البرامج والمنظومات الديمقراطيةالدراسات البحثية

وهم الديمقراطية الأمريكية

اعداد : د. شاهر إسماعيل الشاهر  

أستاذ القانون والعلاقات الدولية – في جامعتي دمشق والفرات –  مدير المركز الوطني للبحوث والدراسات 

  • المركز الديمقراطي العربي

 

 

الملخص:

شهدت السياسة الخارجية لجميع الإدارات الأمريكية تشديداً على قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان وضرورة ترويجها، كما قامت الولايات المتحدة الأمريكية بإدخال بعض ‏العناصر الجديدة على سياستها في المنطقة العربية، عندما خصصت قسماً من المساعدات التي تقدمها إلى بعض دول المنطقة لمنظمات المجتمع المدني، وللترويج لمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، غير أن هذا التغير لم يرق خلال هذه الفترة إلى مستوى سياسة واضحة المعالم.

‏وقد تغير هذا الوضع نتيجة لأحداث الحادي عشر من أيلول، حيث “توصلت” الولايات المتحدة الأمريكية إلى أن الأوضاع السياسية والثقافية والاقتصادية السائدة في البلدان العربية هي المسؤولة عن إنتاج الإرهاب؛ فغياب الديمقراطية وانتهاك حقوق الإنسان من أهم أسباب تزايد الإرهاب في العالم، وهذا ما دعا الولايات المتحدة إلى محاولة فرض رؤيتها للديمقراطية على العالم، بحيث تستبعد أي تهديد لأمنها ومصالحها القومية، وبالتالي تولدت قناعة لدى الإدارة الأمريكية بضرورة تغيير هذه الأوضاع، وخاصة في جانبها السياسي. وبالتالي، أصبح نشر الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان في الشرق الأوسط، وخاصة الوطن العربي، أحد الأهداف المعلنة للسياسة الأمريكية في المنطقة. وقد اتضحت هذه السياسة بمحاولة جعل العراق نموذجاً للديمقراطية يحتذى به في منطقة الشرق الأوسط، كما اتضحت هذه السياسة أيضاً بطرح مبادرة الشرق الأوسط الكبير في قمة الدول الثماني في حزيران 2004.

أهداف البحث:

يهدف هذا البحث إلى تسليط الضوء على الأهداف الأمريكية الحقيقية التي تقف وراء الادعاء بنشر الديمقراطية وتعزيز ثقافة حقوق الإنسان في الوطن العربي.

أهمية البحث:

تعود أهمية هذا البحث إلى تناوله السياسة الأمريكية تجاه قضيتي الديمقراطية وحقوق الإنسان وخاصة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001، كما يتناول الوسائل المتبعة من قبل الإدارات الأمريكية لنشر الديمقراطية وحقوق الإنسان، والتي تشمل القوة العسكرية كما حصل في العراق، والقوة الناعمة التي تجسدت في طرح مبادرة الشرق الأوسط الكبير، فضلاً على دراسة وتحليل التخوف الأمريكي من وصول الإسلاميين إلى السلطة، كما حدث في حالة حركة حماس الفلسطينية.

منهجية البحث:

سيتم الاعتماد على عدد من مناهج البحث، أهمها:

  • منهج تحليل النظم: الذي يقوم على أن كل نظام يواجه مطالب وتهديدات، وعليه أن يستجيب لها بشكل يضمن استمراره. ويعد مفهوم التكيف من المفاهيم المحورية في هذا المنهج. ‏وبتطبيق هذا المنهج نجد أن النظام الأمريكي قد تعرض لضغوط متعددة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، تتمثل في ضرورة تحقيق الأمن الأمريكي والمصالح الأمريكية من خلال مكافحة الإرهاب والتدخل بذريعة نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان.
  • المنهج التاريخي: سيتم الاعتماد على هذا المنهج لدراسة مواقف الإدارات الأمريكية المتعاقبة من قضيتي الديمقراطية وحقوق الإنسان.

فرضيات البحث:

ينطلق البحث الذي بين أيدينا من الفرضيتين التاليتين:

الفرضية الأولى: إن وقوع أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 زاد من الاهتمام الأمريكي بقضيتي نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان لتجفيف ما يسمى بـ “منابع الإرهاب”.

الفرضية الثانية: واجهت الإدارة الأمريكية تحديات من نوع جديد نتيجة لفوز الإسلاميين في الانتخابات في بعض دول الشرق الأوسط، مما جعلها تتخذ قراراً بالتراجع عن نشر الديمقراطية.

إشكالية البحث:

إن إشكالية هذا البحث تنبع من أن فكرة السيطرة على العالم عند صانع القرار الأمريكي فكرة قديمة متجددة، فتارة تدخل تحت ذريعة التدخل الإنساني وتارة تدخل تحت ذريعة نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتارة أخرى تدخل تحت غطاء مكافحة الإرهاب.  وقد باشرت الولايات المتحدة سلسلة من التدخلات العسكرية، تزايدت بشكل كبير في القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين. مع الإشارة إلى أن التدخلات العسكرية الأمريكية كانت في البداية محصورة في مجالها الإقليمي (الأمريكيتين) وفقاً لمبدأ مونرو*، لكنه سرعان ما امتد التدخل في مرحلة الحرب الباردة وما تلاها ليشمل العالم أجمع.

وتبقى المعضلة الأساسية أمام السياسة الأمريكية هي: هل تدعم أنظمة حليفة تنتهك حقوق الإنسان والديمقراطية، أم تتغاضى عن الديمقراطية في سبيل المصالح الأمريكية؟

تساؤلات البحث:

تطرح هذه الدراسة العديد من التساؤلات، ومنها:

  • هل سيؤدي الاهتمام الأمريكي بنشر الديمقراطية وحقوق الإنسان إلى وضع أفضل لدول المنطقة؟
  • ما مدى التغير المطلوب من قبل دول المنطقة حتى تصبح مطبقة للمواصفات الأمريكية لقضيتي الديمقراطية وحقوق الإنسان ؟
  • هل تتعامل الولايات المتحدة الأمريكية مع دول المنطقة على أساس مواقف هذه الدول من السياسة الأمريكية أم على أساس مراعاتها للديمقراطية وحقوق الإنسان ؟

الدراسات السابقة:

هناك العديد من الدراسات السابقة التي تناولت موضوع الاهتمام الأمريكي بقضيتي الديمقراطية وحقوق الإنسان، ومن هذه الدراسات:

  • “أمريكا والتدخل في شؤون الدول… مرحلة ما بعد الحرب الباردة” للباحثة صفاء خليفة، تتناول هذه الدراسة مدى تأثير أحداث 11 أيلول 2001 على موقف الولايات المتحدة من مبدأ عدم التدخُّل في الشؤون الداخلية للدول.
  • “أولويات السياسة الخارجية الأمريكية بعد أحداث 11 أيلول 2001″، وهو من تأليف الباحث شاهر الشاهر، وتتناول هذه الدراسة الذرائع الأمريكية للتدخل في شؤون العالم تحت غطاء حماية الديمقراطية وحقوق الإنسان.

إن غالبية الدراسات التي تناولت موضوع الاهتمام الأمريكي بقضيتي الديمقراطية وحقوق الإنسان،  تركز على موضوع الإصلاح السياسي بشكل عام وتتطرق لقضيتي الديمقراطية وحقوق الإنسان على عجل، بينما ستركز هذه الدراسة على هاتين القضيتين بشيء من التفصيل.

المقدمة:

شكلت أحداث الحادي عشر من أيلول منعطفاً مهماً في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه العالم العربي، فقد كشفت هذه الأحداث وفقاً لرؤية الإدارة الأمريكية أن غياب سياسات إصلاحية وتغييرات سياسية واقتصادية واجتماعية انفتاحية في المجتمعات العربية منذ ما بعد حقبة الاستقلال، قد أفضت إلى إصابة المجتمعات العربية والأنظمة السائدة أيضاً بالجمود والاحتقان السياسي، الأمر الذي أدى إلى تشجيع النزعات الانغلاقية وخاصة المتشددة دينياً، وهي النزعات التي تغذي التيارات والتنظيمات المتشددة وقادت إلى هجمات 11 أيلول ضد الولايات المتحدة.

وهكذا قادت الولايات المتحدة أجندة إعادة تأهيل العالم العربي ضمن ما سمي بمشروع الشرق الأوسط الكبير عبر الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، من خلال سياسة تدخلية تقوم على التركيز على الأوضاع الداخلية للدول العربية. وبدأ التركيز بوجه خاص على الربط بين التطرف والعنف وبين نقص الحريات السياسية ومستويات التعليم وحقوق الإنسان وتحرير المرأة.

ويرى “سيرجيو دي ميللو”* أن: “أفضل إستراتيجية، بل الإستراتيجية الوحيدة، لعزل الإرهاب وهزيمته هي عن طريق احترام حقوق الإنسان، وتشجيع العدالة الاجتماعية، وتعزيز الديمقراطية، مع تأييد حكم القانون”.[1]وهذا ما ينسجم مع التوجه الأمريكي الداعي إلى نشر الديمقراطية والقضاء على النظم الاستبدادية في العالم.

أولاً – الإدارات الأمريكية السابقة وقضيتي الديمقراطية وحقوق الإنسان:

في ظل التغيرات التي حدثت في النظام الدولي، وما تبعها من تطورات منذ بدايات ثمانينيات القرن العشرين ، مثل انهيار الكتلة الشيوعية، وتفكك الاتحاد السوفيتي، اهتمت السياسة الخارجية الأمريكية ببعض المبادئ الأساسية: دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان، كسياسة تعكس المبادئ والمصالح الأمريكية؛ فتشجيع الديمقراطية يوسع من نفوذ ومصداقية الولايات المتحدة عالمياً، على اعتبار أن مصالحها سوف تكون أكثر أمناً في عالم يحترم الحقوق السياسية واقتصاديات السوق الحر.

لقد اكتسبت قضيتي الديمقراطية وحقوق الإنسان اهتماماً على مستوى الرؤساء الأمريكيين وبرامجهم الانتخابية، وعلى مستوى المسؤولين المباشرين عن السياسة الخارجية الأمريكية. فقد أعلن الرئيس ويلسن (1913-1921) أن الولايات المتحدة سوف تدخل الحرب العالمية الأولى لكي تجعل العالم أكثر أماناً للديمقراطية، ثم جاءت مبادئه الأربعة عشر لتؤكد ذلك، ولكن جاء رفض مجلس الشيوخ للتصديق على إنشاء عصبة الأمم ليدخل الولايات المتحدة في مرحلة من العزلة الدولية.

وفي عام 1974 بدأت الولايات المتحدة نشاطها في مجال نشر الديمقراطية، وفي عام 1977 تبلورت الدعوة الخاصة بربط قانون المؤسسات المالية والدولية بالديمقراطية وحقوق الإنسان، إذ يتم ربط التفاعل الإيجابي بين هذه المؤسسات المالية الدولية والدول الأجنبية بمقدار ما تتبنى تلك الدول السلوك الديمقراطي (وفق التصور الأمريكي).[2]

وكان أول تقرير سنوي يصدر عن وزارة الخارجية الأمريكية بخصوص حقوق الإنسان كان في العام 1977، وفي تلك الفترة تزايدت المناقشات داخل الكونجرس الأمريكي فيما يخص تطبيق العقوبات الاقتصادية على الدول المخالفة للديمقراطية وحقوق الإنسان.

أما إدارة الرئيس كارتر (1977-1981) فقد تمسك بحقوق الإنسان والديمقراطية كمحدد للسياسة الخارجية الأمريكية، وذلك لعدة أسباب، منها أن نشر الحرية على مستوى العالم يتماشى مع القيم والمصالح الأمريكية، كما أن التوسع في نشر قيم حقوق الإنسان والديمقراطية في العالم سيؤدي إلى تعزيز الأمن الأمريكي.

ثم أنشأت إدارة الرئيس ريغان (1981-1989)، في إطار مواجهة العالم الحر بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية للكتلة الشيوعية، المؤسسة الوطنية للديمقراطية التي تتلقى دعماً فدرالياً من الكونغرس لدعم الديمقراطية، وتم بعد ذلك إنشاء المعهد الديمقراطي الوطني والمعهد الجمهوري الدولي لتقديم المساعدات الفنية والمادية لبرامج الديمقراطية في الخارج. كما تم في عام 1983 تم إنشاء الصندوق القومي الديمقراطي، الذي يسعى لدعم التوجهات الديمقراطية في الدول الشيوعية وغير الشيوعية.

وفي نفس السياق اعتبر الرئيس كلينتون (1994-2001) أن توسيع الديمقراطية في العالم يمكن أن يحل محل الاحتواء، كإستراتيجية بديلة وحاكمة للسياسة الخارجية الأمريكية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.

وفي 21 أيلول 1993 أعلن أنتوني ليك مستشار الرئيس كلينتون لشؤون الأمن القومي في خطاب له في جامعة هوبكنز الأمريكية: “أن توسيع الديمقراطية هدف أساسي من أهداف السياسة الخارجية الأمريكية”.[3]

وفي 27 أيلول 1993 تحدث الرئيس كلينتون عما أسماه “التوسع الديمقراطي”، وترتب على هذا المبدأ ظهور ثلاث وثائق تحت اسم “إستراتيجية الأمن القومي للتدخل والتوسع” وذلك في الأعوام 1994-1995-1996 وترتكز هذه الإستراتيجية على التدخل بقوة في جميع أنحاء العالم لفتح أسواق خارجية، وذلك يعني “أن الإستراتيجية هي التوسع الديمقراطي كآلية لكسب المزيد من الأسواق”. ويعد الرئيس كلينتون أول من استخدم تعبير “ديمقراطيات السوق”. ودل استطلاع للرأي قام به مجلس شيكاغو للعلاقات الدولية: “أن وجود الأنظمة غير الديمقراطية ليست قضية ضمن المصالح الإستراتيجية العليا للولايات المتحدة”.

ومن جهة أخرى ذكر الرئيس كلينتون: “أن انتهاج العملية الديمقراطية سيسهم كقوة فاعلة في استتباب الاستقرار والأمن الدولي، نظراً لأن الانفتاح والتعددية السياسية سيوجدان طرقاً بعيدة عن العنف في تسوية النزاعات، وإن الديمقراطيات تقوم بمهمة أفضل في حماية الأقليات العرقية والدينية، وإن التعاون بين الأنظمة المتماثلة في القيم الإنسانية سيمكن من تطوير ظاهرة الشراكة بين الذين لهم مصالح مشتركة في حماية البيئة الدولية والالتزام بالقانون الدولي”.[4]

وقد وجهت إدارة كلينتون انتقاداتها إلى بعض الدول العربية مثل سورية وليبيا، وأعلنت أن علاقات الولايات المتحدة بدول المنطقة سوف تقوم على أساس موقف هذه الدول وممارساتها المتعلقة بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان.

ورأى الرئيس بوش الابن (2001-2008) أن غياب الديمقراطية في الشرق الأوسط يشكل تحدياً كبيراً للإدارة الأمريكية، وخاصة بعد الحادي عشر من أيلول وربما انتشار الإرهاب بغياب الديمقراطية.

وقد رصدت المراكز البحثية خطب الرئيس بوش الابن الخاصة بالشرق الأوسط وأحاديثه، وتسويق مفاهيم المجتمع الحر والديمقراطية، وقد وصلت إلى أن الرئيس بوش قد استخدم كلمة ديمقراطية (1012) مرة في الفترة 2001-2005، واستخدم كلمة الحرية والمجتمع الحر(823) مرة، في حين انخفضت في العام 2006 إلى (11) مرة فقط. ولاشك بأن هذه النتائج تعكس هوساً في إعادة تشكيل المنطقة، والذي كان الرؤساء السابقون يدركون خطورته. إذ وجه الرؤساء الأمريكيون النقد للأوضاع السياسية في الدول العربية والإسلامية بحدود (127) مرة منذ عام 1973 ولغاية 1980.[5]

أما الرئيس الأمريكي باراك أوباما فقد أكد حقيقة أن الديمقراطية تشكل تحدياً أمام الدول، كما أكد عدم فرض نظام حكم معين على أية دولة، ولكن الحكومات لا بد من أن تعبر عن إرادات شعوبها، فالحرية في التعبير والقدرة على إدارة الحكم وحكم القانون والمساواة، والشفافية، “ليست أفكاراً وقيماً أمريكية، وإنما هي حقوق الإنسان عموماً، ونحن سندعمها مهما كلفنا ذلك”. وبالتالي، لا تؤمن الإدارة الأمريكية الحالية بفرض الإصلاح السياسي والديمقراطية بالقوة، حيث أكد أوباما أن حرب العراق لم تضطر إليها الولايات المتحدة،  على خلاف حرب أفغانستان، وأن ما حدث في العراق يؤكد للولايات المتحدة ضرورة الاعتماد على الأساليب الدبلوماسية وكسب الأصدقاء والشركاء.

ثانياً – ملامح الخطاب السياسي الأمريكي لنشر الديمقراطية:

يرى بعض الباحثين أنه خلال قراءة الخطاب السياسي الأمريكي لنشر الديمقراطية يمكن التعرف على أهم ملامح هذا الخطاب من خلال العوامل الآلية:[6]

– أن المصالح الأمريكية هي المحدد الأول للرؤية الأمريكية لنشر الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط، وخاصة الوطن العربي.

  • إن ما تشهده الدول العربية وبعض الدول الإسلامية من تطرف وإرهاب يرجع إلى مناخ الاستبداد والتخلف الذي تشهده المنطقة.
  • اعتبار العالم الديمقراطي أكثر مسالمة، فالدول الديمقراطية لا تحارب بعضها البعض وتميل إلى حل صراعاتها بالطرق السلمية.
  • أن عملية تغيير الشرق الأوسط عملية محورية لمواجهة الإرهاب، ولإقامة نظم ديمقراطية.
    ‏ وفي الحقيقة، فإن هذه الرؤية الأمريكية لإحداث تغيير ديمقراطي في منطقة الشرق الأوسط، لم تكن تعبيراً عن توافق عام داخل الولايات المتحدة الأمريكية، وإنما جاءت تعبيراً عن اتجاه واحد، وهو ذلك الاتجاه الذي يرى أن غياب الديمقراطية في هذه المنطقة يسهم بشكل أساس في خلق بيئة ملائمة لتنامي ظواهر التطرف والعنف والإرهاب، ومن ثم فإن القضاء على هذه الظواهر يتوقف في جانب كبير منه على نشر الديمقراطية وتعزيزها في بلدان هذه المنطقة، وهو الاتجاه الذي وجد أنصاره من اليمين المحافظ في الإدارة الأمريكية.

وفي المقابل، هناك اتجاهات أخرى لها وجهة نظر مخالفة للاتجاه السابق، ومن بين هذه الاتجاهات ذلك الاتجاه الذي يرى أن إجراء انتخابات في دول الشرق الأوسط، وخاصة الوطن العربي، سوف تأتي بنظم أكثر رجعية، وأشد معاداة للغرب من النظم الحالية، ‏وبالتالي يرى هذا الاتجاه أنه لا ينبغي للولايات المتحدة أن تضغط من أجل تحقيق الديمقراطية في الوطن العربي، خشية تصاعد التيار الإسلامي ووصوله إلى السلطة.

‏    وأخيراً، هناك اتجاه ثالث يرى أنه لا خطر من الإسلاميين المعتدلين على الديمقراطية، ولا علاقة لهم بالعنف والإرهاب، وأن السبب وراء معاداة الإسلاميين للولايات المتحدة إنما يرجع إلى الدعم الأمريكي للنظم التسلطية في المنطقة.

ثالثاً – الآليات المستخدمة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية لنشر الديمقراطية:

لا يوجد إجماع بين القوى السياسية المختلفة في الولايات المتحدة حول مبررات وجدوى نشر الديمقراطية كأحد أهداف السياسة الخارجية الأمريكية، كما لا يوجد اتفاق أيضاً حول الآليات التي يمكن أن تستخدم لنشر الديمقراطية. ‏فمن ناحية، يوجد التيار المؤيد للعزلة الذي يرفض التدخل الأمريكي في الخارج، إلا إذا كان هذا التدخل لحماية المصالح الأمريكية بالمعنى الضيق. كما يرى بعض أنصار التيار المحافظ من أقصى اليمين؛ أن العلاقات الدولية لا تقوم على الأخلاق والقيم، بل على القوة والمصالح، وبالتالي فإن تبني السياسة الأمريكية نشر الديمقراطية على مستوى العالم قد يفرض قيوداً على سياستها الخارجية ومصالحها القومية. ‏ومن ناحية أخرى، يمكن القول إن هناك اتفاقاً كبيراً بين أنصار التيار المحافظ التقليدي والتيار الليبرالي على أهمية أن تستند السياسة الخارجية الأمريكية إلى جانب من القيم على رأسها الديمقراطية. أما تيار المحافظين الجدد، فإنه يربط بين الأوضاع الداخلية في المجتمعات الخارجية من ناحية، والحفاظ على الأمن الأمريكي من ناحية أخرى، وخاصة بعد الحادي عشر من أيلول، ولذلك يدعو هذا التيار إلى التدخل في الشؤون الداخلية للدول إذا كانت أوضاعها تهدد الأمن الأمريكي.

وفي هذا الإطار، نظر المحافظون الجدد، على سبيل المثال، إلى مسألة تغيير النظام في العراق، وخلق نموذج ديمقراطي فيه، على أنه أحد الأدوات الرئيسة لتحقيق التغيير في المنطقة.

ولتطبيق الديمقراطية في أية دولة، هناك معايير، لكن هذه المعايير لا يمكن تطبيقها بشكل فوري، بل يجب تطبيقها وفق خطة زمنية حسب خصوصية كل نظام وظروفه، مثل:[7]

  • الأوضاع السياسية (الداخلية والخارجية).
  • استقلالية القضاء.
  • مدى تفاعل المجتمع المدني مع هذه المتغيرات.
  • حرية الصحافة وحرية الرأي والفكر.
  • الإشراف على حركة المجتمع ورأس المال والبضائع والخدمات العامة.
  • الأوضاع الاقتصادية مثل:
  • شفافية التعاملات المالية.
  • احترام قدسية العقود المالية والتجارية والاقتصادية المبرمة.
  • جدوى حملات مكافحة الفساد.
  • انخفاض الاحتكارات أو القضاء عليها.
  • حسن سير التدابير والإجراءات.
  • الضرائب غير المباشرة.

نلاحظ أن هذه المعايير تنسجم مع الديمقراطية الغربية، وخاصة النموذج الأمريكي الهادف إلى تحرير الأسواق وفتح الحدود وإهمال ثقافة المجتمعات الأخرى وقيمها، وبالتالي نشر بل فرض النموذج الأمريكي على العالم باعتباره النموذج الأمثل.

ومن الوسائل المستخدمة من قبل الولايات المتحدة لتطبيق الديمقراطية في العالم:

  1. الوسائل السياسية: كالكشوف التي تقدمها وزارة الخارجية عن حالة الديمقراطية في الدول الأخرى، وتزويد البعثات الدبلوماسية الأمريكية بعناصر جديدة لها دراية في ميدان الدعاية للتحول الديمقراطي واستخدام المؤتمرات الدولية لممارسة الضغوط على الدول غير الديمقراطية، أو من المنظمات الدولية كالأمم المتحدة. وتعد وكالة المعلومات الأمريكية، التي أدمجت بوزارة الخارجية، من أبرز هذه الهيئات.
  2. الوسائل الاقتصادية: وذلك بفعل الربط بين التحول الديمقراطي والمعونات، أو الخطر على التجارة والاستثمارات، أو التجميد الإداري للمعونة، أو التصويت في البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي ضد الدول غير المنسجمة مع الدعوة للتحول الديمقراطي. وهناك الشكل المباشر للعلاقات الاقتصادية المترافقة مع طابع المنح بدل المنع، ويتمثل في تقديم المساعدات لهيئات المجتمع المدني التي بلغت: 580 مليون دولار عام 1998، 623 مليون دولار عام 1999، 709 ملايين دولار عام 2000. ويتمثل نصيب الدول العربية بحوالي 18 مليون دولار.
  3. الوسائل العسكرية: عن طريق الغزو المباشر، أو تقديم المساعدات العسكرية لدول “التحول الديمقراطي”، أو الدعم المالي للمعارضين للحكومات التي تراها الولايات المتحدة غير ديمقراطية.

وقد جاء في وثيقة “إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي” لعام 2002: أن الولايات المتحدة كي تشجع المجتمعات على التغيير والتحول الديمقراطي فإنها سوف تقوم بجملة من الإجراءات:[8]

  • المجاهرة الصادقة بانتهاكات المطالب غير القابلة للتفاوض للكرامة الإنسانية، وسوف تستخدم صوتها من أجل دعم الحرية، في عمليات التصويت.
  • استخدام المساعدات الخارجية لتعزيز الحرية ودعم المناضلين سلمياً من أجلها، وضمان أن الدول التي تتحرك باتجاه الديمقراطية، تكافأ على الخطوات التي تتخذها.
  • جعل الحرية وتطوير المؤسسات الديمقراطية من الموضوعات الرئيسة في علاقات الولايات المتحدة الثنائية مع الدول. والسعي للتضامن والتعاون مع الديمقراطيات الأخرى، في مساعي الولايات المتحدة للضغط على الحكومات التي تمنع تحسين حقوق الإنسان. وهنا تعلن إستراتيجية الأمن القومي أن “الولايات المتحدة سوف تتزعم قضية الكرامة الإنسانية وسوف تعارض الدول التي تحاربها أو تنتهكها”.

وفي 21 أيلول 2005، قام مجلس شيكاغو للعلاقات الخارجية وبرنامج اتجاهات السياسة الدولية باستطلاع على عينة من 808 أمريكيين، فجاءت النتائج  على ما يلي:[9]

  • إن الأغلبية تعارض نشر الديمقراطية بالقوة العسكرية، سواء أكان ذلك من الإطاحة بالديكتاتوريين أم من تهديد الدول باستخدام القوة المسلحة في حال عدم إنجازها لإصلاحات ديمقراطية(رأى 66% أن أضرار تلك السياسات تفوق منافعها، مقابل 21% رأوا العكس).
  • أكدت الأغلبية من الحزبين الأساسيين في الولايات المتحدة (الجمهوري والديمقراطي) أن بناء الديمقراطية لم يكن سبباً كافياً للحرب على العراق(74%)، وأن تجربة العراق جعلت الأمريكيين أقل تأييداً لاستخدام القوة العسكرية لفرض الديمقراطية.
  • إن الأمريكيين غير مقتنعين بأنه عندما يكون هناك دول ديمقراطية أكثر، فإن العالم سيكون أكثر أمناً (26%) فقط عبروا عن اقتناعهم بتلك الفرضية. وقد انقسم الأمريكيون فيما إذا كانت الديمقراطية تسهم في تقليص الدعم للإرهاب، أو فيما إذا كانت الديمقراطيات أقل احتمالاً للدخول في حرب، أو أكثر احتمالاً لأن تكون صديقة للولايات المتحدة.
  • إن الأغلبية تعتقد أن دعم الديمقراطية يجب أن يكون هدفاً في السياسة الخارجية الأمريكية ولكنها لا تمثل أولوية قصوى. وقد أيدت تطبيق منهج براجماتي والاعتماد على الوسائل الدبلوماسية والتعاونية في نشر الديمقراطية، ومعارضة استخدام الوسائل العقابية كوسيلة للضغط على الدول لتصبح أكثر ديمقراطية.
  • إن أغلبية كبيرة تفضل العمل عبر الأمم المتحدة لدعم الديمقراطية، وتعتقد أنه يجب أن يكون هدف الأمم المتحدة دعم الديمقراطية في العالم.

وبهذا نلاحظ أن النتائج جاءت مناقضة تماماً لتوجهات السياسة الخارجية والأمن القومي لإدارة الرئيس بوش.

رابعاً – الاهتمام الأمريكي بالديمقراطية وحقوق الإنسان قبل وقوع أحداث 11 أيلول 2001:

قامت السياسة الأمريكية قبل الحادي عشر من أيلول 2001 على اعتقاد رئيسي باستثناء الشرق الأوسط من الديمقراطية، لأن الديمقراطية غير ممكنة بسبب الثقافة العربية الإسلامية، وبسبب الصراع العربي- الإسرائيلي وعدم الاستقرار، ولذلك استبدلت السياسة الأمريكية الديمقراطية والحرية، بالاستقرار والأمن، للحفاظ على النفط والأسواق. ‏وبالتالي، كان اهتمام الولايات المتحدة الأمريكية بالمنطقة قبل الحادي عشر من أيلول قاصراً على تحقيق مصالحها المتمثلة في الحفاظ على إمدادات النفط والأسواق الغنية، حتى ولوتم ذلك بالتعامل مع الأنظمة السلطوية في المنطقة، ونتيجة لذلك كان الاهتمام بالديمقراطية والإصلاحات السياسية محدوداً، إلا أنه بعد أحداث الحادي عشر من أيلول أصبحت الديمقراطية والإصلاح السياسي في الشرق الأوسط جزءاً ‏من الإستراتيجية الأمنية الأمريكية في مواجهة الإرهاب.

‏وقد أكد الرئيس بوش هذا التغيير في السياسة الأمريكية، حيث انتقد إحدى الحجج والمقولات التقليدية التي تمسكت بها النظم السياسية في منطقة الشرق الأوسط خلال العقود الماضية لتبرير تأجيل عملية الإصلاح السياسي، وهي مقولة “الاستثناء العربي” أو “الخصوصية العربية”، التي حاولت تلك الأنظمة من خلالها الترويج لفكرة صعوبة التحول الديمقراطي في الشرق الأوسط استناداً إلى الخصوصيات الثقافية والسياسية والدينية للمنطقة، ومن ثم فإن ما ينطبق على باقي الأقاليم الأخرى، مثل أمريكا اللاتينية، وأوروبا الشرقية، وشرق ‏آسيا، لا ينطبق بالضرورة على دول الشرق الأوسط.

خامساً – تأثير أحداث أيلول 2001 في الاهتمام الأمريكي بالديمقراطية وحقوق الإنسان:

بعد وقوع أحداث الحادي عشر من أيلول، أكد الرئيس بوش أن العالم لن يكون آمناً من الإرهابيين حتى يصبح الشرق الأوسط مكاناً آمناً للديمقراطية. وقد قام “استراتيجيو بوش” بالعمل على تمهيد الطريق إلى الديمقراطية في الشرق الأوسط، وأكدوا على أن الأنظمة في هذا الجزء من العالم تتميز بثلاث خصائص:[10]

  • أنظمة استبدادية: فالتحرر من الاستعمار ترك المنطقة لنوع جديد من الاستبداد والعبودية، أو على الأقل لإدارة تفتقر للتمثيل.
  • استفادت أكثرية هذه الأنظمة من المعطيات الجغرافية: إذ وجد النفط في باطن الأرض، ولذا فإن الحاجة للبقاء منافس في الاقتصاد العالمي، ولم تنتج ليبرالية سياسية كما فعلت تقريباً في كل أرجاء العالم الأخرى.
  • بعض هذه الأنظمة لها تقاطع مصالح مع مؤسسات دينية إسلامية: ولها أسبابها الخاصة لمقاومة التغيير، وبهذا تم تعزيز النزعة القديمة (الفهم الحرفي للقرآن)، التي تركت مجالاً ضيقاً لتفسيرات بديلة.

هذا “المزيج الضار من الاستبداد” والثروة والتطبيق الحرفي للدين الذي دعمته إدارة بوش، والذي غذى الإحباط عند الأكثرية وأثار هيجاناً عند أقلية، كان كافياً لأن يسبب أحداث 11 أيلول2001. ولهذا يجب تغيير هذا الوضع مما يجعل العالم أكثر أمناً، ويسهل الدمقرطة في المنطقة.

وفي هذا السياق، قدم ريتشارد هاس مدير التخطيط السياسي في وزارة الخارجية الأمريكية إطاراً لرؤية الإدارة الأمريكية في الشرق الأوسط يقوم على ما يلي:[11]

  • وجود نماذج مختلفة للديمقراطية، ومن ثم فإن العملية الديمقراطية يجب ألا تتبع بالضرورة نموذجاً محدداً، حيث لا يوجد نموذج واحد يمكن إتباعه.
  • الانتخابات لا تصنع الديمقراطية، فمن المهم أن تصاحب الانتخابات تطور المجتمع المدني.
  • الديمقراطية تحتاج إلى وقت قد يصل إلى عقود، بل وأجيال، كما تحتاج إلى تعليم ومعرفة، وتحديث اقتصادي، ووسائل إعلام مسؤولة ومستقلة، ودعم لحقوق المرأة.
  • على الرغم من أن الديمقراطية يمكن تشجيعها من الخارج، إلا أنه من الأفضل بناؤها من الداخل لكي تستمر.

‏وقد سعت إدارة الرئيس بوش إلى ترجمة هذه الأهداف إلى برامج وسياسات محددة في إطار ما أطلقت عليه مبادرة الشراكة في الشرق الأوسط، ثم مبادرة الشرق الأوسط الكبير.

وكانت مجموعة مستقلة برئاسة مادلين أولبرايت، قد قامت برعاية من مجلس العلاقات الخارجية في العام 2005 بإعداد تقرير للبحث فيما إذا كان دعم الديمقراطية يحقق المصالح المفضلة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط؟ وإذا كان ذلك فكيف يمكن للولايات المتحدة تنفيذ مثل هذه السياسة؟ وقد وصلت تلك المجموعة إلى نتيجة مفادها أنه على الرغم من المخاطر قصيرة الأجل، فإن الديمقراطية هدف مرغوب فيه في الشرق الأوسط، ومع أن الديمقراطية تنطوي على مخاطر محددة، فإن رفض الحرية يحمل مخاطر كبيرة.[12]

سادساً – العلاقة بين الإرهاب وغياب الديمقراطية من وجهة نظر الولايات المتحدة الأمريكية:

لقد تكونت قناعة لدى إدارة الرئيس بوش بأن تحول الأنظمة العربية والإسلامية إلى نظم ديمقراطية سوف يقضي على الإرهاب، وبالتالي يحسن وضع الأمن القومي للولايات المتحدة. لكن هذه القناعة لا تستند إلى أي دليل مادي، بل إن الديمقراطية في الشرق الأوسط ستأتي في الغالب بحكومات إسلامية غير راغبة في التعاون مع الولايات المتحدة.

وحسب تقرير “أنماط الإرهاب العالمي” الصادر عن الإدارة الأمريكية، فإنه ضمن 269 حادثة إرهابية حدثت على مستوى العالم من عام 2000 -2003، وقعت 119 حادثة في دول يتمتع مواطنوها بالحريات الأساسية والمشاركة السياسية. وفي دول ديمقراطية مثل الهند، فإن الحوادث الإرهابية تشكل 75% من جميع أعمال العنف، بينما في دولة سلطوية مثل الصين، لا تقع حوادث إرهابية.[13]

إن التحول الديمقراطي في إسبانيا لم يقض على العمليات الإرهابية من المنظمات الانفصالية من إقليم الباسك، وإن “النظام الديمقراطي في إسرائيل” لم يمنع المتطرفين من اغتيال اسحق رابين، وقد تمت حوادث التفجيرات الأخيرة في لندن بوساطة عناصر إرهابية نشأت في ظل النظام الديمقراطي في المملكة المتحدة. وعلى الرغم من تحرر العراق من النظام الديكتاتوري فإن الحوادث الإرهابية تقع يومياً.

إن السبب الحقيقي لانتشار الأعمال الإرهابية في العراق وأفغانستان هو الرفض للوجود الأمريكي في هذه البلاد. وإذا ما دفعت الإدارة الأمريكية عملية التحول الديمقراطي في الدول العربية، فهناك احتمال كبير لأن تصبح الحكومات المنتخبة أقل تعاوناً مع الولايات المتحدة من النظم السلطوية. وإن التاريخ يشير إلى أن الانتخابات الديمقراطية الحقيقية كثيراً ما تصب في صالح الإسلاميين في منطقة الشرق الأوسط. فعلى سبيل المثال: حصل حزب العدالة والتنمية في المغرب وهو حزب إسلامي على 42 مقعداً من 325 مقعداً في الانتخابات البرلمانية في العام 2002، وفي اليمن حصل حزب الإصلاح الإسلامي على 46 مقعداً من 301 مقعد نيابياً في انتخابات عام 2003، وحصل الإخوان المسلمون في الكويت على 17 مقعداً من 110 إلى جانب 3 مقاعد لجماعات إسلامية أخرى. وفي أول انتخابات للبلديات في السعودية فازت الجماعات الإسلامية بستة مقاعد من سبعة في الرياض ومكة وجدة. أما في العراق، فقد حصل الشيعة بقيادة آية الله السيستاني على 140 مقعداً من 275 مقعداً، بينما حصل العلمانيون على 45 مقعداً. وقد أظهرت حركة حماس الفلسطينية نجاحاً واضحاً في الانتخابات البلدية، ثم استطاعت الوصول إلى الحكم في الأراضي الفلسطينية.[14] وقد تعاملت الإدارة الأمريكية مع فوز حماس بواقعية، ففي البداية أعلنت اعتراضها على مشاركة الحركة في الانتخابات بوصفها حركة “إرهابية”، ولكنها بعد ذلك بدأت بتقديم مطالب وشروط التعامل معها، وهو تعامل سلمت فيه تماماً للاتحاد الأوروبي.

سابعاً – تأثير الحملة الأمريكية ضد الإرهاب على الديمقراطية وحقوق الإنسان:

لقد تحول شعار الحرب على الإرهاب إلى مسوغ لانتهاك القانون الدولي ومبادئ حقوق الإنسان من قبل العديد من الدول الغربية التي تفخر بدفاعها عن الحريات الأساسية وحقوق الإنسان.

فمنذ إعلان الرئيس الأمريكي بوش الابن حربه على الإرهاب، أكد على “أن أحد أسباب ظاهرة الإرهاب هو غياب الديمقراطية والعدالة في العديد من الدول العربية والإسلامية”. وأكد أيضاً على “أن الحرب على الإرهاب هي حرب من أجل القيم، وأصر على أن الولايات المتحدة ستظل تدعم الكرامة الإنسانية”.[15]

وفي السنوات الأخيرة شهدنا خروج العديد من المبادرات، مثل “مبادرة الشرق الأوسط الكبير”، التي “تنادي بترويج القيم الديمقراطية ومبادئ حقوق الإنسان”، “كسياسة لا تتجزأ عن سياسات مكافحة الإرهاب”. وهو ما سنتطرق إليه فيما بعد بشيء من التفصيل.

وقد أكد الرئيس بوش في مناسبات عديدة على “أن السياسة الأمريكية هدفها تحرير الشعوب من قمع حكوماتها. فمثلاً: انتقد الرئيس بوش نظام صدام حسين بسبب ممارسته التعذيب، مؤكداً أن الحرب على العراق كانت خطوة لإنقاذ الشعب العراقي من بطش الحكم الصدّامي”.[16]

وبالفعل، بدأت القوى الدولية الكبرى تضغط على الدول غير الديمقراطية من أجل الإصلاحات السياسية بهدف التحول الديمقراطي وتعزيز مبادئ حقوق الإنسان. وردت الدول المستهدفة بمبادراتها الخاصة لتتجنب التدخل في شؤونها. غير أن الواقع أثبت عكس ذلك، فقد قامت الولايات المتحدة بتبني ممارسات الدول التي انتقدتها، ونقلت العديد من المعتقلين من سجونها السرية إلى دول تمارس التعذيب.[17]وقد كشفت صحيفة واشنطن بوست عن وجود شبكة سجون سرية في دول مختلفة، من ضمنها دول أوروبية، يحتجز فيها ما يقرب من “مئة ألف شخص” بدعوى ارتباطهم بجماعات إرهابية. وأوضحت أن المعتقلين محتجزون في ظروف بعيدة عن المعايير الدولية لمعاملة السجناء والمحتجزين.[18]

وكان البرلمان الأوروبي قد بدأ تحقيقاً في وجود سجون سرية تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في دول أوروبية، وأصدر تقريراً في 7 يونيو 2006 يتهم 14 دولة أوروبية بالتواطؤ بشكل مباشر أو غير مباشر مع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية لاحتجاز الأفراد في سجون سرية أو نقلهم بشكل غير شرعي لدول أخرى.[19]

وخلاصة القول: نرى أن العديد من “الدول الديمقراطية” قد وجدت في شعار”الحرب على الإرهاب”، ملاذاً لاستمرار سياساتها القمعية. ولذا أصبحت مبادئ حقوق الإنسان والحريات الأساسية مهددة، على الرغم من كونها جزءاً لا يتجزأ من الكرامة الإنسانية التي تسعى فكرة الحفاظ على الأمن القومي إلى حمايتها.

ثامناً – الآثار التي لحقت بحقوق الإنسان نتيجة لأحداث الحادي عشر من أيلول 2001:

إن الولايات المتحدة، وفي إطار حملتها ضد الإرهاب، مارست وتمارس ضغوطاً على العديد من الدول العربية لاتخاذ إجراءات غير ديمقراطية، عسكرية وأمنية، ضد قوى وأحزاب وعناصر وجماعات معينة. وطالبت وتطالب بعض الحكومات بالتدخل لمنع الصحف فيها من توجيه انتقادات للولايات المتحدة، والتوقف عن نشر ما تعده الإدارة الأمريكية تحريضاً على العنف والكراهية، في إشارة إلى الانتقادات التي توجهها وسائل الإعلام العربية للسياسة العدوانية الإسرائيلية في المنطقة؛ وعليه، فإن الدولة التي ترفع شعارات الحرية والديمقراطية تضغط من أجل تقليص هامش حرية الرأي والتعبير في الوطن العربي عندما يتعلق الأمر بمصالحها، أو بمصالح إسرائيل.[20]

ويشير الباحث ريتشارد فوك إلى الآثار التي لحقت بحقوق الإنسان نتيجة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر بما يلي:[21]

  1. التهديد باستخدام القوة والاعتماد على تهديد الإرهاب كحجة ومنطق لاتخاذ إجراءات شرطية على المستوى المحلي والقومي تمثل انتهاكاً لحقوق الإنسان، وتقييداً لحقوق المهاجرين.
  2. الاندفاع نحو ترحيل الأفراد لمخالفات تتصل بالتأشيرات ولا علاقة لها بالتهديدات الإرهابية.
  3. تراجع ترتيب حقوق الإنسان في أولويات السياسة الخارجية الأمريكية.
  4. هناك العديد من الانتهاكات لحقوق الأفراد والمعتقلين في الولايات المتحدة وغيرها.

الخاتمة:

إنَّ أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 أثَّرت في قضية التحول الديمقراطي بشكل عام حيث ربطت الإدارات الأمريكية المتعاقبة بين القضاء على ظاهرة الإرهاب الدولي…، وضرورة القيام بنوع من الإصلاح السياسي، وذلك في العديد من دول الشرق الأوسط عامة والدول العربية على وجه الخصوص. وطرحت ما أُطْلِق عليه مشروعات الإصلاح السياسي، كما قدَّمت العديد من مبادرات الإصلاح، ورَوَّجت الولايات المتحدة لتلك الفكرة قبيل وبعد غزوها للعراق وزعمت أنَّها تسعى لإقامة نظام ديمقراطي في العراق يمكن أن يمثِّل نموذجًا لباقي دول المنطقة.

لقد استغلت الولايات المتحدة، وبشكل “انتقائي” حقوق الإنسان في إطار السياسة الخارجية الأمريكية، لتأتي ازدواجية المعايير أيضاً في التعامل مع هذه القضية، حيث يتم التنديد بانتهاكات حقوق الإنسان في الدول التي يتم التعامل معها كأعداء، وخاصة “الدول المارقة”، مثل كوريا الشمالية وإيران، في حين يتم التغاضي عنها بالنسبة لدول صديقة مثل: إسرائيل. وقد ازداد هذا التوجه الأمريكي تفاقماً ليأخذ شكل الصلف والمطالبة بالاستثناء من اختصاص المحكمة الجنائية الدولية للأعضاء الأمريكيين في قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.

وأخيراً يمكننا القول إن الدولة العظمى في العالم (الولايات المتحدة الأمريكية) قد تحولت بعد أحداث 11 من أيلول إلى دولة شمولية من دول العالم الثالث، دولة أمنية من الطراز الأول، تفتقد الديمقراطية وتنعي حقوق الإنسان، وتعود إلى التمييز العنصري ضد العرب والمسلمين. مع الإشارة إلى أنه لا يمكن القضاء على الإرهاب الدولي عن طريق الاعتماد على انتهاك حقوق الإنسان المكفولة في القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.

النتائج:

توصل الباحث من خلال اختباره لفرضيات البحث إلى النتائج التالية:

  • إن مسألة “الإصلاح ونشر الديمقراطية” ليست جديدة في السياسة الخارجية الأمريكية وتعود إلى عقود سابقة، إلا أنها اكتسبت أبعاداً وأهمية خاصة بعد أحداث أيلول 2001، فلم تعد قضية تخص أحد مكاتب وزارة الخارجية بل قضية وزير الخارجية والرئيس الأمريكي، والإدارة الأمريكية ككل.
  • إن الإدارات الأمريكية لم تشأ أن تمضي في عملية حث الأنظمة العربية الموالية لها على إدخال تحول ديمقراطي حقيقي، لأن ذلك سيؤدي إلى التضحية بهذه النظم، فالبديل الديمقراطي الحقيقي سوف يأتي بتيارات سياسية معارضة للسياسة الأمريكية. فالتغيير الذي تريده الإدارة الأمريكية ليس في الواقع لصالح الشعوب العربية، بل من أجل إنهاء العداوة والكراهية للسياسة الأمريكية.

المراجع العربية:

  1. أحمد يوسف، أحمد وممدوح حمزة (محرران) (2003) صناعة الكراهية في العلاقات العربية-الأمريكية، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.
  2. ايبرلي، دون أي (2003)، المجتمع المدني في القرن الحادي والعشرين، عمان: الأهلية للنشر والتوزيع.
  3. البيومي، سالي سامي (2007)، الحرب على الإرهاب.. كمبرر لانتهاك حقوق الإنسان، السياسة الدولية، العدد167، يناير.
  4. الحمش، منير (2003)، إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي، سلسلة قضايا إستراتيجية (26)، دمشق: المركز العربي للدراسات الإستراتيجية.
  5. عوض، هدى راغب (2005)، الغرب يواجه الإرهاب، السياسة الدولية، العدد162، أكتوبر.
  6. غاديس، جون لويس (2005)، الإستراتيجية الأمريكية الكبرى في الولاية الثانية، شؤون الأوسط، العدد 118، ربيع.
  7. الفواز، علي حسن (2006)، العالم مابعد 11أيلول: صناعة في الرعب أسئلة في المجهول، الحوار المتمدن، العدد1671 تاريخ 12/9/2006. rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=75361
  8. فوك، ريتشارد (2003)، حرب الإرهاب الكبرى، لندن: برانش.
  9. قاسم، أنيس (2001)، النظام السياسي العربي والديمقراطية، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
  10. هيلر، مارك (2005)، النظام الدولي بعد الحرب على العراق، شؤون الأوسط، العدد 118، ربيع.

المراجع الأجنبية:

  1. Americans on Promoting Democracy, The Chicago Council on Foreign Relations (CCFR),The Program on International Policy Attitudes (PIPA), September 29, 2005.
  2. Can Democracy Stop Terrorism?, Foreign Affairs, Sept/October 2005.   Gregory Gause,
  3. Diana Priest, CIA Holds Terror Suspects in Secret Prisons, Washington Post, 2 November 2005.
  4. Hass, Richard N.(2002) Think Tanks and U.S. Foreign Policy : A Policy – Makers Perspective , November.
  5. Jeannie Shawl, Europe rights body endorses rendition report as officials call for legal safeguards, Jurist, 27 June 2006.
  6. Lake, Address to the Johns Hopkins University School of Advanced International Studies in Washington, 21 September 1993, p.6.
  7. Madeleine K. Albright Vin Weber Stephen A. Cook(2005), “In Support of Arab Democracy: Why and How”, Report of an Independent Task Force, Sponsored by the Council on Foreign Relation.

مواقع الانترنت:

  • http://www.whitehouse.gov/news/releases/20040120/01/2004-.7html.

www.annabaa.org.

  • http://www.ccfr.org/publications/opinion/Democratization 20 Sep 2005.
  • http://www.cfr.org/content/publications/attachments/Arab Democracy TF.pdf.
  • http://www.hrw.org/press/11/2001/Torture Q and A.htm.

*  أعلن عنه الرئيس مونرو عام 1823 ويتضمن نقطتين أساسيتين: الأولى: أن الولايات المتحدة لا تسمح بأي تدخل أوروبي في أمريكا تحت شعار “اتركوا أمريكا للأمريكيين”. والنقطة الثانية: أن الولايات المتحدة لن تتدخل في الشؤون الأوروبية.

* – المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان منذ العام 2001، عين كممثل خاص للأمين العام للأمم المتحدة السابق كوفي عنان في العراق، وبعد ثلاثة أشهر من وصوله إلى العراق قتل مع 22 من زملائه في الهجوم الذي تعرض له مقر الأمم المتحدة في بغداد في 19 آب 2003.

[1]البيومي، سالي سامي(2007)، الحرب على الإرهاب.. كمبرر لانتهاك حقوق الإنسان، السياسة الدولية، العدد167، يناير، ص226.

[2] – قاسم، أنيس(2001)، النظام السياسي العربي والديمقراطية، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ص112.

[3] –  Lake, Address to the Johns Hopkins University School of Advanced International Studies in Washington, 21Sept  ember 1993, p.6.

[4] – شبكة النبأ المعلوماتية، الأربعاء 24/9/2003: www.annabaa.org

[5]الفواز، علي حسن (2006)، العالم مابعد 11أيلول: صناعة في الرعب أسئلة في المجهول، الحوار المتمدن، العدد1671 تاريخ

12/9/2006:  www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=75361

[6]أنظر: ايبرلي، دون أي (2003)، المجتمع المدني في القرن الحادي والعشرين، عمان: الأهلية للنشر والتوزيع، ص412.

[7]هيلر، مارك(2005)، النظام الدولي بعد الحرب على العراق، شؤون الأوسط، العدد118، ربيع، ص175.

[8]الحمش، منير (2003)، إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي، سلسلة قضايا إستراتيجية (26)، دمشق: المركز العربي للدراسات الإستراتيجية، ص7.

[9]Americans on Promoting Democracy, The Chicago Council on Foreign Relations (CCFR),The Program on  Inte   rational Policy Attitudes (PIPA), September 29, 2005,p19 .

[10]غاديس، جون لويس (2005)، الإستراتيجية الأمريكية الكبرى في الولاية الثانية، شؤون الأوسط، العدد 118، ربيع، ص184.

[11] –       Hass, Richard (2002) , Think Tanks and U.S. Foreign Policy : A– Makers Perspective Policy Nov. p.

[12] – Madeleine K. Albright Vin Weber Stephen A. Cook, “In Support of Arab Democracy: Why and How“, Report of an Independent Task Force, Sponsored by the Council on Foreign Relation, 2005:                      http://www.cfr.org/content/publications/attachments/Arab Democracy TF.pdf.

[13]Can Democracy Stop Terrorism?, Foreign Affairs, Sept/October 2005.                         F. Gregory Gause,

[14]عوض، هدى راغب (2005)، الغرب يواجه الإرهاب، السياسة الدولية، العدد162، أكتوبر، ص257.

[15] -أنظر:                                                                              http://www.hrw.org/press/11/2001/Torture and A.htm

[16] -أنظر: خطاب الرئيس بوش عن حال الاتحاد في يناير 2004:                                                                                               http://www.whitehouse.gov/news/releases/20040120/01/2004-.7html                                                                   

[17] – انظر: وثائق وشهادات حول السجون الطائرة، صحيفة الثورة، الأربعاء 22/2/2006 ، العدد12941، نقلاً عن   اللوموند، ترجمة: سراب الأسمر.

[18] –                  Diana Priest, CIA Holds Terror Suspects in Secret Prisons, Washington Post, 2 November 2005

[19] –  Jeannie Shawl, Europe rights body endorses rendition report as officials call for legal safeguards, Jurist, 27 June  2006.

[20]إبراهيم، حسين توفيق (2003)، تحليل ردود الأفعال العربية تجاه أحداث أيلول/سبتمبر وتداعياتها، في كتاب: صناعة الكراهية في العلاقات العربية-الأمريكية، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ص334.

[21] فوك، ريتشارد(2003)، حرب الإرهاب الكبرى، لندن: برانش، ص113.

  • تحريرا في 11-9-2017
أضف تعليقك أو رأيك
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق