الأفريقية وحوض النيلالدراسات البحثيةالعلاقات الدولية

تقدير موقف لإتهام تمرد جنوب السودان لمصر بالتورط في دعم حكومة جوبا “نص التقرير”

اعداد السفير : بــــلال الــمــصــري – سـفير مصر السابق في أنجولا وساوتومي وبرنسيب والنيجر
– المركز الديمقراطي العربي
أوردت وكالة أنباء جنوب السودان SSNA في 3 فبراير  2017ووكالةReuters  للإنباء في 4 فبراير 2016 ونقلت عنهما شبكات الأخبار والصحف الدولية والإقليمية البيان الصادرعن حركة الجيش الشعبي لتحرير السودان في المعارضة  SPLA-IO التي يتزعمها Riek Machar خصم الرئيس Salva Kiir في الحرب الأهلية الجارية بينهما حالياً بجنوب السودان , والذي تضمن الإشارة إلي أن القوات الجوية المصرية أسقطت ما لا يقل عن 9 قنابل ومتفجرات علي مواقع تابعة لحركة SPLA-IO تقع علي مقربة من قرية  Kaka بولاية أعالي النيل بجنوب السودان , كما حذر المتحدث العسكري للحركة العقيد William Gatjiath Deng ” من مغبة إستمرارالتمرد السوداني وتصعيد مصر لمشاركتها في الحرب القائمة حالياً بجنوب السودان , مُعتبراً ذلك من المؤشرات الواضحة لشعب جنوب السودان وللإتحاد الأفريقي وللأمم المتحدة والمجتمع الدولي بأن نظام جوبا يستفز المنطقة ويجر جنوب السودان لحرب إقليمية ” , وأوضح العقيد Deng أن عناصر من حركة العدالة والمساواة JEM وحركة تحرير جنوب السودان – قطاع الشمالSPLM-North تتسلل إلي أراضي جنوب السودان إنطلاقاً من قاعدة Angathna بولاية النيل الأزرق بشمال السودان بغية الهجوم علي وإستعادة بلدات المستقبل و Wadekona و  Detang من أيدي التمرد المُعارض التابع لريك مشار الذي يعتقد – أي مشار – أن هناك إتفاقات بين القاهرة وجوبا تدعوه إلي الشك في نوايا القاهرة إزاء الصراع بين حركته ونظام Salva Kiir , وأحالت وكالة أنباء جنوب السودان علي أحد كبار القادة العسكريين بحركة SPLA-IO المتمردة المناوئة للرئيس Salva Kiir قوله ” هناك ثمة صفقة قذرة تتم  بين  Kiirوالسيسي , وأن سد النهضة الإثيوبي واحد من القضايا الرئيسية التي تمت في القاهرة , وأن مصادرنا المخابراتية في Kampala عاصمة أوغندا وفي جوبا أكدت أن مصر تريد من جنوب السودان وأوغندا أن يكونا حلفاءها الإقليميين حتي يمكنها أن تتقدم في مخططها الهدام الخفي ضد إثيوبيا , وأن الرجل(الرئيس Kiir) ما هو إلا عميل مزدوج فلسوف يتسبب في مشاكل كثيرة بمنطقة شرق أفريقيا ” , وأضاف هذا المسئول قوله بأن الخبراء العسكريين والمهندسيين المصريين متواجدين بجوبا منذ شهور وأن التعامل العسكري بين القاهرة وجوبا تعمل أوغندا علي تنسيقه منذ العام الماضي , ودعا هذا المسئول الإتحاد الأفريقي والأمم المتحدة إلي التحقيق في التورط المصري في الحرب الأهلية بجنوب السودان .
 
من جانبه نفي الناطق باسم وزارة الخارجية المصرية هذه الإتهامات مُوضحاً أن مصر لا تتدخل في الشئون الداخلية للدول الأخري , كما نفي Ateny Wek Ateny الناطق باسم رئاسة جنوب السودان هذه الإتهامات عن الضربة الجوية المصرية واصفاً إياها بأنها فارغة .
إن الحرب الأهلية بجنوب السودان التي بدأت موجتها الثانية للحرب الأهلية في 15 ديسمبر 2013 بين الرئيس Salva kiir Mayardit المُنتمي لقبيلة الدنكا وهي الأكبر بجنوب السودان  ونائبه Riek Machar المُنتمي لقبيلة النوير ثاني أكبر القبائل هناك أحدثت إستقطاباً واضحاً  للدول المحيطة به خاصة وأن النظام القائم بجوباً ومعارضيه معاً  تتأسس الأصول الفكرية لقادتهما علي مفهوم ” التمرد علي الدولة” , ولقد نتج عن بدء هذه الموجة ما يُعرف بأزمة الحكم في جنوب السودان الذي حصل علي إستقلاله بناء علي إتفاقية السلام الشامل مع حكومة السلام المُوقعة في كينيا في يناير 20055, لكن وبعد حصول جنوب السودان علي إستقلاله في 9 يوليو 2011 بعامين بدأت هذه الموجة الثانية من الحرب الأهلية (الموجة الأولي للتمرد الجنوبي كانت ضد حكومة الخرطوم في الفترة من 1955 حتي 2005 علي مرحلتين  يفصلهما إتفاقية أديس أبابا الموقعة في 27 فبراير 1972بين التمرد الجنوبي بقيادة جارانج والسودان إبان نظام نميري) التي هي في الواقع حرب بين قبيلتي الدنكا والنويرالتي أوقفت نمو مفهوم الدولة في جنوب السودان وألزمت السياسيين بالعيش دائماً داخل قوقعة القبلية , لذلك وبالرغم من تحرك الولايات المتحدة وإثيوبيا وأوغندا  سريعاً لتسوية أزمة الحكم في جنوب السودان بعد نحو عشرين شهراً من الحرب الأهلية وممارسة الضغوط المتنوعة علي طرفي الحرب وبصفة خاصة علي الرئيس kiir تم التوصل برعاية تجمع  IGADورئيس الوزراء الإثيوبي إلي توقيع طرفي هذه الحرب في 17 أغسطس 2015 علي إتفاقية أديس أبابا التي لم تصمد طويلاً , إذ كان لدي وفد حكومة جنوب السودان بعض التحفظات علي بنود تتعلق بما تعتقده بأن تطبيقها يعني أن جنوب السودان تحت إنتداب الأمم المُتحدة وهو ما يمس بسيادة الدولة , ومن جهة أخري فقد ظلت دوافع التمرد علي الدولة نشطة وصالحة للعمل السلبي لدي هذه الإتفاقية , فلم يكن لدي الدولة ولا المُتمردين عليها – وما يزال – المفهوم المُتداول للدولة الذي يعتنقه  المجتمع الدولي , فالدولة لديهما لا تتعدي مفهوم القبيلة إلا قليلاً وبالقدر البروتوكولي , وبالرغم من محاولات أمريكية لإنهاء هذه الموجة الأعنف من الحرب الأهلية بالإتصالات الدبلوماسية التي كُلف بها Donald Booth المبعوث الأمريكي لدي السودان وجنوب السودان ,إلا أنه وبسبب التشدد النسبي للرئيس kiir وتصاعد وتيرة الحرب الأهلية وتداعياتها المرعبة التي وصلت إلي حد إتهام أمين عام الأمم المتحدة Ban Ki- Moon القوات الحكومية لجنوب السودان بإقتراف التطهير العرقي , وهو ما لم يكترث به الرئيس kiir ونفاه مسئولي الحكومة في جوبا في حينه , فقد تفاقمت الأزمة الإنسانية مما دفع الجنوبيين للهرب من جحيم الحرب الأهلية بإجتياز الحدود إلي إثيوبيا وأوغندا وكينيا بل والسودان الشمالي , وقد نتج عن ذلك حتي العام الماضي مصرع ما يزيد عن 50,000 مواطن جنوبي وتشريد 2 مليون جنوبي بما فيهم نحو 180,000 من الجنوبين الباحثين عن حماية الأمم المتحدة لهم .
 
موقف الولايات المتحدة إزاء الموجة الثانية للحرب الأهلية في جنوب السودان  :
 
هناك ضرورة لإلقاء الضوء علي أبعاد الموقف الأمريكي الحالي من الموجة الثانية للحرب الأهلية في جنوب السودان , إذ لا يمكن إفتراض أن التمدد العسكري المصري في جنوب السودان يتم بدون التنسيبق مع العسكرية الأمريكية وتحديداً القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا AFRICOM , وبنفس القدر لا يمكن لإسرائيل ( باعت إسرائيل عام 2013أسلحة ومعدات عسكرية لدول أفريقية بمبلغ إجمالي قدره 71 مليون دولارثم بلغ 318 مليون دولار عام 2014) أن تستمر في دعم حكومة جوبا بدون تنسيق مع الولايات المتحدة وذلك وفقاً لتقرير تقصي حقائق أممي وكذلك بالمعلومات الإستخباراتية عن قوات الحكومة وقوات حركةSPLA-IO التمردالمعارضة المُسلحة التي يقودها  Riek Machar وحلفاؤه , إذ أن كلا من إسرائيل  ومصر حلفاء مخلصين للولايات المتحدة وبين ثلاثتهم تنسيق في ملفات معينة علي مدي يتسع بالشرق الأوسط  منها ملف مواجهة الإرهاب في شبه جزيرة سيناء والمنطقة , كما أن كلا من إسرائيل ومصر تتمتعان بتدفقات سنوية من المعونة العسكرية والإقتصادية الأمريكية , وإن كان التنسيق الأمريكي أعمق مع إسرائيل التي ترتبط مع الولايات المتحدة بسلسلة مُحدثة دائماً من الإتفاقيات ومذكرات التفاهم الإستراتيجي لها سمات تؤكد التحالف المصيري بين إسرائيل والولايات المتحدة والتي تنص علي عقد الإجتماعات الدورية بين وزيري الخارجية والدفاع بالدولتين لتسيق المواقف في كل الملفات بلا إستثناء , لذلك فإن القول بأن الدعم العسكري الإسرائيلي والمصري لنظام kiir يجري في أعنته هو قول مُبتسر محدود الرؤية وليس واقعياً ولا عملياً , فهو يتم ويتقدم داخل المضمار الإستراتيجي الأمريكي في جنوب السودان تلك الدولة التي نشأت كإسرائيل بناء علي تعهد أمريكي قامت علي تنفيذه المؤسسات التابعة لدولة الولايات المتحدة وخاصة مؤسستي الخارجية والدفاع   .    
ما تقدم لا ينفي القول بأنه ومع إندلاع الحرب الأهلية في جنوب السودان أصبحت هذه الدولة عبئاً بلا عائد إقتصادي و / أو معنوي للولايات المتحدة التي تعد أكبر مانح للمساعدات الإنسانية لجنوب السودان إذ بلغ مجموع ما أنفقته الولايات المتحدة في هذا الشأن منذ إندلاع الحرب الاهلية في ديسمبر2013 حوالي 1,7 بليون دولار * (أشارت مذكرة رسمية صادرة في 13 أكتوبر 2016عن السفارة الأمريكية في جوبا إلي أن مجمل المساعدات الإنسانية الطارئة من الولايات المتحدة لجنوب السودان منذ ديسمبر 2013 بلغت 1,9 بليون دولار) , كما تعد أكبر مانح علي الصعيد الثنائي لحكومة جنوب السودان , ولهذا نجد أن وزير الخارجية الأمريكية John Kerry يصرح في أغسطس 2016 بقوله ” إن المساعدة المُقدمة لجنوب السودان سوف لا تستمر للأبد لو أن قادة الجنوب غير مُهيئين لفعل ما هو ضروري لشعبهم ” و في هذا الصدد أحالت شبكة Fox News في 27 أغسطس 2016 علي مسئولين بالخارجية الأمريكية قولهم أنه بينما إتفاقية السلام لم تُطبق بشكل كامل بعد , إلا أنها تظل السبيل الأفضل لإقامة السلام في جنوب السودان , هذا وقد طلبت وزارة الخارجية الأمريكية الموافقة في مشروع الموازنة لعام 2017علي رصد مبلغ 30 مليون دولار لتحديث جيش جنوب السودان وأوردت الخارجية مبرراتها لذلك الطلب في أنه سيستخدم لتحقيق أهداف منها تحري القوات المسلحة لجنوب السودان لإحترام حقوق الإنسان وتمثيل كل السكان في صفوفها وإعتماد الرئيس المنتخب عليها , وحماية شعب جنوب السودان ولتشجيع الإستقرار في عموم منطقة القرن الأفريقي , كما طلبت الخارجية الأمريكية رصد مبلغ 132 مليون دولار للمجتمع المدني بجنوب السودان وبرامج بناء السلام , وقد تزامن مع طلبات الخارجية تلك الهجوم الذي شنته قوة حكومية يترواح عددها ما بين 800 إلي 100 فرد (ربما منها عناصر من SPLA الموالية للحكومة) علي فندق Terrain بجوبا في 11 يوليو 2016 والذي تعرض فيه مواطنون أمريكون للإغتصاب والضرب من قبل قوات أو ميلشيات تدين بالولاء لحكومة الرئيس  Salva kiir , ولوحظ أن الإدارة الامريكية لاذت بالصمت إزاء هذا الحادث لأكثر من شهر إلي أن كشفته وأذاعته تفصيلاً وكالة الأنباء المتحدةAP في تقرير لها من جنوب السودان , الأمر الذي إضطر الإدارة مع دلائل أخري الأمريكية إلي النظر للرئيس kiir  كزعيم لجيش عدواني النزعة بعد أن كانت تعتبره زعيما موثوقاُ به , وبالرغم من تواجد قوة أمريكية تابعة للقيادة العسكرية الأمريكية علي أراضي جنوب السودان * (تبلغ نحو 50 فرد)  إلا أن Mary Catherine Phee السفيرة الأمريكية هناك أكدت أن أيا من أفراد هذه القوة لم يكلف بالتدخل لتحرير من بالفندق , لكن الرئيس Obama أشار في بيان رئاسي إلي أنه أرسل 47 فرد من القوات الأمريكية مجهزين بعتاد قتالي لجنوب السودان لحماية الأفراد والممتلكات الأمريكية هناك , كما أدانت سفيرة الولايات المتحدة بالأمم المتحدة Samantha Power هذا الهجوم في أغسطس 2016 مع إدانة أخري من الأمم المتحدة , لأن الإعتداء شمل أفراد من قوة حفظ السلام الأممية , وأشارت السفيرة إلي أن الولايات المتحدة قلقة بشأن ما إذا كانت قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة غير قادرة أم أنها غير مستعدة للإستجابة لنداءات المساعدة ممن كانوا بفندق Terrain * ( وجهت مندوبة الولايات المتحدة الدائمة لدي الأمم المتحدة Susan Rice خطاباً للكونجرس الأمريكي عام في يوليو 2009 أشارت فيه إلي أن قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة التي غالباً ما تُوصف بضعف الإرادة تعد أداة جوهرية لحماية المصالح الأمريكية حول العالم , وطيلة سبعة أعوام تالية لإيضاح Susan Riceللكونجرس تمادت عناصر بقوات حفظ السلام الأممية في فضائح جنسية خلال مهمتهم بجمهورية أفريقيا الوسط كما أنهم فشلوا في وقف الهجمات الوحشية علي سكان دارفور وهو ما يتكرر أيضا في جنوب السودان مما أثار شكوك حول فعالية قوات حفظ السلام) , لكنها نوهت بأن السفارة إتصلت علي الفور بالسلطة المختصة بحكومة جنوب السودان ونقلت إليها نداءات من هُجموا بالفندق التي وردت للسفارة , وبناء علي ذلك أرسلت الحكومة قوة لموقع الفندق لوقف الهجوم . * (السفير بلال المصري . دراسة منشورة بعنوان ” النفاذ الإسرائيلي في أزمتي الحكم في جنوب السودان وشمالة . 17 نوفمبر 2016)
 
دعت لجنة مشتركة من الكونجرس الأمريكي بعد أن قامت في 29 أغسطس 2016بزيارة ميدانية لجنوب السودان *(اللجنة الفرعية لأفريقيا المنبثقة عن لجنة الشئون الخارجية ولجنة حقوق الإنسان بالعالم) الإتحاد الأفريقي إلي تسريع تأسيس المحكمة المختلطة Hybird Court لجنوب السودان * (ينشؤها الإتحاد الأفريقي في مدي 6 أشهر بعد تشكيل الحكومة الإنتقالية لجنوب السودان وتتشكل من 7 قضاة أربعة منهم يعينهم الإتحاد الأفريقي و3 قضاة من جنوب السودان ) لمحاكمة قادة جنوب السودان المتهمين بإقتراف جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية منذ إندلاع القتال بالجنوب بين الفرقاء في 15 ديسمبر 2013 وذلك تطبيقاً لنص بإتفاقية السلام الموقعة في اديس أبابا في 17 أغسطس 2015 بين الأطراف المتحاربة في جنوب السودان , و تأكيداً علي أهمية هذه المحكمة كأداة كابحة للنزعات العدوانية المتبادلة بجنوب السودان أشار التقرير الختامي للجنة تقصي الحقائق بجنوب السودان التابعة للإتحاد الأفريقي AUCISS والذي نُشر في في سبتمبر 2015 أن إنشاء هذه الآلية القضائية تحت رعاية الإتحاد الأفريقي مؤيدة من المجتمع الدولي خاصة من الأمم المتحدة لجلب هؤلاء الذين يتحملون المسئولية الأعظم وهم علي أعلي مستوي للمساءلة , وأن هذه الآلية يجب أن تتضمن قضاة ومحامين من جنوب السودان .  
إزاء تدهور الأوضاع الأمنية بالجنوب قادت الولايات المتحدة في الربع الثالث من أغسطس 2016 جهوداً تفاوضية في الأمم المتحدة لإستصدار قرار من مجلس الأمن للترخيص بزيادة إضافية لقوة حفظ السلام الأممية بجنوب السودان UNMISS بواقع 4000 عنصر للحماية ولتأمين العاصمة جوبا ودعم القوة الأممية لجنوب السودان UNMISS  المتواجدة هناك بالفعل وقوامها 12,000 رجل  وقد صدر هذا القرار بالفعل عن مجلس الأمن الدولي تحت الرقم 2304بتاريخ 12 أغسطس 2016 وتضمن تجديد مهمة قوة حفظ السلام القائمة بالفعل في جنوب السودان حتي 30 يونيو 2017 , كما رخص بدعمها بعدد إضافي لتعزيز حماية المدنيين , وقد صوت ممثلي 11 دولة عضو بالمجلس بالموافقة علي القرار فيما إمتنع عن التصويت كل من ممثل الصين وروسيا ومصر وفيزويلا , وبالرغم من الجهود الأمريكية التي بُذلت لتمرير قرار الدعم العددي للقوة الأممية بجنوب السودان إلا أن هذه القوة مازالت عرضة للإنتقاد لضعف أداءها ميدانياً ولهذا أصدر أمين عام الأمم المتحدة قراراً في مستهل نوفمبر 2016بإقالة قائد هذه القوة الكيني Johnson Mogoa Kimani Ondieki بعد تقرير رُفع إليه في الأول من نوفمبر إنتقد بشدة ضعف رد القوة الأممية علي الهجوم الذي تعرض له المبني المجمع للأمم المتحدة المُخصص بالعاصمة جوبا لإيواء نحو 27,000 نازح جنوبي وأسفر عن مقتل ما لا يقل عن 73 جنوبي , هذا بالإضافة لأوجه قصور أخري , وإزاء هذا الأمر أعلنت الحكومة الكينية في 2 نوفمبر عن سحب مساهمتها في هذه القوة والتي تبلغ 1,000 جندي إحتجاجاً علي إقالة قائد القوة بدون التشاور المُسبق معها , ولابد من ربط هذا الهجوم بموضوع السلاح  , ذلك أن القوات الموالية للرئيس Kiir وفقاً لتقرير سري صادر عن الأمم المتحدة – حصلت وكالة أنباء  Associated Press علي نسخة منه في سبتمبر 2016 – هي التي قامت بالهجوم بتوجيه من مستويات عليا بحكومة   Kiirوإن دل ذلك علي شيئ فإنما يدل علي (1) أن Kiir يأمن العقوبة أو علي الأقل يعلم أن حبال الصبر الأمريكية عليه طويلة نسبياً و(2) أن موردي السلاح لنظام Kiir يعلمون بدرجة أو بأخري أن الوقت مبكر للخشية من إثارة موضوع السلاح مرتبطاً بإقتراف جرائم حرب , وبالرغم من أن الرئيس Salva kiir قاوم صدور قرار الدعم العددي للقوة الأممية بجنوب السودان  والذي تضمن أيضاً إشارة إلي إمكانية النظر في  فرض حظر علي السلاح , بل وأعلن علناً رفضه له في البداية بدعوي أنه يؤثر سلباً علي سيادة الدولة , إلا أنه أُرغم في النهاية علي قبوله ما يعني تناقص قدراته أمام المجتمع الدولي , مع أن الوقت المناسب لفرض الحظر كان مبرراً تماماً بعد هجوم القوات الموالية له علي مجمع إيوائي تابع للأمم المتحدة مخصص للنازحين الفارين من الحرب في يوليو الماضي , إلا أنه إنصاع تحت وطأة  ضغوط امريكية  أخري في تقديري جعلته يوافق مرغماً . * (المرجع السابق)
 
بينما صدر قرار مجلس الأمن المُشار إليهإ إنهمكت قوي أخري إقليمية تعتبر في التحليل النهائي واجهة أخري وإن بوجه أفريقي للدبلوماسية الأمريكية ممثلة في دول منظمة مكافحة الجفاف والتصحر IGAD في البحث عن الوسائل المناسبة لإعادة الأطراف المُتحاربة للوضع الذي قررته إتفاقية السلام الموقعة بينهما في 17 سبتمبر 2015 وهي الحالة التي إعتبرتها الأمم المتحدة الحالة الراهنة التي يُقاس عليها أي الـStatus quo * (أصدر رؤساء دول تجمعي IGAD Plus  وشرق أفريقيا في ختام مؤتمرهم  الخامس الذي عُقد في أديس أبابا في 7 أغسطس 2016 بياناً قوياً بشأن الأزمة في جنوب السودان أشاروا في  موضع منه إلي أن البلاد المجاورة لجنوب السودان حملت علي عاتقها العبء الثقيل للصراع منذ تفجره في ديسمبر 2013 بما في ذلك عبء التدفق المستمر والكثيف للاجئين وكذلك الإنتشار غير المشروع للأسلحة الصغيرة وعدم الإستقرار) , ومع تدهور الأوضاع الأمنية لابد من الإشارة إلي آفة القبلية و الفساد المُستشري في أركان دولة جنوب السودان التي يقودها الرئيس Salva kiir من خلال SPLM حزبه الحاكم الذي ينتمي إليه أيضاً رئيس هيئة أركان القوات المسلحة لجنوب السودان اللواء Paul Malong الذي يشغل في نفس الوقت منصب رئيس حزب SPLM علي المستوي الجهوي بولاية شمال بحر الغزال , ولهذا فإتفاقية سلام أديس أبابا إستهدفت السلام كأولوية لكنها لم تنفذ عميقاً لتقتلع القبلية وآليات الفساد التي تعمل بكامل قواها في دولة أنيط بناؤها لقوي متمردة , هذا وقد نفت حكومة جنوب السودان جملة وتفصيلاً في 13 سبتمبر 2016علي لسان Ateny Wek Ateny السكرتير الصحفي لرئاسة جمهورية جنوب السودان ما أورده تقرير وضعه مكتب قانوني يدعي مجموعة The Sentry إستغرق وضعه عامان من التحريات ودمغ معظم إن لم يكن كل رجال حكومة جنوب السودان بدءاً من رئيس الجمهورية بالفساد وأشار هذا التقرير إلي أن Riek Machar النائب السابق للرئيس تربح بملايين الدولارات من صفقات سلاح مشبوهة, والنقطة المهمة إشارة التقرير من بين أوجه عدة للفساد إلي أن الرئيس Kiir ونائبه السابق Machar تربحا من من تعاقدات توريد السلاح ومن مبيعات البترول والحصول من خلال نفوذهما علي أنصبة في شركات عاملة بجنوب السودان * (أسس هذه المجموعة  George Clooney نجم Hollywood ومعه الناشط في مجال حقوق الإنسان John Prendergast) وتضمن التقرير كذلك توجيه تهمة الفساد للرئيسSalva Kiir ونائبه السابق Riek Machar لتكوينهما ثروات جراء فسادهما علي حساب ملايين من شعب الجنوب وأوضح Ateny أن التقرير سياسي لأن به خلاصات غير مؤسسة علي حقائق عن الفساد بحكومة الجنوب , وهكذا فقد طال الوهن أركان مؤسسات الدولة ففي معظم المناصب الحكومية والمحلية والعسكرية يلمس المرء طغيان العناصر المتحدرة من قبيلة الدنكا من أعالي النيل * ( كان جون جارانج يحابي أبناء قبيلته الدينكا خاصة هؤلاء الذين من دينكا بور Dinka Bor ) حتي بحر الغزال فالإستوائية ومن ثم فلا مجال للحديث عن محاسبة فمن يحاسب من , فيما الولاء القبلي يشد الكل ؟ , لهذا فلم تصمد إتفاقية السلام الموقعة في أديس أبابا الموقعة في 17 سبتمبر 2015 طويلاً لأن هذه الأوضاع السلبية وسمت بل ووصمت أيضاً الدولة الوليدة في جنوب السودان  إلي أن ساقتها مرغمة نحو أتون القتال الأهلي مُجدداً في 188 يوليو 2016 أي بعد عام من هذه الإتفاقية قصيرة العمر التي تجمدت نصوصها الخاصة بوقف إطلاق النار والترتيبات الأمنية الإنتقالية ولجنة المراقبة العسكرية المشتركة لوقف إطلاق النار وتاسيس مؤسسات جديدة والشروع في إجندة إصلاحية في القطاع العام وآليات العدالة الإنتقالية وغيرها .
لم يتوقف النزاع المسلح بين طرفي أزمة الحكم في السودان إلا ليتواصل مجدداً فكلما مضي الوقت مع إضطراد القتال يتزايد عدد الضحايا والنازحين والمشردين مما يؤثر علي أنشطة الرعي والزراعة التي بطبيعة الموقف تعرضت إنتاجيتهما لتناقص حاد أثر علي مجمل الأحوال المعيشية اليومية لسكان الجنوب بما فيها العاصمة جوبا والمدن الهامة مثل Malakal , وألقي هذا الموقف بظلال كثيفة علي موقفي طرفي أزمة الحكم في جنوب السودان الذي كلما زاد ميل الأمم المتحدة والولايات المتحدة للتدخل فيه مباشرة زادت شراستهما وكمثال علي ذلك أنه عندما تحركت الولايات المتحدة داخل الأمم المتحدة وبتنسيق مع الصين * (التي تخشي علي مصالحها خاصة البترولية في الجنوب في ولاية الوحدة وهجليج وعدرايل وغيرهم من إمكانية تعرضها لهجمات تخريبية) وقوي غربية أخري لها مصالح إقتصادية بالجنوب بإتجاه دعم قوة حفظ السلام العاملة بالفعل في الجنوب السوداني بإضافة عدد آخر لها  لحماية السكان والقوات رفض الرئيس Salva kiir مقترح دعم القوة الأممية العاملة بل وأصدرت حكومة جنوب السودان بيان في 11 أغسطس 2016 أشارت فيه إلي ” أن مقترح الولايات المتحدة بإرسال 4,000 عنصر لدعم قوة حفظ السلام في جنوب السودان سيمنح الأمم المتحدة إمكانية حكم جنوب السودان  , وأنه في السابق تدخل المجتمع الدولي في أفغانستان والعراق وليبيا بهدف جلب السلام والديموقراطية لهذه الدول , لكن ما حدث أنه نجح في إزالة هذه الأنظمة لكنه فشل في جلب الأمن والسلام ولا يعلم أحد حتي الآن متي سيعود السلام لهذه البلاد ” ,  لكن وبالرغم من هذه الإنتقادات الرسمية للولايات المتحدة فإن الرئيس Salva Kiir إضطر أمام الضوط الأمريكية التي لا يمكنه إحتمال أقلها  للإنصياع للقرار الأممي وأرتضي به بعد ممارسة ضغوط أمريكية مباشرة عليه  وأعلن عن قبوله له بعد لقاءه في القصر الجمهوري بجوبا مستهل سبتمبر 2016 لوفد عال المستوي يمثل مجلس الأمن الدولي وصدر بيان مشترك في نهاية اللقاء أشار إلي “ أن حكومة جنوب السودان وافقت علي تمركز قوة إقليمية إضافية لحفظ السلام للحماية وليس للتدخل  ” , وكان هذا القبول بنية مبيتة علي الرفض  .
 
أوضحت الولايات المتحدة موقفها بجلاء في أكثر من مناسبة وعلي مدي زمني تالي للخامس عشر من ديسمبر 2013 تاريخ تفجر الصراع السياسي القبلي بين الرئيس Salva kiir ونائبه الأول Riek Macharوجددت هذا التوضيح مرة أخري في 7 سبتمبر 2016 عندما نقلت وكالة Associated Press من جوبا تصريحاً أدلي به Donald Booth مبعوث الولايات المتحدة الخاص بجنوب السودان دعا فيه جنوب السودان لإعادة بناء إتفاق المشاركة في السلطة في إطار إتفاقية السلام التي وقعها الطرفان في أديس أبابا , وأشارت الوكالة إلي أن المبعوث الأمريكي أفاد الكونجرس بأنه ” لا يعتقد أنه سيكون من الحكمة من قبل قائد التمرد Riek Machar أن يعود لممارسة دوره كنائب للرئيس بعد أن فر من البلاد في ذروة تجدد القتال في يوليو الماضي ” , لكن الأمور كانت تسير بين الولايات المتحدة و Machar في إتجاهها المعتاد فقد أعلنت مصادر إعلامية وثيقة الصلة به وتقلتها صحيفة Sudan Tribune في 6 أكتوبر 2016 التي أحالت علي هذه المصادر قولها أن فريقاً عالي المستوي يمثل   Macharبرئاسة السفير Stephen Par Kuol وصل إلي واشنطن للتباحث مع المسئولين هناك حول الموقف في جنوب السودان ولتنقية الأجواء بين واشنطن وحركة SPLM/SPLA (IO) بقيادة Machar وذلك بالرغم من أن John Kerry وزير الخارجية الأمريكية صرح أثناء زيارة أخيرة له لكينيا في سبتمبر 2016 أن تبديل Machar بنائب آخر هو Taban Deng يأتي إتساقاً مع إتفاقية سلام أديس أبابا , فيما تؤكد المعارضة المسلحة بقيادة Macharأن تعيين  Taban Deng إنتهاك لما ورد بالمواد 6/4 و6/5 من هذه الإتفاقية , وإتصالاً بتحركات Machar وقتذاك ذكرت مصادر مسئولة في السودان أنه  متواجد حالياً بالسودان التي لها دور مهم في مجريات الأحداث في جنوب السودان سواء أكانت متعلقة بأزمة الحكم أو غيرها وفيما يتعلق بأزمة الحكم أعلن Radio Tamazuj في  15 سبتمبر 2016 بالإحالة علي Manawa Peter Gatkuoth المتحدث باسم المعارضة المسلحة ” أن فريقاً يمثل حركة SPLM-IO المعارضة للرئيس kiir والمُتحالفة مع نائبه السابق Riek Machar تخطط لعقد إجتماع في الخرطوم وذلك لمناقشة التطورات الجارية في جنوب السودان وأشار إلي أنهم يريدون لقاء الدول المُشاركة في Troika أزمة جنوب السودان لشرح موقف المعارضة لهم وأسباب القتال الذي نشب مجدداً في جوبا في يوليو 2016 مُضيفاً أن حركة SPLM-IO ستعقد مؤتمراً في بلدة Yuai بولاية Jonglei بحضور قادة الجيش الأبيض وآخرين   .
هددت الولايات المتحدة حكومة جنوب السودان أكثر من مرة بوقف مساعداتها الإنسانية مالم تتخذ حكومة جوبا خطوات إيجابية بإتجاه السلام , ولكن من الواضح أن هذا التهديد لم يكن له أثر جدي لا علي الحكومة التي وُجه إليها ولا علي المعارضة المسلحة التي جزء مهم من هؤلاء الموجه إليهم هذا العون الإنساني ينتمون قبلياً إليهم , فمن يستحل القتل بسفك الدماء لا يخشي التسبب في القتل جوعاً , خاصة وأن هناك تجارب سابقة أثبتت أن تدفق المساعدات للنازحين الفارين من القتال يدعم الحكومة بل ويفسح لها المجال أكثر لمواصلته بمزيد من الشراسة مثلما كانت الحال مع Hutu في شرق الكونجو الديموقراطية في تسعينات القرن الماضي , ولذلك وجدت الإدارة الأمريكية التي أصدرت في وقت سابق حظراً علي كبار العسكريين من طرفي الصراع بجنوب السودان  نفسها وهي ترسل الرسائل الإنذارية والتهديدية للرئيس Salva kiir مضطرة لإيضاح حدود دعمها العسكري لدولة جنوب السودان , خاصة بعد إعلانه رفض دعم القوة الأممية لحماية السكان بدعوي تعارض تمركزها مع سيادة دولة جنوب السودان وكذلك بسبب الإنتقادات الصادرة عن المعارضة المُسلحة متمثلة في SPLM-In بالداخل للولايات المتحدة متهمة الإدارة الأمريكية بتجديد دعمها العسكري لحكومة الرئيس Salva Kiir وإعتبارها لهذا الدعم ” قرارأ خاطئاً ” فقد أصدر الرئيسBarack Obama في 7 أكتوبر 2016 قراراً بإستمرار العون العسكري لجمهورية جنوب السودان * (علقت الولايات المتحدة عونها العسكري لجوبا بعد بداية الحرب الأهلية في ديسمبر 2013) , وهو القرار الذي وصفه رئيس مجلس وزراء جنوب السودان Martin Elia Lomuro بأنه ” الأمر الصحيح الذي يجب عمله ” مُضيفاً قوله بأن ” فرض الحظرعلي السلاح سيزيد من العداء ويقلص القدرات العسكرية مما يعزز من العمليات القتالية وأن هذا القرار يُظهر تجديد الشراكة بين البلدين ويتضمن تعهداً ببذل الجهود لتطبيق إتفاقية السلام وإستعادة الإستقرار ” , وحتي تحتفظ الولايات المتحدة بخطوط إتصالها مع المعارضة المسلحة بمنأي عن قرار مواصلة العون العسكري الأمريكي لحكومة Kiir  أصدرت السفارة الأمريكية في جوبا بياناً بتاريخ 13 أكتوبر 2016 , يعتبر في تقديري ذا أهمية لعلاقته بقضية مبيعات الأسلحة الإسرائيلية لجنوب السودان ذلك  أن الحكومة الأمريكية أوضحت فيه محددات عونها العسكري لهذه الدولة , فالبيان أوضح  أن هناك  ” دعم جار لكنه في إطار الجهود الإقليمية التي يقودها الإتحاد الأفريقي ” و ” أنه في أعقاب تفجر الصراع في ديسمبر 2013 علقت الولايات المتحدة برنامج المساعدة غير القتالية وهو البرنامج الذي كان معمولاً به في الفترة من 2006 حتي 2013 والموجه للجيش الشعبي لتحرير السودان  SPLAلمساعدته علي الحرفية والذي تم تطويره بطلب من  John Garang de Mabior ” , كما أشار البيان إلي ” أن الولايات المتحدة لم تستأنف هذا البرنامج ولم تقدم أي عون عسكري لحكومة جنوب السودان أو للمعارضة المسلحة منذ ديسمبر 2013 “, ثم أكد ” أن الحكومة الأمريكية يمكنها أن تواصل الإمداد بالعون المالي لدعم تنفيذ إتفاق السلام خاصة ما يتعلق بالكيان المعروف بـ ” آلية وقف إطلاق النار والمراقبة الأمنية الإنتقالية ” CTSAMM والمُكلف بمراقبة إنتهاكات وقف إطلاق النار , وأنه بدون تحقق ذلك فأن الولايات المتحدة سوف لا يمكنها دعم مراقبة وقف إطلاق النار بسبب الأنشطة الخطرة والعدائيات الحالية , كما أشار البيان إلي أن حكومة الولايات المتحدة لم تشر إلي نيتها لتوسيع مدي مساعدتها لجنوب السودان فالقانون الساري بالولايات المتحدة يحظر علي حكومتها الإمداد بمساعدات جديدة لحكومة جنوب السودان حتي تأخذ الأخيرة خطوات فعالة فيما يتعلق بـ (1) إنهاء العدائيات والإستمرار بنية خالصة في التفاوض من أجل تسوية سياسية للصراع الراهن و(2) وقف تعيين وإستخدام الجنود الأطفال و(3) حماية حريات التعبير والإجتماع والتجمع و(4) خفض الفساد المتعلق بإستخراج البترول وبيع البترول والغاز و(5) إقامة مؤسسات ديموقراطية بما في ذلك إقامة جيش مسئول وشرطة تحت قيادة مدنية , وسوف تستمر الولايات المتحدة في حث جنوب السودان علي إتخاذ هذه الخطوات التي تؤمن بأنها مساهمة مستديمة للإستقرار والتنمية ” . * (المرجع السابق)
لكن لوحظ أن تحرك الولايات المتحدة في مسألة إصدار قرار من مجلس الأمن بفرض حظر علي السلاح لجنوب السودان يتسم بالمد والجزر فبالرغم من نداءات أمريكية بضرورة فرض الحظر نجد أنه بالإضافة إلي إصدار الرئيس Obama قراراً في 7 أكتوبر 2016 بتجديد العون العسكري لجنوب السودان فإن جهود الولايات المتحدة في الإتفاق الدبلوماسي مع روسيا والصين المعارضان الرئيسيان لفرض حظر علي السلاح لجنوب السودان تعرضت لنكسات , ففي جلسة مجلس الأمن في 17 فبراير 2015 وزع المندوب الأمريكي بالمجلس مسودة قرار مُقترح خلا من إقتراح فرض الحظر بل وحتي لم يشر إلي  وضع شخصيات مسئولة بالحرب الأهلية هناك علي القائمة السوداء أو حظر سفرها للولايات المتحدة ,, فيما أفادت وكالة Reuters في 24 سبتمبر 2015 أن الولايات المتحدة إقترحت في مشروع قرار وُزع علي أعضاء مجلس الأمن  إنشاء لجنة تابعة للأمم المتحدة للعقوبات علي جنوب السودان , وأشارت الوكالة أن هذا المشروع لم يشر إلي رئيس جنوب السودان Salva Kiir ولا Riek Machar قائد التمرد عليه بالإسم , وأستعاضت عن ذكرهما بالإشارة إلي أن العقوبات ستطبق علي ” قادة أي كيان من الكيانات” ولم يتضمن المشروع ذكر لعقوبات معينة بل وضع آلية لها ,وأشارت الوكالة نقلاً عن الوفد الأمريكي بمجلس الأمن قوله أن فرض حظر علي السلاح  ممكن إن لم يستطع طرفي الحرب الإنخراط في عملية السلام , ثم وفي الأسبوع الأول من أبريل 2016 قادت الولايات المتحدة جهوداً لحظر السلاح لجنوب السودان لكن الأمم المتحدة إرتأت تأجيل الأمر حتي يونيو 2016  بزعم أن هناك تحسناً في سلوك الأطراف المُتحاربة في الجنوب  *(حتي مايو 2016 فإنه إلي جانب الولايات المتحدة تدعم الدول الآتية فرض حظر سلاح علي جنوب السودان : السنغال – أسبانيا – فرنسا – نيوزيلاند – المملكة المتحدة – أنجولا التي يتأرجح موقفها , بالإضافة لدول أفريقية أخري كإثيوبيا , كما يدعم كلا من الإتحاد الأفريقي والإتحاد الأوروبي هذا الإتجاه ) , وقد وجهت 30 شخصية من جنوب السودان والمنظمات الدولية خطاباً للرئيس Obama في يناير 2015 يدعونه فيه إلي دعم قرار من الأمم المتحدة لفرض حظر علي السلاح لجنوب السودان , وهو ما لم تستطع الدبلوماسية الأمريكية تحقيقه لإستمرار معارضة روسيا والصين لأسباب تتعلق بمصالحهما مع نظام Salva Kiir , وإستمرار مصر في دعمه أيضاً ولكن علي قاعدة الحفاظ علي أمنها القومي وبالتحديد الأمن المائي .
لوحظ بعد خروج Machar من جنوب السودان وإتجاهه إلي الخرطوم في أغسطس2016 إعلان أكثر من مسئول أمريكي ممن يتناولون ملف الجنوب السوداني عدم رغبة الولايات المتحدة في التعامل مع Macharففي خبر بثته إذاعة  Radio Tamazuj  في 20 أكتوبر 2016 أشارت إلي سياسة الولايات المتحدة في التعامل مع أزمة الحكم في جنوب السودان وأشارت إلي أحد هذه التصريحات بالرغم من أن الموقف الأمريكي حيال   Macharكان مواتياً إلي أن حدثت الإشتباكات في يوليو الماضي وخروجه من أراضي جنوب السودان بعدها , ففي18 أغسطس 2016 صرحت  السفيرة  Linda Thomas-Greenfieldمساعد وزير الخارجية للشئون الأفريقية لإذاعة صوت أمريكا  بقولها “ إننا نأمل في أن تكون هناك إمكانية لعودة د . Machar إلي جوبا ليكونوا (أي الجانبين) قادرين علي الإستمرار في العملية ” , وعموماً فهناك ثمة إحتمالات متعددة إزاء هذا الإتجاه الأمريكي في التعامل مع Machar منها أنه قد يكون موقف تساومي أمريكي بتهديده بالعزل السياسي الأمريكي له ,بفرض أن هذا الإحتمال يقلل من فاعليته إنضمام شخصيات ومجموعات جنوبية إلي صفوف المعارضة المسلحة وكذلك فإرتباطات Machar مع السودان ولو أنها تُحسب عليه من الجانب الأمريكي إلا أنها تقوي من ساعده * (أعلن وزير الخارجية السوداني إبراهيم الغندور في يوليو 2016 بأن السودان لن يسمح بأن تكون أراضيه منصة لأنشطة المعارضة الجنوبية المُسلحة) , الإحتمال الآخر أن الأمريكيين لا يريدون أن الظهور في الصورة علي أنهم علي صلة قوية مع Machar حتي لا تستخدمها الأغلبية الدنكاوية من الساسة والسكان المنتمين لقبيلة الدينكا ضد الولايات المتحدة خاصة وأن Machar والمعارضة المسلحة هدفهم النهائي من الحرب أو التفاوض أو هما معاً الوصول لحالة تعادل في السلطة والثروة وهو ما قد يقبله الجانب الدينكاوي بصعوبة إن قبله لمدة طويلة , الإحتمال الأخير أن يكون Machar وقواته علي صلة قوية بالصين التي سبق لكتيبة تابعة له عام 1997حراسة منشآت البترول التي كانت الشركة الوطنية الصينية للبترول تقوم علي إستخراجه وإنتاجه , خاصة وأن الصين مازالت تولي أهمية لإستقرار تواجدها في المجال البترولي بجنوب السودان , ولهذا نجد أن الصوت الصيني واضح في الجلبة السياسية الحاصلة حالياً بشأن صراع الجنوبيين نظراً لكثافة مصالحها الإقتصادية هناك , ومما يؤكد ذلك وفقاً لوكالة الأنباء الصينية (Xinhua ) في الأول من نوفمبر 2016 أن الصين قررت إرسال 9255 رجل للإنضمام لقوة حفظ السلام الأممية في جنوب السودان ودارفور لعام واحد , لكن وبغض النظر عن أثر العلاقات السابقة بين الصين و Machar فإن الصين أوضحت معارضتها لفرض حظر علي السلاح لجنوب السودان عندما تساءل Liu Jieyi مندوبها الدائم لدي الأمم المتحدة في 17 فبراير 2015عن المنطق الذي تستند إليه الولايات المتحدة في إندفاعها نحو إنشاء نظام عقوبات ضد جنوب السودان بينما الأطراف المتحاربة هناك تتفاوض من أجل صفقة إقتسام للسلطة تنهي الصراع في هذا البلد .
يُلاحظ أيضاً في شأن العلاقات الأمريكية بجنوب السودان  أن الولايات المتحدة تركز حتي الآن مساعدتها لحكومة جنوب السودان علي العون الإنساني والعون العسكري المُحاط بمحددات , لكنها لا تفعل مثلما فعلت و تفعل في أنجولا فهي تدعم جهود حكومة أنجولا لتسكين الصراع الدائر بينها وبين الإنفصاليين مسلحي جبهة تحرير جيب كابينداFLEC  وهو إقليم يساهم بنحو 75% من إنتاج البترول الأنجولي البالغ 2 مليون برميل / يوم تقريباً , ويؤكد ذلك ما أعلنه Jim Blackwell مدير شركة Chevron   في كابيندا في 26 مارس 2006 من أن شركته رصدت مليار دولار للتنمية في كابيندا لدفع جهود السلام في الإقليم بالإضافة إلي أن الإستثمارات الأمريكية في البترول الأنجولي مثلاً شهدت طفرة فقد سبق وأعلن  مدير Chevron في 27 مارس 2006 أن شركته التي تنتج 481,000 برميل / يوم في أنجولا ( ومنها كابيندا) متوقع لها تحقيق نمواً إنتاجياً بنسبة 40% خلال الفترة من 2005 حتي 2008 وأن مشروعات التنمية الإنتاجية الأربع تلك تبلغ قيمة الإستثمارات فيها 11 مليار دولار تُنفق علي مدي 3 سنوات  , ولإن معظم بترول جنوب السودان مازال في قبضة الصين فلا حافز لدي الأمريكيين للإستثمار المُكثف في جنوب السودان وفقاً لمبدأ ” العائد علي التكلفة ” ولا يعني هذا خفض الأهمية السياسية لجنوب السودان بالنسبة للإستراتيجية الأمريكية , بل يعني فقط أن جنوب السودان ” حالة سياسية ” لا أكثر ولا أقل للولايات المتحدة حتي الآن .
 
الموقف المصري من الموجة الثانية للحرب الأهلية في جنوب السودان
 
في تقديري أن الموقف المصري من الموجة الثانية للحرب الأهلية في جنوب السودان بالرغم من أنه يتم بضوء أخضر أمريكي , إلا أنه يختلف قليلاً عن الموقفين الأمريكي والإسرائيلي داخل نطاق التحالف الثلاثي بين ثلاثتهم  , ومن ثم فإن هذا الإختلاف طالما كانت نقطة إرتكازه التحالف والتنسيق الثلاثي فإنه إختلاف يؤدي للتكامل من خلال توزيع الأدوار للأوركسترا الثلاثي , وهو ما  سبقت الإشارة إليه , صحيح  أن هناك تناقض ظاهري بين الموقف المصري والأمريكي في التعامل مع الموقف في جنوب السودان , إلا أن هذا التناقض الذي يظهر من إمتناع مصر عن التصويت لصالح قرار أمريكي بشأن دعم القوة الأممية في جنوب السودان بنحو 4000 رجل ووُفق عليه بعد معارضة من الصين وروسيا نتيجة إتصالات وتسويات أمريكية معهما , كما يظهر أيضاً من إمتناعها عن التصويت علي مشروع قرارأمريكي آخر- مازال هناك شك في إصداره – بفرض حظر علي السلاح لطرفي الحرب الأهلية هناك , تناقض  مُدار Managed في تقديري فالولايات المتحدة لعوامل مختلفة داخل تركيبة المجتمع السياسي الأمريكي الذي تعد الكنيسة الأمريكية ومنظمات العمل الإنساني والحقوقي غير الحكومية من مكوناته بل من أهم مكوناته , مُضطرة للخضوع لضغوطهما لإنهاء الإقتتال الأهلي بجنوب السودان , ولا يمكن ان ننسي الدور الحاكم الضاغط للكنيسة الأمريكية والمنظمات الحقوقية والإنسانية الأمريكية في دفع إدارتي كلينتون وبوش نحو تنفيذ مخطط فصل جنوب السودان بل وحتي داخل الكونجرس لدرجة إصداره ” لقانون السلام في السودان ” في سياق الضغوط المُنوعة والمُوجهة لفصل الجنوب , ومن ثم فإن ضغوطهما الحالية ما هي إلا إمتداد طبيعي يتسق مع خشيتهما من تحلل أو علي الأقل تناقص مُتسارع لمفهوم الدولة بجنوب السودان , وهو – في تقديري – ما يدفع الإدارة الأمريكية لإنقاذ ما تبقي من مفهوم الدولة بجنوب السودان توطئة لمحاولة إستعادة الجزء الأكبر منه مُجدداً حتي لو أضطرت للأخذ بما يتناثر هنا وهناك من طرح البعض لمقترح فرض وصاية الأمم المتحدة علي جنوب السودان .
 إضافة لما تقدم وبالقدر الذي لا يتعارض مع جماعات الضغط الأمريكية المُشار إليها فالولايات المتحدة تستهدف من تحركاتها الحالي في مجلس الأمن الدولي  الحد من قوة طرفي هذه الحرب علي مواصلتها للحد من إستقطاب وتداخل قوي دولية أخري في مقدمتها الصين وروسيا في منطقة نفوذ شادتها الدبلوماسية والبنتاجون الأمريكيين  , وهو ما أخفقت الدبلوماسية الأمريكية عن تحقيقه حتي الآن بسبب إستمرار تصادم مصالحها هناك مع المصالح الروسية والصينية . (أشارتقرير الخبراء الذي عُرض علي مجلس الأمن بأن الصين أو مؤسسة  North Industries Corp الصينية باعت لجنوب السودان أسلحة عام 20155 قيمتها 20 مليون دولار)  
 يختلف الموقف الإثيوبي من الحرب الأهلية بجنوب السودان عن الموقف المصري المُنحاز بوضوح لنظام Salva Kiir , إذ تولت إثيوبيا برعاية من رئيس وزرائها Hailemariam Desalegn بإعتبار عضوية بلاده في تجمع Intergovernmental Authority on Development أو ما يُعرف إختصاراً IGAD إدارة المفاوضات بين طرفي هذه الحرب مدعومة من الإتحاد الأفريقي  وذلك حتي تم التوصل إلي إتفاقية أديس أبابا وتوقيع طرفي الحرب عليها في 17 أغسطس 2015 , والواقع أن إثيوبيا دفعها إلي ذلك عدة دوافع مُرتبطة ببعضها البعض أولها  تأكيد الدور الإقليمي المُتميز لإثيوبيا في القرن الأفريقي علي نحو خاص , وثانيها الحرص علي إستقرار قوة التأثير المتبادل لإثيوبيا والسودان فيما يتعلق بدولة جنوب السودان , ثالثها خفض الأثر السلبي الناتج عن إستمرار تصاعد الحرب بالجنوب لما لذلك من تأثير علي معادلة الأمن القومي الإثيوبي خاصة في شقها الديموجرافي , إذ أن أعداد من قبيلة Murle لجأت إلي إثيوبيا وأعلن رئيس الوزراء الإثيوبي Desalegn, on Monday في 18 أبريل 2016عبر بيان مُتلفز أن القوات الإثيوبية ستتعقب مسلحين من قبيلة Murle للمناطق التي أتوا منها في جنوب السودان لإنقاذ 100 طفل إثيوبي في قبضة هؤلاء , وأشارت الأنباء الواردة من أديس أبابا أن أبناء قبيلة  Murle عبروا حدود جنوب السودان مع إثيوبيا وأغاروا علي 13 قرية إثيوبية بولاية Gambella الإثيوبية سكانها إمتداد ديموجرافي لقبيلتي  Anyuak و Nuer *(التي ينتمي إليها Riek Machar خصم رئيس جنوب السودان Salva kiir) , وقد أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي إتصالاً بذلك عن إتصالاته مع رئيس جنوب السودان kiir للقيام بعمليات عسكرية مُشتركة علي الحدود المشتركة لمواجهة إرهاب الجماعات المسلحة من  قبيلة Murle  وهكذا كان الأمر علي الحدود الأوغندية و الكينية والكونجولية مع جنوب السودان .
 
في مقابل هذا الدور الإثيوبي وتأثيره نسبياً علي الصراع القائم في جنوب السودان والذي يُوصف بأنه للآن مُتوازن نسبياً بين طرفي هذه الحرب , يُلاحظ أن الدور المصري مختلف عن الدور الإثيوبي بل وحتي عن الدور الأوغندي في شأن الصراع الدائر حالياً في جنوب السودان , ومن بين الأدلة الكثيرة علي ذلك , أن    Riek Machar في تصريحات علنية له كشف عن مدي علاقته بالرئيس الأوغندي Yoweri Museveni ودور أوغندا في الصراع بجنوب السودان  في حديثه لإذاعة Radio Tamazuj نُشرعلي موقع هذه الإذاعة في 20 أكتوبر 2016 حيث قال ” إن السبيل الوحيد لحل الأزمة في البلاد سيكون من خلال مبادرة جديدة للتعامل مع الإختلافات السياسية بيني وبين الرئيس Kiir” وأشار إلي أنه إلتقي الرئيس الأوغندي Yoweri Museveni خلال زيارته الأخيرة للخرطوم وأنه أي الرئيس الأوغندي أشار في هذا اللقاء بأن لديه مبادرة جديدة لحل الأزمة في جنوب السودان , وأوضح Machar بأنه والمعارضة سيدرسونها لأنهم مع السلام ,     وفي رد فعل علي موقف  Macharمن مبادرة الرئيس Yoweri Museveniالمُحتملة والتي لم يُكشف النقاب عنها أشار Wek Ateny السكرتير الصحفي برئاسة جنوب السودان أنهم لن يقبلوا أي مبادرة تربطهم بحركة  SPLM-IO التي يقودها Riek Machar وأن كل العمليات المسلحة التي تقوم بها المعارضة في أرجاء مختلفة بالبلاد سيكون مآلها الهزيمة بعد أن إتفقت الحكومة مع مجموعة  Taban Deng Gai علي الإحاطة بالمعارضة عسكرياً مُشدداً علي أن الحكومة لن تقبل العودة لنقطة الصفر وأنهم سيطبقون إتفاق السلام مع مجموعة Taban Deng وليس مع  Macharالذي يمكنه العودة لجنوب السودان في الإنتخابات التي ستُجري عام 2018, ويتضح بذلك أن كل من إثيوبيا وأوغندا متفاعلتين مع طرفي الحرب الأهلية بجنوب السودان , وهو أسلوب لم تتبعه السياسة المصرية  في الموجة الأولي من الحرب الأهلية بجنوب السودان منذ 1955 وحتي 1998 عندما فتحت السياسة المصرية خطوط إتصال لأول مرة مع زعيم الجيش الشعبي لتحرير السودان جون جارانج  بالتزامن مع إقترابه بمعونة من منظمة IGAD بقيادة كينيا وبرعاية ودعم أمريكي من وضع حق تقرير شعب جنوب السودان في نص إعلان المبادئ الصادرعن منظمة IGAD والذي وافقت عليه حكومة السودان وكان هذا الإعلان هو المقدمة لإتفاق السلام الشامل الموقع بين حكومة السودان وجارانج في كينيا في يناير 2005والذي فتح الباب لإنفصال ثم إستقلال جنوب السودان , وهو نفس الأسلوب الذي تتبعه حالياً السياسة المصرية لكن مع بعض الإختلاف , ففي الموجة الأولي من الحرب الأهلية نأت مصر بنفسها في الفترة الأخيرة من صراع الجنوب عن طرفي الحرب الأهلية أي الجيش الشعبي لتحرير السودان والسودان الذيتعلم  مصر أن النظام فيه يتبني الخيار الإسلامي في الحكم ومن ثم فلا يمكن التلاقي معه وفقاً للإختلاف في هوية نظام الحكم ( لم يكن للنظام المصري 1981 -2011 من هوية محددة) بالتالي سادت أجواء صراع مكشوف تارة ومكتوم تارة أخري بين القاهرة والخرطوم في الفترة من 1989 وحتي 2000 تاريخ إستئناف العلاقات علي مستوي السفراء بعد قطعها بسبب محاولة إغتيال مبارك في أديس أبابا في يونيو 1995, أما في الوقت الراهن فإن العلاقات بين جنوب السودان ومصر تشهد تعاوناً واضحاً في معظم مجالات العلاقات الثنائية وخاصة العسكري منذ أن إعترفت مصر بدولة الجنوب  وكانت ثاني دولة تعترف بها , فيما لم يُرصد أية إتصالات مصرية علي أي مستوي مع Riek Macharخصم Kiir  في الموجة الثانية والحالية للحرب الأهلية بجنوب السودان , وهو ما يعني وبالتأكيد أن الإتصال والدعم المصري حصري لحكومة جنوب السودان برئاسة Salva Kiir .
 
إن تطوير مصر لإستراتيجيتها في جنوب السودان إلي حد إتاحة فرصة ومنطق لخصومها لتأييد وتأكيد تورطها عسكرياً في صراع الجنوب السوداني الذي وصفه جمع من عقلاء الخبراء والسياسيين بأنه مُستنقع وسيظل كذلك لوقت طويل , بل إن هذا التطوير تماس أيضاً مع دائرة العلاقات المصرية الإثيوبية , وبناء علي ذلك يمكن القول بأن هذا التطوير لم يكن تطويراً بمعني التنمية الإيجابية لدائرة الأمن القومي المصري وعلاقتها بالأمن المائي المصري في جنوب السودان , ومن ثم فلا يمكن أن تبرره الدفوع التي يطلقها البعض والآخرين في مصر بأن وراءه دوافع الأمن القومي المصري ومن ثم فهو إذن وفقاً لكل هؤلاء قضية وطنية من هذا الباب , إلا أن السوابق التاريخية والحالية وطبيعة الموقف السياسي الداخلي في مصر والنمو غير الوراثي  Non-genetic للمؤسسة العسكرية المصرية لا يتيح مساراً لمنطق آخر , وتقديري أن البيان الصادر عن التمرد المسلح علي نظام الرئيس Salva Kiir بشأن التدخل العسكري الجوي المصري ضد مواقع للتمرد في ولاية أعالي النيل يمكن النظر إليه وفقاً لما يلي من ملاحظات :
 
1 – أن ما يتردد عن صفقة قذرة Dirty Deal في الإعلام الإقليمي والدولي تمت وتنفذ عبر تحالف ثلاثي يضم مصر وجنوب السودان وأوغندا حتي لو كان حقيقياً , إلا أنه سيظل قاصراً عن بلوغ مراميه التي من بينها إشاعة عدم الإستقرار في إثيوبيا وإتجاه مصر في إطار سيناريو سوداوي بإستخدام قاذفات سلاحها الجوي في عملية تخريبية لسد النهضة الإثيوبي علي غرار دكه لمواقع لحركة SPLA-IO التي يتزعمهاRiek Machar وفقاً للبيان الصادر عن هذه الحركة  ,  والسبب في محدودية الأثر السلبي لهذا التحالف الثلاثي – إن كان قائماً أو قادراً علي الإستمرار كذلك – أن إثيوبيا دولة هامة جداً لإستراتيجية القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا AFRICOM في إطارين مُتداخين هما القرن الأفريقي الكبير Greater Horn of Africa الذي تعتبر جنوب السودان المُلحق الجديد فيه , والإطار  العام الأفريقي , إذ أن إثيوبيا إعتبرها البعض بالمؤسسة العسكرية الأمريكية مكاناً مثالياً لمقر AFRICOM لكونها تحتضن مقر الإتحاد الأفريقي ومعظم إجتماعات القمم الأفريقية , لكن الأهم وما هو ملموس مادياً هو الدور الإثيوبي في الصومال التي تعتبرها الولايات بؤرة الترويج للمفاهيم القتالية الجهادية للولايات المتحدة في القرن الأفريقي بل وشرق أفريقيا حيث يتركز وإن بثقل سكاني أقل من الغرب الأفريقي الإسلام الأفريقي , كما أن الصومال تمثل الموقع الخلفي للقيادتين العسكريتين الأمريكيتين في أفريقيا AFRICOM وآسيا والباسيفيكي USPACOM , وقد يستمر هذا التحالف الثلاثي زمناً إلا أن عمره الإفتراضي محدود بدرجات متفاوتة فالعداء الأوغندي لإثيوبيا منشأه من بين أسباب مختلفة المنافسة بينهما علي الدور في إطار الإتحاد الأفريقي وخارجه , فيما أن عداء جنوب السودان لأغثيوبيا منشأه الأثر السلبي المُفترض من قوة الحلف السوداني الإثيوبي , أما العداء المصري الإثيوبي فمهما بالغ السياسيون من الجانبين في تجميله ليكون خادعاً إلا قليلاً , إلا أنه عداء طويل ميز العلاقات الثنائية منذ 1952 حتي الآن ولم يشهد هدوءاً إلا في فترات محدودة للغاية فالعداء مُرتبط بظاهرة طبيعية جغرافية هي النيل والتي أقترفت مصر خطئأً قاتلاً بتوقيعها علي إعلان مبادئ يتعلق بسد النهضة الإثيوبي في مارس 2015 سلبها حجية مبدأ لطالما تمسكت به لعلاقته الوثيقة بالقانون الدولي وهو مبدأ صيانة الحقوق التاريخية في مياه النهر تأسيساً علي إتفاقيتي 1902 و1929 بين بريطانيا ومصر , ومن ثم فعداء مصر يمكن وصفه بالأبدي مع إثيوبيا ما لم تستعد مصر بأسها المُتعارف عليه القائم علي شعب غير مُنقسم وإدارة سياسية نابعة من حكم ديموقراطي ومؤسسة عسكرية مُتفرغة لمهمة واحدة وهو ما تفتقده للأسف منذ وقت طويل نسبياً  , إذن هذا التحالف الثلاثي سيتفكك بعوامل التعرية السياسية كما تفكك تجمع صنعاء للتعاون الذي نشأ في أكتوبر 2002 وضم اليمن وإثيوبيا والصومال وجيبوتي والسودان وكما تفكك مجلس التعاون العربي وكما تجمد مجلس التعاون المغاربي ألخ .
 
2 – عندما وقعت مصر والسودان في 15 يوليو 1976إتفاقية الدفاع المُشترك كان ذلك مؤُسساً علي منع ثلاث مخاطرأولها الخطر المُتمثل في صراع المُتمردين الإنفصاليين في جنوب السودان وثانيها الخطر الإثيوبي سواء الخطر المائي ( إنتظام تدفق مياه النيل) أو البحري الإثيوبي (قبل إستقلال إرتريا) في البحر الأحمر في ضوء ضعف البحريات العربية ثالثها الخطر الشيوعي السوفييتي في الصومال وإثيوبيا وصلته المُحتملة بالشيوعيين في السودان , ولقد إعتبرت الولايات المتحدة والتمرد الجنوبي في السودان هذه الإتفاقية التي جمدها فيما بعد السيد الصادق المهدي بعد توليه رئاسة الوزراء في السودان , أنها تقوية لساعد الحكومة السودانية في صراعها ضد التمرد الإنفصالي في جنوب السودان , ومع ذلك فالعلاقة العسكرية المصرية / السودانية التي إرتقت إلي حد التوقيع علي إتفاقية دفاع مُشترك مع السودان نموذج لا ينطبق علي العلاقة العسكرية الحالية بين مصر وجنوب السودان , إذ أن العلاقات العسكرية المصرية / السودانية كانت أحد مكونات مختلفة تعمل نشطة في إطار عام مُتكامل للعلاقات الثنائية وصلت إلي حد توقيع ميثاق التكامل المُوقع في فبراير و1974الذي كان أقرب إلي الوحدة الشعبية والمؤسسية وإن لم يصل إلي شكل الوحدة الإندماجية , أما علاقات مصر وجنوب السودان في شكلها الحالي فتنمو ببطء شديد لإفتقادها النسق العام الذي ميز ويميز بالرغم من كل شيئ العلاقات الثنائية المُتجذرة و العميقة  بين مصر والسودان فلا وحدة أنثروبوليجية أو إثنية بين الشعبين ولا تاريخ مُشترك ولا  تلاق في المواقف الثنائية من قضايا كبري كقضية الصراع العربي الإسرائيلي علي الأقل حتي 26 مارس 1979 تاريخ توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل فمن المعروف العلاقة التاريخية بين إسرائيل وتمرد جنوب السودان والتي إستمرت قوية حتي وقتنا الحاضر , ولا حتي هناك ثمة نظرة فيها قدرعال من التوافقية في قضية مياه النيل فجنوب السودان لم يعترف بعد بإتفاقية الإنتفاع الكامل من مياه النيل والمُوقعة بالقاهرة بين مصر والسودان في 8 نوفبر 1959 بل إن جنوب السودان كان علي وشك التوقيع علي الإتفاق الإطاري الذي أُعلن عنه عام 2010 والمُوقع تباعاً بمعرفة إثيوبيا وأوغندا وبورندي ورواندا وكينيا وهو الأتفاق الذي يُنكر علي مصر والسودان حقوقهما التاريخية في مياه النيل , أي أن أمن مصر المائي مازال مُعرضاً  Vulnerable , وصحيح أن جنوب السودان أعلن مسئوليه فيما بعد بدء الحرب الأهلية في منتصف ديسمبر 2013 عن أنه لا مساس بمصالح مصر المائية , إلا أن هناك ملاحظتين في شأن هذا التعهد غير المُوثق والدعائي – في تقديري – وهو أن جنوب السودان من الوجهة النيلية لا يمثل في حد ذاته تهديداً مائياً مُؤثراً لمصر كالتهديد الإثيوبي الذي يعد تهديداً ماحقاً  لمصالح مصر المائية  أي أن التهديد الأخطر عنوانه أديس أبابا وليس جوبا ولا حتي كمبالا , ولولا إشتعال الحرب الأهلية بين نظام الرئيس Kiir وبين خصمه ونائبه السابق Machar في 15 ديسمبر 2013 لوقع جنوب السودان الإتفاق الإطاري لسبب بسيط وواضح وهو أن أمنه القومي مرتبط بجواره الأفريقي المباشر وخاصة مع كينيا وإثيوبيا , وليس بجواره المباشر مع السودان ولا غير المباشر مع مصر , وما التحالف الذي يبدو وكأنه تحالف بين مصر وجنوب السودان وأوغندا إلا تحالفاً شعورياً آنياً بحتاً مرتبط بمصالح موقوتة سرعان ما تتحقق أو تتآكل .
 
3 – إن مصر وهي تتجاوز التنسيق مع الخرطوم في شأن علاقاتها بجنوب السودان ترتكب أكبر الأخطاء في حق أمنها القومي فمازال للأمن القومي المصري / السوداني خاصية يمكن إستعادتها والعمل بها ألا وهي خاصية التبادلية فالأمن القومي المصري / السودانية ذا خاصية تبادلية أثبتتها المواقف , فيما العلاقة المصرية بجنوب السودان تفتقد إليها , فغاية ما ستحصل عليه مصر من تطوير علاقتها العسكرية بجنوب السودان إلي حد القتال معها – وهو ما لم تفعله العسكرية المصرية مع السودان شقيقتها في العروبة والإسلام  تاركة إياه عرضة لخطر الإنفصال إلي أن إنفصل شماله عن جنوبه بالفعل – دعم نظام Kiir الآيل للسقوط فعلياً بعد أن رسب في إمتحان تمتين مفهوم الدولة في جنوب السودان مُبقياً علي روح وإخلاقيات التمرد لديه ورجال دولته الذين تضامنوا معاً لتدمير مستقبل الجنوب مروراً من ثغرات الدولة التي أسسها إنفصاليون كان منهم Kiir , ومصر في الواقع وبصفة مباشرة تدعم Kiir علي محورين أولهما المحور المباشر وثانيهما محور ضد السودان الشمالي فمازالت هناك أزمات مترابطة بين جوبا والخرطوم منها أزمة الحدود في Abyeiوالمُشابهة إلي حد كبير للنزاع علي حلايب بين مصر والسودان , وللأسف فعلي هذين المحورين لن تجد مصر شيئاً ملموساً تحصل عليه من الرئيس Kiir والدليل علي ذلك أنه من الممكن لمصر أن تدفع عنها خطر نقصان حصتها المحتمل من بناء إثيوبيا لسد النهضة وإكتماله في نهاية هذا العام بمطالبة حكومة جنوب السودان –  التي تدعمها الآن –  بإستكمال حفر قناة جونجلي في ولاية أعالي النيل  والتي دمر التمرد الجنوبي في فبراير 1983 الحفار العملاق الذي كان قد أتم حفر نحو 75% منها وكانت هذه القناة ستوفر لمصر والسودان أكثر من 4 مليارات متر مكعب من مياه سهوب منطقة المستنقعات بمنطقة السدود تُقسم بينهما وفقاً لنص إتفاقية الإنتفاع الكامل من مياه النيل , وهو ما لم تبد حكومة جنوب السودان إستعداداً لفعله حتي قبل بدء الموجة الثانية من الحرب الأهلية الحالية التي إندلعت في ديسمبر 2013 , إذن فالسؤال الكبيرهو : ما الذي لدي الرئيس Kiir ليعطيه لمصر وهي تدعمه وهي أيضاً – أي مصر – في ذروة ضعفها الإقتصادي والسياسي ؟
 
4 – إن إستمرار الحرب الأهلية بجنوب السودان قبل أن تعد فشلاً لإتفاقية أديس أبابا المُوقعة في17 أغسطس 2015 بين طرفي الحرب الأهلية في جنوب السودان , فإن إستمرارها وتداعياتها تُعد من زاوية أخري للنظر  التهديد الحقيقي للأمن القومي المصري ,  ليس علي أساس من بقاء Kiir أو القضاء علي Machar , بل من زاوية إستمرار الأسباب الكامنة للحرب الأهلية في جنوب السودان وأهمها القبيلة والفساد وإستمرار التدخلات الأجنبية في شئون جنوب السودان , وهي أسباب يتساوي فيها طرفي الحرب الأهلية فكلاهما بني موقفه في هذه الحرب علي أماني قبلية ليس من مصلحة مصر مساعدة أيهما علي تحقيقها أو علي الأقل تقرير التدخل في دعم طرف من الطرفين في الحرب الأهلية بدون إيلاء أهمية لديمومة العامل القبلي في مستقبل السياسة بجنوب السودان , إذن فالموقف الآمن لمصالح مصر هو الحفاظ علي الحياد وكانت تستطيعه بسهولة علي الأقل درءاً لخطر تحقق إحتمال تولي Machar أو غيره ممن لن يكن بمقدوره التخلي عن جاذبية العامل القبلي لمن يتولي السلطة أو يشارك فيها وفقاً لتسوية محتملة تُستبدل فيها نصوص إتفاقية أديس أبابا أو في سيناريو آخر فرض الأمم المتحدة لنظام الوصاية Trusteeshipعلي دولة جنوب السودان وهو أمر مُحتمل بالرغم من أنه غير ممكن إن إستمرت الأوزان الحالية لطرفي الحرب الأهلية كما هي , وفي هذه الحالة لن تجد مصر ما تفعله علي الإطلاق في جنوب السودان فسيكون كياناً لا دولة والحالة هذه , ومن ثم فإن مصر وهي تنتهج سياسة تدخلية في جنوب السودان تنتهجها وهي لا تملك كل أدواتها فهي أقل الدول المنخرطة في هذه الحرب حيازة لأدوات من الوزن الثقيل وعلي سبيل المقارنة ليست هناك حدود مُشتركة تبرر لمصر أي مستوي من مستويات التدخل العسكري , كما أنها ليست عضواً أصيلاً في تجمع IGAD كإثيوبيا لتتمكن من رعاية مفاوضات بين طرفي الحرب وهي ليست ككينيا يستورد ويصدر جنوب السودان تجارته عبر موانئها , كما أن مصر بالطبع فيما يتعلق بجنوب السودان ليست في وزن السودان الذي له الوزن الأثقل في التأثير علي مسافة مُعتبرة علي مجملل أوضاع جنوب السودان وبالتبعية علي هذه الحرب الأهلية , وتكفي الإشارة إلي أن زعيم حركة الجيش الشعبي لتحرير السودان في المعارضة Riek Machar لديه من الصلات القوية مع حكومة الخرطوم ما يكفي للقول بأنه حليف فعلاقته بحكومة السودان تعود إلي فترة سابقة لتوقيع فصيله و 6 فصائل متمردة مُنشقة عن  حركة جون جارانج في 211 أبريل 1997 لإتفاقية السلام بالخرطوم بل وتولي فصيله حراسة منشآت البترول الصينية السودانية في جنوب السودان قبل الإنفصال في 9 يولية 2011, ولذلك فإن أي تدخل عسكري مصري في الحرب الأهلية بجنوب السودان لن يعني إلا أن مصر تري كإسرائيل أن من مصلحة مؤسستها العسكرية إستمرار هذه الحرب الخاسرة بالمفهومين الدبلوماسي والإنساني , فإسرائيل وفقاً لتقارير خبراء الأمم المتحدة تأكد أمر توريدها بصفة تجارية للسلاح لحكومة Kiir ومصر تردد أيضاً وبقوة أمر إستخدام سلاحها الجوي أي أفرادها في دك مواقع التمرد الذي يقوده Riek Machar أي أن إسرائيل ومصر تساهمان بالسلاح والأفراد في دعم Kiirويظل هذا الزعم مُحتملاً حتي يرد ما ينفي وبقوة دعم مصر لجنوب السودان من خلال  إمدادها بدعم عسكري جوي مباشر  ضد مواقع التمرد بأعالي النيل أو غيرها .
 
5 – هناك علاقة غير مباشرة بين إعادة تصعيد الرئيس السوداني عمر البشير للنزاع المصري/ السوداني علي حلايب وبين الدور المصري الداعم للرئيس Kiir الخصم اللدود للسودان , والرجاء من الله ألا يمتد الخلاف المصري / السوداني إلي ملف مياه النيل الذي يمكن للسودان إحداث أضرار أوسع مدي من تلك التي يُحتمل أن تقدم عليه حكومة جنوب السودان ومن بين أخطر الأضرار إعلان السودان تنصله من إتفاق الإنتفاع الكامل من مياه النيل الموقع عام 1959 والذي يمثل الركن الركين لما تبقي من أمن مصر المائي , وهو أمر ليس بالمستبعد التوافق فمن المواقف الدالة علي ذلك ما نشرته صحيفة Khaleej Times في عددها بتاريخ 24 أكتوبر 2004عن تقدم عدد من النواب بالبرلمان السوداني في 23 أكتوبر 2004 بطلب لمراجعة إتفاقية الإنتفاع الكامل من مياه النيل الموقعة مع مصر في نوفمبر 1959 , ونقلت عن السيد / إبراهيم نايل إيدام وهو أحد أعضاء البرلمان الموقعين علي هذا الطلب قوله ” إن هذه الإتفاقية غير عادلة ولذلك أتساءل لماذا ننتظر الغد لمراجعتها ” فيما أشار عضو آخر إلي أن مهددات التصحر وحاجة السودان لمشروعات زراعية تدعو السودان لطلب مراجعة هذه الإتفاقية , كما أشارت الصحيفة إلي رد وزير الري السوداني علي ذلك بقوله ” أن السودان لا يتوقع إيجاد مياه نيلية كافية لري كل الأراضي الزراعية فيه ” , وأشارت الصحيفة أخيراً إلي أن لجنة الزراعة بالبرلمان السوداني إقترحت زيادة منسوب بعض السدود مع أساليب أخري , لذلك فإن دعم مصر لنظام Kiir قد يؤدي إلي تقوية موقفه المناوئ لمصالح الخرطوم والمثير للقلاقل وعدم الأإستقرار في السودان الشمالي بدعمه للمعارضة الشمالية المُسلحة , مما قد يدفع حكومة الخرطوم دفعاً لخيارات ضارة بمصر منها علي الأقل موافقة السودان – والذي لديه تحفظات حتي يومنا هذا- علي التوقيع علي الإتفاق الإطاري لمياه النيل الذي مازالت مصر ترفضه , وهو ما يعني إنسلاخ السودان عن إتفاقية الإنتفاع الكامل من مياه النيل التي وقعها مع مصر عام 1959 , وعليه فإن تطوير مصر لعلاقتها بجنوب السودان بدعم نظام تمرد عليه كتلةهامة من شركاءه  بقيادة Riek Machar المنتمي لثاني أكبر قبائل السودان أي النوير يعني مخاطرة مصر أو لنقل تضحيتها بإنحيازها بكتلة مهمة من سكان جنوب السكان بدون مقابل ملموس للآن .
6- إذا ما حاول المرء تقبل وجود علاقة قوية بين متطلبات الأمن القومي المصري وبين دعم نظام الرئيس Kiir عسكرياً بدك جوي لمواقع التمرد عليه وفقاً لما أدعته حركة الجيش الشعبي لتحرير السودان المعارضة المُسلحة المُتمردة علي نظام Kiir فإنه وفقاً للمعيار نفسه – أي الأمن القومي- كان علي المؤسسة العسكرية المصرية أن تتدخل عسكريا ومباشرة وعلي نطاق واسع ومتنوع في مسرح عمليات اليمن دعماً للمجهود العسكري السعودي ,  فاليمن يتصل لوجيستيكياً بمضيق باب المندب وبالبحر الأحمر علي إتساعه وتأمينه من أي خطر من المُفترض أن يقع علي أول سلم أولويات الأمن القومي المصري لصلته المباشرة بتأمين قناة السويس , لكن – وكما سبقت الإشارة – فإن دعم المؤسسة العسكرية المصرية لنظام حكم قبلي ضعيف جذوره تمتد إلي فكر التمرد كنظام الرئيس Kiir لا يعني – علي الأقل حتي الآن – إلا أنه دعم للقبلية والفساد وضعف الإدارة السياسية بدولة جنوب السودان , وربما أثبت توسيع الدور المصري في جنوب السودان وتحديداً في الحرب الأهلية هناك نظرية الإستخدام الأقصي لوسائل الإنتاج , فالجيش المصري بلغت تعاقداته والمدفوعة والمُقسطةعلي آجال حوالي 12 مليار دولار قيمة مشتريات عسكرية متنوعة منها حاملة طائرات هليوكوبتر وسرب رافال وغواصة وأسلحة ومركبات عسكرية , وهي طاقة تسليحية لا مبرر واقعي لها لدولة مُهددة بالإنهيار الإقتصادي ولا إرتباط مباشر لها بصراع حاد أو قائم مع أحد جيرانها المباشرين والأهم أنها تخففت من خطر الحرب مع إسرائيل بموجب نصوص معاهدة السلام الموقعة في 26 مارس 1979 , وبناء علي ذلك يمكن النظر إلي أي تدخل عسكري مصري في جنوب السودان علي أنه إستخدام للطاقة التسليحية المصرية بشكل غير منتج أو غير مُدر للربح Non rentable إلا إذا أكد ذوي النوايا السيئة والخونة أن المؤسسة العسكرية المصرية أنفقت 12 مليار دولار للتدخل العسكري في صراعات مربحة مالياً تبرر هذا الإنفاق وهذا التدخل , مع أن الشعب المصري كان في حاجة ماسة إلي هذا التمويل العسكري الباهظ  للخروج من قبره الذي حفره عسكريون سابقون لدفنه فيه  , فقد كان أحري بهذه المؤسسة – وفق قول هؤلاء الخونة – إلتزام الحياد العسكري والسياسي معاً مثلما فعلت بإنضباط تُحسد عليه في الفترة من 1981 حتي ما قبل توقيع إتفاقية السلام الشامل في كينيا برعاية IGAD في يناير 2005 بين جنوب السودان بزعامة جون جارانج قائد تمردالجيش الشعبي لتحرير السودان وحكومة السودان , إذ لم تدعم المؤسسة العسكرية المصرية القوات المسلحة السودانية في صراعها مع التمرد في تلك الفترة بالرغم من أن خسارة معركة السودان أمام التمرد الجنوبي – وهو ما حدث للاسف –  تهديد ماحق للأمن القومي المصري قبل السوداني .

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى