الشرق الأوسطعاجل

هل يمكن التعبير عن العالَم الاجتماعي بمعادلات رياضية؟

بقلم : بابلو  جينسن

بابلو جينسن هو مدير بحث بالمركز الوطني للبحث العلمي بفرنسا (CNRS)،عضو مختبر الفيزياء UMR CNRS 5672 بالمدرسة العليا للأساتذة، ليون.بعد نمذجته للمادة،يكرس جهوده لدراسة المنظومات الاجتماعية بتعاون مع مهندي المعلوميات والباحثين في العلوم الاجتماعية.  (pablo.jensen@ens-lyon.fr)

ترجمة : مصطفى شقيب -كاتب ومترجم من المغرب 

  • المركز الديمقراطي العربي

النمو الاقتصادي، تصنيفات المدارس الثانوية والجامعات، الإعلانات على شبكة الانترنت: يتزايد التعبير عن أفعالنا بالأرقام، بالمعادلات، من أجل قيادة سلوكنا أو التنبؤ به.

البيانات الضخمة  big data، هذه الآثار الرقمية التي ننتجها باستمرار، هل ستتيح لنا إنشاء علم جديد للمجتمع، بذات “كفاءة” العلوم الطبيعة؟ لقد اعتمدت على ممارستي لكل من الفيزياء والعلوم الاجتماعية من أجل تحليل دقيق لكثير من الحالات الملموسة للقياس الكمي لأنشطتنا، وذلك بمقارنتها بالتطبيق الناجح للرياضيات في الفيزياء.

ومنذ بضع سنوات، كانت هناك محاولات عديدة لعلماء الفيزياء والمعلوميات، وللمهندسين، الذين من خلال تسلّحهم بأدوات الرياضيات، سعوا إلى  إنشاء علم  للمجتمع من خلال استخدام الوابل الجديد  للبيانات الاجتماعية. وقصد الحكم على هذه المقاربات، يجب أولا أن نفهم مصدر شرعية علوم الطبيعة.

  • Jensen P., 2018, Pourquoi la société ne se laisse pas mettre en équations, Paris : Le Seuil, Coll. Science ouverte.

ترويض النمر

منذ زمن طويل،بيّن المؤرخون وعلماء الاجتماع والفلاسفة أن العلوم الطبيعية تبني،وفقاً للعبارة السعيدة لألان ديروزيير Alain Desrosières أشياء  ” تثبت “، بالمعنى الثلاثي للتالي: “التي هي صلبة” في مواجهة اعتراضات الزملاء، التي “تثبت بينها”، ببناء معارف متسقة” التي تُثَبت الرجال”، بإتاحة موافقتهم. وهكذا، نجح علماء المناخ في خلق ارض افتراضية حقيقية، معيدين نسخ غلافها الجوى المعقد بشكل واقعي من أجل التمكّن بتنبؤات تتسم بالثبات أمام المصالح المتضاربة القوية.

التحليل المفصل لممارسات الباحثين – دراسة غاليلي لسقوط الأجسام، أو  “الاكتشاف” البطيء للذرات- مكّن من إدراك ضرورة نقل الواقع إلى المختبرات من اجل إنشاء “جزر ثبات= îlots de stabilité (مصطلح في الفيزياء النووية)”،تتمتع بقابلية النسخ  من طرف الزملاء، لجعل الرياضيات متلائمة. بمعنى ما، يتوجب على العلماء «تدجين” الواقع، كما يجب على المروضين تحويل النمر المتوحش القفّاز في الغابة إلى نمر أسير، لا يقوم إلا ببعض القفزات من بين تلك القفزات الممكنة للنمر المتوحش، ولكن بطريقة قابلة للنسخ.

وهذه الصورة تشيد بابتكارية عمل الباحثين، الذين لا يقتصرون على “اكتشاف” تنسيق العالم. كما أنها تسمح باستعادة الاستمرارية والغيرية بين العالَم فضلا عن النتائج العلمية. الاستمرارية، لان النمر  هو فعلا من يقفز في قفصه، وليس كائنا مبتَكَراً يمكننا التلاعب به كيفما شئنا – لا يمكن اختزال الوقائع العلمية في بناءات اجتماعية حيث لا تؤدي الطبيعة أي دور.والغيرية، لأننا لن نتمكن من جعل النمر المتوحش يؤدي قفزات تحت أضواء السيرك…يمكننا القول دائما أنه كان من طبيعة النمر أن يقبل ترويضه، ولكن في إطار استذكاري ودون يقين: من المرجح أن النمر، في كثير من الأحيان، يحلم بالعودة للقفز في الأدغال…

الصياغة الرمزية بكل الوسائل؟

CC Pixabay Clker-Free-Vector-Images

بتزوّدنا بهذه الابستمولوجيا الواقعية المستلهَمة من الممارسات الفعلية للباحثين، يمكننا فهم قوى وحدود  القياس الكمّي للمجتمع. وهكذا، يعمل هذا الوابل الحديث من البيانات الرقمية  على إيهام  بعض ممارسي النمذجة، الذين يريدون استنساخ المجتمع في الحاسوب. فمثلا،كان يعلن مشروع المحاكاة projet FuturICT  :” عدد كبير من المشاكل الحالية،الأزمة المالية،عدم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، والحروب، والأوبئة، ترتبط بالسلوكيات البشرية، ولكن هناك انعدام فهم  جدي للطريقة التي يعمل بها المجتمع والاقتصاد.  ] بالجمع بين نظرية التعقيد وتحليل البيانات الاجتماعية [ سيطور هذا المشروع مقاربة علمية وتكنولوجية جديدة من أجل حكم مستقبلنا “. واستطاع هذا المشروع أن يكون على قائمة المرشحين الستة النهائيين للحصول على تمويل أوروبي قدره مليار يورو. وهذه حالة قصوى لمقاربةٍ في ازدهار متواصل: إنشاء الشركات الافتراضية من أجل فهم أفضل للمجتمعات الواقعية وتوجيه القرار السياسي.

وفى مشروع آخر،  WorkSim، يطمح العلماء إلى القياس الكمي لأثر قانون العمل المسمى قانون الخمري  (2016)، ” ببناء سوق شغل على قياس 1/4700.وفى مشروع آخر،تقوم فرق من علماء الفيزياء والأوبئة بنمذجة خطر الأوبئة العالمية.وقد تبيّن أن فكرة صنع عوالم افتراضية هي فعلا مثمرة في العلوم الطبيعية، على غرار المناخ، أو “البُوتقات” الافتراضية التي تتيح استكشاف – سريع ومنعدم التكلفة تقريبا –  خواص المواد الأصلية استنادا إلى القوانين التي تحكم الذرات.

وتتيح المقارنة بين النمذجة الطبيعية والاجتماعية لنا فهماً أفضل لأصل هشاشة هذه الأخيرة: العدد الكبير من العلاقات المتلائمة، التي تمتد في المكان والزمان، عدم ثباتها،انعكاسية البشر … وهذا يمنع إنشاء جزر الثبات التي تستمد منها عملية الصياغة الرمزية فعاليتها. فبدون هذه، يشبه استخدام الرياضيات محاولة إمداد منزل بالمياه عن طريق ربطه، بواسطة أنبوب صلب جدا، بخزّان… شبه فارغ.

ولكن الشركات الافتراضية لا تمثل سوى مقاربة من بين أخرى للصياغة الرمزية والقياس الكمي للأنشطة الاجتماعية. فمنذ القرن التاسع عشر وتقنيات التحليل الإحصائي تتيح ربط الأسباب والآثار، وإخلاء المسؤوليات والتدخل.

كيف يمكن القول، كما قامت به في عام 2016    الوكالة الصحة العمومية بفرنسا، أن الجسيمات الدقيقة” تقتل 48 000 شخص في فرنسا سنويا “، في حين أن أيّا من هذه الوفيات غير قابل للملاحظة المباشرة؟ من أجل فصل مختلف الأسباب الممكنة لظاهرة ما، وجعل ظواهر متفشية مرئية، أو خصّ آثار بقرار محدّد، ابتكر علماء الإحصاء تقنيات تتيح مبدئيا  تقييم اثر  سبب ما “مع بقاء العوامل الأخرى ثابتة”. ومن أجل ذلك، يجب الحصول على البيانات في العديد من المدن، وتوضيح الفروق في معدل الوفيات بسبب اختلاف هذه العوامل. فمن خلال عدد من الفرضيات، المخفية غالبا في قلب الصياغة الرمزية، ستجد الترسانة الرياضية العوامل التي تُطلع على نحو أفضل على البيانات.

نفس المقاربة تتيح وضع التمييز في الأجور إزاء النساء، وإعادة إنتاج الفوارق المدرسية أو الأثر الايجابي لنظام عمل 35  ساعة على الشغل.ففي كل هذه المواضيع، يمكن للصياغة الرمزية أن تساعد على وضع وقائع مهما كان تعقيدها، لتوجيه العمل الحكومي ومواجهة الضغوط القوية.

بيد أن هذه الوقائع، لأجل تعقيدها الكبير، تحول دون تبسيط المناقشة… ولكنها لا تملي السياسة. كما أن العديد من الفرضيات، الضرورية وغير اليقينية أيضا، تجعل هذه النتائج ضعيفة. ووُثوقيتها لا تصدر إلا من مجتمع علمي تعددي، قادر على الانتقاد، والتشكيك في فرضيات وحسابات “الزملاء الأعزاء”.

الأهمية الحالية للخوارزميات التنبؤية باستخدام البيانات الضخمة تجعل من الضروري إجراء مناقشة مفتوحة للنماذج الرياضية المستخدَمة من طرف الخبراء وأيضا من طرف المواطنين. ولا بد بالطبع أن تتكيف الأداة الرياضية مع تعقيد الموضوع، ومع تشابك الأسباب التي تولد معظم الوقائع الاجتماعية. وليس هذا هو الحال دائما في النماذج الأنيقة المقترحة من طرف علماء الفيزياء ، التي تمت صياغتها في الوضوح السببي للمختبرات.

آخر وسيلة لبناء معارف متقاسمة حول المجتمع، تتمثل في تحويل ظاهرة معقدة إلى أرقام.الناتج المحلي الإجمالي، تصنيف مدرسة ثانوية أو عدد الجرائم المعالجَة في دائرة شرطة لا تستقطب من الواقعي سوى بعض الجوانب التي تُعتبر ذات صلة، في محاولة لبناء وجهة نظر “موضوعية”، أبعد من تصورات الجميع. المقارنة المفصّلة ل ”  المحرار المعنوي” (الناتج المحلى الإجمالي) ولمؤشر مماثل صاغه علماء الفيزياء- درجة الحرارة –يتيح فهم كون المؤشرات الفيزيائية  أكثر وُثوقية من المؤشرات الاجتماعية.

سياسة النمذجة

وعلى الصعيد السياسي، جعل الصياغة الرمزية متلائمة من خلال ترويض المادة أو البشر، ليس بالطبع مماثلا. يجب باستمرار تذكير  الباحثين في العلوم الصلبة أن نمذجة الاجتماعي، ليس فقط  تبسيطه من أجل التفسير. النمذجة تعني عموما التموضع  خارج العملية الاجتماعية، في مركز للحساب: المختبر العلمي، الإدارة، واليوم مقاولة للرقمي. بالبناء،  تمثل النماذج أفرادا  موحدي المعايير، ذوي فوائد ثابتة، غير قادرين على التحكم  في الظواهر الجماعية، التي  وحدها أجهزة النمذجة قادرة إلى الوصول إليها. وباستخدام تصوير جيمس ، الأشخاص الذين خضعوا للنمذجة هم،كما في مصنع تايلور( أب التايلورية)، جزيئات جسمٍ دماغه في مكان آخر. وقد يمكننا فهم ذلك: حجم التحولات الاقتصادية والسياسية التي تسببها الثورة الرقمية تتجاوز الإطار العلمي بشكل واسع، داعيا بإلحاح إلى  مناقشة على نطاق واسع  للنماذج الرياضية التي يستخدمها الخبراء، والمواطنون أيضا.

  • تم  النشر  بتاريخ  18/03/2018 – عن موقع (عوالم اجتماعية) MONDES SOCIAUX 

الرابط: https://sms.hypotheses.org/11193

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق