البرامج والمنظومات الديمقراطيةالدراسات البحثية

مدى مساهمة الجهوية السياسية في الحفاظ على وحدة الدولة

العدد الثالث “يونيو – حُزيران” لسنة “2017 ” من مجلة العلوم السياسية والقانون

احدى اصدارات المركز الديمقراطي العربي

اعداد: محمد اليوسفي- باحث دكتوراه في العلوم لسياسية والعلاقات الدولية، ومؤسس مركز الدراسات القانونية والاجتماعية. المغرب.

 

ملخص:

تسعى هذه الدراسة البحثية إلى مناقشة وتحليل إشكالية مركزية تتمثل في مدى مساهمة الجهوية السياسية  في الحفاظ على وحدة الدولة الحديثة وتدعيم تماسكها واستقرارها. وقد ركز البحث للإجابة عن الإشكالية المحورية على تجربة الحكم الذاتي الإيطالي و النموذج  الجهوي الإسباني،  نظرا للنتائج الطيبة المحققة في ترسيخ وحدة الدولة وتدعيمها في البلدين ، بالرغم من المشاكل والتوترات أحيانا في بعض الجهات ذات الخصوصيات التاريخية والثقافية،  ولأن المغرب قد  استلهم روح  مبادرته لمنح  الحكم الذاتي للأقاليم الصحراوية من النماذج السالفة الذكر للاستفادة منها ، فمن شأن ذلك  حل مشكل  الصحراء في حال توافر شروط تطبيق الحكم الذاتي، مما سيسهم  في الحفاظ على الوحدة الترابية للبلد.

Abstract:

         The political regionalism is presented as a basic mechanism to preserve the unity of the modern state by recognizing some areas and entities where political, social or ethnic minorities exist in a kind of freedom and independence in the field of national cooperation. Its effectiveness in strengthening its national unity by containing and absorbing separatist tendencies .Therefore, the problem of the article centered on the extent of the contribution of regional political in support of national unity and address the national issue.

        In the context of the issue of the problem can be demonstrated the importance of political regionalism in strengthening the unity of the state and address the issue of separatism through the regional model Spanish and Italian, the Spanish experience, Separatist conflicts and thus maintaining the unity of the state.

Morocco has been inspired by the spirit of its initiative to grant autonomy to the Shara regions of the above models to benefit from them, in order to solve the problem of the desert and preserve the territorial integrity of the country.

مقدمة:

استطاعت الدولة الديمقراطية  الحديثة  بفضل إقرار الجهوية السياسية تدعيم وحدتها واستقرارها النسبي، وذلك عبر الاعتراف لبعض المناطق والجهات التي تتواجد بها أقليات سياسية، اجتماعية أو اثنيه بنوع من الحرية والاستقلال في تدبير مجالها وذلك في إطار من التعاون الوطني، حيث  أظهرت  العديد من تجارب الجهوية الموسعة والحكم الذاتي  خصوصا المرتبطة بسياقات الانتقال الديمقراطي عن فعاليتها النسبية  في تدعيم وحدتها الوطنية من خلال احتواء  وامتصاص التوجهات الانفصالية فيها وتحقيق الاستقرار النسبي (إسبانيا وإيطاليا على سبيل المثال) .

وقد شكل الحكم الذاتي أبرز تجليات الجهوية السياسية  بتكريس مجموعة من  المؤسسات السياسية على المستوى الجهوي والمتمثلة في نظام الحكومة و البرلمان و القضاء المحلي، مما ساعد  على  احتواء النزاعات الانفصالية وإدماجها رغم بعض المشاكل والتوترات التي تثيرها بعض الجهات ذات الطبيعة التاريخية والهوياتية.

وإذا كان المغرب قد استلهم مشروع الحكم الذاتي لتخويل المناطق الصحراوية حكما ذاتيا موسعا من دول الجوار المتوسط الأوروبي، فإن الدراسة  تقترح الاستفادة من النموذج الإسباني لحل مشكل الصحراء من خلال اعتماد جهوية سياسية ذات جوهر ديمقراطي، وتمتيع جهة الصحراء بحكم ذاتي لإنهاء هذا النزاع الذي عمر طويلا.

الإشكالية: وتـأسيسا على ما سبق،  فإلى أي حد ساهمت الجهوية السياسية  في الحفاظ على وحدة الدولة؟

الأسئلة الفرعية: وللإجابة عن الإشكالية يستلزم ضرورة تفكيكها إلى الأسئلة التالية:

ما هو مدلول الجهوية السياسية والحكم الذاتي ؟

ما هي التجارب الناجحة التي أسهم فيها إقرار الجهوية السياسية في الحفاظ على وحدة الدولة؟

ما هو النموذج الأقرب للمغرب الذي يمكن الاستفادة منه لحل مشكل الصحراء والحفاظ على وحدته الترابية؟

فرضيات الدراسة :

ولتحليل هذه الأسئلة الفرعية يمكن أن نختبر فرضية كون الجهوية السياسية بنظام الحكم الذاتي تعتبر وسيلة أساسية للحفاظ على وحدة الدولة من جهة والاعتراف بالاستقلال الذاتي للجهات،  م جهة أخرى وفي مقابل هذا الافتراض يمكن طرح فرضية عدم فعالية الجهوية السياسية في ترسيخ وحدة الدولة .

مناهج الدراسة :

وقد اعتمد البحث لفك مختلف التساؤلات على عدة مناهج، وهكذا استخدمت الدراسة منهج دراسة الحالة من خلال دراسة نموذجين رائدين على مستوى الدولة الموحدة في المتوسط  الأوروبي ويتعلق الأمر بالنموذج الإسباني والإيطالي.

كم تم الاستناد إلى المنهج  القانوني المؤسسي[1]، والمنهج التحليلي الوصفي ، والمنهج التاريخي كمناهج  مساعدة  لتفكيك وتحليل طبيعة الموضوع بشكل عميق.

خطة البحث أو التقسيم المنهجي :

ولتفكيك عناصر الدراسة، تم اعتماد التقسيم الثنائي لما يمتاز به من فعالية في الحفاظ على وحدة الموضوع وتماسكه[2]، حيث يخصص المبحث الأول لتحديد وتعريف مفهوم الجهوية السياسية والحكم الذاتي، من أجل التأسيس للمبحث الثاني الذي تم تخصيصه لإبراز أهمية الجهوية السياسية ودورها في الحفاظ على وحدة الدولة من خلال النموذجين الإسباني والإيطالي ومدى إمكانية الاستفادة منهما من طرف المغرب.

المبحث الأول :  التحديد المفاهيمي:  الجهوية السياسية والحكم الذاتي.

يعتبر دراسة المفاهيم في نشأتها و تطورها أهم مرتكزات التأصيل العلمي النظري الرصين، وعليه، فالحكم الذاتي كأبرز تجليات وتمظهرات الجهوية السياسية له طبيعة خاصة حيث لا نجد تعريفا جامعا مانعا ، فهو يتسم  بالمرونة وعدم الاستقرار حيث لا يأخذ شكلا ثابتا للتطبيق في جميع الدول نظرا لاختلاف ظروفها وأوضاعها، ومن أجل رفع بعض اللبس والغموض، يتعين  تحديد  مفهوم الجهوية السياسية أولا ثم الانتقال إلى مفهوم الحكم الذاتي ثانيا.

أولا : ماهية  الجهوية السياسية ومبرراتها.

1-ماهية الجهوية السياسية

البحث في موضوع الجهوية السياسية يقتضي منا طرح السؤال عن المقصود بالجهوية السياسية و مبرراتها، فالجهوية السياسية  تعد أعلى مستوى من مستويات اللامركزية الترابية دون الوصول إلى مستوى الدولة الفيدرالية، التي تتوفر فيها الجهة على  سيادتها التامة. وبالتالي فهي وسيلة لتحديث الدولة دون تجزئة سيادتها، مما دفع الفقه الدستوري إلى تسمية الدول التي تتبنى خيار الجهوية السياسية “بالدولة الجهوية”  L’Etat Régional”” أو ب”دولة المجموعات المستقلة”،  حيث تتمتع  فيها مؤسسة الجهة بسلطات سياسية مهمة، غير أن هناك اختلاف في درجة هذه الجهوية، إذ نجد في إيطاليا مفهوم دولة الجهات، في حين تصنف إسبانيا في إطار دولة المجموعات المستقلة “L’Etat des autonomies” او ما تسمى ب “Communautés autonomes” باعتبار أن المنطقة أو الجهة، هي وحدة سياسية ترتكز عليها مجالس منتخبة تناط بها مسؤولية رعاية الشؤون الداخلية وممارسة صلاحياتها الدستورية[3].

فالجهة وفق هذا المنظور جماعة ديمقراطية مسيرة من طرف أجهزة سياسية منتخبة (برلمان وحكومة على المستوى الجهوي)  بطريقة مباشرة، حيث لا تتوفر على اختصاصات إدارية فقط إنما أيضا إختصاصات وسلطات تشريعية وتنفيذية أصلية محددة دستوريا[4] . هذه الضمانة الدستورية أعطى للجهة مكانة متميزة داخل التنظيم الإداري والسياسي، و وكذا الصلابة والجمود لقواعدها التنظيمية، مما يصعب تعديلها إلا بتعديل دستوري خاص[5].

2- مبررات الجهوية السياسية

أما مبرراتها، فتعتبر الجهوية السياسية أداة لتحقيق هدفين رئيسين أولهما تعميق التعددية السياسية والثقافية من جهة، والحرص على الاندماج الاجتماعي والتضامن المجتمعي من جهة أخرى. وعليه، فإن  الهدف الأساسي من الأخذ بالجهوية السياسية بنظام الحكم الذاتي هو حماية قومية أو حماية جماعة عرقية معينة، تقطن في إقليم (مميز تاريخيا وجغرافيا) ضمن أقاليم الدولة التي تمتاز مجتمعاتها بالتعدد العرقي والجغرافي، وبالتالي يرتبط مفهوم الحكم الذاتي بمبدأ القوميات ارتباطاً هاماً ووثيقاً. كما أن تطبيقات الحكم الذاتي الداخلي لا تأخذ شكلاً واحداً، بل إن تطبيقاته تختلف من دولة لأخرى حسب الظروف التاريخية والسياسية والقانونية.

وعموما فالجهوية السياسية تمثل إحدى الآليات والوسائل الحديثة للممارسة الديمقراطية، إذ تسمح بالاعتراف بكل المقومات والكيانات الاجتماعية – التي تتميز عن باقي المكونات من حيث الثقافة والهوية السياسية-بحقوقها السياسية والاجتماعية كحقها في تسيير شؤونها بنفسها[6] في إطار ما يطلق عليه بالحكم الذاتي أو الاستقلال الذاتي، هذا الأخير  ونظرا لتاريخه الطويل في الفكر الإنساني الفلسفي والقانوني اكتسب شيئا من الغموض  والتعقيد بفعل المضامين والأدوار التاريخية التي مر بها وللازدواج في مدلوله بين الجانب السياسي والجانب القانوني[7].

ثانيا:  مدلول الحكم الذاتي 

أمام تعدد تطبيقات الحكم الذاتي يصعب وضع تعريف موحد ووحيد له باعتباره مفهوما متسعا ويتضمن قدرا كبيرا من المرونة، إذ يقترب في حالات كثيرة من الإدارة والقانون، وفي حالات أخرى يتم في إطار اللامركزية السياسية[8].

والحكم الذاتي هو ترجمة للفظة الاغريقية “Avcorvouia” التي تقابل بالانجليزية “Self-law” أي القانون الذاتي أو “Self gouvernent” بمعنى الاستقلال الذاتي أو القدرة على الحكم الذاتي، وتذهب موسوعة تركانيا “Treccani” الإيطالية[9] إلى أن مصطلح “Autonomia” يدل على “الإقليم الذي له حكم ذاتي سياسي”، أي أن هذه الموسوعة تحدد الحكم الذاتي على أساس الإقليم باعتباره المجال الذي تمارس فيه هيئات الحكم الذاتي سلطاتها داخل حدوده.

يشير الفقيه الإيطالي كارلو لافانيا Carlo lavagna إلى أن الحكم الذاتي نظام خاص بالجماعة البشرية –القومية أو العرقية- التي تقطن عادة في إقليم معين[10]. وهذا يعني أنه يحدد الجماعة التي لها حق الحكم الذاتي بالنسبة للأرض التي تعيش عليها.

أما الدكتور مصطفى أبو زيد فعند شرحه لنظام الحكم الذاتي في كل من إسبانيا وإيطاليا يقول: “وقد سمي هذا النظام (بنظام المناطق Régionalisme) لأن نطاقه الإقليمي عبارة عن منطقة Région كبيرة تتشابه ظروفها من حيث اللهجة والحالة الاقتصادية والبيئة تشابها يعطيها طابعا تنفرد به بين مناطق الدولة كلها[11].

مفهوم الحكم الذاتي في القانون الدولي العام

يعبر مصطلح  الحكم الذاتي Autonomie/self- governement في  القانون الدولي العام عن ” صيغة قانونية لمفهوم سياسي يتضمن منح نوع من الاستقلال الذاتي للأقاليم المستعمرة لأنها أصبحت من الوجهتين السياسية والاقتصادية جديرة بأن تقف وحدها مع ممارسة الدولة المستعمرة السيادة عليها”[12].

وقد يطلق عليه أيضاً الحكم الذاتي الدولي International autonomie  وهو ينشأ بواسطة وثيقة دولية، سواء كانت معاهدة دولية تعقد بين دولتين بشأن إقليم خاضع لسيطرتها أو عن طريق اتفاقيات تبرمها منظمة الأمم المتحدة وقبلها عصبة الأمم.

غير أن التحولات التي شهدها العالم بعد الحرب العالمية الأولى وتأسيس عصبة الأمم وتبنيها لنظام حماية الأقليات ونظام الانتداب Mandat جعلت مفهوم الحكم الذاتي يعرف تطوراً أساسياً، فقد تمكنت الدول الاستعمارية من إيجاد صيغة قانونية لاستمرار هيمنتها الاستعمارية وذلك عن طريق تطبيقها لنظام الحكم الذاتي في مستعمراتها. وقد أدى هذا التطور الذي شهده مفهوم الحكم الذاتي إلى خروجه من نطاقه الضيق كعلاقة داخلية إلى المجال الدولي واكتسابه بعد ذلك بعدا قانونياً دولياً. ففي الفصل الحادي عشر من ميثاق الأمم المتحدة وفي المادتين 73 و76 أشير إلى مفهوم الحكم الذاتي، والتزام الدول الأعضاء في الأمم المتحدة الذين يضطلعون بإدارة أقاليم لم تنل شعوبها قسطا من الحكم الذاتي الكامل بمراعاة العمل على تنمية هذه الأقاليم، وشمل هذا الالتزام جانبين: أولهما، كفالة تقدم هذه الشعوب، و ثانيهما إنماء الحكم الذاتي.

    2- مدلول  الحكم الذاتي  في القانون العام الداخلي

قام مشرعو القانون العام الداخلي في الدول التي أسهمت ظروفها التاريخية والاجتماعية والسياسية في وجود قوميات أو جماعات متباينة، بمحاولات للتخفيف من الطابع الاستعماري للحكم الذاتي، وذلك بتصويره فكرة مستمدة من مبدأ تقرير المصير القومي، وقاموا بتنظيمها في إطار قانوني ليكون أساس لحل المسألة القومية ومشكلة التكامل ومن خلال ذلك ظهرت تطبيقات. كما أن أكثر الحركات القومية والتنظيمات السياسية في الدول متعددة القوميات، اقتنعت بأن الحكم الذاتي يمثل أحد أشكال التعبير السياسي القومي التي يمكن بواسطتها تنمية التراث الحضاري والثقافي، وقيام الجماعات القومية بإدارة شؤونها الداخلية في إقليمها القومي، وانطلاقًا من هذا التصور للحكم الذاتي اتجهت هذه الحركات إلى تبني هذا النظام، دون رفع شعار المطالبة بالانفصال والاستقلال التام، حفاظا على وحدة الوطن وصيانة الوحدة الوطنية.

وعموما فإن المقصود بالحكم الذاتي الداخلي “Autonomie Interne” هو نظام قانوني وسياسي يرتكز على قواعد القانون الدستوري، وبتعبير آخر هو نظام لا مركزي، مبني على أساس الاعتراف لإقليم مميز قومياً أو عرقيا داخل الدولة بالاستقلال في إدارة شؤونه تحت إشراف ورقابة السلطة المركزية. ولهذا فهو في نطاق القانون الداخلي أسلوب للحكم والإدارة في إطار الوحدة القانونية والسياسية للدولة.

كما أشارت بعض المواثيق الجهوية إلى مفهوم الحكم الذاتي، فقد عرف الميثاق الأوروبي الحكم الذاتي المحلي  (Autonomie locale)، في مادته الثالثة بأنه “قدرة الوحدات المحلية، والإقليمية الفعلية وحقها في تنظيم وإدارة جانب كبير من الشؤون العامة تحت مسؤولياتها، ولصالح سكانها في إطار القانون” وأن هذا الحق “يمارس عن طريق مجالس، أو جمعيات، مشكلة من أعضاء منتخبين في اقتراع حر وسري، ويتميز بالمساواة، سواء أكان مباشرا أو عاما، ولهذه الجمعيات والمجالس أن تمتلك أجهزة تنفيذية مسؤولة تجاهه”.

وعموما، يمكن القول، إن مفهوم الحكم الذاتي يختلف مفهومه  باختلاف التطبيقات الدولية والعوامل المرتبطة بالتجارب التاريخية التي أخذت به كليا أو جزئيا، كما هو الشأن في تجربتي إيطاليا وإسبانيا، حيث تم الأخذ به لصد النزعة الانفصالية والحفاظ على وحدة الدولة.

 المبحث الثاني: الجهوية السياسية ومساهمتها في الحفاظ على وحدة الدولة.

لتوضيح أهمية ومساهمة الجهوية السياسية في ترسيخ وتدعيم وحدة الدولة، يتطلب الأمر رصد دور دولة الجهات الإيطالية أولا، ثم الانتقال إلى دور دولة المجموعات المستقلة الإسبانية وإمكانية الاستفادة منها من طرف المغرب لحل نزاع الصحراء والحفاظ على وحدته الترابية ثانيا.

أولا:  دور دولة الجهات الإيطالية  في تكريس وحدة الدولة

التنظيم الجهوي في ايطاليا ليس بحدث معاصر بل هو أمر كان محل دراسة عميقة وأخذ ورد بين معارضين ومؤيدين  منذ سنة 1960 ويعتبر دولونفرسان[13] أن الأحداث التي حصلت في صقلية هي السبب الرئيسي والمباشر في إحداث نظام المناطق في إيطاليا ،إلا أن بلازولي يعزو ظهور هذا النظام الى أسباب أكثر عمقا وأشد تعقيدا ويردها الى عدة أسباب:[14]

– أسباب طارئة ومتغيرة : وتتعلق بالأحداث التي حصلت بعد الحرب العالمية الثانية التي أملت اتخاذ خطوات جذرية في إعادة تنظيم الدولة وأهم هذه الأحداث مطالبة صقلية بالانفصال بعد انهيار الإمبراطورية الرومانية.

-أسباب ثابتة وعميقة الجذور: وبعض هذه الأسباب تاريخي وجغرافي منها ما يعود إلى أن إيطاليا قد نشأت أصلا على أساس مدن منفصلة وقد تأصل هذا الانفصال بعد انهيار الإمبراطورية الرومانية، و والجغرافي منها يرجع إلى طبيعة إيطاليا التي تمتد من جبال الألب إلى الشاطئ الإفريقي مع ما يترتب على ذلك من متغيرات وتناقضات اجتماعية واثنية واختلافات في المناخ والعادات واللغة والأحوال المعيشية[15]. بالإضافة إلى أسباب أكثر حداثة وتجذرا (اقتصادية) وتظهر من خلال الهوة العميقة في ظروف المعيشة والحالة الاقتصادية التي تفصل ما بين مناطق الشمال الغنية والمزدهرة، و مناطق الجنوب التي تغرق في البؤس والفقر والتخلف. ومن الطبيعي أن يكون قيام النظام المركزي بنظر الإيطاليين سيكون من شأنه تعزيز المناطق الشمالية الصناعية على حساب المناطق الجنوبية الزراعية. وبالتالي فقد اتخذت مطالبتهم بالإصلاح الاقتصادي شكل المطالبة بالحكم الذاتي فكانت المناطق الإيطالية نوعا من الحل السياسي و الاقتصادي لإعادة التوازن المفقود بين الشمال والجنوب[16].

ويضيف palazzoli إلى هذه الأسباب سببا رئيسيا غير ملموس لهذا الاتجاه نحو نظام المناطق ويتجلى في الفكر السياسي الحديث في إيطاليا والذي يعتبر أن الحكم الذاتي هو وسيلة لتحقيق الديموقراطية والحرية. ومنشأ هذا التفكير يعود إلى التاريخ الإيطالي القديم الذي يتميز بتقليد حي يقوم على  الاستقلال الذاتي في الحكم بعكس التقاليد الفرنسية في الحكم التي تقوم عل الوحدة والمركزية، والتي زرعها الفرنسيون في إيطاليا بعد غزوهم لها وأثمرت في الوحدة الإيطالية[17].

وقد لعبت هذه الأسباب وغيرها في حصر عدد الجهات في عشرين، لكنها لا تتمتع بنظام موحد وإنما هناك فئتين  والمشرع الدستوري الإيطالي بهذا التمييز أخذ بعين الاعتبار بالإضافة إلى الظروف الطبيعية والبيئية للبلاد عامل الزمن من حيث الأسبقية في التأسيس حيث كانت الأولوية للخمس جهات الأوائل في الوجود وبرزت كنتيجة لمواجهة المشاكل التي بدأت تطفو على الساحة السياسية والاقتصادية للبلاد مما يفسر خضوعها لنظام خاص[18].

وعليه تم الأخذ بنوعين من المناطق أو الجهات: جهات ذات نظام خاص[19]، والتي نصت عليها المادة 116 من الدستور، وتتمتع هذه الجهات بأجهزة خاصة[20] تتمثل في المجلس التشريعي بمثابة برلمان جهوي وينتخب بالاقتراع العام المباشر لمدة 5 سنوات، وجهاز تنفيذي يضم لجنة تنفيذية ورئيس منتخب من طرف المجلس[21] وأنظمة ( قوانين أساسية ) خاصة يصادق عليها البرلمان الإيطالي بغرفتيه بالأغلبية المطلقة كما هو منصوص عليه في الدستور إلا أنه بموجب قانون 1999-1 ستصبح المصادقة عليها من طرف الجهات وتعديله يستوجب إجراءات ومساطر موازية لتلك المستعملة لتعديل الدستور[22].   وتتمتع الجهات الخاصة  بحكم الخصائص التي تتميز بها بصلاحيات واستقلال ذاتي أوسع من المناطق العادية.

وقد أحدث هذا النوع من الجهات (الخاصة)  بسرعة فائقة لتفادي الاصطدامات بين الشمال والجنوب الإيطاليين بسبب بروز النزاعات الانفصالية[23]،   فتأسيس هذه الجهات من طرف الجمعية التأسيسية في 1947 ومنحها نظام خاص، إنما يرجع لقوة مطالب الحكم الذاتي في سردينيا والانفصالية في صقلية ولأجل حماية الأقلية الفرانكفونية بجهة Valle de Aosta  وحماية الساكنة ذات الأصول الجرمانية بجهة Trentino – Alto Adige وفق ما تم تحديده في اتفاق باريس [24].  فهذا ما أكده الأستاذ أدامز وباريلي من أن منح الحكم الذاتي للأقاليم المميزة في إيطاليا يرجع إلى أسباب أهمها : خوف الجمعية التأسيسية من أن تفقد إيطاليا بعض أقاليمها، ويريان أنه كان لهذا الخوف ما يبرره :” فقد كانت إيطاليا تحارب في معارك دبلوماسية من أجل أن تحتفظ بمديرية أوستا حتى لا تضم لفرنسا ومن أن تحتفظ بمديرية بولزانو Bolzano حتى لا تضم إلى النمسا، ومن أجل أن ترسم أفضل حد ممكن لها على الطرف اليوغسلافي”[25]، هذا فضلا عن بروز الاتجاهات الانفصالية في جزيرة صقلية .Sicile

وتستفيد هذه الجهات من  استقلال ذاتي موسع وتحويل اختصاصات هامة [26]. لا سيما الاستقلال المالي[27] . هذا الاستقلال الذي تتمتع به المناطق ذات الطابع السياسي هي التي تميزها من حيث الجوهر عن الوحدات اللامركزية في الدولة الموحدة، وتجعلها قريبة في وضعها القانوني من الدولة الاتحادية[28]. فوظيفة الاستقلال إذن ليست واحدة في هذه المناطق فمنطقة صقلية هي من بين هذه المناطق الأكثر استقلالا وتمييزا لدرجة أنها تقترب من الوضع القانوني للدولة العضو في النظام الفيدرالي، بينما لا تتعدى صلاحيات المناطق الباقية صلاحيات المناطق (الجهات) ذات النظام العادي

أو صلاحيات المقاطعات القديمة[29].

أما الجهات ذات النظام العادي[30] فعددها خمسة عشرة، تستقل مجالسها بوضع أنظمتها الخاصة على أن يصدق عليها فيما بعد بقانون عادي[31]. غير أن المقتضيات الدستورية المتعلقة بالجهوية أو الحكم الذاتي الإيطالي لم تدخل حيز التطبيق إلا بعد انتخاب المجالس الجهوية في سنة 1970، وهو ما أحدث تحولا جوهريا في تنظيمها الإداري من نظام مركزي إلى تنظيم جهوي لا مركزي حقيقي، غير أن المسار الجهوي سيعرف الكثير من التعثرات لا سيما نهاية الستينات، مما فرض تدخل المشرع  حيث صدر قانون 382 سنة 1975 ومراسيمه التطبيقية سنة 1977 التي منحت للجهة مكانا أوليا بين المؤسسات المكونة للدولة الايطالية .[32]

وبالرغم من أن الدولة الإيطالية انتهجت طريق الجهوية السياسية إلا أنها حافظت على وحدة مقوماته إذا أكدت المادة الخامسة من الدستور الإيطالي على وحدة الجمهورية غير القابلة للتجزئة مع اعترافها وتشجيعها للاستقلال الذاتي المحلي، مع تحقيق أوسع مدى من اللامركزية الإدارية للمصالح التابعة للدولة مع تكييف مبادئ ومناهج حاجيات الاستقلال الذاتي واللامركزي[33].

وإذا كان  الفصل الخامس من الدستور الإيطالي اعترف للجهات أو المناطق بسلطة التنظيم الذاتي الإ أن ذلك يجب أن يتم  في ظل المبادئ التي يجب أن تكون منسجمة مع المقتضيات الدستورية وقوانين الجمهورية، فالوحدة هي المبدأ الذي تقوم عليه الجهوية في إيطاليا وللحفاظ على هذا المبدأ تم تكريس مجموعة من المبادئ الدستورية المدعمة لوحدة الدولة كمبدأ عدم التجزيء  والتضامن، ووحدة الجنسية والسياسة الخارجية  ومنع إنشاء الفيدراليات، وتكريس المحكمة الدستورية كضامنة للوحدة والتوازن بين متطلبات الوحدة الوطنية والاستقلال الذاتي للمناطق والجهات.

ثانيا: دولة المجموعات المستقلة الإسبانية كوسيلة لاحتواء النزاعات الانفصالية

تعتبر التجربة الاسبانية نتاج شروط موضوعية أملتها الضرورة التاريخية للانتقال الديمقراطي في الحكم بعد وفاة فرانكو، إذ يصف الفقه الإسباني الدولة الإسبانية بأنها دولة المجموعات المستقلة، فإسبانيا من الدول الديمقراطية التي تعرف نمطا فريدا في ميدان التنظيم الجهوي، وسبب ذلك طغيان النزعة الانفصالية على بعض الجهات[34].

إن قيام المجموعات المستقلة بإسبانيا يعتبر حقا دستوريا حيث تم تكريس الحق في الحكم الذاتي في النموذج الإسباني، في المادة الثانية من دستور إسبانيا لعام 1978  الذي نص على ما يلي: “يعترف ويضمن الحق في الحكم الذاتي للقوميات والجهات التي تنظوي للأمة الإسبانية”. وقد وصل عدد المجموعات المستقلة اليوم في إسبانيا  إلى سبعة عشر ، بعضها لها اختصاصات محددة والبعض الآخر عريضة وواسعة. هذه الأخيرة ، الأقل عددا ( كتالونيا، بلاد الباسك غالسيا) لها خصوصية قوية تاريخية. وفي واقع الأمر، منذ 1992، تم توحيد الأنظمة.

فبقراءة المادة الثانية من دستور اسبانيا[35] نجد المشرع الدستوري  يعترف ويضمن الحق في الاستقلال الذاتي بالنسبة للقوميات والجهات التي تتكون منها الدولة الإسبانية مع السهر على رعاية التضامن والتساند فيما بينها، وذلك بعد أن تأكد بصورة واضحة لا تقبل أي لبس على وحدة الأمة الإسبانية التي لا تقبل أية تجزئة في وطن يشترك لكل الإسبان غير قابل لأي تقسيم، وجعل هذا المبدأ الرئيسي من الأسس الدستورية التي يقوم عليها هذا القانون الأساسي لهذه المجموعة المستقلة أو تلك[36].

وقد جاء الاعتراف الدستوري بالحق في الحكم الذاتي للجهات والقوميات استجابة لمطالب التيارات السياسية ومواجهة الأطروحة الانفصالية، و قد ساهم إقرار نظام جهوي متقدم  في إسبانيا  إلى حد ما في تدعيم وحدة الدولة من خلال احتواء واستيعاب النزعة الانفصالية من جهة ،  و توفير ضمانات دستورية لحماية الحكم الذاتي الذي يسمح للكيانات الجهوية بالاعتراف بهوياتها المتميزة من جهة ثانية .

وقد أطلق على الجهة في  النص الدستوري الاسباني  في جزئه الثامن مفهوم المجموعة المستقلة[37]، حيث جاء في الفصل 137 بأن : “الدولة تتشكل ترابيا من البلديات، الأقاليم والمجموعات المستقلة التي سيتم إحداثها”. ويتميز المفهوم الجديد كونه قابل أن ينضوي تحت لوائه ليست فقط الجهات أو القوميات وإنما جميع الأقاليم أو المقاطعات ذات الخصائص المتميزة، وفي السياق ذاته وبالاتفاق مع ما هو منصوص عليه في الفصول 143 و 144 من الدستور قد تتشكل المجموعات المستقلة من:

  • الأقاليم المتجاورة ذات الخصائص التاريخية، الثقافية والاقتصادية المشتركة.
  • أقاليم الجزر أو الأقاليم الجزيرية Territorios Insulares))
  • الأقاليم بهوية جهوية تاريخية أو الجهات المكونة من إقليم وحيد.
  • المقاطعات التي مجالها الترابي لا يتجاوز إقليم واحد وتعوزها الهوية الجهوية التاريخية،(حالة المجموعة المستقلة لمدريد).
  • المقاطعات الغير المندمجة في التنظيم الإقليمي

وقد أناط الدستور الإسباني المجموعات المستقلة بمجالس محلية تتولى مباشرة الاختصاصات التي تعود إليها ومن أهم هذه الأجهزة نذكرك البرلمان الجهوي ، الحكومة الجهوية، ورئيس الحكومة الجهوية ومجلس أعلى للقضاء[38]، كما يسمح بتكوين أحزاب جهوية، و بفعل إرساء هذا النظام الإقليمي المعقلن حققت إسبانيا منجزات عظيمة في فترة وجيزة سواء في المجال الصناعي أو الاجتماعي و تمكنت من بناء دولة قوية من الناحية السياسية على الصعيد الإقليمي والدولي[39].

لذلك سيظل النموذج الإسباني  نموذجا يحتذى به لكل بلد غارق في بحر التخلف و تتجاذبه المشاكل السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية و يتعرض لمساومات العولمة و تدخلات الدول الأجنبية و صعود التيارات الثقافية و الإثنية  المنادية بالخصوصيات والهوية الثقافية و الاجتماعية التي عادة ما تنادي بها التيارات الانفصالية.

– ما يستفاد من التجارب الدولية بالنسبة للحالة المغربية( مشروع الحكم الذاتي) :

إن المشروع المغربي للحكم الذاتي مستلهم من المقترحات ذات الصلة بمنظمة الأمم المتحدة، ومن المقتضيات الدستورية المعمول بها في البلدان القريبة منه جغرافيا[40] .

وقد جاء هذا المشروع في سياق البحث عن  حل سياسي لقضية الصحراء، و يتأسس على تطبيق نظام خاص بالصحراء تتمتع فيه المنطقة بصلاحيات واختصاصات تشريعية وتنفيذية واسعة تمارسها هيئات الحكم الذاتي[41] (من برلمان وجهاز تنفيذي ومحاكم) واستقلال مالي مهم[42] في ظل السيادة المغربية ودستورها، فمن خلال مبادرة الحكم الذاتي  تكفل المملكة المغربية لكافة الصحراويين سواء الموجودين على التراب الوطني أو المتواجدين بالخارج مكانتهم المناسبة واللائقة ودورهم الكامل في مختلف هيئات الجهة ومؤسساتها بعيدا عن أي تمييز أو إقصاء، وذلك طبقا للمبادئ والمساطر الديمقراطية وعن طريق هيئات تشريعية،تنفيذية وقضائية، مع الإشارة على أنه رغم كل اختصاصات الجهة فإن الدولة المغربية ستحتفظ باختصاصاتها في ميادين السيادة.

كما أن المبادرة المغربية الهادفة إلى منح حكم ذاتي موسع لجهة الصحراء هي مبادرة تعبر عن قدر كبير من الانفتاح بحيث إنه تسعى إلى توفير الظروف الملائمة للشروع في مسار للتفاوض والحوار البناء والذي من شانه أن يؤدي إلى حل سياسي مقبول من جميع الأطراف .[43]

و بناء على النماذج الدولية المقارنة المتقدمة والرائدة في مجال الجهوية السياسية التي تتوخى تقريب سلطة القرار على نحو يضمن الاعتراف بالخصوصيات الإقليمية ووجود بنية مؤسساتية مستقلة تتمثل في حكومة إقليمية وبرلمان وجهاز قضائي ينظم شؤونها الدستورية والإقليمية، فسلطة الحكم الذاتي في مشروع المبادرة المغربية تشكل نموذجا فريدا يضمن توزيعا تقاطعيا للسلطة في مختلف مستوياتها التشريعية والتنفيذية والقضائية بين المركز وإقليم الصحراء، مراعية في ذلك المبادئ الأساسية التالية:

الوحدة: تشمل وحدة الدولة والوطن والتراب.

التوازن: يقوم على تحديد الاختصاصات الحصرية المنوطة بالدولة مع تمكين المؤسسات الجهوية من الصلاحيات الضرورية للنهوض بمهامها التنموية

التضامن: باعتماد تقسيم ناجع يتوخى قيام مناطق متكاملة اقتصاديا وجغرافيا ومنسجمة اجتماعيا وثقافي[44].

 وإذا كان النموذج الجهوي  المغربي الحالي يقتصر على استلهام التجربة الفرنسية، فلا بد من الانفتاح والاستفادة من كل المرجعيات والتجارب خصوصا التجربة الإسبانية لأن المجتمع المغربي أقرب إلى المجتمع الإسباني منه إلى الفرنسي فيما يتعلق بالتعدد اللغوي والثقافي، كما أن مواجهة تحديات الجهات ينبغي أن يكون خيارا استراتيجيا وليس مجرد اختيار لحل مسألة الصحراء[45]، كما أنه من المفيد بالنسبة للمغرب ربط مقترح الحكم الذاتي في حالة تطبيقه بالديمقراطية كما حدث في إسبانيا حيث جاء النظام الجهوي في إطار انتقال ديمقراطي سلمي حقيقي، كما يستحسن تعميم الحكم الذاتي على باقي المناطق والجهات وليس الاقتصار على منطقة الصحراء، كما هو الشأن في إسبانيا، لما يحققه من ديمقراطية على المستوى المحلي من خلال السماح للمواطنين والمواطنات بالمشاركة في تدبير شؤونهم بأنفسهم.

غير أن إقامة تقابل بين الحالة المغربية والتجربة الإسبانية، من زاوية الانتقال الديمقراطي تدفع إلى استنتاج وجود مفارقة على صعيد المقارنة بين البلدين، فبقدر ما نجحت إسبانيا في الاندفاع عميقا في دينامية الدمقرطة من خلال نظامها الجهوي وتحديث الاقتصاد والمجتمع والثقافة، بالقدر نفسه غدا عصيا على المغرب إنجاز الاندفاع ذاته، لاعتبارات متعددة قد ترتبط بقصر عمر لتجربة، كما قد تتعلق بدرجة نضج المشروع و انغراسه في وعي الفاعلين السياسيين وثقافتهم. إن المستقبل منظورا إليه من زاوية التغيرات الداخلية والإقليمية والدولية لا يترك للمغرب خيارا بديلا عن خيار الدمقرطة والتحديث2.

وجدير بالذكر أن مخاطر التفكك أو التفرقة التي يمكن أن تشكل العيب المحتمل للجهوية لا مجال له بالمغرب، ذلك أنه كما قال الملك الراحل الحسن الثاني مادام الارتباط بين الجهة وملك البلاد قائم فلا خشية من أي تهديد للوحدة الوطنية[46]، بل أكثر من ذلك فإن العرش هو الضمانة المقدسة لاستمرارية الوحدة الوطنية مادام المغرب بلدا إسلاميا، والمغاربة متشبتون بالإسلام وتشبتهم بالعرش لن يقل إيمانا، ولقد عودنا التاريخ عبر الأحقاب أن المغرب باختلاف مناطقه وتنوع تقاليده وثقافته وطبيعته، فإنه ظل موحدا يتصدى لأي اعتداء خارجي فالخطوة الجريئة التي سيقدم عليها المغرب من خلال مشروع الحكم الذاتي ، ستمكنه من تعميق اللامركزية وتوسيع دائرة الحكم المحلي ودمقرطة المؤسسات لفسح المجال أكثر للمشاركة وإسهام المجتمع المدني في تحمل المسؤوليات ومواجهات تحديات القرن  21.

خاتمة وتوصيات:

ختاما نخلص إلى تقديم النتائج والتوصيات التالية:

– إن خيار الجهوية السياسية كوسيلة لصد النزعة الانفصالية  قد أسهم إلى حد كبير  في الحفاظ على وحدة الدولة وتحقيق الاستقرار النسبي ،  وكذا الحفاظ على التنوع الإقليمي ومراعاة الخصوصيات المحلية و تحقيق مشاركة فعلية للسكان في إدارة شؤونهم بأنفسهم في إطار لا مركزي في ظل النموذجين الإسباني والإيطالي . فالرهان من خلال إقرار جهوية سياسية  بالنسبة لهذه الدول، هو البحث عن اتفاق وتسوية تسمح من جهة بالحفاظ على وحدة الدولة،  والاعتراف بالاستقلال الذاتي للجهات وتمكينها من الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

– إن الجهوية السياسية بنظام الحكم الذاتي  كآلية سياسية  ديمقراطية من شأنها أن تسهم في حل قضية الصحراء والتوفيق بين مبدأ وحدة الدولة والاستقلال الذاتي لجهة الصحراء.

–  نرى ضرورة الانفتاح على النموذج الجهوي الإسباني ليس للنسخ والتقليد الحرفي وإنما للاستفادة منه في بعض جوانبه الديمقراطية.

– نرى ضرورة ربط مشروع الجهوية الموسعة بالمغرب بدمقرطة الدولة ككل وفصل السلطات وتمتع الجهات بسلطات واختصاصات ذات طبيعة تشريعية وتنظيمية محددة دستوريا وتعميم الحكم الذاتي على باقي مناطق المغربية تفعيلا لدولة الحق والقانون والديمقراطية .

– تجاوز الجهوية الإدارية المعمول بها حاليا بالمغرب و الانتقال إلى دولة الجهات بإقامة مؤسسات تتمتع باستقلالية عن المركز، وتعديل الدستور للارتقاء بنظام الجهة إلى مستوى متقدم أي الانتقال إلى جهوية سياسية محددة دستوريا.

قائمة المراجع:

المراجع باللغة العربية

الكتب

الحسن الثاني، ذاكرة ملك، منشورات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، الطبعة الثانية، 1993.

الهماوندي، محمد،  الحكم الذاتي والنظم اللامركزية الإدارية والسياسية، دار المستقبل العربي، القاهرة، الطبعة الأولى، 1990.

محمد عارف ، نصر،  ابستملوجيا السياسة المقارنة : النموذج المعرفي ، النظرية المنهج ، القاهرة، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، طبعة 2002.

الناصر، عبد الواحد،  مفاتيح المنهجية، مطبعة إليت، الرباط، الطبعة الأولى، 1995 .

قباني، خالد،  اللامركزية ومسألة تطبيقها في لبنان،  تقديم دولة الرئيس الدكتور سليم الحص،  منشورات البحر المتوسط، عويدات، باريس، الطبعة الأولى، 1981.

مجلات

أبولاس، حميد، التجربة الجهوية بالمغرب وإمكانية الإصلاح على ضوء مشروع الحكم الذاتي، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية،  عدد مزدوج 87-88 يوليوز-  أكتوبر  2009.

المرجاني، عبد الحق،  الجهوية في بعض الدول المتقدمة واقعها و آفاقها في المغرب،  المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية،  عدد مزدوج 6-7 ٬ أبريل –  شتنبر 1994.

السوداني،أحمد،  التنظيم الجهوي الإسباني، المجلة المغربية للأنظمة القانونية والسياسية، عدد خاص، السنة الرابعة، يونيو، 2005.

المالكي، أمحمد،  المغرب وتجربة الانتقال الديمقراطي في إسبانيا: الدروس المستفادة، جريدة دفاتر سياسية – العدد 60 يناير 2004.

بوبوش، محمد،  قضية الصحراء ومفهوم الاستقلال الذاتي، مجلة وجهة نظر، عدد 27  ، مطبعة دار المعاريف الجديدة، الرباط، 2005.

يحيا، عبد الكبير،  تقسيم التراب والسياسة الجهوية بالمغرب: نحو اعتماد جهوية سياسية، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، ع 84، الطبعة الأولى  2010.

عراش، عبد الجبار،  الأفاق المستقبلية للجهوية السياسية بالمغرب بين مقومات الدولة الموحدة ومتطلبات لهيكلة الفيدرالية، مجلة الدراسات الإدارية، العدد الأول، يونيو، 1998.

رسائل وأطروحات

المستف، صالح،  الجهوية في النظام السياسي-الإداري المغربي، أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في القانون العام، كلية الحقوق، جامعة الحسن الثاني، الدار البيضاء- 1992 .

الأزهري، إدريس،  الجهوية والتنمية الإدارية بالمغرب، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون العام، كلية الحقوق، جامعة محمد الخامس، أكدال الرباط،1999-2000.

الساهل، بن إدريس ، تطور وافااق الجهة بالمغرب، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون العام، 1995-1996، جامعة محمد الخامس، الرباط

التوزاني حكيم،  تداعيات مقترح الحكم الذاتي المغربي في ضوء التجارب المقارنة أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام،  جامعة محمد الخامس، كلية الحقوق، سلا –  2016 – 2015.

دساتير

الدستور الإسباني لسنة 1978.

الدستور الايطالي ليوم 27 دجنبر 1947 .

خطابات ومبادرات

مبادرة الحكم الذاتي المغربي للحكم الذاتي لعام 2007.

الخطب الملكية : الخطاب الملكي بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء 06 نونبر 2008

الخطاب الملكي بمناسبة المسيرة الخضراء 06 نونبر 2009- خطاب تنصيب اللجنة الاستشاربة للجهوية بالمغرب في  3يناير 2009.

المراجع باللغة الفرنسية

Ouvrages

D’Arcy François,  Décentralisation en France  et en Espagne, Ed. Economica, Paris, 1986.

Moderne Frank,  Les autonomes régionales dans la Constitution Espagnole. Ed, Economica,  1981.

Pallazoli Claude, Les régions italiennes, Contribution à l’étude de la Décentralisation politique, Paris, 1966.

J.Lanversin, Le régionalisme Italien, IH, Paris, 1955.

Articles

Pouvoirs, Régions, n°19, Revue française d’études constitutionnelles et politiques, Presse universitaire de France, 1981.

Thèses:

Vahlas Alexis, Les séparations d’Etats, l’Organisation de Nations Unis, La sécession des peuples et l’unité des états, Thèse de doctorat, Université panthéon Assas, Paris II, Paris, Janvier 2000.

1 نصر محمد عارف ، ابستملوجيا السياسة المقارنة : النموذج المعرفي ، النظرية المنهج ، القاهرة، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، طبعة 2002، ص 32.

[2]  عبد الواحد الناصر، مفاتيح المنهجية، مطبعة إليت، الرباط، الطبعة الأولى، 1995 ، ص 71-73.

[3]  حكيم التوزاني،  تداعيات مقترح الحكم الذاتي المغربي في ضوء التجارب المقارنة، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام،  جامعة محمد الخامس، كلية الحقوق، سلا –  2016 – 2015، ص 174.

[4] عبد الكبير يحيا، تقسيم التراب والسياسة الجهوية بالمغرب: نحو اعتماد جهوية سياسية، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، ع 84، الطبعة الأولى  2010.ص 333 .

[5]  عبد الحق المرجاني، الجهوية في بعض الدول المتقدمة واقعها و آفاقها في المغرب،  المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية،  عدد مزدوج 6-7 ٬ أبريل –  شتنبر 1994،   ص 78.

[6]  عبد الحق المرجاني ، الجهوية في بعض الدول المتقدمة واقعها و آفاقها في المغرب،  المرجع السابق، ص 78.

[7]  محمد الهماوندي، الحكم الذاتي والنظم اللامركزية الإدارية والسياسية، دار المستقبل العربي، القاهرة، الطبعة الأولى، 1990، ص6.

[8] – عبد الجبار عراش، الأفاق المستقبلية للجهوية السياسية بالمغرب بين مقومات الدولة الموحدة ومتطلبات لهيكلة الفيدرالية، مجلة الدراسات الإدارية، العدد الأول، يونيو، 1998، ص 54.

[9]   محمد الهماوندي، الحكم الذاتي والنظم اللامركزية الإدارية والسياسية، مرجع سابق،  ص11و 12.

[10]  Carlo lavagna: Instituzioni di diritto Publica, Torino, 1976, p. 354.

[11]  د.مصطفى أبو زيد فهمي، تقييم الإدارة المحلية في القانون المقارن، بحث منشور في مجلة العلوم الإدارية، السنة الثالثة، العدد الأول، يونيو 1961، ص 254.

[12]  محمد الهماوندي، الحكم الذاتي والنظم اللامركزية الإدارية والسياسية مرجع سابق، ص92.

1   Pouvoirs, Regions, n°19, Revue française d’études constitutionnelles et politiques,1981,Presse universitaire de France, p 68.

[14]  J.Lanversin, Le régionalisme Italien,IH,Paris,1955, p51.

[15] Palazzoli Claude, les régions italiennes Contribution à l’étude de la Décentralisation politique,Paris, 1966.p 23.

2 خالد قباني، اللامركزية ومسألة تطبيقها في لبنان،  تقديم دولة الرئيس الدكتور سليم الحص،  منشورات البحر المتوسط، عويدات، بيروت – باريس، الطبعة الأولى، 1981 ، ص 167.

[17] Palazzoli Claude, les régions italiennes Contribution à l’étude de la Décentralisation politique op.cit. p  23 et ss.

[18]  إدريس الأزهري، الجهوية والتنمية الإدارية بالمغرب، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون العام، 1999-2000، كلية الحقوق، جامعة محمد الخامس، أكدال الرباط، ص 33-34.

[19]  وقد نصت عليها المادة 116 من الدستور الإيطالي وهي خمس:

Sicile- Sardaigne- Trentin haut adige –  Vallée d’Aoste-  Frioul Vénétie julienne

[20]  منصوص عليها في المادة 121 من دستور إيطاليا لسنة 1947.

[21]  عبد الحق المرجاني، الجهوية في بعض الدول المتقدمة، المجلة المغربية للإدارة والتنمية عدد مزدوج 7-8 أبريل شتنبر  مطبعة دار المعاريف الجديدة، الرباط، 1994، ص 79.

[22] إدريس الأزهري الجهوية والتنمية الإدارية بالمغرب، مرجع سابق، ص 39.

[23] صالح المستف، الجهوية في النظام السياسي-الإداري المغربي، أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في القانون العام، كلية الحقوق، جامعة الحسن الثاني، الدار البيضاء- 1992 ، ص 29.

[24]  يسمى أيضا  اتفاق ديك اسبري- كروبر  De Gasperi – Gruber  والذي تم في 5 شتنبر 1946 بباريس وبموجبه استمرت  Trento et Tirol del sur  كاجزاء من التراب الايطالي  مع ضمان منحها الحكم الذاتي.

[25]  أدامز وباريلي، نظام الحكم في إيطاليا،  ترجمة أحمد نجيب هاشم، مطبعة مصر، القاهرة، سنة 1964، ص 193.

[27]  مثلا جهة    Trentino – Alto Adige بساكنة 900.000 نسمة لها ميزانيتها تعادل ميزانية  جهة Vento  والتي يبلغ عدد سكانها أربع ملايين ونصف المليون نسمة، اضافة الى ما يجتمع لديها من صلاحيات تشريعية وادارية مهمة في ميادين التربية والصحة، وهو ما يفسر مطالبة الكثير من البلديات و الجماعات المتاخمة لتكل الجهات الغنية بالانضمام اليها طبعا بمراعاة المقتضيات الدستورية.

[28]  د. خالد قباني، اللامركزية ومسألة تطبيقها في لبنان…المرجع السابق، ص 183.

[29]  Palazzoli Claude,  op.cit. p.27-28.

[30]  يسري عليها النظام العادي وعددها 15.

[31]   Bassanni Franko, l’expérience de la régionalisation en Italie, in R.I.S.A N 1, 1957.p 51.

[32]  صالح المستف، الجهوية في النظام السياسي-الإداري المغربي، مرجع السابق ص  28.

[33]  المادة الخامسة من الدستور الإيطالي “الجمهورية واحدة لا تتجزأ، تعترف وتشجع الاستقلال الذاتي المحلي، وتحقق بالنسبة للمصالح التابعة للدولة أوسع مدى من اللامركزية الإدارية وتكيف مبادئ ومناهج تشريعاتها مع ضرورات الاستقلال الذاتي واللامركزي”.

[34]  محمد بوبوش، قضية الصحراء ومفهوم الاستقلال الذاتي، مجلة وجهة نظر، عدد 27  ، مطبعة دار المعاريف الجديدة، الرباط، 2005، ص 62.

[35]  إن الدستور الإسباني لسنة  1978 م كان أول دستور ساهم في تحريره ووضعه ممثلون من كل الطوائف السياسية الإسبانية لذلك أصبح ينظم كل الشعوب الإسبانية لا شعب على حساب شعب و لا يحمي مصالح طرف دون أطراف أخرى،  فهو دستور التراضي و التعايش استطاع أن يوحد إسبانيا و ينهي دابر الحروب الأهلية المدمرة،  و قد أسس هذا الدستور الاستقلال الذاتي كإطار متفرع عن دولة لامركزية يتم فيها توزيع مراكز القرار والسلطة بين الدولة والأقاليم و تمكن من إدماج القوميات التاريخية في الدولة و الأحزاب القومية المحلية في إطار من التناوب على السلطة.

2 إن البناء المؤسساتي الذي بناه دستور1978 قد ينهار تحت ضربات القوميين الباسك والكاطالانيين في إسبانيا. فخطة إيباريتشي نسبة إلى رئيس الحكومة الباسكية المستقلة تدعو إلى استقلال الباسك عن إسبانيا ويقترح أن يكون هناك اتحاد حر معها. كما أن الحكومة الكاطالانية الثلاثية التي تضم الإشتراكيين والقوميين الكطالان تدفع في اتجاه الانفصال -وإن بشكل محتشم-عن إسبانيا. هذه المواقف الباسكية والكاطالانية الراديكالية دفعت الكاتي كاسيميرو غارسيا أبادييو في مقال له بصحيفة (إلموندو) الإسبانية بتاريخ6 /9 /2004 إلى القول:تعتقد كاطالونيا وبلاد الباسك أن الوقت حان من أجل الهندسة السياسية التي تم بناؤها بعد وفاة فرانكو. وأضاف قائلا:هل زاباثيرو واع بالأخطار التي تحدق بإسبانيا .

[37]  تم تفضيل هذا المصطلح على “المقاطعة المستقلة” Territorio Autonomo

[38] محمد بوبوش، قضية الصحراء ومفهوم الاستقلال الذاتي،مرجع سابق،  ص 63 .

[39]  أحمد السوداني، التنظيم الجهوي الإسباني، المجلة المغربية للأنظمة القانونية والسياسية، عدد خاص، السنة الرابعة، يونيو، 2005، ص 106-107.

[40] الفقرة 11 من نص مذكرة التفاوض حول مشروع الحكم الذاتي بالصحراء الموجهة للأمم المتحدة 2007.

[41]  الفقرة 20 من نص مذكرة التفاوض حول مشروع الحكم الذاتي بالصحراء الموجهة للأمم المتحدة 2007.

[42] الفقرة 13 من نص مذكرة التفاوض حول مشروع الحكم الذاتي بالصحراء الموجهة للأمم المتحدة 2007.

[44]  يراجع الخطب الملكية : الخطاب الملكي بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء 06 نونبر 2008-الخطاب الملكي بمناسبة المسيرة الخضراء 06نونبر 2009 وخطاب تنصيب اللجنة الاستشارية للجهوية في 3يناير 2010.

2 أمحمد المالكي،  المغرب وتجربة الانتقال الديمقراطي في إسبانيا: الدروس المستفادة، جريدة دفاتر سياسية – العدد 60 يناير 2004، ص 9.

[46]  الحسن الثاني، ذاكرة ملك، منشورات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، الطبعة الثانية، 1993، ص 125-126.

  • محمد اليوسفي- باحث دكتوراه في العلوم لسياسية والعلاقات الدولية، ومؤسس مركز الدراسات القانونية والاجتماعية. المغرب.
  • تحريرا في 1-6-2017

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى