الدراسات البحثيةالعلاقات الدولية

النظرية العامة للعلاقات الدولية

اعداد : أ. محمد ثابت حسنين – باحث فى العلوم السياسية

  • المركز الديمقراطي العربي

 

تقديم:

تعد العلاقات الدولية فرع من فروع العلوم السياسية ، التي تعد بدورها – أى العلوم السياسية – تابعة للعلوم الإجتماعية والتى يحكمها مبدأ – أو إن شئنا – قانون النسبية ، فقواعد و أصول العلوم الإجتماعية لا تخضع إلى المطلق ، فلا توجد حقيقة مطلقة – مسلم بها – فالباحث يبدأ بوضع الفروض للوصول إلى نتيجة معينة ، ثم يقوم بعرضها على الواقع لإثبات مدى صحتها أو خطأها.

وتشتمل تلك الدراسة على النظرية العامة للعلاقات الدولية وذلك على النحو التالى:

القسم الأول : (تعريف النظرية ) ويعني بدراسة وصياغة تعريف محدد للنظرية العامة للعلاقات الدولية بإعتبارها المدخل إلى الدراسة ، وعرض لمجموعة النظريات و المنظورات المقدمة سلفا.

القسم الثاني: (والمعنون بمادة ومنهج علم العلاقات الدولية ) وهو مخصص لإستكشاف مادة البحث ومنهج دراسة علم العلاقات الدولية ، ويعني بدراسة الظواهرالتي تتواجد به ، ومنهجه ، أى العمليات الذهنية التى يستخدمها الباحث لكشف حقيقة الظواهر.

القسم الثالث : ( مفهوم الأساس لعلم العلاقات الدولية ) ويهتم بدراسة المفهوم الذي ينبني عليه علم العلاقات الدولية.

القسم الرابع : ( فكرة جدلية الصراع ) ويهدف لعرض الطبيعة الجدلية للعلاقات الدولية ، وتحديد تعريف للحرب.

القسم الخامس : ( نظرية وحدة السياسة الخارجية) ويسلط الضوء على تفسير الأرتباط المتكامل بين الدبلوماسية والأستراتيجية.

القسم السادس : ( القوة والقدرة) ويناقش التباين فيما بين القوة والقدرة من حيث الأهمية والتفسير.

القسم السابع : ( عوامل القوة في المجال الدولي ) ويركز هذا القسم على تحديد العوامل التى تشكل قوة الدولة في المجال الخارجي وهي على النحو التالى :

أولا : المجال

ثانيا : الموارد الإقتصادية

ثالثا : العنصر البشرى

القسم الثامن : ( الأنساق الدولية ) وقد خصص ذلك القسم للتعريف بالنظرية العامة للأنساق الدولية.

القسم الأول: في تعريف النظرية

مقدمة :

يتحدد دور النظرية العامة للعلاقات الدولية ، عامة ، في مساعدتنا علي تفسير الأحداث الدولية و محاولة التنبؤ بها . والتنبؤ العلمى لا يعني التنبؤ بالغيبيات ؛ ولكنه تنبؤ مشروط ، مضمونه أنه إذا حدث شئ معين ، فإننا نتوقع أن يترتب على ذلك حدوث أشياء أخرى معينة. فعلى سبيل المثال ، تتنبأ النظرية العامة للعلاقات الدولية بأنة إذا حدث و استولت دولة على أحد مناطق العبور ( المرور ) الدولية ؛ فإن ذلك ينذر بأزمة دولية ، و إذا قامت دولة بالهجوم المسلح على إقليم معين لدولة أخرى ؛ فإننا نتوقع نشوب حرب بين الدولتين … إلخ ، والنظرية العلمية تتكون في الأصل مما يلي :

  • 1 – مجموعة من التعريفات تبين بدقة و وضوح ما نعنيه ببعض المصطلحات و المتغيرات.
  • 2 – مجموعة من الأفتراضات تحدد طبيعة البيئة الدولية والظروفات التى تعمل فيها النظرية .
  • 3 – وضع الفروض وهى تمثل تصورات عن مسلسل الأحداث المتوقعة تحت هذة الظروف .

وتلعب الأفتراضات دورا هاما فى النظرية العامة للعلاقات الدولية ، وقد يختلط الأمر على البادئ في دراسة هذة النظرية من كثرة الإقتراضات ويظن بذلك أنها بعيدة عن الواقع . ولكن علينا إدراك أن طبيعة دور الباحث فى العلاقات الدولية أعقد و أصعب كثيرا من دور الباحث المعملى ، فالأخير يستطيع – داخل معمله – التحكم فى ظروف البيئة المحيطة به ، من ضبط لدراجات الحرارة والضغط وما إلى غير ذلك من المتغيرات التى تحيط بتجربته . أما الباحث فى العلاقات الدولية الذى يريد أن يدرس العلاقة بين الدبلوماسية والإستراتيجية ، أو بين القوة والقدرة ، أو بين تنامى قوة الدولة الإقتصادية والعسكرية وبين مركزها ووضعها الدولى ، فإنه لا يستطيع عمليا التحكم فى تأثير العوامل والمتغيرات الأخرى و التى يمكن أن تؤثر فى العلاقة محل الدراسة .و لذلك فهو يلجأ إلى الإفتراضات لتهيئة البيئة المناسبة للتركيز على دراسة العلاقة بين متغيرين أو ثلاثة من بين العديد من المتغيرات الدولية . فالتنظير السياسي مثلا ، يرى وجود علاقة طردية بين الموارد الإقتصادية للدولة والدور الدولى للدولة وذلك فى الحالات العادية ، وهذا صحيح إذا إفترضنا ثبات العوامل الأخرى المشكلة لقوة الدولة .

وعند وضع إفتراضات النظرية العامة للعلاقات الدولية فإنه ينبغى علينا أن نراعى وأن نتفهم المقصود من إدخال هذه الإفتراضات ، وليس من العدل نقد الإفتراضات المبسطة للنظرية على أساس أنها غير واقعية . فعلينا أن نتذكر بإستمرار أن التنظير العلمى هو تجريد للواقع و إبتعاد عنه بعض الشئ . وإذا لم نقم بعملية التجريد هذه ،فإننا لن نضيف شيئا إلى مفهومنا للعلاقات بين المتغيرات الدولية . والنظرية الجيدة هى التى تقوم بعملية التجريد هذه بطريقة فى إكتشاف مثل هذه العلاقات .

1 – تعريف النظرية :- [1]

إن للعلاقات ما بين الوحدات الدولية فى عصرنا جوانب متباينة ؛ سياسية وإقتصادية وإجتماعية وثقافية وغيرها ، وبعضها يقع على مستوى ما بين الدول ، فهى علاقات سياسية بحكم طبيعة أطرافها بينما يقع البعض الآخر منها على مستوى العلاقات الخاصة؛ أى لا تظهر فيها الدول كطرف مباشر وذلك إلى جانب فلا يصح تجاهله من إمتداد لآثار كثير من وقائع الحياة الوطنية و التأثير فيها ، وهذه المجموعة الضخمة من العلاقات المتباينة فى أهدافها و وسائلها ، تشكل مجتمعة مادة علم العلاقات الدولية .[2] و تتنوع و تتداخل الأبعاد الموضوعية والمنهاجية فى مجال دراسة العلاقات الدولية ، فليس هناك إتفاق كامل حول الموضوع أو المحتوى و حول المنهاج. ولقد مر تطور هذه الدراسة منذ بداية القرن العشرين بعدة مراحل وكانت هناك رؤية سائدة عن طبيعة هذة العلاقات فى كل مرحلة من مراحل تطورها ، وهذه الرؤية قد تسمى إطار مرجعيا مشتركا أو مدرسة فكرية أو منظورا يبرز ليسود في ظل أوضاع دولية محددة حين يتضح أنه الأكثر ملائمة لتفسيرها ؛ ولذلك فإن متابعة هذه الإتجاهات التى تعاقبت على دراسة العلاقات الدولية تساعد على فهم كثير من أبعاد التطور فى مجمل العلاقات الدولية .

وقد استخدم دارسو العلاقات الدولية مفهوم المنظور لتصنيف الدراسات الأكاديمية استناداً إلى معيارين : أحدهما موضوعى ومحوره الفروض الأساسية المحددة لخصائص العلاقات الدولية ، والتى بمقتضاها يتشكل الإطار العام للعلاقات الدولية ، والآخر منهاجى ومحوره أساليب إدارة البحث والتحليل ، وهنا المنظور الأكاديمى يعتمد على تحليل وفهم الظاهرة الدولية من ثنايا تحديد خصائص الظاهرة (المادة) ثم تحديد المنج ، أى طبيعة العمليات الذهنية التى ينتهجها الباحث سعيا وراء تلك الظاهرة.[3]

وتتميز نهاية القرن العشرين بتدخل الآبعاد الموضوعية والمنهاجية فى مجال دراسة العلاقات الدولية ، والتى تمخض عنها ظهور اتجاهات مختلفة وصفها البعض بأنها إطار مرجعى ، أو مدرسة فكرية ، منظور ، مناظرات ، إلا أنها تظل بعيدة عن الإتفاق على نظرية عامة للعلاقات الدولية فهذا العلم هو علم ناشئ يحتاج إلى فسحة من الوقت لوضع فروضه موضع التجريب بسبب حداثة تصويرها. و الحق إن شتى الجهود التى بُذلت – حتى يومنا – من جانب الباحثين الأمريكيين ، ومن حذا حذوهم من الغربيين فى إنجلترا أو فرنسا من أجل إرساء أصول عامة لعلم العلاقات الدولية – لا تزال تبدأ كلها من فروض لم تتح لها حداثة هذا العلم الفسحة الزمنية الكافية لكى تحقق تحقيقاً علمياً[4] . وإذا كانت هذه الجهود الأكاديمية قد حققت طفرة هائلة بكل المعايير فى مجال التحليل النظرى المتعمق لخصائص السياسة الدولية سواء ما تعلق من ذلك بالمضمون أو بالأساليب ومناهج البحث ، إلا أن هناك بعض أساتذة العلاقات الدولية ممن يعتقدون أنه من ناحية تاريخية صرفة فإن أكثر المحاولات المبذولة الآن ليست بالجديدة تماماً ، إذ أن لها جذوراً و إمتدادات سبقت فى الماضي فى ذلك الإتجاه وإن لم يكن قد تمخض عنها الشئ الكثير الذى يعتد به[5] .

و يلاحظ أن تطور العلاقات الدولية فى كل فترة زمنية يؤثر تأثيراً كبيراً على فهم وتحليل هذه العلاقات ، لذلك كان من المتصور أن كل منظور جديد للعلاقات الدولية يبرز كرد فعل للإنتقادات التى توجه للمنظور الذى ساد من قبله فى فترة سابقة ، وفى ظل أوضاع دولية مختلفة تطورت على نحو أبرز هذه الإنتقادات ، أو التحديات ، أو التساؤلات حول مدى إطلاقه ، ومدى استمرار صلاحيته لوصف وتفسير الأوضاع الدولية المتطوره ، ومن ثم يتبلور بديل جديد يتحقق حوله قدر من الإتفاق يرقى به إلى مرتبة المنظور السائد[6] . ولقد بدأت الإتجاهات التقليدية فى تحليل العلاقات الدولية منذ بداية القرن العشرين ، بدايةً من مرحلة التاريخ الدبلوماسي ، إلى مرحلة المثالية السياسية فى فترة ما بين الحربين ، إلى مرحلة الواقعية السياسية بعد الحرب العالمية الثانية وحتى منتصف الخمسينيات ، إلى مرحلة السلوكية طوال فترة الستينيات وما بعد السلوكية . وقد سيطر على العلاقات الدولية بعد الحرب العالمية وحتى منتصف الخمسينيات منظور فكرى هو منظور الفوضي الدولية ، و استمر منذ الحرب العالمية الأولى وما زالت روافده حتى الآن . وقد عبر عنه ( مورجانتو وماكيندر وماهان و راتزل ) . وقد سجل هذا المنظور مفهوم الرشد والعقلانية ، وكذلك أنتج هذا المنظور مجموعة مناظرات فكرية أهمها المناظرة بين المثاليين والواقعيين ، وبين الماركسيين وغيرهم .ومع تطور العلاقات الدولية ظهر منظور جديد هو منظور المجتمع العالمى و هو الأكثر إنتشاراً حتى اليوم ، وهو المسئول عن تقديم أهم النظريات والتى أهمها نظرية صنع القرار ، والنظريات السيكولوجية ، ونظرية الأزمات الدولية وقد استمر هذا المنظور حتى منتصف الثمانينات عندما ظهر المنظور العددى . و قد أُدخل المنظور العددى وحدات جديدة فى العلاقات الدولية و أنهى مفهوم وحدانية و رشادة الدولة ، ومن ذلك فيرى الدكتور (جمال زهران ) أن الأفراد الدوليين يعدون أحد وحدات النظام الدولى . وقد أنتج هذا المنظور مجموعة من النظريات تتعلق بالإقتصاد السياسى و السياسة الخارجية ، وكذلك الواقعية الجديدة وقد استمر هذا المنظور حتى بداية التسعينيات من هذا القرن . و فى الفترة التالية للمنظور العددى ظهر منظور فكرى جديد عرف بمنظور ما بعد العلاقات الدولية أو المابعدية فى العلاقات الدولية ، وفى منتصف التسعينيات ظهرت مجموعة كبيرة من النظريات التى تعالج الأوضاع الجديدة فى العلاقات الدولية.

كل هذه المتغيرات الجديدة والتى صاحبت النظام العالمى فى نهاية التسعينيات كان لها تأثيراً كبيراً فى اتجاهات دراسة العلاقات الدولية ، و أظهرت لنا مجموعة من النظريات أهمها :

  • 1 – نظرية المابعدية .
  • 2 – نظرية التجزيئ .
  • 3 – نظرية الإنتشار النووى .
  • 4 – نظرية حقوق الإنسان .
  • 5 – نظرية الإتصال العالمى .
  • 6 – النظرية النسوية .
  • 7 – النظرية البنائية .
  • 8 – نظرية النشاط الإرهابى الدولى .
  • 9 – نظرية التجارة المحرمة .
  • 10 – النظرية الإدراكية .

ثانياً :- الإتجاهات الحديثة :

يبدأ هذا المنظور من فرض فلسفى يرتبط بفلسفة (جون لوك ، و روسو ) و هو أن حالة الطبيعة حالة خيره ، وهناك مصالح تدفع إلى التعاون وليس إلى الصراع ، وقد إنطلقت مجموعة من الفروض لتؤكد بهذا المنظور وهى :

1 – أن الدولة ليست الفاعل الوحيد فى العلاقات الدولية ، فهناك وحدات أخرى ربما تكون أكثر أهمية كالشركات الكبرى ، وشركات عبر البحار ، والمنظمات الدولية ، بالإضافة إلى تلك الوحدات التى تظهر داخل الدولة .

وقد قسم ( جمال زهران ) وحدات النظام العالمى إلى :

أ – الدولة .      ب – المنظمات الدولية .     ج – الأفراد .      د – الشركات العابرة للقارات .     ه – منظمات المجتمع المدنى.

و إرتباطاً برفض هذا المنظور للمنظور السابق عليه ،فإنه يرفض مسمى العلاقات الدولية ويفضل بدلاً منه مسمي النظام العالمى ، والذى توجد فى إطاره أعداد و أشكال متعددة من الوحدات الدولية بخلاف الدولة.

2 – إتساع نطاق وحدات التحليل و أن هناك علاقة بين الأنظمة الداخلية و الخارجية أو ما بين السياسة الداخلية و الخارجية وثمة ترابط بينهما ، خاصة من الناحية الوظيفية ، فالوظائف التى تؤدى فى النظام العالمى تؤدى أيضاً فى النظام الداخلى، كما ذكر ( الموند ) أن الوظائف فى النظام الدولى تتشابه مع ما يتم فى الإطار الداخلى .

3 – هذا المنظور يرفض المنظور التقليدى الذى يرى أن العلاقات الدولية هى مباراة صفرية ، ويرى أنها مكسب لكل الأطراف الدولية و أن الخلافات لا يمكن حسمها بالحرب ، ولكن بالتعاون الذى يحقق المصالح المتبادلة وبالتالى فإن قضية الأمن لم تعد القضي المحورية فى العلاقات الدولية ، فثمة قضايا أخرى كالقضايا الإقتصادية ، والبيئية ، وقضايا التنمية ، وغيرها ، وفضلاً عن ذلك كان هذا المنظور يعتقد أن الدولة كائن تعددى على خلاف المنظور التقليدى الذى كان يرى أن الدولة كائن متجانس موحد.

4 – وأخيراً فقد رفض هذا المنظور مفهوم الرشادة والذى كان يفترض أن الدولة تتحرك فى المحيط الخارجى بناءً على المنفعة التصارعية؛ إلا أن هناك عوامل أخرى تؤثر فى القرار السياسي . وتأسيساً على ما سبقت الإشارة إليه يمكن إيضاح أن الإتجاهات بدأت من الفروض التالية :

أ – التركيز على الإطار العالمى للعلاقات الدولية فالإتجاه المعاصر لا يعنيه قضية الدولة أو اللادولة لأن الذى يؤثر فى التحليل هو الإطار العام للعلاقات الدولية.

ب – تزايد الفاعلين الدوليين فى مختلف المجالات خاصة مع التغيرات التى طرأت على الفكر العالمى وعلى الوضع العالمى ، الذى تتداخل أطرافه وموضوعاته فى شكل علاقات تبادلية التأثير .

ج – تزايد الإهتمام بقضايا الإنسان و إعتباره وحدة أساسية فى التحليل فللم تصبح الدولة هى وحدة التحليل الأولى بل أصبح الإنسان هو الوحدة الأساسية فى التحليل ،خاصة مع التكامل بين ما هو داخلى و خارجى .

ويمكن القول أن الإتجاهات المعاصرة رفضت وحدات ومناهج تحليل العلاقات الدولية السابقة عليها ، و اتجهت إلى توصيف النظام الدولى بوحدات تحليلية جديدة ، و مناهج مختلفة تتناسب مع التغيرات المعاصرة والتى سبق أن أوضحناها . لقد أصبح الإنسان وحدة أساسية فى التحليل بل محور التحليل أيضاً ، وأصبح الإهتمام بالقضايا الإنسانية هو أصل التحليل فى العلاقات الدولية ، وبذلك تكون هذه الإتجاهات قد خرجت على الإتجاه التقليدى ( الذى أرتبط بالدولة والأمن ) ، وخرجت على الإتجاه الحديث ( ذى البعد الإقتصادى ) لتهتم بالإنسان وقضاياه ومشاكله .[7]

القسم الثانى : مادة ومنهج علم العلاقات الدولية

مقدمة :

حتى يتسنى لنا التعرف على علم العلاقات الدولية ، فلابد من التعرف على مادة هذا العلم – أى الظواهر التى يتناولها علم العلاقات الدولية – ومعرفة منهج علم العلاقات الدولية ، أى العمليات الذهنية التى يقوم بها الباحث من جراء محاولة الكشف عن الحقيقة ، وسوف نعرض فيما يلى لمادة ومنهج علم العلاقات الدولية على النحو التالى .

مادة ومنهج علم العلاقات الدولية :

إن دراسة العلاقات الدولية دراسة علمية تجريبية ، تنتمى إلى الدراسات الإجتماعية بحكم طبيعة هذه العلاقات ، ذلك بأن العلاقات الدولية هى علاقات بين وحدات بشرية . وهى تنتمى إلى الدراسية السياسية تحديداً ، ذلك بأن الوحدات البشرية الأطراف فى العلاقات الدولية هى وحدات سياسية ، والتى هى فى عالمنا الحديث ( الدول القومية ) . وحيث تنتهج دراسة العلاقات الدولية منهجاً علمياً تجريبياً فتشكل بذلك علماً تجريبياً ، يتكامل لهذه الدراسة ركنا العلم التجريبى ؛ مادة العلم أى الظواهر التى يتناولها العلم بالتحليل ، ومنهج العلم أى طريقة المعرفة التى يسلكها ، وبطبيعة هذين الركنين يتحدد مكان أى علم من غيره من العلوم . و إرتباطاً بذلك يصنف علم العلاقات الدولية – بحكم مادته – مع علوم السياسة التى تنتمى إلى العلوم الإجتماعية . وعلم العلاقات الدولية يصنف من علوم السياسة تحديداً، نتيجة لمشاركته إياها نفس مفهوم الأساس الذى تدور حوله دراسة هذه العلوم قاطبة ، والذى هو ” مفهوم القوة ” كما سنرى لاحقاً ، من تباين فى الأبعاد تفرضه طبيعة المجال الذى يعمل فيه علم العلاقات الدولية[8] .

التعريف بمادة علم العلاقات الدولية :

      يرد الباحثون المعاصرون جوهر السياسة فى الإنسان إلى مقومين رئيسيين هما : ” علاقة الأمر والطاعة ” و ” علاقة الصديق والعدو ” . ويعد المقوم الأول هو الأصل الذى يرتكز إليه المقوم الثانى ، ذلك بأن علاقة الأمر والطاعة هى التى تستدعى قيام المجتمع السياسى بظاهرته الإجتماعية الخالدة و التى هى ” السلطة السياسية ” ، بينما تستدعى علاقة الصديق والعدو ظاهرة الحرب بين المجتمعات السياسية . واضح – إذاً – أن جوهر السياسة فى الإنسان تؤدى به إلى عالم قوامه علاقات ؛ تميز بين الآمر والمطيع داخل المجتمع ، وتميز بين المجتمعات فيما بينها ، ولكن صور التميز هذه ترتد إلى الطبع السياسى فى الإنسان ، فقد أصطلح على تسميتها بصور التميز السياسى تمييزاً لها عن صور التميز الإجتماعى الأخرى ، كالتميز بالتملك ( نظام الملكية ) ، وكالتميز الطبقى ، وكالتميز بالأبوة ( نظام الأسرة ) ، وهكذا .

ففى شأن علاقة الأمر والطاعة ؛ استدعى الطبع السياسى في الإنسان تميزاً داخل المجتمعات البشرية قاطبة ، و أبدياً بين آمر ومطيع ، وليس من إنسان ما يستطيع أن يفلت فى تلك المجتمعات من الإنتماء إلى أى من الفئتين – آمر أو مطيع – فهو إما أن ينتمى إلى طائفة الذين يأمرون ، و إما أن ينتمى إلى طائفة الذين يطيعون الأوامر – أو إن شئنا – إما أن يكون حاكماً و إما أن يكون محكوماً ، إن إنساناً ما لا يستطيع أن يفلت من عالم السياسة إلى عالم الفراغ السياسى ، ذلك بأن الطبع السياسى يقتضى على الإنسان أن يعيش فى ذلك العالم كحاكم أو كمحكوم ، ولعل أفلاطون ، كان قد فُطن إلى تلك الحقيقة حين عرف   ” السياسة ” بأنها ” علم الأمر ” .

علاقة الصديق والعدو :

وإنبعاثا من الطبع السياسى فى الإنسان – أيضا – تأتى ظاهرة التميز السياسى الثانية ولكنها هذه المرة على مستوى الجماعة البشرية الكبرى . إن التميز بين الأمر والطاعة هو العلاقة الخلاقة للمجتمع السياسى ، وهو الذى يظل يؤيد إنسجام هذا المجتمع و استمراره ، ثم يأتى إرتباطاً بهذا التميز السياسى تميز الصديق والعدو فى المجال العالمى ، بمضمون قوامه تميز بين الوحدات السياسية ( المجتمعات السياسية ) ، وهو تميز يبدأ من أن الأصل لدى كل مجتمع سياسى أن إطاره الجغرافى يمثل بالنسبة لأصحابه ” دار السلام ” و أن ما عداه ” دار الحرب ” ، ومن ثم فإن الأصل فى الأجنبى أنه عدو مالم تقتضي مصلحة المجتمع الوطنى مهادنته ؛ وإنطلاقاً من هذا تعد العلاقات الدولية علاقات قوى قوامها العداء والأرتياب والتشكك[9] .

القسم الثالث: مفهوم الأساس لعلم العلاقات الدولية

تقديم : –

علم العلاقات الدولية شأنه شأن أى علم من العلوم ، يجب أن نحدد مفهوم عام ، يساعدنا على الكشف عن خواص العلاقات الدولية ، وهذه الخواص تعنينا على تفسير وقائع تلك العلاقات . وثمة نظريات عديدة تناولت مفهوم الأساس على النحو التالى :

1 – القوة كمفهوم أساس لعلم العلاقات الدولية :-

      وهذا الرأى يرى أن علم العلاقات الدولية ، ماهو إلا فرع من فروع العلوم السياسية ؛ وذلك أدى فى النهاية إلى نقل مفهوم الأساس من علم السياسة إلى علم العلاقات الدولية ، ومن ثم نقل مفهوم ” السلطة ” من علم السياسة إليه .

2 – البدء من طبيعة جماعة الدول فى مواجهة طبيعة المجتمع السياسى الداخلى:-

ويقوم هذا الإتجاه على أساس أن تحديد مجال علم العلاقات الدولية يتم بطريقتين وهما :

( أ ) تحديد خواص مجال علم العلاقات الدولية فى مواجهة مجال علم السياسة ، ومن ثم تحديد الإختلافات بين علاقات ما فيما بين الجماعات المنظمة تنظيماً سياسياً ( الوحدات السياسية – الدول ) وبين ما عداها من العلاقات الإجتماعية ، و إما البدء من مفاهيم معمول بها فى مجالات أخرى غير العلاقات الدولية ، أى من مفاهيم عامة لا تعنى العلاقات الدولية تحديداً . ولكن أصحاب هذا الإتجاه يروا أن طبيعة البيئة الدولية تختلف عن طبيعة البيئة الداخلية ؛ من كون الأولى تتميز بغياب سلطة عليا ، بينما الثانية يتواجد بها سلطة عليا ، ولذا فإن مفهوم القوة لا يصلح أن يكون مفهوم أساس لهذه العلاقات ، نظرا لتعدد القوى أو إن شئنا تعدد السلطات .

( ب ) يبدأ أصحاب هذا الإتجاه من الواقع الدولى ويرى الأستاذ ” ريموند آرون ” الفرنسي أن المفهوم الرئيس للعلاقات الدولية يتمثل فى ” وحدة السياسة الخارجية ” بوجهيها البديليين الأستراتيجية والدبلوماسية ، تبعاً لما إذا كان ثمة حرب أم سلام . وهى – أى وحدة السياسة الخارجية – تعدد السلطات (مراكز القوى ) وحق كل دولة إلى الألتجاء إلى العنف ( الحرب ) تبعاً لغياب سلطة عليا ؛ أى غياب المجتمع الدولى من الإحتكار الفعلى لأدوات الإكراه المادى وإنما ثمة تنافسية بين وحداته[10] .

القسم الرابع: فكرة جدلية الصراع

تقديم :-

قام ” ريموند آرون ” بنقل فكرة الجدلية عن الفيلسوف الألمانى ” هيجيل ” إلى العلاقات الدولية ، والجدلية عند ” هيجيل ” هى أن كل فكرة تنطوى بداخلها على نقيض لها يتصارعان معاً ، وتنتهى تلك العملية بظهور فكرة جديدة ، والتى بدورها – أى الفكرة الجديدة – تنطوى أيضا على نقيض لها يتصارعان معاً وتفرز بالتبعية فكرة جديدة أخرى ، وهكذا تتواتر تلك العملية دون إنتهاء .

ويرتبط ” آرون ” فى تصويره لفكرة جدلية الصراع فى المجال الدولى كمفهوم من مفاهيم العلاقات الدولية بتعريف ” كلاوز ويتز” للحرب . لقد عرف هذا الأخير – كلاوز ويتز – الحرب بأنها  ” عمل من أعمال العنف نستهدف به إكراه الخصم على تنفيذ إرادتنا ” . ومن ثم فإن الإكراه المادى فى الحرب ، هو الوسيلة وأن الغاية هى فرض الإرادة ؛ غير أن الخصم ليس كتلة ميتة ، و إنما الحرب إصطدام قوتين حيتين ؛ إنى أسعى بالإكراه إلى فرض إراداتى على الخصم فى الوقت الذى يسعى فيه هو الآخر إلى فرض إرادته علي ، ومن هنا فإنى لست سيد نفسى ، ما دام أنه يملى علي إرادته كما أملى عليه إرادتى ، وهذا مؤداه أنه يتعين علي أن أقدر دائماً قوة خصمي الهجومية و قوة إحتماله ( قوته الدفاعية ) حتى أسعى دائماً بقوتي إلى تجاوز قوتيه هاتين ، فذلك هو السبيل الأوحد إلى فرض إرادتى عليه فى النهاية ، غير أنه هو الآخر يسلك نفس المسلك نحوي ، أنه التدبير المتبادل والحساب الدائم لقوى المتخاصمين ، إنها جدلية الصراع فى المجال الدولى ، عند ” ريموند آرون ” الفرنسي[11] .

القسم الخامس: نظرية وحدة السياسة الخارجية

تقديم :-

يبدأ ” ريموند آرون ” صاحب نظرية وحدة السياسة الخارجية ، من فكرتي الحرب و السلام ، ومن ثم الأستراتيجية والدبلوماسية كمفاهيم لنظرية وحدة السياسة الخارجية . لا تنبع السياسة الخارجية لأية دولة من فراغ ، وإنما هى تستهدف حماية مصالح الدولة وتحقيق أهدافها فى الجال الخارجى ، لذلك تعرف السياسة الخارجية للدولة بأنها ” برنامج عمل الدولة فى المجال الخارجى الذى يتضمن الأهداف الخارجية التى تسعى الدولة إلى تحقيقها – والتى تعكس مصالحها الوطنية – فضلاً عن الوسائل اللازمة لتحقيق تلك الأهداف [12] .

والإستراتيجية فى هذا المقام هى الخطة الشاملة التى تشتمل على التصور العام لدى القيادات السياسية فى الدولة عن الأهداف الخارجية للدولة ، وذلك المدلول يختلف عن الإستراتيجية فى المدلول التقليدى والذى يعنى اللجوء إلى القوة المسلحة أو إستخدام العنف فى إطار السياسة الخارجية للدول على نحو ما سيرد تفصيله بعد ذلك .بينما الدبلوماسية هى إدارة العلاقات الدولية عن طريق التفاوض بواسطة المبعوثين الدبلوماسيين ، وهى عند ” آرون ” لا تعدو أن تكون “ فن الإقناع ” .

و إنطلاقا مما سبق يتعين النظر إلى كل من الدبلوماسية والإستراتيجية بإعتبارهما تكونان معاً متصلاً تتحرك على إمتداده الدول ذات المصالح المتعارضة سعياً وراء فرض إرادتها على ما عداها تحقيقاً لمصالحها الوطنية .و الإستراتيجية والدبلوماسية ، وجهان متكاملان لفن السياسة . إن الإستراتيجية و الدبلوماسية ( فى نظرية وحدة السياسة الخارجية ) ليستا إلا الوجهين المتكاملين لفن واحد هو فن السياسة .

