الشرق الأوسطعاجل

هل يوجد مستقبل لقيم التسامح والتعايش في ظل صراع الحضارات ؟

اعداد : د. عائشة عباش – جامعة الجزائر 3

  • المركز الديمقراطي العربي

إن عالم القيم هو مكون أساسي لا غنى عنه بالنسبة للعالم الإنساني ،إذ هناك قيم جمالية ودنية وفكرية ونفعية ، يستند عليها هذا الأخير( العالم الإنساني) لتهيئة وجوده  ، وضبط تصرفاته تجاه الواقع و وفق ما تمليه الأنساق الثقافية والاجتماعية التي يعيش فيها ، حيث يمكن القول أن القيم هي وليدة بيئتها ، وعلى أساسها تتحدد القيم السلبية والإيجابية،…كما أن عالم القيم يفرض علينا عدم التصرف بسلبية تجاه المجتمعات الأخرى التي يمكن أن تحمل ثقافات وقيم مغايرة لقيمنا ، و يتم ذلك من خلال التسامح وحرية الاختلاف في سياق احترام الإنسانية  هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فإن الحديث عن صراع الأفكار كان منذ نهاية الحرب العالمية الثانية و استمر حتى الحرب الباردة  التي أفرزت في نهاية المطاف ظهور إيديولوجية شمولية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية اخترقت كل البنيات السائدة في مجتمعات ودول العالم عن طريق عولمة الحضارة والتجارب الغربية ،إذ طرحت ظاهرة العولمة الثقافية تغيرات جذرية سريعة ومتلاحقة تغلغلت في شتى المستويات، حيث حصل تجاوز على مقومات الدولة القومية إلى حد صارت معه عاجزة عن السيطرة على الصور والأفكار التي تخترق حدودها بواسطة التلفاز والأنترنت،…

وبذلك غدت العولمة الثقافية تشكل خطرًا داهمًا على الهويات والخصوصيات الأخرى من خلال نشر قيم ومفاهيم  ذات صبغة عنصرية و عدائية تجاه العالم الإسلامي خاصة بعد أحداث الحادي عشر سبتمبر2001 ، أين اعتمدت الولايات المتحدة الأمريكية على تصنيف محور الخير والشر ، كما وجدت ذريعة للتدخل في الشؤون الداخلية للدول الإسلامية ومن خلال فرض عليها إصلاحات على المناهج والبرامج التعليمية بحجة أنها منبع ظاهرة الإرهاب .

وليس ذلك فحسب فقد سعت إلى تشويهمبادئ الثقافات الأخرى من خلال وسائل الإعلام والأعمال الفنية والدرامية ، إذ تعتبر حادثة تشويه صورة الرسول صلى الله عليه وسلم والإسلام بشكل عام ، دليل قاطع على الفكر المتطرف الذي تروج له الدول الغربية تحت مظلة حرية التعبير،علاوة على استهداف المسلمون بفكرة صراع الحضارات التي طرحها عالم السياسة والنظم المقارنة صمويل هنتنجتون.

ومن ثم فتلك الممارسات والأفكار التي تحملها الحضارة الغربية قائمة على فكرة استبعاد و إقصاء و كذا تشويه قيم وثقافات باقي الحضارات  ، وذلك نابع من الفلسفة الإيديولوجية التي تؤمن بها ، مستغلة في ذلك العوامل التكنولوجيا وما أسفرت عليه من تطورات لأجل صناعة العالم بتوجه أو ايدلوجية واحدة خاصة بعد إزاحة القطب الشرقي .

فانطلاقا من منطق الصناعة الذي تؤمن به المجتمعات الصناعية ، نجد أن هذه الأخيرة تصنع كل شيء حتى الشعراء والأدباء والفنانين والمفكرين لأجل تقديم  البرامج السياسية وإدارة شؤون بلدهم ، فالصناعة عمل علمي مدروس لا يحتاج إلى أدوات الإنتاج ورأس المال فحسب ، وإنما يحتاج إلى استراتيجيات وخطط بالغة الدقة والأهمية ، وهو ما تم توظيفه في صناعة فوبيا جديدة (فوبيا إسلامية)تحل محل الفوبيا السوفياتية ، حيث بدأت في ذلك قبل سقوط الاتحاد السوفياتي بنصف قرن من خلال تهيئة البيئة الحاضنة للفكر المتطرف وصناعة ظاهرة الإرهاب باستغلال بؤر التوتر في أفغانستان والدعوة إلى الجهاد ضد الشيوعي الكافر، ودعم الثورة الإيرانية بقيادة الخميني الذي شجع التيارات المتطرفة ضد العلمانية…وغيرها من الآليات التي وظفها الغرب في صناعة الفكر المتطرف ونسبه للإسلام.

وفي خضم موجة الأفكار الغربية التي اكتسحت جل العالم ليس باستطاعة أحد، مهما امتلك من قوة أن يوقف أو يعطل حركة التحولات تلك، لكن باستطاعتنا أن نحمي أنفسنا ونقلل من مضاعفات تلك التحولات وترشيد ما يرتبط بأثرها علينا، من خلال الدفاع عن قيمنا الإسلامية الداعية إلى التسامح سواء بين المسلمين فيما بينهم أو مع غيرهم ، مع ضرورة الاقتناع بأن أسلوبنا هذا ليس نقطة ضعف بل نابع من مبادئ الدين الإسلامي  المتمحورة  على فكرة الدين المعاملة والاختلاف رحمة.

فالإسلام عايش أصنافا شتى من الطوائف والملل والأديان وعايش أهل الكتاب ومن لهم شبه كتاب والمشركين من عبدة الأوثان والنيران …والملحدين والمسحيين واليهود … و احترم جميع هؤلاء و ما يدينون ولم يتعرض لهم بسوء بل دعا إلى العدل معهم والإحسان إليهم في المعاملة، وذلك على عكس الصورة التي يروج لها الإعلام الغربي على أن المسلم إرهابي وهمجي ولا يعرف إلا التطرف والعنف  ، فقد يكون عدد قليل من المسلمين تنعكس عليهم تلك الصورة مثلهم مثل المسحيين أو اليهود، ولكن تعميم الصورة على المسلمين يعد عدم تسامح من الغرب.

*-ورقة مقدمة في ملتقى حول  ” التسامح الديني وثقافة الاختلاف ” بمركز البحوث والدراسات في حوار الحضارات والأديان المقارنة بسوسة-بتصرف-

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى