fbpx
البرامج والمنظومات الديمقراطيةالدراسات البحثيةالمتخصصة

“الأحزاب السياسية” بين الواقع والمأمول في العالم العربي

اعداد : محمد نبيل الشيمي – المركز الديمقراطي العربي

 

  • المشهد السياسي العربي يعكس واقعاً قلما نشهد مثيلاً له في العالم فهو مشهد يتسم بوجود نظم حكم مستبدة … وحكام طغاه … وأحزاب غائبة او مغيبة قسرا ولا يوجد ما يمكن أن نقول عنه المشروع المجتمعي للأحزاب العربية وبداية … ما هو الحزب السياسي ؟

لغوياً الحزب يدل على الجمع من الناس أو الاعتياد على شيء ما .. وجاء بمعنى الطائفة والسلاح والجماعة من الناس وكل قوم التقت قلوبهم وأعمالهم حتى لو لم يلتقوا بعضهم بعضا وجاء في المصباح المنير أن الحزب هو الطائفة من الناس وجمعه أحزاب وجاء في الوجيز أن الحزب كل طائفة جمعها الاتجاه إلى غرض واحد وتجمع على أحزاب .. وتحزب القوم صاروا أحزابا وعليه تعاونوا عليه … ومعنى ذلك أن الحزب في اللغة جماعة من الناس يجمعهم رأي واحد ولهم موقف موحد .
قال ابن الاعرابى : الحزب الجماعة .
وقال ابن منظور فى لسان العرب : كل قوم تشاكلت قلوبهم واعمالهم فهم احزاب وان لم يلق بعضهم بعضا .
اما المصطلح سياسيا فان د.كمال المنوفى يرى ان مفهوم الحزب كأى مفهوم سياسى ليس له تعريف محدد فى الادبيات السياسية ولكن فى رأيه ان المقوم الاساسى فى تعريفه هو السعى فى سبيل الوصول الى السلطة لوضع برنامجه وافكاره موضع التطبيق وهناك تعريفات كثيرة للاحزاب السياسية ” عبارة عن تجمع منظم يهدف للمشاركة في الحياة السياسية وهدفه غزو السلطة والاستيلاء عليها ” وهناك تعريف آخر هو أن الحزب ” عبارة عن تشكيل يضم مجموعة من الناس متفقون على رأي واحد يهدفون منه تأمين قدرتهم على خلق القدرة على ادارة الشئون العامة ”
فرانسوا بوردو يرى “الحزب هو كل تجمع لأفراد يبشرون بنفس الأفكار السياسية ويسعون لجعلها تتغلب من خلال مؤازرة أكبر عدد ممكن من المواطنين لها للاستيلاء على السلطة أو على الأقل للتأثير على قراراتها ”
فى حين يعرف اوستن رني الحزب ” عبارة عن جماعة منظمة ذات استقلال ذاتي تقوم بتعيين مرشحيها وتخوض المعارك الانتخابية على أمل الحصول على المناصب الحكومية والهيمنة على خطط الحكومة”
أما موريس دو فرجيه فى كتابه الاحزاب السياسية “الحزب عبارة عن تجمع مواطنين متحدين حول نفس النظام والانضباط”
فى حين يعرف بنيامين كونستانت الحزب بأنه ” جماعة من الناس تعتنق مذهباً سياسياً واحداً “.
ويعرف الدكتور رمزي الشاعر الحزب بأنه ” جماعة من الناس لهم نظامهم الخاص وأهدافهم ومبادئهم التي يلتقون حولها ويتمسكون بها ويدافعون عنها ويرمون إلى تحقيق مبادئهم وأهدافهم عن طريق الوصول إلى السلطة او الاشتراك فيها” أو هي تنظيمات شعبية تستقطب الرأي العام وتستهدف تولي السلطة في الدولة وباستعمال طرق ووسائل مشروعة
ويعرف هارولد لاسوبل الحزب ” تنظيم متخصص فى التقدم بمرشحين باسمه فى الانتخابات ” ويقصر شلزنجر التعريف على انه ” الوحدات التى تسعى للوصول الى السلطة فى النظم القائمة على التنافس الانتخابى خاصة النظم الديمقراطية الغربية “.
اما جييمس كولمانيرى ” الحزب عبارة عن تجمع له صفة التنظيم الرسمى هدفه الصريح والمعلن هو الوصول الى الحكم والاحتفاظ به اما بمفرده او بالائتلاف والتنافس الانتخابى مع تنظيمات حزبية اخرى داخل دولة ذات سيادة فعلية او متوقعة”
ويري اوستن رني ان الحزب جماعة منظمة ذات استقلال ذاتي تقوم بتعيين مرشحيها وتخوض بهم الانتخابات بهدف الوصول الي السلطة بغرض الهيمنة والسيطرة علي خطط الحكومة
ويري روبرت ماكيفر ان الاحزاب هي اداة الديموقراطية الحديثة
ويرى مكس فير ان الحزب عبارة عن ” تنظيم يضم مجموعة من الافراد بنفس الرؤية السياسية وتعمل على وضع افكارها موضع التنفيذ وذلك بالعمل فى آن واحد على ضم اكبر عدد ممكن من المواطنين الى صفوفهم وعلى تولى الحكم او على الاقل التأثير على قرارات السلطة الحاكمة ”
اما فرانسوا جورجيل فيرى ان الحزب ” مجموعة منظمة للمشاركة في الحياة السياسية إما من خلال السيطرة الكاملة أو المشاركة في السلطة وتحقيق أفكار ومصالح أعضائه ”
جورجيس بوردو يرى الحزب مجموعة من الأفراد لديهم نفس الرؤى السياسية ، وتجهد وتبحث لتجعلها متفوقة على غيرها من الرؤى ، محاولة جمع أكبر عدد ممكن من المواطنين فى البحث عن عملية الوصول إلى السلطة أو على الأقل التأثير على أفكارهم ”
تعرف الموسوعة البرطانية الحزب السياسي على انه ” مجموعة ضمن مجموعات أخرى في النظام السياسي تحاول إيصال مرشحيها إلى المناصب العامة للسيطرة على الحكومة أو التأثير على سياستها ” ويروي موريس دوفرجيه أن الحزب (مجموعة طوائف او اجتماع مجموعات صغيرة تنتشر في البلاد ترتبط فيما بينها بنظم تنسق عملها للوصول إلى الحكم عن طريق الانتخاب) وهذا التعريف ينطلق من الأيديولوجية الرأسمالية .
أما التعريف الماركسي للحزب فهو تعبير عن المصلحة الاقتصادية لطبقة ما حسب رأي ماركس ، وهو القطاع الطليعي لهذه الطبقة ، أما وصول الحزب إلى السلطة فيكون عن طريق التغيير والثورة ، وليس بالوسائل السلمية والحوار الديموقراطي وهذا التعريف ينطلق من الأيديولوجية الماركسية التى ترى ان الحزب السياسى ما هو الا تعبير سياسى لطبقة ما وبالتالى لا وجود لحزب سياسى بدون اساس طبقى .
من ذلك يتبين وجود علاقة موجبه بين الاحزاب والديمقراطية والمقصود بالاحزاب هنا ليست الاحزاب السلطوية التى تحتكر العمل السياسى وتنكر حق القوى الحزبية الاخرى فى تداول السلطة ولكن المقصود بذلك الاحزاب التى ولدت من رحم المجتمع بحرية وإرادة ومن خلال منافسة مشروعة تقوم على الاقناع والاقتناع بتداخل وتخارج فكري ومن ثم يقوم التنافس ويشتد بين القوى السياسية الفاعلة فى المجمتمع للوصول الى السلطة من خلال نهج سلمى لا ينكر الاخر ولا يهمشه
نشأة الأحزاب السياسية
يشير بعض علماء السياسة ان الأحزاب السياسية قديمة فقد تحدث ارسطو عن الجمعيات السياسية ، الا انه لم يعط معلومات عن نشاطها وفعالياتها والتي لم تكن تعنى نفس المعنى اليوم ولكن إذا كان مصطلح الحزب قديماً فإن مفهوم الحزب السياسي لم يبدأ بشكل حقيقي إلا مع ظهور البرلمانية .
حتى القرن التاسع عشر كانت التجمعات السياسية موجودة ولكن اعتمدت بشكل جوهري على اعتبارات شخصية تتعلق بالصفات الشخصية لأعضاء هذا التجمع من أجل الحصول على أعضاء أو مناصرين او على التجانس الفكري والأيدلوجي وقد حصل التجانس والتكتل الأيدلوجي بشكل واضح على سبيل المثال ما قبل وأثناء الفرنسية كما فعل “الجيرونديون” أما في بريطانيا فقد ظهرت لأحزاب بعد الإصلاح الذي شهدته انتخابات عام 1832 والذي زاد من عدد الناخبين ثم طورت الأحزاب البريطانية نوعية تنظيمها وأصبحت أحزاباً وطنية منتشرة جغرافيا وفي فرنسا بقى مصطلح الحزب يستحضر ويذكر باتجاه أو نزعة وظهر في عام 1848 ما يمكن أن يعتبر حزبا (صلاح نيوف/نظرية الاحزاب السياسية)ويقول موريس دوفرجيه في كتابه الأحزاب السياسية
أن هذه ظاهرة العمل الحزبي حديثة وظهرت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر “يعود تاريخ الأحزاب الحقيقية الي عام 1850 تقريبا و لم يكن أي بلد في العالم يعرف الأحزاب السياسية بالمعنى العصري للكلمة فقد كان يوجد قديماً اختلافات في الآراء ونواد شعبية وتكتلات فكرية وكتل برلمانية لكنها لم تكن أحزاباً بالمعنى الصحيح وفي سنة 1950 اخذت هذه الأحزاب تظهر في غالبية الأمم المتحضرة في حين كانت الدول الأخرى تجهد لتقليدها في ذلك .
وهناك من يقول إن ولادة ظهور الأحزاب السياسية ونشأتها التاريخية كانت علمانية لأن الناس ملوا وسئموا من استبداد الكنيسة ورجالاتها وموافقتها السياسية وآرائها الفكرية البعيدة عن الواقع مما آثار حفيظة الناس ضد رجال الدين الذين كانوا يجبرون الناس بالقوة على قبول آرائهم التي لا تنسجم مع الحياة وتطورها فبعد إخفاق الصياغات الدينية المتعسفة التي كانت تحكم المجتمعات الغربية ولدت الأحزاب السياسية كردة فعل على تصرفات الكنيسة ممثلة فى الكهنة فرفضت القيمومة الدينية على العمل السياسي ورفضت تدخل رجال الدين وطالبت بفصل الدين عن السياسة فكان الحزب هو المتنفس الوحيد للتعبير عن الآراء والمواقف والنظريات السياسية وكما كان التقدم الصناعي والتطور الاقتصادي والنهضة الحديثة في جميع مجالات الحياة دورا في تكوين ونشوء الأحزاب السياسية(موقع المهري/نشأة الاحزاب السياسية)يدفعنا هذا إلى إلقاء الضوء على شرط قيام الأحزاب وعلى طبيعة الأحزاب السياسية قبل الإسلام وبعده وكيف نشأت ؟
ترى الدكتورة سعاد الشرقاوى انه يتعين اجتماع أربعة شروط فى المؤسسة التي تعتبر حزبا .
– استمرارية التنظيم فلا يختفي باختفاء مؤسسة كما هو الحال أحيانا فى الجمعية أو الزمرة والعصبة
– تنظيم على المستوى المحلى وعلى المستوى القومي وهذا يميز الحزب عن الجماعة البرلمانية
– الرغبة في ممارسة السلطة وهو ما يميز الأحزاب عن جماعات الضغط التي تؤثر على السلطة من خارجها والاحزاب تتميز بالدفاع عن الكل ( الجماعة) فى حين تفهم جماعات الضغط بالمصلحة الخاصة وأعضاؤها لا يسعون للحصول على عضوية البرلمان
– ويتسم الحزب بتوافر عنصرين / التنظيم اى يتضمن انه يكون منظما فى هياكله ثم توافر المشروع السياسى
– ويؤكد بعض الباحثين على انه يتعين ان يكون للحزب السياسى مكونات (اللجنة / الشعبة / الخلية )…. كما ان هناك مكونات اخرى وهى أن يكون للحزب اسم وشعار يتميز به عن الاحزاب الاخرى وان يكون له عنوان رئيسى ومقرات اخرى فرعية وهيكل مالى وادارى يمكن الحزب من جمع الاشتراكات وتحديد اوجه الصرف على انشطته المختلفة
على انه ينبغى التأكيد على ان ظروف نشأة وتطور الاحزاب فى الغرب تختلف عنها فى الدول المتخلفة فمن المعروف ان الاحزاب فى هذه الدول كان ظهورها راجعا الى عدد من المشكلات التى واجهتها فهناك قضايا التحرر الوطنى وتأكيد الذات الوطنية وبناء المؤسسات الحكومية وتحقيق التنمية وادارة الصراع وهى مشكلات لم تجابهها الدول الغربية .
الحزبية في العرب قبل الإسلام
كانت الرابطة الجامعة للتعايش مبنية على سلاسل النسب ومحيط الوطن ، وصبغة اللون ونوع الحرفة والصناعة ووحدة اللغة وكانت في جزيرة العرب تقوم على النظام القبلي والعصبية القبلية في الحاضرة والبادية وذلك في إطار وحدة الدم ولحمة النسب في جد مشترك ومنه تنحزب القبيلة في مكوناتها ومقومات حياتها تحت قيادة سيدها ممتنين له بالانتخاب أو الاقتراع أو الغلبة .
والحزب الأم لهذه التجمعات القبلية (قريش) الذين كانت فيهم : السقاية والحجابة والرفادة والندوة واللواء إلى غير ذلك من مناصبها الدينية والحربية والاجتماعية ويشتركون مع غيرهم في النصرة والمؤاخاه والدفاع عن الحقوق ودفع الهجوم والأخذ بالثأر وربما يظهر في ذلك أحزاب من نمط آخر على أساس من المصالح دنيوية وحقن الدماء ومنها حلف المطيبين ولعقة الدم وحلف الفضول وعلى الرغم من هذا فلم يكن في تلك التجمعات القبلية ما يجري فيها على الشمول بل كانت في الحدود الضيقة من : الشعب والقبيلة والعمارة والبطن والفخذ والفصيلة اللهم إلا في مجال المفاخرات وهكذا مهما كان من اتساع الدائرة أو ضيقها فإن قوامها (العصبية) وهي كلمة تدل على الانقسام والتفرق والصراع القبلي الممزق القائم على الاعتداد بالنسب ووحدة القبيلة فهي عصبية قبيلة أمام قبيلة أخرى وعصبية شعب أمام آخر .
الحزبية في الإسلام :-
هناك اختلافاً حول بدء نشأة الفرق والأحزاب الدينية في صدر الإسلام ولكنهم هناك اتفاقا على أن الشيعة كانت أول فرقة أو حزب إسلامي برز إلى سطح الأحداث السياسية إذ يرى الدكتور مراد هوفمان (سفير ألماني سابق في المغرب) أن الشيعة نشأت أول ما نشأت كحزب ثم تطور الحزب فيما بعد لتصبح فرقة من الفرق الإسلامية ومثل هذا الرأي ورد في الموسوعة البريطانية عند تعريفها للشيعة فحسبها أن الشيعة تطورت بالتدريج من حزب سياسي إلى حركة دينية .
يشير الدكتور / محمد ضياء الدين الريس في كتابه (النظريات السياسية الإسلامية) إلى أن فكرة الأحزاب السياسية كما تفهم اليوم كانت موجودة من القرن الأول من تاريخ الإسلام وأن ما أطلق عليه اسم الفرق الإسلامية (هي عين ما يسمى الآن بالحزب ذلك إن من الصفات العامة التي تتميز بها الفرق الإسلامية انها لم تكن مجرد مدارس فكرية تصل إلى تكوين آراء لم تكتف بإبدائها او تدوينها ولكنها كانت- أحزاباً بالمعنى السياسي الذي نقيمه اليوم في ميدان السياسة العملي فلها مبادىء معينة أشبه بالبرنامج المرسوم ولها نشاط وفيها نظام ثم هي تسعى وتكافح حتى تحقق لهذه المبادىء النصر وتجعل منها ان استطاعت منهاج الحكم في ذلك كما يضيف إن هذه المبادىء لم تكن مجرد أفكارا نظرية او خيالية ولكنها كانت في عقيدة الفرق أو الأحزاب ديناً وقانوناً يجب أن يتبع وينفذ ومثلاً أخلاقياً ينبغي أن يحتذى ومن هنا كان أثرها في التاريخ وصلتها القريبة به وتوجيهها لوقائعه .
ويتفق الدكتور / محمد عمارة مع هذا الرأي يقوله كانت الفرق الكلامية تنظيمات سياسية تميزت في (المقالات أي النظريات) وهي الوسائل التي اعتمدتها وضع هذه ( المقالات) في الممارسة والتطبيق فللخوارج مقالات ومنهج في الوصول لتحقيق مقالاتهم وكذلك الحال عند المعتزلة وعند الشيعة بفصائلها المتعددة المعتدلة منها والمغالية العلنية منها والسرية .
السقيفة ونشأة الفرق:-
ربما لو لم تكن واقعة السقيفة والخلاف على تولي إمامة المسلمين ما حدث الفتق الديني والمذهبي والفرقي ولهذا يذهب البعض إلى أن الإمامة هي مفترق الطرق ومعترك الآراء ومن هنا حصل انشقاق والاختلاف بين المسلمين وجالت الأقلام واضطربت الأقوال وتكونت المذاهب ووصل أمر المسلمين إلى ما هو عليه اليوم .
يعتقد البعض ان السقيفة أنبتت الشوك في وحدة المسلمين وأسالت الدماء فمن الناحية الدينية تصدعت وحدة المسلمين بعد وفاة النبي محمد (ص) وتوزعوا إلى فرق ومذاهب مختلفة منذ بدأت مسألة الخلافة تتفاعل فيما بينهم بالعنف وتتحول إلى صراع دام .
وهناك من يعتبر السقيفة بداية المصائب ونشوء الفرق والأحزاب الدينية والمذهبية إذ يكمن سبب المصائب التي حلت بهذه الأمة ومزقت وحدتها وبعثرت صفوفها وجعلتها شيعاً وأحزاباً وطرائق قدداً يكمن في الفصل بين المنظومة الإلهية (القرآن والسنة) وبين المرجعية والقيادة السياسية التي عينها تبارك وتعالى والتمسك بالمرجعية القيادية السياسية التي فرضتها القوة والغلبة واستكان لها الناس بحكم طاعة الغالب ثم بحكم التكرار والتقليد الأعمى إلا أن الباحث السوري السيد حسين على الرجا ذهب إلى أن تمزق الأمة حصل قبل أربعة أيام من السقيفة عندما منع بعض الصحابة الرسول (ص) من الوصية ويرى الدكتور مصطفى الشكعه إلى أنه عندما قتل عثمان انقسم المسلمون إلى حزبين الحزب الأكبر وقد سمى ( شيعة) والقسم الاقل سمى شيعة معاوية ثم ما لبث اللفظ بمرور الأيام أن اتخذ معنى محددا وهو أنصار على بن ابي طالب وأبنائه وأحفاده من بعده ويؤكد ابو بكر بن العربى فى كتابه” العواصم من القواصم “على أن مقتل عثــمان فـرق الناس شيعاً يقاتل بعضها بعضا لكننا هناك من يرجع نشوء الفرق الإسلامية إلى مقتل الإمام علي فالحكم بعد فترة حكم الخلفاء مباشرة وانعطف وانحرف وتحول إلى قيصرية أو كسروية أو شبيه بهما لقد كان من نتائج هذا التحول والانحراف ظهور فرق وجماعات إسلامية معارضة له اتخذت لها في التاريخ الإسلامي مواقف الرفض للمنحرفين في محاولة منها للتقويم كان منهم في التاريخ الإسلامي كل من الخوارج والشيعة .
كما أن هناك من يرى ان انتشار الإسلام كان عاملاً مساعداً في نشوء الفرق لقد ظهر في القرون الأولى الإسلامية فرق وأحزاب كان من أبرز أسبابها اختلاط العرب بغيرهم من الشعوب التي غزاها الإسلام واضطرها للاسنسلام والخضوع لسلطانه .
ولعل ما طرح حول نشأة الأحزاب خاصة في الإسلام يؤكد أن الأحزاب تمثل نتاجاً طبيعياً لواقع أي مجتمع وثمرة لحركته التاريخية وهذا بدعوتا إلى إثارة العديد من التساؤلات وطرح القضايا التي تتعلق بالأداء الحزبي في العالم العربي فلا شك أن المتاح السائد يشكك في جدوى وأهمية التحزب بل أن القاعدة العريضة من الشعب العربي على امتداده ينفر تماما من الأحزاب ويرى فيها تحقيق لمصالح ذاتية وسبيلا للارتزاق والتسلق والشهرة والحصول على الامتيازات( نضير الخزرجى – الفرق الدينية والاحزا السياسية ) … الخ فماذا يقول الواقع؟ قبل الإجابة على هذا فإننا نطرح لرؤية بعض فقهاء المسلمين حول الأحزاب .
قال الدكتور القرضاوي : الأحزاب السياسية التي نجيزها لابد أن تحترم أشياء نسميها الثوابت هناك ثوابت للأمة لا نستطيع أن نجيز أحزابا تهدم مقومات الأمة ما دام في أمة مسلمة في مجتمع مسلم وستنشأ هذه الأحزاب في ظل هذه الأمة وفي ظل هذا المجتمع الذي رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا وبالقرآن له دستور إذا كنا نتكلم عن دولة إسلامية هذه الدولة لابد أن يكون لها دستور والدستور يحدد الأمور الأساسية التي تقوم عليها الأمة يعني سياسيا وثقافيا واجتماعيا وأخلاقيا واقتصاديا وفى اطار الضوابط التي وضعت لإطار الأحزاب التي يمكن أن تقوم في ظل نظام إسلامي
ويضيف الدكتور القرضاوي ان هناك أمران أساسيان بالنسبة لأي حزب ينشأ في المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية الأول أن يحترم الحزب ثوابت الامة وقطعيات الشريعة وهى الإيمان بالله ـ جل جلاله وبالآخرة بالقيم الأخلاقية لا يستخف بدين من الأديان حتى لا بالإسلام ولا بغير الإسلام ، يعني يحترم الأديان كل الأديان يحترم مقدسات الأمة وثوابتها والأمور القطعية وهناك أشياء يختلف فيها الناس .
الثاني أن يعمل الحزب لصالح الأمة ولا يكون عميلاً لأي جهة خارجية وليس امتداداً لها أي لا يصح أن يكون امتداداً لأحزاب قائمة في روسيا وأمريكا يكفي هذان الأساسان ليقوم الحزب في ظل ثوابت الأمة وفي ظل دستورها .
كما سئل الشيخ يوسف القرضاوي عن الموقف الشرعي من تعدد الأحزاب في المجتمع الإسلامي ، فقال ” أنه لا يوجد مانع شرعي في وجود أكثر من حزب سياسي داخل الدولة الإسلامية إذ المنع الشرعي يحتاج إلى نص ولا نص بل أن ذلك التعدد قد يكون ضرورة في هذا العصر ، لأنه يمثل صمام أمان من استبداد فرد أو فئة بالحكم وتسلطها على سائر الناس وتحكمها في رقاب الآخرين وفقدان أي قوة تستطيع أن تقول له : لا ، أو : لم ؟ كما دل على ذلك قراءة التاريخ واستقراء الواقع ( حكم الإسلام فى الديمقراطية والتعددية الحزبية ) .
أما ابن تيمية فنجد رأيه في الأحزاب :
” وأما رأس الحزب فإنه رأس الطائفة التي تتحزب أي تصير حزباً فإن كانوا مجتمعين على ما أمر الله ورسوله من غير زيادة ولا نقصان فهم مؤمنون لهم ما لهم وعليهم ما عليهم وإن كانو قد زادوا في ذلك ونقصوا مثل التعصب لمن دخل في حزبهم بالحق والباطل والإعراض عمن لم يدخل في حزبهم سواء كان على الحق والباطل فهذا من التفرق الذي ذمه الله تعالى ورسوله فإن الله ورسوله أمرا بالجماعة والائتلاف ونهيا عن التفرقة والاختلاف وأمرا بالتعاون على البر والتقوى ونهيا عن التعاون على الإثم والعدوان ( مجموع الفتاوي ، المجلد 11 صفحة 92).
أما جماعة الأخوان المسلمين فيرى مؤسسها حسن البنا
بأن لا حزبية في الإسلام وقد تمسك الكثير من الأخوان بهذا الرأي – وكان مرجع عدم تقبله لكونه رأى فيها فسادا وجواز وجودها فى بعض البلاد لا يسوع وجودها فى مصر مطلقا ( الامام حسن البنا والاصلاح السياسى – الملتقى ) ثم تطور فكر الأخوان المسلمون وأصبحوا مؤمنين بتعدد الأحزاب في المجتمع الإسلامي وأنه لا حاجة لأن تضع السلطة قيوداً من جانبها على تكوين ونشاط الجماعات أو الأحزاب السياسية (الشورى وتعدد الأحزاب عند الأخوان المسلمين ـ أخوان أون لاين ـ تاريخ الأخوان )
… لماذا يعرض المواطنون في العالم العربي عن الانضمام للأحزاب ؟ قبل طرح هذه الاشكالية يتعين القاء الضوء اولاعن دور الأحزاب في التنمية السياسية والاجتماعية .
لا خلاف مطلقاً على أن الدور والهدف الأسمى والرئيسي الذي توجد من أجله كل الأحزاب في العالم هو الوصول إلى السلطة من أجل تطبيق تصورات المجموعة المكونة للحزب في إدارة الحكم والحصول على تأييد الجماعات والإفراد فالصراع من أجل السلطة هو جوهر بنية الأحزاب وبالإضافة إلى هذا الهدف ثمة أدوار أخرى تقوم بها الأحزاب فهى تلعب دوراً هاماً وضرورياً في التنمية السياسية وتعزيز الديموقراطية فالأحزاب المنظمة تتنافس في الانتخابات وتحقق الفوز فيها وتتولى تجميع المصالح الاجتماعية وتمثيلها وتطرح البدائل للسياسات وتنتج قادة سياسيين كما تساهم المنافسة بين الأحزاب في مساءلة الحكومة وتضمن إيجاد الحلول العملية التي تستجيب لمشاكل المواطنين وهي بذلك تنشط الحياه السياسية في المجتمع .
كما تقوم بتجميع المعطيات وكافة المعلومات عن مختلف مرافق وإدارات الدولة حتى تتمكن من صياغة سياسات متماسكة لمواجهة الواقع السياسي أو لاستعمالها عندما تصل إلى السلطة .
– ممارسة باقي أدوار جمعيات المجتمع المدني والنقابات أي تقديم المساعدات الاجتماعية للمواطنين والدفاع عن مصالح العمال أي بمعنى تنظيم إدارة قطاعات من الشعب وبلورتها .
– التأثير في الرأي العام المحلي والدولي عن طريق الإعلام الخاص بالحزب وبما يخدم مصالحه فضلاً عن أدوار أخرى مهمة
المشاركة السياسية :-
تعني تلك الأنظمة الإرادية التي يقوم بها المواطنون بهدف التأثير بشكل مباشر أو غير مباشر في عملية اختيار الحكام أو التأثير في القرارات أو السياسات التي يتخذونها بشكل مباشر أو غير مباشر وتتمثل المشاركة السياسية بالأنشطة التقليدية مثل التصويت وحضور الندوات والمؤتمرات العامة والمشاركة في الحملة الانتخابية والانخراط في الأحزاب والأنشطة غير التقليدية مثل التظاهر والإضراب وتقوم الأحزاب بتدعيم المشاركة السياسية من خلال الأدوار التالية /
1. التجنيد السياسي :-
يقصد بالتجنيد السياسي عموماً العملية التي يتم بموجبها إلحاق الأفراد في الأدوار السياسية النشطة ، ويعني شغل المناصب الرسمية وأهمها رئيس الدولة ورئيس مجلس الوزراء أو والوزراء والمحافظين وأعضاء البرلمان …. الخ وكذلك المناصب الأقل رسمية كالنقابي أو الحزبي أو الدعائي ويقوم الحزب بهذا الدور من خلال التعيين أو عبر الانتخابات فالحزب الذي يصل إلى السلطة يقوم بتشكيل الحكومة وتعيين كوادره في المناصب والوظائف الإدارية ومن ثم يكون الحزب قناة مؤسسية هامة يسعى المواطنين من خلالها الى اعتلاء قمة الهرم السياسي ويستوي في هذا الأحزاب الشمولية أو أحزاب النظم الديموقراطية .
2. التنشئة السياسية :- بمعنى بناء الإنسان من خلال بناء عقله ووجدانه
وتشير إلى / عملية تعلم القيم والاتجاهات السياسية والقيم والأنماط الاجتماعية ذات المغزى السياسي وهي عملية مستمرة يتعرض لها الإنسان عبر مراحل حياته المختلفة وتعتبر الأحزاب من المؤسسات الهامة التي تقوم بهذا الدور من خلال تكوين رؤية المواطن نحو المجتمع والسياسة عبر صحافتها أو ما تقوم به من نشاط تثقيفي وعموماً فإن دور الحزب لا يتوقف في عملية التعليم عند فترة الانتخابات بل تمتد عملية التعلم لاستقطاب أعضاء جدد .
3. المراقبة والمحاسبة :-
تقوم الأحزاب بدور المراقبة نقد الحكومة على أعمالها سواء كانت هذه الأحزاب داخل الإطار الحكومى أو خارجها وهذا من دون شك يلعب دوراً هاماً في التأثير على السلطة السياسية .
4. تنشيط الرأي العام :-
تلعب الأحزاب دوراً هاماً في تكوين الرأي العام وتمثيله فهي تملك القدرة على تعبئة الرأي العام وتوجيهه ويعتمد ذلك على مدى جماهيرية الحزب وتوجيهاته من خلال الاتصال مع المواطنين ومدى امتلاكه وسائل الاتصال والتعبير عن إرادة الشعب
وظيفة التعبئة :-
تعني التعبئة حشد الدعم والتأييد لسياسات النظام السياسي من قبل المواطنين ، وتعتبر وظيفة التعبئة بطبيعتها وظيفة أحادية الاتجاه ، بمعنى أنها تتم من قبل النظام السياسي للمواطنين ، وليس العكس ، وتلعب الأحزاب دور الوسيط .
وظيفة دعم الشرعية :-
تعرف الشرعية بأنها مدى تقبل غالبية أفراد المجتمع للنظام السياسي ، وخضوعهم له طواعية لاعتقادهم بأنه يسعى إلى تحقيق أهداف الجماعة ، ويعتبر الإنجاز والفاعلية والدين والكارزما والتقاليد والأيديولوجية ، ضمن المصادر الرئيسية للشرعية في النظم السياسية المختلفة على أن الديموقراطية تعد المصدر الأقوى للشرعية في النظم السياسية في عالم اليوم ، وهناك العديد من الوسائل التي تهدف إلى دعم الشرعية وتلعب الأحزاب وغيرها من المؤسسات دوراً بارزاً في هذا المضمار وتتميز الأحزاب عن تلك الوسائل بأنها ليست فقط من وسائل دعم الشرعية بل أنها في النظم السياسية المقيدة تسعى إلى أن يكون تطور أحوالها وأوضاعها وأيديولوجياتها هي نفسها مصدراً للشرعية .
الوظيفة التنموية :-
تتمثل تلك الوظيفة في قيام الأحزاب بإنعاش الحياة السياسية في المجتمع الأمر الذي يدعم الديموقراطية و الاتجاه نحو الإصلاح السياسي والتحول الديموقراطي في النظم السياسية المقيدة .
وظيفة الاندماج القومي :-
تنطوي هذه الوظيفة على أهمية خاصة في البلدان النامية ، حيث تبرز المشكلات القومية والعرقية والدينية والنوعية وغيرها في تلك البلدان ، في ظل ميراث قوي من الإحساس بالظلم والتهميش والإقصاء التي يمارسها حزب مهيمن ضد باقي الأحزاب وللحزب أهمية كبيرة في تجاوزه دائرة لولاء القبلي والعشائري .
ثم أن للأحزاب دوراً تعليمياً سياسياً من خلال المساهمة في رفع سوية الوعي السياسي عند الرأي العام وعملية توحيد هذا الرأي تجاه قضية ما ومن ثم قيادته ليقترع بشكل دائم لقضية ما أو للحزب نفسه أن الأحزاب تقود المواطنين “لعقلنة” ليس فقط الأفراد وضمهم بل أيضاً المجتمع أو للجماعات وتقوم كذلك بجهد تعليمي خاص بنوع معين من الناخبين وهم الذين سيصبحون من مناصري الحزب أو منتميه أو مناضليه فهي تبحث عن المنتمين وتؤهلهم للترشيح للانتخابات وقد كانت الأحزاب الشمولية الشيوعية من أوائل من تنبهت لأهمية هذا الدور في تعليم كوادرها .
.. واقع الأحزاب العربية
على الرغم من ان الساحة السياسية العربية تموج بالاحزاب السياسية بمختلف افكارها وتوجهاتها ( باستثناء ليبيا ودول الخليج الستة) فإن الاداء الحزبي يعد أداءً غير مقنع ولم تحقق الحزبية في العالم العربي الاهداف التي يهدف اليها النظام الحزبي لتدعيم الديمقراطية … والسؤال لماذا يعرض الناس عن الانخراط في الاحزاب ؟….. هذا هو محور الموضوع برمته
هناك انفصام سلوكي تعاني منه الحياة السياسية في العالم العربي .. لقد سمح بتكوين الاحزاب ولكنها ظلت مقيدة كسيحة يعاني أعضاؤها من الإبعاد والقمع وعندما يتم السماح بتكوين الأحزاب يظل الهدف بعيدا عن الدور الحقيقي لقيامها ويظل مبتغى النظم الحاكمة إنشاء ديكور ديمقراطي ولا يسمح مطلقاً لهذه الأحزاب المشاركة في السلطة إلا بالقدر الذي يريده النظام ويرى أنه لا يمثل خطراً على وجوده وعادة تعترف النظم الحاكمة بالعمل الحزبي ولكن لا تؤمن مطلقاً بشرعيته حيث تضع العراقيل أمام حركته وتضيق على حرية أعضائه حتى يفقد الحزب دوره وحركته وسط الجماهير فضلاَ عن تقييد قيام الاحزاب ويشلر في هذا الصدد إلي الدور التي تقوم به لجنة الاحزاب في مصر المنوط بها الموافقة علي تاسيس اي حزب جديد وهي لجنة تكاد تكون غير محايدة اطلاقاً بحكم انتماء اكثر اعضائها للحزب الوطني الحاكم وكثيراً ما ترفض تأسيس احزاب جديدة قد تري اللجنة في قيامها تهديداً للحزب الوطني الحاكم المتسلط علي الحياة الحزبية والسياسية في مصر
يقول الأستاذ / محمد المالكي في مقاله ” الأحزاب العربية وسؤال الديموقراطية ” أن الفكرة الحزبية العربية لم تكن نتيجة طلب اجتماعي على الديموقراطية بقدر ما كانت ضرورة من ضرورات النضال الوطني ، فكل الأحزاب السياسية التاريخية تشكلت زمن مواجهة البلاد العربية الوجود الاستعماري والسعي إلى الاستقلال واسترداد السيادة فتحددت وظيفتها وقتئذ في تعضيد النضال الوطني من خلال التعبئة وشحذ وجدان الناس من أجل المقاومة لذلك لم يكن وارداً في تفكير مؤسسيها أن تصبح مؤسسات لإنتاج ثقافة سياسية ديموقراطية توطر المشاركة وتعزز التنافس
وتذكي روح العمل السياسي الموسوم بالتعددية وتنافس البرامج والاستراتيجيات بل أن السياق التاريخي والثقافي الذي أحدثت إبانه لم يسمح ببروز فكرة التناقض بين الأحزاب المتعددة ان وجدت بسبب أن الأمر كان يتعلق بمواجهة تناقض رئيسي يتجسد في الاستعمار ومؤسساته وحيث تم تأجيل كل شيء باسم مقاومة الاستعمار فقد خضعت الأحزاب للمنطق نفسه تنحية فكرة التمايز والأيديولوجي ، واستبعاد آليات التنافس السياسي .
وبعد استعادة البلاد العربية استقلالها وشروعها في بناء نظمها السياسية ، فقد تراوحت بين حظر الفكرة الحزبية بشكل مطلق أو الترخيص لها ضمن شروط تقيدية أفرغتها من كل مضمون على صعيد الممارسة وحتى بالنسبة للدول العربية التي أخذت بالتعددية وهي قليلة فقد تعذر عليها الانتقال إلى تعددية سياسية حاضنة مبادىء المشاركة التنافسية والتمايز الفكري والأيديولوجي والتداول السلمي والمنتظم على السلطة ففي بلاد عربية كثيرة اغتصب الجيش الحكم بالقوة على خلفية امتلاكه الشرعية النضالية والوطنية أو بمبررات احتكاره التمثيلية الشعبية وفي أحسن الأحوال قام بتنصيب حزب وحيد لقيادة العمل السياسي وأحدث مؤسسات برلمانية وحكومية على طرازه والحال أن أوضاعاً من هذا النوع أعاقت إمكانية ميلاد واقع حزبي قادر على المساهمة في إغناء الحياة السياسية العربية وتطويرها في اتجاه دمقرطة الدولة والمجتمع
السمات العامة للأحزاب العربية /
– شيوع ظاهرة التحزب على حساب الظاهرة الحزبية بمعنى ان من ينضمون للأحزاب لا يكون ذلك على أساس الأيمان والانتفاع بالبرامج التى يطرحها الحزب وان الولاء لشخصية بعينيها فضلا عن عدم قبول الاخر لدى غالبية الاحزاب العربية وهذا بخلاف ما جبل عليه العمل الحزبى فى الدول الغربية .
– شخصنة الاحزاب بمعنى ان الحزب كى يستمر او يزيد عضويته مرتبط بشخصية مؤسسة او زعيمه فمثلا ارتبط حزب البعث السورى بمؤسسة ميشيل عفلق والكتائب اللبنانى ببيار الجميل والتقدمي الاشتراكى بكمال جمبلاط وحزب الوفد المصرى بسعد زغلول – الخ وقد تضعف هذه الاحزاب بغياب الشخصية المسيطرة او المؤسسة .
– حدوث الانشقاقات الراجعة التي تحدث عادة لاسباب شخصية او طائفيه كالانشقاق الذى حدث فى حزب الامة السودانى حيث خرج عدد من طائفة الانصار عن حزب الامة الأم وشكلوا حزبا جديدا يخالف كثيرا توجهات الصادق المهدى الذى يهيمن على كل مقدرات حزب الامة من خلال الموروث التاريخى لقادته التاريخيين الذين ينحدر منهم الصادق .
– ضعف اليات التواصل الجماهيري ومن اسباب ذلك عدم وجود الكوادر المدربة على ادارة الاتصالات الاعلامية او نتيجة القمع والترهيب الذى يمارس ضد احزاب المعارضة – كما ان حالات التضييق على الاحزاب وضعف قدراتها التمويلية يحول وامتدادها الجغرافى خارج المركز .
– التفرد فى القيادة من جانب قادة الاحزاب وبقائهم فى اماكنهم دون رغبة جادة فى تداول قيادة العمل الحزبي مما افقد الشباب الرغبة فى الانضمام للاحزاب ولا شك ان غياب الديمقراطية الداخلية في الاحزاب العربية يعد من اهم اسباب القطيعة بين الاحزاب وقواعدهاو من الملاحظ بقاء قادة الاحزاب العربية علي رأس احزابهم حتي اخر يوم في حياتهم كما ان للعشائرية والولاءات القبلية دور فى ضعف الانضمام للاحزاب فعاده يكون الاعضاء المنضمين خارج نطاق الطائفة او العشيرة اعضاء غير مرغوب فيهم .
– عدم امتلاك غالبية الاحزاب لبرامج تهم المواطنين حتى ولو امتلكت مثل هذه البرامج فان الاحزاب الحاكم عادة لا تسمح لها بطرحها على المواطنين.
– تتسم الاحزاب العربية بشكل عام بهشاشة التنظيم وذلك نتيجة تعرض الكثير منها للحل وترهيب وقمع اعضائها من جانب النظم الحاكمة التي تضيق ذرعاَ بالديمقراطية أو حتي فكرة تداول السلطة فضلاً عن هيمنة ةثقافة القبيلة أو الابوية علي الاداء السياسي في غالبية الاحزاب العربية
… وهذه الظاهرة تكاد تكون كربونية في مختلف الأقطار العربية باستثناء لبنان …ولقد أدى هذا بطبيعة الأمر إلى عدم قدرة الأحزاب على وضع تصوراتها الخاصة بقضايا المجتمع وتفقد القدرة على إبداء الرأي بالنسبة للقضايا الكبرى المشتركة … وقد أدى التضييق على الأحزاب بطبيعة الأمر إلى ضعف التواصل مع المواطنين فالمواطنون يخشون على أنفسهم لو انضموا الأحزاب معارضة حيث تبدأ حلقات من القهر الممنهج المتمثل في القمع السياسي ابتداء من ضياع القرص في الترقى للوظائف أو حتى الحصول على الميزات المستحقة قانوناً ويشيع حالياً أن بعض النظم الحاكمة تقصر الالتحاق بالكليات العسكرية أو الوظائف المرموقة كسلك القضاء والتدريس بالجامعات على أبناء وأعضاء الحزب الحاكم … وهذا وحده كفيل بتخويف المواطنين ودفعهم بعيدا عن العمل الحزبي المعارض فضلاً عن ذلك فهناك سلسلة طويلة من إجراءات القمع والتخويف التي تقوم بها الأجهزة الأمنية والتي تمددت حتى لقمة العيش والتضييق في الأرزاق بل والتدخل لمستمر من جانب الدولة لمنع الاحزاب من التحرك بين الجماهير والعالم العربى شهد ومازال يشهد تجاوزات صارخة ضد النشطاء السياسيين من سجن واخفاء قسري وتصفية جسدية فضلا عن حملات التشويه التى تمارسها النظم الحاكمة ضد المعارضين ومن الغريب أن أحزاب السلطة في العالم العربي تعمل على خلق أحزاب وهمية ديكورية لايهام المواطنين بأن هناك أحزاباً معارضة في حين لاوجود لها في الواقع اللهم إلا لافتة تحمل اسم الحزب وجريدة تطبل وتزمر للديمقراطية الزائفة التي تروج لها الاحزاب الحاكمة
وعادة تلجأ الحكومات لهذا الفعل للحد من الانتقادات التي تنادى بالإصلاح السياسي والديموقراطي القائمة على التعددية الحزبية
ويرى الاستاذ / محمد الملكى فى مقالة السابق الاشارة اليه الى ان ازمة الاحزاب السياسية العربية لا تكمن فى تعقد موروثها التاريخى والثقافى فحسب ، بل ترجع ايضا الى علاقاتها المتوترة مع النظم السياسية لبلدانها ، ففى واقع سياسى علربى موسوم وان بدرجات مختلفة ، بضعف قيمة الحرية ، وانكماش مجالات ممارستها وفى صدارتها الحق فى المعارضة والاختلاف ، لم يكن فى إمكان الاحزاب ، الاستقلال بذاتها للتعبير عن ايديولوجياتها والدفاع عن برامجها واستراتيجياتها فقد كان مصيرها اما التنكيل بها أواقصاؤها من فضاء السياسة وتدبير الشأن العام او اختراقها واستباحتها لتصبح فرعا من النظم وظلالها ، وفى الحالتين معا اضاعت المجتمعات العربية فرص بناء احزاب سياسية قادرة على العمل الى جانب منظمات اخرى من اجل استنبات قيمة الديمقراطية وتوطينها فى مؤسسات الدولة العربية وثقافة مجتمعاتها وقد كان طبيعيا جدا ان تكتشف النخب الحزبية بأن الديمقراطية الغائبة فى جسم الدولة غائبة ايضا فى كيانها كتنظيمات حزبية ، ومن ثم تفاقمت صعوبات انجاز الاصلاحات المطروحة بالحاح على البلاد العربية وفى قدمتها اصلاح مؤسسات الدولة لتغذو قادرة على التعبير عن تطلعات المجتمع .
ولا شك ان حال الاحزاب العربية المتمثل في ضعف ادائها والذي يعود كما سبق الاشارة إلي الاسباب التي ادت بها إلي ماهي عليه يتطلب خلق المناخ الملائم لتفعيل دورها وفي هذا الخصوص يطرح د.غالب الفريجات عددا من الشروط التي
ينبغي توافرها لخلق متطلبات حزبية فاعلة اهمها : –
– ابعاد الاجهزة الامنية والمخابراتية عن التدخل في شئؤن الحياة للوطن والدولة والمجتمع فهي لحماية هذا الثالوث من الاعتداء لا للعمل على الاعتداء وممارسة القهر خاصة وان المواطن الذي يؤمن بالدستور والقوانين هو صاحب حق مشروع لا يجوز على الإطلاق أن تتم عرقلة حركته تحت أي مبرر كان ولا تجوز مساءلة المواطن عن أي عمل ليس فيه خرق الدستور والقانون .
– السعى لبناء مؤسسات الدولة القائمة على القانون والنظام فالناس يحكمها قانون ويسيرها نظام فلا يجوز أن يخضع الناس لأهواء وأمزاجه شخصية .
– ما دامت القوى السياسية تحتكم إلى الدستور والقانون فلا يجوز أن تحتكم إلى الأجهزة الأمنية لأن هذه ليست مرجعية وطن ولا يجوز لها أن تتدخل في حركة القوى السياسية إلا بالشكل الذي يوفر لها الحماية من أي تدخل .
– العمل على توفير كل مستلزمات النجاح للقوى السياسية من خلال الإيمان انها مؤسسات مجتمع لبناء الوطن وخدمته والدفاع عنه لذا يجب توفير المستلزمات السياسية والاقتصادية والثقافية للمساهمة في تقدم حركة القوى السياسية بين صفوف المجتمع .
– إفساح المجال للقوى السياسية في الوصول عن طريق الانتخابات النزيهه إلى المجالس المحلية والوطنية من خلال التمثيل النسبي وأحقية هذه القوى التي تصل إلى الأغلبية في المجالس التشريعية لتشكيل الحكومة ،مع الوعي التام بأن واحدة من مهمات الأغلبية العمل على حماية الأقلية وتوفير متطلبات الديموقراطي لعملها .
– لا يجوز لأي حاكم أن يقوم بتشكيل حزب سياسي وهو في السلطة لأنه سيكون مجموعة من الانتهازيين المنتفعين الذين لا يبغون من وراء ذلك سوي الاستفادة وتحقيق المكاسب الشخصية إلى جانب أنهم لا يملكون رؤية سياسية بل ان معضمهم لا يعرفون حتي مجرد معني او ماهية الاحزاب .
– الإيمان بالتعددية السياسية ومفهوم تبادل السلطة والدفع باتجاه إفساح المجال لخلق تكتلات وتجمعات سياسية من القوى والتجعات ذات الرؤى المشتركة والمتقاربة للوصول إلى أوسع قاعدة من التمثيل للأطياف السياسية العاملة
– العمل على ان تكون اجهزة الاعلام المسموعة والمقروءة والمرئية ملكا للدولة والمجتمع – وان لا تكون ملكا لاى حكومة – حتى لا يتم استخدامها فى تبرير السياسات الحكومية التى قد تكون فى كثير من الاحيان تخدم فئة على حساب اخرى او على حساب المجتمع ككل ، الى جانب انه من الممكن استخدام هذا الاعلام لتغييب سماع صوت العديد من القوى السياسية .
– العمل على المساهمة فى نشر الثقافة السياسية بين صفوف المجتمع وقطاع الشباب والمرأة على وجه التحديد ، وجعل الجامعات منارات ثقافية سياسية ، بدون السماح للعاملين فى هذه الجامعات واعضاء هيئة التدريس من استخدام توجهاتهم السياسية لتحقيق اهداف ومصالح حوبية .
– تشجيع المواطنين على المشاركة فى مؤسسات المجتمع المدنى وتفعيل الممارسة الديمقراطية داخل هذه المؤسسات بحيث تشكل هذه المؤسسات كورشات عمل يمارس فيها المواطن قناعاته السياسية التى تخدم المؤسسة والمجتمع
– الرأى والرأى الاخر يجب أن يتم الالتفات الى اهميتهما فى الممارسة الديمقراطية والعمل الحزبى ، لان العضو الذى لا يشير بسماع صوته من خلال ما يطرح من اراء لا يجد مبررا للاستمرار فى العمل الحزبى .
لا شك ان إطلاق حرية تكوين الأحزاب سيظل أحد أهم العوامل المهيئة لبناء مؤسسات الدولة السياسية على نهج ديموقراطي و هي البداية لكل إصلاح سياسي ويبقى التأكيد على أن الصراع يبين الأحزاب السياسية هو لب الأنظمة الديموقراطية فهو صراع نبيل يهدف لتطوير المجتمع وتقدمه وخدمة الشعوب نحن في حاجة إلى من يلقى حجراً في حياتنا الحزبية الآسنة فضلا عن تعميق الايمان باهمية وجود تعددية حزبية تعمل بشفافية و تنافس مشروع لا يسمح بالاتجار بحقوق المواطنيين واللعب الكاذب على مشاعرهم من خلال مساوامات رخيصة .
المصادر
• د. كمال المنوفى – اصول النظم السياسية المقارنة – الطبعة الاولى 1987
• د. سعاد الشرقاوى ( الاحزاب السياسية ) مركز البحوث البرلمانية يونيو 2005
• منتديات المعهد العربى للبحوث والدراسات الاستيراتيجية – مفهوم الحزب السياسى
• نشأة الاحزاب السياسية – موقع المهرى – شبكة الانترنت
• الب ولد معلوم – واقع الاحزاب السياسية فى الوطن العربى ( سماتها واهم ازماتها الراهنة )
• الب ولد معلوم – حول مفهوم الحزب السياسى ووظائفه
• بكر عبد الله ابو زيد – حكم الانتماء – الحزبية فى العرب قبل الاسلام – شبكة الانترنت
• نضير الخزرجى – الفرق الدينية والاحزاب السياسية – مقارنة فكرية ومماثلة ميكافيزيقية – شبكة النبأ المعلوماتية – شبكة الانترنت
• د. يوسف القرضاوى – حكم الاسلام فى الديمقراطية والتعددية الحزبية ( موقع ابو بصير الطرطوسى
• على حسن الحلبى الاثرى – بيان حكم الحزبية فى الاسلام منتديات فلسطين العروبة – شبكة الانترنت
• د. محمد المالكى – الاحزاب العربية وسؤال الديمقراطية
• د. غالب الفريجات – ضعف الاحزاب وعزوف الناس عن الحزبية – شبكة الانترنت
• ملتقي مجالس بلي/الحزبية في العرب قبل الاسلام
• صلاح نيوف/نظرية الاحزاب السياسية

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق