fbpx
الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

مُقاطعة المغاربة لمنتُوجات بعض الشركات: ما يمكن أن نفهمه سوسيولوجيًا

اعداد : المهدي لحمامد – باحث في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا بمعهد الدوحة للدراسات العليا – قطر

  • المركز الديمقراطي العربي

في حملة بدأت قبل أسابيع عبر شبكات التواصل الاجتماعي، تمّت مقاطعة ثلاث شركات مُنتِجة لمواد تُعد الأكثر استهلاكًا بالمغرب، وهي على التوالي، شركة لإنتاج الحليب ومشتقاته تعتبر المهيمن على نسبة كبيرة من إنتاج الصناعات الحليبية بالمغرب، وشركة ثانية للوقود في مِلكية واحدٍ من أغنى السياسيين ورجال المال بالمغرب، ثم شركة أخيرة لإنتاج مياه الشّرب تعود ملكيتها لسيدة أعمال مغربية ترأس مؤسسات رفيعة الشأن بالمغرب.

بعيدًا عن مدى نجاعة مقاطعة المغاربة لمنتوجات هذه الشركات، ومردودها الإيجابي على الحياة الاقتصادية للمواطن المغربي، أو تأثيرها السلبي الفعلي على الشركات المغربية، هناك دلالات سوسيولوجية عميقة كامنة وراءَ فِعل المقاطعة نفسه الذي يقوم به المغاربة هذه الأيام. الأخير يَجري دون كبيرِ متابعةٍ لازمة من الباحثين في مجال العلوم الاجتماعية من حيث دلالاته فيما يتعلق بتحولات الحراك الاجتماعي وآليات الاحتجاج الجديدة، في الوقت الذي يبدو أنه يجري بكثيرٍ من ضغط الدم والأعصاب المشدودة من لدن خبراء المال والأعمال.

ما يجهله/يتجاهله العديد من بارونات الاقتصاد والمال هو أن دورة الإنتاج لا تتم على مستوى البناء التحتي الاقتصادي المحض، بل هي في حقيقتها مجموعُ علاقات اجتماعية، فالسلع والخدمات مثل الأغذية والملابس والمياه والمأوى والمرافق الصحية والكهرباء والرعاية، وما شابه ذلك هي نتاجٌ لعلاقات اجتماعية معقدة تُشارك في إنتاجها وتوزيعها وتداولها واستهلاكها (1)، ولعل هذا ما أظهرت المقاطعة الجارية حاليا بالمغرب صحّته، رغم تهرّب البعض من الاعتراف به.

لَنَا أن ننظُر بداية بشيء من التفصيل الضروري في طبيعة المواد الاستهلاكية التي تم مقاطعتها حصرًا دون غيرها (كمرحلة أولى)، وهي الماء والحليب والوقود:

أولا: الحليب، مادة استهلاكية حيوية، ومنتوج يتم استهلاكه بصفة شبه يومية من طرف الأسر المغربية (أو على الأقل هكذا أريد له أن يكون)، كما أن الحليب يُمثل المادة الخام لصناعة قائمة الذات هي ما يُعرف عادةً بالصناعات الحليبية L’industrie laitière والتي يتم من خلالها انتاج مشتقات كثيرة (يوغورت، روب…) كما أن الحليب ومشتقاته تخضع كلها لكثير من مضاربات العرض والطلب بداية من المنتِج الأساسي (الفلاح والفلاح الصغير) ثم انتهاءً بمقايسات السوق الاستهلاكية المحلية والعالمية.

ثانيا: الوقود، هو الآخر مادة أساسية تمثل القلب النابض لما يقارب مجموع الحركية الاقتصادية في مجمل الأنشطة الاعتيادية لمختلف الأفراد والشركات والمؤسسات، كما أنه مادة أساسية تخضع هي الأخرى لمضاربات عالمية ويتم عبرها استخراج كم هائل من المواد المشتقة (زيوت التشحيم، الديزل، الكيروسين…).

ثالثا: الماء، ما من داعٍ هنا للتفصيل في كون الأخير عنصرً حيوي لا يمكن الاستغناء عنه ناهيك عن استبداله.

يبدو التركيز هنا واضحًا على مواد أولية، أساسية، يومية، وحيوية، تستَبِد بها احتكارات اقتصادية “وطنية” محدّدة، ومن ثُم فِإن فِعل المقاطعة وإن بَدَا عفويًّا فهو في حقيقته موجهٌ، مقصود، وواعي والأكثر من هذا وذاك منطقي وطبيعي لأنه يستهدف المنتجات الأساسية للمواطن (التي لم يحدث أن طالب يومًا بغيرها) فهي كلها مواد أساسية يستهلكها عموم المواطنين ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يستغنوا عنها، كما أنها ليست مواد مُكمِّلة أو زائدة، وأخيرا ليست مواد استهلاكية خاصة بفئات بعينها. ولعل هذا ما جعل فعل المقاطعة يتّسم بقوة ودعم عارِم ساهمت فيه مختلف الفئات الشعبية، فالأمر يتعلّق بالحليب وليس اليوغورت مثلاً، كما يتعلق بالوقود وليس زيوت التشحيم، بالإضافة إلى أنه يرتبط بالماء تحديدا وليس المشروبات الغازية على سبيل المثال.

نوعية الشركات التي تم مقاطعتها ذات دلالة أساسية ومفصلية من الناحية السوسيولوجية كذلك، إذ أن فِعل مقاطعتِها يُظهر سمات الوعي الحسّي لدى المواطن المغربي وذكاء اختياراته، بالنظر لكون المقاطعة موجهّة حصرًا ضد شركات “وطنية” أي أن استثمارها الأساسي محلي وليس دولي، كما أنها ليست شركات توريد أو توزيع عالمية، بل هي شركات انتاج “مغربية”، وبعض الفئات التي تُدير هذه الشركات لها ارتباطات/ارتهانات سياسية محدّدة، بالنظر لِكَون وُلُوجها للحقل السياسي في مرحلة محددة لا يبدو مستقلا عن حاجتها في “التوسع والتّحصُّن” الاقتصادي.

هذا الارتباط بين الاقتصادي والسياسي هو ما حاوَلَت أن تستثمرهُ عكسيّا هذه اللوبيات الاقتصادية ضد حملة المقاطعة، في محاولة إظهارها أن هذه الحملة “خطوة سياسية” من طرف الخصوم ضد “زعامتها السياسية” وليس ضد “احتكاريتها/جشعها الاقتصادي” كما حاول النشطاء إظهارها. وهو منطقٌ يبدو متجاوزًا باستناده على دُوغما كلاسيكية تقوم على فكرة مؤداها أن الدينامية الاجتماعية/الحركية الاجتماعية لا بد أن تستند بالضرورة على تأطير/مرجعية سياسية قد تكون حزبا أو شبكة سياسية منظمة، ولا يمكنها بأي حالٍ من الأحوال أن تنطلق من الأفراد والجماعات المعزولة/المستقلة/العفوية (غير المسيَّسة)! ولعل ذلك ما أثبت النشطاء خطأه أولاً بدفاعهم عن استقلالية الحملة بقوة من خلال منشوراتهم الفيسبوكية، ثم ثانيا بتأكيد عددٍ من الزعامات السياسية (عبد الإله بنكيران مثلا) نفسها على رفضها للطريقة والأسلوب الذي قامت عليه المقاطعة في رسالة تبدو واضحة مفادها أن لا علاقة لها بالمقاطعة لا من قريب أو من بعيد.

إن انطلاق هذه المقاطعة عبر شبكات التواصل الاجتماعي مُمثلة أساسًا في فيسبوك له دلالات أساسية لا يمكن تجاهلها لفهم الدينامية الحالية والمستقبلية للحركات/الحركيات الاجتماعية، ومع أن ذلك ليس بجديد كون فاعلية هذه الشبكات ظهرت بما لا يدع مجالا للشك منذ الأيام الأولى لما عرف بالربيع العربي، فإن المتابعة اليومية والدقيقة للنشطاء في هذه المقاطعة تُظهر أن الميديا (القنوات) الرسمية التي تعتمد منطق الإيصال بدل الاتصال، باتت اليوم عاجزة ومُهملة كمصدر للخبر، بل إنها محل هجوم واستهزاء من طرف روّاد الميديا الجديدة التي عبّر عنها زخم كبير في حملة المقاطعة على مستوى فيسبوك/ يوتيوب باعتبارهما مساحة ديمقراطية تفاوضية اتصالية بديلة، لم يعد مُمكنًا بعد الآن اعتبارها فضاءً يشغله “شبابٌ طائش” يقوم بمغامراته خارج العالم، أو يقوم فقط بزوبعاتٍ في كأس،ـ لا تأثير لها على دينامية الحياة اليومية، ذلك أنه يكفي أن تتم “عقْلنَة/ توجيه” هذه “الزوبعات” حتى تصبح خطراً حقيقيا يتهدد كل ما يعتبره المواطن مصدر أذىً له.

إن الحركية الجديدة داخل شبكات الميديا الرقمية التي لا تقوم حصرًا على حَمَلات الإشهار المدفوع من طرف الشركات لغرض الدعاية كما هو الحال في نموذج الميديا الاتصالي التقليدي (الراديو، التلفزيون…)، وإنما على شبكات جديدة (فيسبوك، يوتيوب…) بنفس الطريقة التي قد تستثمرها الشركات لغرض الدعاية، قد يستثمرها المستهلك/المستعمل لشنّ حملاتٍ عكسية مُضادة ضد الغلاء أو انتقاد الجودة أو حتى المقاطعة في إطار ما يمكن تسميته بـ feedback  active (تغذية راجعة حيّة) أي أنها تفاعُل من طرف المستهلك يقوم على إحداثِ تأثيرٍ فعلي على المُنتِج نفسه.

لم يمنع انطلاق المقاطعة رقميا عبر فيسبوك من أن تكون لها فاعلية مرئية ملموسة في الحياة الاقتصادية الاجتماعية، وهو ما شاهده المواطن عن كثب في المنشورات والفيديوهات اليومية التي تعرِض تغيّرا في استهلاك منتجات محددة دون غيرها، وقد يزيدُ بشكل غير مسبوق من فاعليتها مستقبلاً إِحداثها لتغيّرات ملحوظة في الأثمِنة مع استمرار المقاطعة، ولعل هذا ما يبدو أن الفاعلين الاقتصاديين يدركون جيدا خطره على العائد الاقتصادي للشركات.

تقتضي العادة أن تنطلق الاحتجاجات ضد الغلاء من خلال مظاهرات أو مسيرات وما إلى ذلك من التعبيرات الاحتجاجية “التقليدية” حتى تكون بالفعل محّل انتباهٍ للجميع، إلا أن ما يجري اليوم في غفلةٍ عن جلّ المتابعين هو أن تناقضات/إشكالات الواقع الاجتماعي والاقتصادي يتم نقلها والتفاوض بشأنها وابتكار أساليب احتجاجية ضدها بشكل مباشر من خلال الشبكات الالكترونية حيث تَقِلّ الرقابة المباشرة للدولة (خصوصا ذات الطبيعة التسلطية)، وحيث تتعدد الخيارات الاحتجاجية، وتسهُل إمكانات التواصل الفعال والايجابي بين النشطاء، وكذا سهولة إيجاد قاعدة شبه جاهزة من المتضامنين المتحمسين والمتفاعلين بشكل آني وسريع.

ذلك ما عبّرت عنه جليًّا المقاطعة من خلال تحديد النشطاء في شبكات التواصل الإلكتروني لِنَوعيتها، والشركات المستهدفة بها، وأساليب التعبئة لها (رسوم، كاريكاتيرات، فيديوهات، طرولز…) ثم متابعة مستجدّاتها اليومية، والإشراف عليها عبر صفحات بأعداد كبير من المتابعين قامت بشنّ حملات داعمة للمقاطعة، ومهاجمة كل من اعتبرته ضدها، وهو ما يُظهر من الناحية السوسيولوجية أن حديث عالم الاجتماع الاسباني مانويل كاستلز (2)  عمّا يعتبره نموذج اتصال جديد في إطار حركات اجتماعية جديدة تجري في سياق عولمة ليس مجرّد صرخةٍ في واد، بل إنه واقع فعلي يتحقّق يومًا بعد يوم، ويمكن تلمّسه حتى في أبسط تفاصيل هذه المقاطعة.

من التعبيرات السوسيولوجية ذات الدلالة المهمة في اعتقادي التي أظهرتها هذه المقاطعة كذلك هي أن الرابط الاجتماعي Le lien social والتضامنات بالمجتمع المغربي لا تزال قوية بالشكل الذي لم تَنَل منه التحولات الجارية على كل الأصعدة اقتصاديا واجتماعيا وأيديولوجيا، على خلاف ما هو الحال في بعض مجتمعات المتروبول الاقتصادي، التي يصعب تصوّر قيام مثل هذا النموذج من المقاطعة بها، وهو ما يخبرنا به تاريخ المقاطعات عبر العالم (The history of boycotts) التي لم تشهد حركة مقاطعة حديثة انطلقت من الانترنت بهذه العفوية دون فاعل سياسي مؤطر، وموجهة لثلاث مواد أساسية دفعة واحدة(3)،  وهو ما يُؤشر على مسألة بالغة الأهمية.

تتمثل الأخيرة في أن هيمنة الفردانية والاستهلاكية Consumerism في المراكز الرأسمالية بشكل يتجاوز أحيانا المستوى الشعوري إلى اللاشعوري، ثم طبيعة التراصف الطبقي في ظل نمط انتاج تكاد تختفي فيه أي تضامنات آلية/جمعية بسبب دورة الإنتاج القاهرة (نقد/بضاعة/نقد)، يجعل من شبه المستحيل أن تَقوم ناهيك عن أن تنجح مقاطعةٌ لمنتوج معين في هذه النوعية من المجتمعات الاستهلاكية خصوصًا إلا كان منتوجا حيويا، أساسيا وأوّليا (كما أشرنا سابقًا) من قبيل الحليب أو الوقود أو الماء.

وعلى العكس من ذلك فالمجتمع المغربي بطبيعته المزيجة والمركبة التي يتداخل فيها التقليدي بالحديث، وغياب القطيعة التامة بين المدينة والقرية (لا على مستوى الوعي أو الممارسة)، وعدم تجدر وانغراس اقتصاد السوق بالشكل الكافي لإذابة نسيج العلاقات التقليدية السائد، بالإضافة للنِّسب الكبيرة من الشرائح الفقيرة والمتوسطة، جعل هذا المجتمع مؤهّلا أكثر من غيره للمضي قُدما في المقاطعة، ذلك أنه بالفعل مجتمع قد تنطبق عليه نظرية محدودية الموارد من حيث أنه مجتمع ندرة يرى فيه المواطن أن الخيرات المادية سريعة النفاذ خصوصًا في أوقات معينة (الأعياد، المناسبات…) لكنه في المقابل يستطيع أن يستغني عنها في حال اضطُر لذلك (نتذكر هنا وقائع تاريخية تتعلق مثلا بتوقّف تصنيع “الخميرة” المستخدمة في العجين وإيجاد المرأة المغربية لبديل لذلك، واستخدام تَحلاّوت/معجون تمور كبديل للتحليّة بعد توقّف إيراد السكر بالأسواق المغربية في مرحلة من المراحل).

لعل هذا ما تبرزه أساليب الاحتجاج المُعتمدة من طرف بعض النشطاء والتي جاء بعضها بشكل هزلي، إذ تم استحضارٍ المجبنة/المقشدة/المحلبة كبديل عن الشركات المصنِّعة للحليب مثلا، ولوَّح بعضهم بإمكانية جلب الحليب من البادية بدل شرائه من الشركات، ما يعني أن الإطار الذهني المرجعي المُنظِّم لتصور/تمثّل المواطن المغربي عن الحليب لا يقوم على مرجعية استهلاكية ترى في الشركة المصنعة المصْدَر الممكن والوحيد للحصول على الحليب، بل يستند لتصور يرى في منبعه الأساسي بالقرية/البقرة/الفلاح الصغير المصدر الأساسي له… والحليب بهذا المعنى لا يكتسب معناه بالنسبة للمغربي في لحظة انسداده داخل علب تلفيف مقوى أو كيس بلاستيكي بعد عملية تصنيع مُطوّلة، وإنما في لحظة جلبِه من مصدره الأساسي الذي لا يحُول دونه إلا مقدارُ الوقت والجهد الضروري لذلك.

مع أن هناك مبرّرات موضوعية لسلوك المقاطعة تتعلّق بارتفاع الأسعار بالمقارنة مع تدهور الأجور وتراجع القدرة الشرائية للمواطن، فإن هذا الإطار الرمزي الذي يبدو أنه كان حاضرا على مستوى اللاشعور الفردي والجماعي لبعض المقاطعين شكّل مصدرًا قوّة، وقد ساهمت فيه أيضًا الفئات العريضة من الشباب التي تُميز الديمغرافيا المغربية، وارتفاع استعمالات الانترنت وولوجيته، ثم ارتفاع معدلات استعمال شبكات التواصل الاجتماعي للتعبير عن قضايا تمس الواقع المعيش.

إن الوقوف على آليات تعاطي بعض هذه المقاولات مع المقاطعة يُظهر من الناحية السوسيولوجية استحضارًا لخطاب وَطْنَوِي (مغالٍ في الوطنية) من طرف الفاعلين الاقتصاديين يحاول أن يربط الاستهلاك بالمواطنة، ويُظهر كذلك اعتمادًا على تحويل الشركات، ومجموع علاقاتها مع محيطها الاقتصادي الذي يُفترض أن يخضع لتنظيم علمي للعمل ولبيروقراطية صارمة تديرها وحدات الموارد البشرية، إلى مجرد نسيجٍ/كيانٍ تقليدي من العلاقات القرابية والأسرية القابلة للتأثر لمجردّ مقاطعة منتوجاتٍ بعينها، وذلك بدل الوقوف على مكمن الإشكالية ومعالجتها اقتصاديا، وهو ما يُظهر أن الشركة/المقاولة المغربية تقوم عن شراء ولاء (Loyalty) المواطن على نمط الخطاطة التقليدية للشيخ والمريد التي تحدَّث عنها الباحث الأنثربولوجي عبد الله حمودي(4)، وليس نمط اكتسابِ رضى (Satisfaction) العميل من خلال حلول اقتصادية ناجعة كما يُفترض في المقاولات والشركات أن تَفعل.

إن ما ينبغي الإشارة إليه أخيرًا من الناحية السوسيولوجية، هو أن جل المواطنين لا يحسون بالنجاح الاقتصادي للمقاولات والشركات في حياتهم اليومية لغياب انتفاعٍ مباشر من خيراتها، اللهم عبْر تلك الحملات الاشهارية الموجهة لهم والمُتفنّن في اعدادها عبر استثمار الثقافة السائدة بشتى أشكالها، أو عبر الأضرار البيئية التي تعانيها الطبيعة والساكنة مع كلّ توسع تحققه هذه المقاولات، وهو ما يزيد من سخط المواطن على نجاحاتها التي يَراها سببا في معاناته، وذلك في إطار علاقةٍ صِفرية الرابح فيها لا يمكن إلا أن يكون على حساب خاسِر.

كما تتطلّب هذه المقاطعة مساءلة عُنصرٍ أساسي يتعلق بالمسؤولية الاجتماعية لهذه الشركات التي تقتضي قبل كل شيء مراعاة الحاجات الأساسية للمواطن بعيدًا عن كلّ تغوّل مضارباتي لا يأخذ بالاعتبار حسابات القُدرة الشرائية للمواطن البسيط، فَكَمَا أنه ليس أخطر بالنسبة للاقتصاد من أن يتم خَنْقُه من طرف المواطن اجتماعيًا، فإنه ليس أخطر كذلك من الناحية الاجتماعية أن يتم خنق المواطِن اقتصاديًا، وهو ما يقتضي تعاقدًا قانونيا واجتماعيا وسياسيا فعّالا يُمكِّن من الانتفاع الاقتصادي للشركات بالموازاة مع الرخاء الاجتماعي للمواطن وليس على حِسابه.

لائحة المراجع:

1- G. Carrier, James. A Handbook of Economic Anthropology. Cheltenham: Edward Elgar Publishing, 2005. p 81

2- Castells, Manuel. Networks of Outrage and Hope: Social Movements in the Internet Age. Cambridge: Polity Press, 2015

3- أنظر في هذا الاتجاه:

http://www.ethicalconsumer.org/boycotts/successfulboycotts.aspx

http://fightpp.org/projects/cfp-boycott/history

4- حمودي، عبد الله. الشيخ والمريد، ترجمة عبد المجيد جحفة. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2014.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق