fbpx
الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

التجنيس الحضاري إشكالية الأنا والأخر : نماذج روائية عرابية

اعداد :  السعيد عزت السعيد أحمد 

باحث ماجستير – قسم العلوم السياسية كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ، جامعة القاهرة

  • المركز الديمقراطي العربي

يمتثل التجنيس الحضاري في فن الرواية إلي ضررة فنية ورمزية ، وهذا صحيح لكن لا يمكن أن يتم قبوله إلي في وجود مجموعة من الأسس أولها تصور العلاقة بين الرجل والمرأة بأنها تقوم على أساس من التساو ، وأنها علاقة تشارك وتكامل وليست علاقة سيطرة وتحكم يبرز فيها كل طرف ذاته المسيطرة باعتباره الاكثر جدارة واستحقاق .

يعتبر التجنيس ضرورة فرضتها الترميز الفني في الرواية ولكن لا يجب أن يغيب عن بالنا أن منطق الرمز هو في نفسه رمز لمنطق ، وبناءا عليه فاختيار الأشخاص في الرواية لا ياتي من قبيل المصادفة بل هناك ضرورة وراء هذا الاختيار وهذا ما سنتناوله بالمناقشة من خلال المقالة .

لقد كانت علاقة الرجل بالمرأة في ظل حضارتنا الابوية  منذ ألوف السنين علاقة اضطهاد وسيطرة تتسم بالطابع الذكورى ، يحاول فيها الرجل إبراز سطوته وهيمنته على المرأة  ، ما انعكس على علاقة الغنسان بالعالم وعلاقته بالغرب فنري نماذج روائية تتناول الإنسان العربي بصفاته الذكورية وكيفية هيمنته على الغرب بصورة جنسية بحته تبرز قدرته وقوته .

فيلجأ المثقف العربي إلي تسوية علاقته بالغرب من خلال رجولته الثقافية شاهرا سيف ذكورته على كتفه ، وهذا ما أشار إليه المفكر جورج طرابيشي في مؤلفه (شرق وغرب :دراسة في أزمة الجنس والحضارة في الرواية العربية ) حيث يقول    “إن عملية المثاقفة بافتراضها وجود طرفين موجب وسالب ، فاعل ومفتعل تطرح نفسها على الفور كعملية ذات حدين مذكر ومؤنث ، ولكن نظرا إلي أن الثقافة الحديثة – نظير القديمة- هي في الإساس والجوهر ثقافة ذكور ، فإن المثاقفة لا توقظ في الطرف المتلقي إحساسا بالدونية المؤنثة بقدر ما تبعث فيه شعورا مرهقا بالخصاء الفكري والعنة الثقافية ”

يتضح لنا مما يقدمه المؤلف جورج طرالبيشي بأن العلاقة بين الشرق والغرب مازالت قابعة في عباءة الثقافة القديمة والتي يسيطر عليها الرجال في حالة من الهيمنة التي تشير إلي تفوقهم على الغرب، إلي أن تلك النظرية باتت غير فاعلة في العصر الحالى ، بعد ما شهده الغرب من ثورة تقدمية مكنته من احتلال الريادة والتفوق في مجالات الأرض والفضاء تاركا الرجل العربي يتغني بذكورته وسطوته على أنثاه العربية ، في حين تمكن الغرب من تحقيق انجازات في شتي المجالات مكنته من تحقيق ساواة عادلة بين الرجل والمرأة على أسس العمل والاجتهاد فبات كل فرد يحصل على فرص متساوية بقدر ما  يبذله من عرق وليس بقدر ما لديه منقدرة جنسية أو قدرة على الهيمنة .

تناول المقالة إشكالية الأنا (الشرقي ) والأخر (الغربي) في الرواية العربية وكيف استطاعت مناقشة تلك الإشكالية ومعالجتها وبالتالي نصيغ مجموعة من التساؤلات التي حاول الرد عليه في المقالة .

  • لماذا الفن الروائي ؟
  • هل لجأت الرواية العربية إلي مد صلات التفاهم بين “الأنا” و”الأخر” ؟ وكيف ؟
  • مدي تأثير لغة العنف في تجسيد إشكالية “الأنا” و”الأخر” ؟
  • هل تشكلت هوية “الأنا” في الخطاب العربي عبر لقاء “الأخر” أم عبر مواجهته ؟
  • هل يمكن الانفتاح على الأخر والحفاظ على الهوية في الوقت نفسه ؟

فن الرواية:

يتمكن فن الرواية عبر إمكانته السردية أن يفضح أوهام الذات ويعبر عما يدور بداخلها من تعقيدات فكرية وشعورية ويتضح ذلك عندما تبقي الأخر حبيس انتماءات ضيقة مذهبية أو عرقية ، كما أنه يمكننا من التغلغل في أعماق الروح الإنسانية ليبرز قدرتها على تخطي الانتماءات الضيقة وايجاد مساحة مشتركة من التفاهم المتبادل بين مختلف الفئات المنتمية وغير المنتمية لشبكة الانتماءات الضيقة التي ينطلق منها في تعامله مع الأخر.

التفاهم بين الأنا والأخر:

لقد عاني الرجل العربي قبل المراة صدمة اللقاء بالاخر والتي هي صدمة الحداثة ، فالرجل العربي سافر قبل المرأة العربية إلي الغرب سواء في البعثات التعليمية أو الرحلات الخارجية ، الامرالذي انعكس على شخصيته مما سبب له خلخلة في مجموعته الفكرية والعقائدية والثقافية التي يتبناها ، فهو يري الغرب المتحرر يتيح للمرأة العمل إلي جانب المرأة ، كما يراها في مشاهد أخري تتحرر تماما فترقص مع رجل غريب وزوجها واقف إلي جانبها لاتبدي عليه أي علامات الغيرة أو الضيق ، على العكس من فورة الرجل الشرقي التي قد تدفعه إلي قتله لو تمثل المشهد مع زوجته أو إحدي قريباته .

وبالتالي عاد الرجل الشرقي إلي وطنه يحمنل كركبته الفكرية ويجر معه ذيول الرغبة في التحرر ، ولكن تبقي العوائق أمامه كثيرة لا يمكنه التخلص منها بسهولة ، وبمرور الوقت وتعدد الخبرات استطاع الشرق أن ينهض ولو بالقدر اليسير عندما مد جسور التفاهم بينه وبين الغرب من خلال الاحتكاك والتبادلات الثقافية التي مكنته من تحقيق تقدم في ميادين عدي على المستوي الاجتماعي والثقافي ، إلا أننا لا يمكننا أن نجزم بأنه وصل إلي مرتبة الرجل الغربي ، فمازالت الترسبات الشرقية كامنة في عقله مهما حاول إبداء غير ذلك من قيم التحرر[1] .

بدرجة كبيرة تحقق قدر كبير من التفاهم بين الانا “الشرقي” والأخر “الغربي” وهذا ما صورته العديد من الروايات العربية  فعلى سبيل المثال في رواية “خارطة حب” للكاتبة المصرية “أهداف يوسف ” استطاعت أن تبرز هذا التفاهم من خلال علاقة الزواج بين ” أنا” الانجليزية و “عمر” المصري بالغم من الفترة الزمنية التي تتناولها الرواية واستعمار بريطانيا لمصر إلا أنها رأت بأن الحداثة وقيم التقدم لن تتأتي إلا من خلال نبذ حالة الحرب والعمل على مد جحسور التواصل والتفاهم حتي يعم السلام ، قس على ذلك العديد من الروايات العربية التي تناولت أفكار مماثلة مدت جذور التواصل والتفاهم من خلال الزواج أو حتي الهجرة أو العمل بالخارج وتصوير الحياة الغربية وكيفية إيجاد مساحة أفضل للتفاهم والتحاور .

لغة العنف وتأثيرها على علاقة الأنا بالأخر:

كلما ازدادت ثقافة تمكنت من خلق مسارات أفضل للتفاهم ونبذ العنف بصورة تمكن من التحاور والبحث عن فرص أكبر للتعاون بدلا من العنف ونبذ الأخر ، وهذا ما حققته المجتمعات الغربية التي استطاعت أن تتفوق ثقافيا ووبالتالي نهضت حضاريا ، لتنبذ العنف وتصبح حضارتها أقل دموية من الشرق تالغارق في دمائه ، إلا أننا لا يمكننا أن ننكر أن علاقة الانا بالأخر أصبحت أقل عنفا من ذي قبل ، وتمكنت الرواية العربية من صياغة نماذج متعددة تمكنت من مد جسور التفاهم بينها وبين الأخر كما في رواية “حجول من شوك” للكاتبة السودانية “بثينة خضر مكي” والتي هاجرت من بلدها السودان لتعيش بدولة أجنبية إلا أنها تمكنت من العيش بعيدا عن العنف واستطاعت البحث عن فرص أكثر للتسامح والتواصل ، أيضا في رواية ” اليهودي ” الحالي للكاتب اليمني “على المقري” نجد ينبذ العنف في قضية بالغة الأهمية ألا وهي العلاقة بين الأخر اليهودي والتي تعتبر إشكالية منفردة لما تشهده الساحة العربية من صراعات مع الأخر اليهودي إلا أنه تمكن من إضاءة بصيص أمل نتمكن من خلاله إلي تفهم الأخر ونبذ العنف .

عملية تشكيل الأنا:

الإنغلاق لا يصنع حضارة ، ولا ينمي ذات بل على العكس يقبع الذات ويعفنها فلا تصبح قادرة على التطور ومواكبة الحاضر ، لذلك لابد من الاحتكاك والتبادل مع الأخر بما يمكن من التطور ، وبناءا عليه تتشكل الذات بعيدا عن التشوهات الفكرية والثقافية ، هنا يمكننا أن نلاحظ بأن الذات العربية ذات رحبة تمكنت من تشرب الحضارة نظرا لعراقتها وتاريخها الضارب في الجذور بالرغم من عصور الظلام التي تعيشها إلا أنا استطاعت أن تجد لنفسها بصيص أمل  يمكنها من وضع خطاها على طريق التقدم ، لكن لا يمكننا أن ننكر بان الانا العربية تشكلت عن طريق التفاهم فقط مع الأخر بل كانت المواجهة أيضا عاملا من عوامل نضجها ، ففكرة المتلقي السلبي تقضي على الانا فتنسخها وتحيلها إلي مسخة من الأخر لا تمتلك هويتها الخاصة ولا كينونتها الفريدة لذلك كانت المواجهة عاملا حاسما من عوامل تشكيل الانا العربي .

ختاما:

شهدت الفترة الاخيرة عملية تشويه للانا العربية والاخر الغربي بعد بزوغ شيطان الإرهاب على الساحة العربية بما يهدد بالقضاء على الاخضر واليابس ، فلم تسلم منه دولة عربية ولا غربية ، وهو وليد التشوهات الفكرية التي لم تتمكن الانا العربية من التخلص منها ودعمتها الفجوة الثقافية بينها وبين الأخر الغربي الذي استطاع تصدير التخلف إلي الدول العربية فلا تنهض من مكانها وجعلها في سلة المتلقي السلبي غير القادر على إيقاف فيض المعلومات والتكنولوجيا المتسرب إليه ، فأصبحت الأنا العربية مشوهة تائهة تبحث عن ذاتها وسط عدة هويات متضاربة وبالية فما بين التعصب والتخلى بات فريق من المثقفين العرب لا يعير فكرة الهوية أية اهتمام بعدما أصبحت وصمة عار ومنذر بالإرهاب .

يتوجب على المثقفين العرب أن يكونوا أكثؤر يقظة في التلقي ، وأكثر احترافية في بذر الأفكار الخلاقة التي تمكن من النهوض بمجتماعاتهم على أساس من الندية مع الاخر تكفله حضارتنا العريقة وقيمنا السامية التي باتت محض خوف وتهديد للعالم أجمع .

قائمة المراجع :

1-د.ماجدة حمود “إشكالية الأنا والأخر” ، سلسلة عالم المعرفة ، 2003 .

2-د.ذكي نجيب محمود “مفترق الطرق” ، دار الشروق، القاهرة ، بيروت ، ط2 ، 1993 .

3-أمين معلوف ، “الهويات القاتلة” ترجمة د.نبيل محسن،دار مورد ، دمشق ،ط1 ،1999 .

4-دونى كوش “مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية” ترجمة د.قاسم مقداد ، اتحاد الكتاب العرب ، دمشق 2003 .

5- عبدالله إبراهيم “المركزية الغربية” المركز الثقافي ،بيروت ، الدار البيضاء ، 1997 .

ثابت مكاوي “إشكالية العقل العربي بين الذات والاخر ، والأخر الجديد ” ، دار الطليعة ، 1998 .

6-أهداف سويف “خارطة حب” ترجمة فاطمة موسي ، مكتبة الاسرة ، القاهرة ، 2003 .

7- جورج طرابيشي “شرق وغرب ..رجولة وأنوثة” دراسات في أزمة الجنس والحضارة في الرواية العربية ، دار الطليعة ، 1977

8-أنا ماري شيمل ، “الشرق والغرب” ترجمة عبدالسلام حيدر، المجلس الاعلى للثقافة ، ط1 .

9-بثينة خضر مكي “حجول من شوك” ، دار سدرة ، الخرطوم ، 2004 .

10-على المقري “اليهودى الحالي” دار الساقي ،بيروت ، 2011 .

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق