiculturalism and the Welfare state : Recognition and Redistribution in contemporary Democracies “, Oxford : Oxford University press, 2006.p.p53

[12] ) http://aafaqcenter.com/post/1271

[13] ) Parekh, Bbhikhu, ” Rethinking Multiculturealism Cultural Diversity and Political Theory”, New York : Palgrave Macmillan, 2006.p.p79

[14]) بنجامين عبد الله ؛ ” الهويات الثقافية الجماعية ..وتعددية الحدود كيف تتباين اتجاهات التدفقات المعرفية فى العالم ؟ ” ؛ السياسة الدولية ؛ العدد 154؛ 2010.ص74

[15] ) حسام عبد المجيد ؛ ” أشكالية التعددية الثقافية فى الفكر السياسي المعاصر : جدلية الاندماج والتنوع”؛ مركز دراسات الوحدة العربية؛ 2010.ص154

[16]) فرانسيس فوكاياما ؛ ترجمة : مجاب الامام ؛ ” بناء الدولة : النظام العالمي ومشكلة الحكم والادارة فى القرن الحادى والعشرين”؛ دار العبيكان للنشر ؛ الرياض ؛ 2007.ص73

– دانيال برومبرغ؛ ترجمة : عمر سعيد الايوبي؛ ” التعدد وتحديات الاختلاف: المجتمعات المنقسمة وكيف تستقر؟” ؛ دار الساقي؛ 1997.ص69

[17] ) تيد روبرت جار؛ تجمة : مجدى عبد الحكيم وسامية الشامي؛ ” أقليات فى خطر” ؛ مكتبة مدبولى ؛ القاهرة؛ 1995.ص80.

– برهان غليون ؛ ترجمة : المحنة العربية : الدولة ضد الامة “؛ مركز دراسات الوحدة العربية؛ بيروت ؛ 1994.ص54

– Cassatella, Andrea, ” Multiculturalism Justice : Will Kymilcka and Cultural Recognition”, Ratio Juris: vol  19, no.1, march 2006.p.p74

[18] ) Barrow, clyde W. ” Critical Theories of the state , Marxixt, Neo- Marxist, post – Marxist”, Madison: Wisconsin: The University of Wisconsin Press. 1993.p.p59.

[19] ) ميشيل تومبسون؛ ريتشارد اليس ؛ ارون فيلدافسكي؛ ترجمة : على سيد الصاوى؛ ” نظرية الثقافة” ؛ المجلس الوطنى للثقافة والفنون والاداب؛ عالم المعرفة؛ 1997.ص84

– دانيال برومبرغ؛ ترجمة : عمر سعيد الايوبي؛ ” التعدد وتحديات الاختلاف: المجتمعات المنقسمة وكيف تستقر؟” ؛ دار الساقي؛ 1997.ص70

[20] ) جون ستيورات ميل ؛ الترجمة : امام عبد الفتاح وميشيل متياس ؛ ” اسس الليبرالية السياسية “؛ مكتبة مدبولى ؛ القاهرة ؛ 1996.ص64

– ميشيل تومبسون؛ ريتشارد اليس ؛ ارون فيلدافسكي؛ ترجمة : على سيد الصاوى؛ ” نظرية الثقافة” ؛ المجلس الوطنى للثقافة والفنون والاداب؛ عالم المعرفة؛ 1997.ص5

[21]) Von Mises, Ludwige,” Liberalism in the classical Tradion ” , Translated by Ralph Raico , Indianapolis: liberty fund Inc, 10th, 2005.p.p64

[22] ) Hoffman, John paul Graham , ” Introduction to Political Idelogies”, London: pearson Education Limited , 2006.p.p62

[23] ) Barnett, Randy E, ” The structure of liberty Justice and The Rule of law . “, Oxford: Oxford university press, 2004.p.p82

[24] ) Kymlicka, will, ” Contemporary political Philosobhy : An Introduction “, Oxford university press, 2004p.p42.

[25] ) Farrelly, Colin, ” An Introduction to Contemporary political Theory ” , London: saga publication, 2004.p.p65

[26]) Hippler, jochen( eds), “Nation – Building: AKey concept for peaceful conflict transformation? “, translated by Barry Stone, London: Pluto press, 2005.p.p50

[27] ) Kallen, Horace M , ” Culture and Democracy in the united states”, new Brunswick: Transaction Publishers, 1998.p.p69

[28] ) Chambers, simon and Will Kymlicka ( eds) , ” Alternative conceptions of civil SO-ciety”, New jersey; Printon University press, 2002.p.p80

[29] ) Festenstein , Mathew . , ” Cultural diversity and The Limits of Liberalism”, in Noel O Sullivan. Political Theory in Transition. London and Newyork: Routledge, 2000.p.p74

[30] ) West , Patrick , ” The poverty of Multiculturalism ” , London: Civitas Institute for the study od Civil Society , 2007.p.p95

[31] ) Barrow, clyde W. ” Critical Theories of the state , Marxixt, Neo- Marxist, post – Marxist”, Madison: Wisconsin: The University of Wisconsin Press. 1993.p.p96.

[32] ) فالح عبد الجبار ؛ ” مابعد الماركسية : ندوة ابحاث فكرية ” ؛ دار المدي للثقافة والنشر ؛ دمشق ؛ 2000.ص94

[33] ) حسن خليل غريب ؛ ” الماركسية بين الامة والاممية : نحو طاولة حوار بين المشروعين القومي والماركسي”؛ دار الطليعة للطباعة والنشر ؛ بيروت ؛ 2002.ص190.

[34] ) جان جاك شوفاليه ؛ ترجمة : محمد عرب صاصيلا ؛ ” تاريخ الفكر السياسي : من الدولة القومية الى الدولة الاممية “؛ المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ؛ بيروت ؛ 2002.ص95

[35] ) انطونى جيدنز ؛ ترجمة : شوقي جلال ؛ ” بعيدا عن اليسار واليمين: مستقبل السياسات الراديكالية” ؛ المجلس الوطنى للثقافة والفنون والاداب؛ عالم المعرفة؛ 2002.ص120

[36] ) نفس المرجع السابق ص53.

[37] ) جاك باغنار ؛ ترجمة : نور الدين اللباد ؛ ” الدولة مغامرة غير اكيدة”؛ مكتبة مدبولى؛ القاهرة؛ 2002.ص124.

– ربط الكاتب العلاقة بين الدولة والمجتمع من منظور جرامنشي وتحليل النظرية الثقافية الاجتماعية للدولة فى فرض سياسات واليات تطبيقية على الاقليات من خلال الادماجية للهويات الثقافية المختلفة؛ مشيرا الى المنظور النقدي الذي ظهر مع موجه الثمانينات متمثلا فى ” مدرسة فرانكفورت”.

[38] ) جوزيف ياكوب ؛ ترجمة : حسين عمر ؛ ” مابعد الاقليات : بديل عن تكاثر الدول” ؛ المركز الثقافي العربي ؛ بيروت ؛ 2004.ص162.

[39] ) وجيه كوثراني ؛ ” هويات فائضة مواطنة منقوصة : فى تهافت خطاب حوار الحضارات وصدامها عربيا “؛ دار الطليعة للطباعة والنشر ؛ بيروت ؛ 2004.ص85.

[40] ) مايكل بارنتى؛ ترجمة : حضه المنيف؛ ” ديموقراطية للقلة”؛ المجلس الاعلى للثقافة؛ 2005.ص71.

[41] ) كارستن فيلاند ؛ ترجمة : محمد حديد ؛ ” الدولة القومية خلافا لاراداتها : تسييس الاثنيات واثنية السياسة : البوسنة؛ الهند ؛ باكستان نموذجا “؛ دار المدى للثقافة والنشر ؛ دمشق ؛ 2007.ص193.

[42] ) حسام عبد المجيد ؛ ” أشكالية التعددية الثقافية فى الفكر السياسي المعاصر : جدلية الاندماج والتنوع”؛ مركز دراسات الوحدة العربية؛ 2010.ص143.

[43] ) -Hutchinson, john and Anthony D. Smith ( eds), ” Nationalism ” , Oxford : oxford university press , 1994.p.p73

[44] ) جون ستيورات ميل ؛ الترجمة : امام عبد الفتاح وميشيل متياس ؛ ” اسس الليبرالية السياسية “؛ مكتبة مدبولى ؛ القاهرة ؛ 1996.ص83.

[45])  He , Baogang, ” Confucianism Versus Liberalism Over Minority Rights: A Critical Response To Will Kymlicka” , Journal of Chinese Philosobhy: vol. 31, no. 1, March 2004.p.p85

-نفس المرجع السابق ص85.

[46] ) برهان غليون ؛ ترجمة : المحنة العربية : الدولة ضد الامة “؛ مركز دراسات الوحدة العربية؛ بيروت ؛ 1994.ص72

[47]) برتران بادي ؛ ترجمة : نخلة فريفر؛ ” الدولتان: الدولة والمجتمع فى الغرب وفى دار الاسلام؛ المركز الثقافي العربي؛ الدار البيضاء؛ 1996.ص73.

– Darder, Antonia and Rodolfo D. Torres, ” After Race : Racism after Multiculturalism”, New York university press, 2004.p.p43

[48] ) Scruton , Roger, ” The palgrave Macmillan Dictionary of political Thought , new york , palgrave Macmillan , 2007p.p61

[49] ) احمد عبد الحافظ ؛ ” الدولة والجماعات العرقية : دراسة مقارنة للسياسة الروسية تجاه الشيشان وتتارستان” ؛ مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية ؛ الاهرام ؛ 2005.ص12

[50] ) لاري دايموند ؛ ترجمة ” فوزية ناجى جاسم ؛ ” الديمقراطية : تطويرها وسبل تعزيزها”؛ دار المأمون للترجمة والنشر؛ 2005.ص77

[51] ) اميتاى اتزيونى؛ ترجمة : ندي السيد ؛ ” الخير العام : اشكاليات الفرد والمجتمع فى العصر الحديث”؛ دار الساقي؛ بيروت 2005.ص84

– Joppke, Christian and Steven Luke ( eds), ” Multicultural Questions”,Oxford: Oxford university press. 2002.p.p 65

[52] ) -Kiviso, Peter, ” Multicultralism in a Global society”, Oxford: Blackwell Bublishing company, 2002.p.p154

[53] ) Parrillo, Vincent N, ” Understanding Race and Ethnic Relations” Boston, MA: pearson Education Inc, 2005.p.p 61

[54] ) Patrick , Morgan . E. , ” Identity , Diversity and politics of recognition”, London: London university press, 2000.p.p122

[55] ) Gutmann,Amy, ” Identity in Democracy”, Princeton university press, 2nd , 2002.p.p52

[56] ) السيد يسين ؛ ” مفهوم الازمة فى الفكر المعاصر “؛ المنار ؛ العدد 59 ؛ نوفمبر 1989.ص52

[57] ) ايزايا برلين؛ ترجمة : سمية فلو عبود؛ ” نسيج الانسان الفاسد”؛ دار الساقي ؛ بيروت؛ 1993.ص121

– محمد جمال باروت ؛ ” الدولة والنهضة والحداثة: مراجعات نقدية”؛ دار الحوار للنشر والتوزيع؛ اللاذقية؛ 2000.ص36

[58] ) اجنر فوج ؛ الترجمة : شوقي جلال ؛ “الانتخاب الثقافي ” ؛  المجلس الاعلى للثقافة ؛ القاهرة ؛ 2005.ص134.

[59] ) ريان فوت ؛ ترجمة : ايمن بكر وسمير الشيشكلى ؛ ” النسوية والمواطنة “؛ المجلس الاعلى للثقافة ؛ القاهرة ؛ 2004.ص64

[60] ) بيير شونو؛ ترجمة : سلمان حرفوش ؛ ” الحضارة الاوروبية فى عصر الانوار “؛ دار كنعان للدراسات والنشر والخدمات الاعلامية ؛ دمشق ؛ 2003.ص53

[61] ) -Schmidt, Alvin , ” The Menace of Multiculturalism: Trojan horse in America”, Connecticut: paeger Publishers, 1997.p.p76

[62] ) Gring, yotre, ” Liberal Individualism and Liberal Neutrality ” , Ethics Journal ( Chicago, IL): vol . 99, no , 4, july 1989.p.p154

[63] ) Tapp, Robert B.( ed.) , ” Multiculturalism: Humanist Perspectives”, Newyork: Prometheus books, 2000 (Humanism Today , volum 14).p.p51

[64] ) -Vincent, Andrew (ed), ” political Theory : Tradition and Dversity” , Cambridge, Ma : Cambridge university press, 1997.p.p73

[65] ) Tiron , Wiliams, ” Multicultural Citizenship: ALiberal Theory of Minority Rights”, Oxford: Oxford university press, 1995.p.p74

[66] ) Goldberg, Dvid theo (ed), ” Multiculturalism: A Critical Reader”, Oxford: Basil Blackwell Ltd., 1994.p.p124

[67] ) -Barrow, clyde W. ” Critical Theories of the state , Marxixt, Neo- Marxist, post  Marxist”, Madison: Wisconsin: The University of Wisconsin Press. 1993.p.p132

– حسن خليل غريب ؛ ” الماركسية بين الامة والاممية : نحو طاولة حوار بين المشروعين القومي والماركسي”؛ دار الطليعة للطباعة والنشر ؛ بيروت ؛ 2002.ص90

[68] ) ادم كوبر ؛ ترجمة : تراجى فتحى ؛ ” الثقافة : التفسير الانثربولوجى “؛ المجلس الوطنى للثقافة والفنون والاداب ؛ الكويت ؛ 2008.ص169

[69] ) انطونى جيدنز ؛ ترجمة : شوقي جلال ؛ ” بعيدا عن اليسار واليمين: مستقبل السياسات الراديكالية” ؛ المجلس الوطنى للثقافة والفنون والاداب؛ عالم المعرفة؛ 2002.ص98

[70] ) فتحى التريكي ؛ ” الحداثة ومابعد الحداثة “؛ دار الفكر ؛ دمشق ؛ 2003.ص66

– عمانوئيل فاليرشتاين ؛ ترجمة : عبد الحميد الاتاسي ؛ ” استمرارية التاريخ ” ؛ دار كنعان للدراسات والنشر والخدمات الاعلامية ؛ دمشق ؛ 2003.

[71] ) راسل جاكوبي ؛ ترجمة : فاروق عبد القادر ؛ ” نهاية اليوتوبيا : السياسة والثقافة فى زمن اللامبالاه”؛ المجلس الوطنى للثقافة والفنون والاداب؛ عالم المعرفة ؛ الكويت؛ 2001.ص76

[72] ) Goldberg, Dvid theo (ed), ” Multiculturalism: A Critical Reader”, Oxford: Basil Blackwell Ltd., 1994.p.p120

[73] ) -Kallen, Horace M , ” Culture and Democracy in the united states”, new Brunswick: Transaction Publishers, 1998.p.p94

[74] ) -Levy, Jacob T, ” The Multiculturalism of Fear”, Oxford: Oxford university press, 2000.p.p56

[75] ) – Gring, yotre, ” Liberal Individualism and Liberal Neutrality ” , Ethics Journal ( Chicago, IL): vol . 99, no , 4, july 1989.p.p85

[76] ) Barry , norman , ” An Introduction to Modern political Theory” , London and Basingstoke: The Macmillan press, 1981.p.p239

[77] ) غاستون ميلاري ؛ ترجمة : محمد بن الشيخ ؛ ” التعددية الثقافية والتربية فى القرن الحادي والعشرين ” ؛ فكر ونقد ؛ العدد 12 ؛ الدار البيضاء ؛ 2008.ص67.

[78] ) محمد عمارة ؛ ” التعددية : الرؤية الاسلامية والتحديات الغربية”؛ دار نهضة مصر للطباعة والنشر ؛ القاهرة ؛ 1997. (سلسلة التنوير الاسلامى 8).ص24

[79] ) برهان غليون ؛ ترجمة : المحنة العربية : الدولة ضد الامة “؛ مركز دراسات الوحدة العربية؛ بيروت ؛ 1994.ص83

[80] ) برتران بادي ؛ ترجمة : نخلة فريفر؛ ” الدولتان: الدولة والمجتمع فى الغرب وفى دار الاسلام؛ المركز الثقافي العربي؛ الدار البيضاء؛ 1996.ص174

[81] ) دانيال برومبرغ؛ ترجمة : عمر سعيد الايوبي؛ ” التعدد وتحديات الاختلاف: المجتمعات المنقسمة وكيف تستقر؟” ؛ دار الساقي؛ 1997.ص88

[82] ) وجيه كوثراني ؛ ” هويات فائضة مواطنة منقوصة : فى تهافت خطاب حوار الحضارات وصدامها عربيا “؛ دار الطليعة للطباعة والنشر ؛ بيروت ؛ 2004.ص76

[83] ) Hutchinson, john and Anthony D. Smith ( eds), ” Nationalism ” , Oxford : oxford university press , 1994.p.p45

[84] ) حسام عبد المجيد ؛ ” أشكالية التعددية الثقافية فى الفكر السياسي المعاصر : جدلية الاندماج والتنوع”؛ مركز دراسات الوحدة العربية؛ 2010.ص108

[85] ) محمد جمال باروت ؛ ” الدولة والنهضة والحداثة: مراجعات نقدية”؛ دار الحوار للنشر والتوزيع؛ اللاذقية؛ 2000.ص224

[86] ) تزفتان تودوروف ؛ ترجمة : ربي حمود؛ ” نحن والاخرون: النظرة الفرنسية للتنوع البشري”؛ دمشق؛ دار المدي للثقافة والنشر؛ 1998.ص75

[87] ) Levy, Jacob T, ” The Multiculturalism of Fear”, Oxford: Oxford university press, 2000p.p76.

الوسوم