إن فن السياسة هو فن إدارة التعامل مع الدول الأخرى على مقتضي المصالح القومية ، وإنه من وحدة السياسة الخارجية تنبثق وحدة من تلك السياسة ، ومن وحدة فن السياسة تأتى فكرة تكامل الإستراتيجية و الدبلوماسية ، فكل منهما يتكامل مع الآخر كمظهر من مظهرى فن السياسة الواحد .[13]

القسم السادس القوة والقدرة[14][i]

تقديم :-

يكاد ويجمع المشتغلون بعلم العلاقات الدولية فى الغرب – على تناول هذه العلاقات بإعتبارها علاقات قوى ، ومن هنا تأتى أهمية تحديد ” القوة ” كنقطة إنطلاق لدراسة علم العلاقات الدولية . إن علاقات القوى فى المجال الدولى هى بالدرجة الأولى علاقات إجتماعية ، ذلك بأن علاقات القوى فى المجال الدولى لا تعنى فى حقيقتها أكثر من علاقات قدرات الدول بما أوتيت من قوة ، ومن ثم علاقات ما بين إرادات تستهدف بقدراتها غايات إجتماعية ( غايات تتمثل بالنظرة الشائعة فى المصلحة القومية ) . وهذه الطبيعة الإجتماعية تعرض – كما قدمنا فى شأن شتى الظواهر الإجتماعية – مفهوم ” القوة ” فى مجالنا للكثير من الخلاف حول مضمونه و أبعاده ، ويزيد من حدة هذا الخلاف أن علم العلاقات الدولية لا يزال علماً ناشئاً ، بل وفى مرحلة الطفولة الأولى .

ففي الغرب يميز الأنجلو سكسون فى المجال الدولى بين القوة والقدرة ، فيرى آرون أن ” القدرة ” كمفهوم من مفاهيم الأساس فى العلاقات الدولية تعنى مقدرة الوحدة السياسية على فرض إراداتها على الوحدات الأخرى ، إنها إذن ” علاقة إنسانية ” ، وهنا يتعين التنبيه إلى أن القدرة فى مجال العلاقات الدولية لا تلتقى تماماً مع القدرة التى تقوم عليها السلطة السياسية داخل الدولة ، ذلك بأن السلطة السياسية – داخل الدولة – لا تعنى مجرد قدرة صاحب السيادة على إكراه أعضاء الجماعة على الإمتثال لاوامره ، وإنما هى تعنى ذلك الإحتكار الشرعى لأسباب القوة ، وهو ما لا يتوافر لقدرة الدولة فى المجال الدولى . إن طبيعة القوة فى الحالتين واحدة ، إنها تمثل فى الحالتين علاقة إنسانية قوامها القدرة على حمل الآخرين على تنفيذ إرادة القادر ، غير أن الإختلاف فى طبيعة البيئة التى تعمل فيها هذه العلاقة فى الحالتين : البيئة الوطنية المستأنسة بعامل الإحتكار الشرعى لأسباب القدرة ، والبيئة الدولية ذات مراكز القوى المتعددة فى غيبة حكم أعلى ، إن هذا الإختلاف فى طبيعة البيئة غير بالضرورة من طبيعة القدرة فى المجال الدولى جاعلاً منها القدرة الفردية الفعلية فى مواجهة قدرات أخرى فردية ، إنها علاقات القوى المتعددة ، بينما السلطة فى المجتمع الداخلى هى علاقات القدرة المحتكرة لعوامل القوة فى مواجهة المجردين منها .

القوة والقدرة فى العربية :-

إن اللفظة العربية “ قوة ” تبدو لنا أقدر بتلفظها على التعبير فى نفس الوقت عن القوة من حيث هى مجموعة عوامل ( القوة العضلية – القوة الذهنية – القوة العسكرية – القوة الإقتصادية ) ، وعن القدرة على استعمال عناصر القوة هذه معاً، فنقول بالعربية علاقات القوى فى المجال الدولى ولا نقول علاقات القدرات فى المجال الدولى ، وكل ما فى الأمر أننا حين نحلل هذه العلاقات نقول : عوامل القوة أى عناصرها و أسبابها ، ونقول ” صراع القوى ” بمعنى الصراع فيما بين القدرات المرتكزة إلى القوة أى القدرات المحركة للقوى المتاحة .

ولنتفق على ذلك مقدماً فى دراستنا للعلاقات الدولية : أن لفظة ” القوة ” فى العربية تعنى – فى العلاقات الدولية – القوة والقدرة معاً ، كما أن العبارة العربية ” علاقات القوى ” تعنى فى هذا المجال : علاقات القادرين على استخدام قواهم المتاحة . إن الذى يملك عناصر القوة ولكن يعجز عن أن يقدر بها على مغالبة غيره ليس قادراً وليس قوياً فى نفس الوقت .

وقصارى القول فى شأن ما تقدم أن ” القوة ” تشكل مفهوم الأساس لعلم العلاقات الدولية فإليها ترتكز سياسات الدول فى المجال الدولى و إياها تستهدف ، وعلى حد تعبير الأستاذ الأمريكى ” مورجنتو ” ” أن السياسة فى المجال الدولى ليست إلا صراع من أجل القوة وهى فى هذا تستوى مع السياسة فى داخل الدولة “، ذلك بأن”  الصراع من أجل القوة هو حقيقة خالدة فى الزمان والمكان” .

القسم السابع  : عوامل القوة فى المجال الدولى

تقديم :-

قد تتحدد قوة الدولة فى المجال الدولى وفقاً لثلاث معطيات ألا وهى المجال والسكان والموارد الإقتصادية ، ولكن تتحدد قوة الدولة على أساس الحتمية النسبية وليس الحتمية المطلقة ، فالعوامل السالفة الذكر تعد بمثابة عوامل مساعدة لتشكيل قوة الدولة ، وليس بالضرورة التحديد المطلق لقوة الدولة ، وذلك لأن هناك عوامل أخرى تؤثر بشكل جزئي فى تكوين قوة الدولة ، والعوامل الإجتماعية ، هى عوامل ” قدرة ” الدولة على تحريك تلك العوامل الطبيعية المتاحة لها ، ومن أظهر هذة العوامل الإجتماعية : الوحدة الوطنية والتقدم الثقافى والتكنولوجى ، وتقدم الوعى القومى و روح التضحية من أجل الوطن ، والمهارة الدبلوماسية والدراية الإستراتيجية .[15]

أولاً :- المجال ( العوامل الجغرافية ) :

تتعرض حياة الجماعات البشرية لتأثير المناخ والإرتفاع والمياة السطحية وخاصة التربات وطبيعة ما تحت التربة اللتين تحددان معالم النبات وحالة المرافق المعدنية . وهى تتوقف كذلك على التسهيلات الترويجية التى هى أكثر ضخامة فى الطرق المائية منها فى الطرق البرية ، فهى إذن تتأثر تأثراً وثيقاً بالوسط الفيزيائي الذى تنشئ بين هذه المجموعات البشرية عاملاً تمييزياً مهماً . لقد مهدت مبادهة ” راتزل ” فى نهاية القرن التاسع عشر ، الطريق إلى دراسة هذه المسائل التى غالباً ما استؤنفت بعد ذلك معطية نتائج هامة . إن تاريخ المجتمعات البشرية سواء ما كان منها بدائياً أو منظماً فى إطار دولة ، لا يمكن قط أن يهمل تفحص الشروط الجغرافية ، وقد سلطت الأنوار مؤخراً على مرمى هذه ” الجغرافية التاريخية ” . إن على دراسة العلاقات الدولية ، سواء انطبقت على العلاقات بين الشعوب أو بين الدول ، أن تأخذ بمزيد من الإعتبار مؤثرات الوسط الفيزيائي هذه ، التى تنفعل دائما بسلوك الشعوب و بالاتصالات التجارية أو السياسية وبسلطان كل دولة . وعندما تجرى محاولة لتحديد قدر هذه المؤثرات وكيفياتها ، يتضح حينذاك أنها خاضعة دائماً لفعل الإنسان الذى عمل على تحديدها : فالجماعات البشرية حاولت الإفلات من المضايقات التى كانت تمليها الظروف الطبيعية عليها .[16]

يعد ” راتزل ” أول من درس علاقات المكان والموقع دراسة أصولية للدول المختلفة وبهذا يعد راتزل مؤسس الجغرافيا السياسية ، ولقد كان راتزل يكتب فى أواخر القرن الماضى تأثراً بالجو العلمى السائد آنذاك ، ولهذا نراه ينظر إلى الجغرافيا السياسية على أنها فرع من فروع العلوم الطبيعية ، ولقد أسس راتزل فكرة المكان على أنها عنصر مؤثر ومتأثر فى ذات الوقت بالصفات السياسية للجماعة التى تسكن المكان ، وأما الموقع فإنه يراه العنصر الذى يصبغ المكان بصفات تجعله دائم الإختلاف عن غيره من الأماكن ومن ثم يصبغ الدولة بصفة مغايرة لغيرها من الدول . لقد تأكد لراتزل من ثنايا الملاحظة أن ثمة علاقة بين خصائص البيئة الجغرافية وبين نوعية حياة الجماعات البشرية ، ومن ثم تنوع الخصائص الطبيعية للبيئة الجغرافية وبين تنوع اساليب حياة الجماعات داخلها وفى علاقاتها فيما بينها . لقد رد كل شئ فى سلوك الجماعات إلى الأرض ومن ثم فسر تلك العلاقة على أساس فكرة ” الحتمية الجغرافية ” متأثراً بفكرة ” الحتمية العلمية ” السائدة فى ذلك الوقت . لقد أكد راتزل أن ثمة تأثيرا للخصائص الطبيعية ( خصائص المناخ ، التضاريس ، التربة ) فى السلوك وبما يهيئ له هذا التأثير من تفاوت بين الوحدات السياسية إلا من حيث نوعية الحياة الإجتماعية فى داخلها فقط ، وإنما كذلك من حيث القوة فى المجال الدولى ، وكذلك فى سياساتها الخارجية[17] . لقد انتهى راتزل من خلال دراسته المقدمة إلى حتمية الجغرافيا السياسية – أو إن شئنا – حتمية الظواهر فى علاقتها بقوة الدولة ، غير أن العلاقة بين القوة فى المجال الدولى من ناحية وبين العوامل الجغرافية من ناحية أخرى علاقة نسبية ، فهى نسبية الظواهر أو الحتمية النسبية وليست الحتمية المطلقة ، وذلك لأن العديد من الدول استطاعت فى الأونة الأخيرة السيطرة على المعطيات الجغرافية وتطويعها لصالح الدولة .

ثانياً :- الموارد الإقتصادية :

       تعد القوة الإقتصادية من أبرز المقومات التى ترتكز إليها القومية للدول ، ومن ثم فهى تشكل بذلك أهم العوامل المكونة لقدرة الدولة فى المجال الدولى .

و قد كان من شأن تلك الأهمية البالغة للقدرة الإقتصادية أن إتخذها بعض المحللين للعلاقات الدولية كمعيار لتصنيف الدول الأعضاء فى النسق الدولى العالمى من حيث تدرج قواها ، وذلك إلى جانب المعيار التقليدى الذى كان منصباً على القدرة الإستراتيجية أو العسكرية للدول بصفة أساسية . ومن هذا المنطلق راح بعض المحللين يتحدثون – مثلاً- عن نسق دولى عالمى متعدد الأقطاب من الوجهة الإقتصادية يسود فى ظل ثنائية الأقطاب فى إطار النسق العالمى من الوجهة الإستراتيجية ، وهو الأمر الذى حذا بالبعض إلى إطلاق تسمية ” القوى العظمى المدنية ” على بعض الدول أو التكتلات الدولية ذات القدرة الإقتصادية الفائقة فى المجال الدولى ، ومن أمثلة هذه الدول والتكتلات ، اليابان ، المانيا ، الجماعة الإقتصادية الأوروبية[18] .

وتعرف الدبلوماسية الإقتصادية بأنها : ” إستراتيجية الإمكانات الإقتصادية المتاحة للدولة بهدف التأثير فى الدول الأخرى من حيث توجهاتها أو سلوكها أو مواقفها على نحو يتفق مع تحقيق الأهداف الخارجية للدولة وحماية مصالحها الوطنية ” .

      وتجدر الإشارة إلى أنه كان ثمة تطبيقات قديمة للدبلوماسية الإقتصادية فى إطار السياسات الخارجية للدول قبل الحرب العالية الثانية – فى إطار النسق متعدد الأقطاب – ومن أمثلة ذلك ما عرف ب “ دبلوماسية الدولار ” التى انتهجتها الولايات المتحدة الأمريكية فى أوائل القرن العشرين ، فى عهد الرئيس الأمريكى ” وليام تانت ” الذى كان يدعو إلى قيام الولايات المتحدة بدور أكثر إيجابية ونشاطاً فى الساحة الدولية ، دعماً لمصالحها ومصالح رعاياها . بيد أن تافت لم يكن من دعاة استخدام القوة العسكرية لتنفيذ هذه السياسة ، و إنما كان يدعو – على حد قوله – إلى ” إحلال الدولار محل الطلقات ” ، أى إلى الإعتماد على الأداة الإقتصادية كأداة للتأثير وبسط النفوذ ، حيث كان يرى أن ” السيطرة السياسية تأتى كنتيجة تلقائية للسيطرة الإقتصادية ” ، فعن طريق سيطرة رؤوس الأموال الأمريكية من خلال الإستثمارات الأمريكية فى الدول الضعيفة اقتصادياً أنذاك – لاسيما فى مناطق الشرق الأقصى والكاريبى – يمكن التحكم فى مرافقها الحيوية وصناعتها الأساسية ومن ثم فى اقتصادياتها على النحو الذى يكفل التحكم فى توجهاتها السياسية ويحول – من ناحية أخرى – دون التدخل الأوروبى أو غيره فى هذه المناطق ، وقد لجأت الولايات المتحدة بالفعل إلى الأداة الإقتصادية بهدف الحد من التأثير الروسى واليابانى فى منشوريا بالصين عن طريق زيادة الإستثمارات الأمريكية بها . وعلى الرغم من ذلك فلم يتسع نطاق استخدام الأداة الإقتصادية بصورة كبيرة فى إطار السياسات الخارجية للدول ، إلا فى أعقاب الحرب العالمية الثانية ، وفى ظل النسق ثنائى القطبية .

ثالثاً :- المورد البشرى ( السكان ) :

ونحن نقصد بالسكان هنا العنصر البشرى ، و وزنه كعامل من عوامل قوة الدولة فى المجال الدولى ، وما يستتبع ذلك – بداهة – من علاقة بين واقع هذا العنصر ، من ناحية ، وبين السياسة الخارجية للدولة ، من ناحية أخرى . أنها إذن – و فى هذا المجال أيضاً – قضية النزاع بين الحتميين بمدرستهم ( الجيوبوليتك ) وبين أصحاب فكرة ( النسبية ) .[19]

إن عدد السكان قادر على أن يكون عاملاً جوهرياً فى السلطة العسكرية خلال المرحلة التى كانت فعالية الجيش فيها مرتبطة بعدد المقاتلين أكثر من إرتباطها بتأثير النار . لقد ظهرت هذه الأهمية للأعداد بوضوح أيام الثورة الفرنسية مع تطبيق طريقة إحصاء القادرين . وبلغت قيمتها عام 1871 عندما أصبح تجنيد كل الجيوش فى القارة الأوروبية خاضعاً للخدمة العسكرية الإلزامية . ثم ازدات رسوخاً خلال الحرب العالمية الأولى رغم الإنجازات المرموقة فى مضمار التسلح ، ولم يفقد عدد الجنود جزئياً إلا فى غضون السنوات الأربعين الأخيرة ، فمنذ عام 1930 ، جاء فى تقرير البعثة التحضيرية لمؤتمر نزع السلاح ” أن البلدان ذات الطاقة الصناعية الأكبر هى التى تملك قدرة الهجوم فى الحرب الحديثة وليس تلك التى تملك العدد الأكبر من الإحتياطيين . وجاء تطور سلاح الطيران خلال الحرب العالمية الثانية وظهور السلاح النووى على وجه التحديد مؤيداً بعمق قيمة هذه المشاهدة .[20]

القسم الثامن : النظرية العامة للأنساق الدولية

تقديم :

عادةً ما يشير البعض إلى المجموعات الدولية بلفظة ” النظام ” فنجد العديد يتحدثون عن النظام الدولى ، ولكن هذا المفهوم غير بالغ الدقة ، وذلك من منطلق أن كلمة ” نظام ” عادةً ما ترتبط بالدراسات النمطية البحتة ، ولذلك سوف نستخدم لفظة ” النسق ” للدلالة على تلك المجموعات الدولية ، وذلك لأن تلك المجموعات الدولية تتشكل وفقاً لعملية ميكانيكية ( آلية ) وهى – أى المجموعات الدولية – من عمل الواقع وليس من عمل محدد سلفاً ، حال العلوم الإجتماعية الأخرى الفلسفية المنهج ، مثل المنهج القانونى والفلسفى التى تبحث فيما يجب أن تكون عليه طبيعة العلاقات الدولية . لذا فسوف نستخدم مفهوم النسق للإشارة إلى تلك المجموعات وصورها المختلفة غى كل حقبة .

      ويعرف النسق بأنه ” الإنتظام الآلى الواقعى لمجموعة معينة من قوى دولية ” .

ومن هنا نستطيع أن نرد كل نسق دولى إلى واقعين متكاملين هما :

أولاً: مجموعة من وحدات سياسية بقوى متدرجة يقود علاقات القوى فيها عدد صغير من القوى القطبية الكبرى :

النسق الدولى هو ” رابطة قوى ” : إن أولى الخصائص لأى ( نسق دولى ) تتمثل فى أنه صورة واقعية لرابطة قوى ، أى لرابطة من مجموعة قوى دولية ، بمعنى أخر ، من مجموعة من دول كل واحدة منها على درجة كافية من القوة تمكنها – على الأقل – من الإستمرار فى الوجود ، وهو أيضاً ( رابطة قوى ) بحكم عامل الإنتظام فيه ، ذلك بأن بإنتظامه يتحقق توازن قواه القطبية التى تقود الرابطة . إن فى كل نسق دولى عدداً كبيراً من الوحدات السياسية ، ومن ثم من قوى تظهر جميعاً على مسرح علاقات القوى الدولية ، ولكنها تتباين – تبعاً لتباين درجات القوى فيما بينها – فى أهمية الأدوار التى تؤديها على هذا المسرح ، ومن ثم فى أهمية الأدوار التى تؤديها فى تحقيق الإنتظام لعلاقات القوى فى مجموعها ، فمن هذه القوى ما يقود المجموعة ، فهى قوى قطبية يتقرر بها إنتظام الرابطة ، ومن ثم ” النسق الدولى ” ولا تتقرر هى به . فيكفى لتغير الصورة التاريخية للنسق الدولى أن يقع تغير عميق فى قواه القطبية ، كأن يتغير عددها بالنقصان ،حال ما حدث فى أعقاب الحرب العالمية الثانية ، إذ أتخذ النسق الدولى صورة جديدة قوامها قطبان رئيسيان فقط ، وذلك على أثر هبوط عدد من دول قوى الدرجة الأولى إلى مرتبة قوى الدرجة الثانية ، فإنفرد بتقرير النسق الدولى قطبين أثنين هما الولايات المتحدة الأمريكية و الإتحاد السوفيتى . و راح يتعلق – تبعاً لذلك – توازن النسق و  استمراره على صورته التاريخية الجديدة بتوازن قوى هذين القطبين فيما بينهما تحديداً . إن استمرار هذه الصورة الراهنة للنسق الدولى مرهون بإستمرار توازن قطبيها هذين ، حتى إذا ما أختل هذا التوازن أدى ميكانيكيا إلى صورة جديدة للنسق الدولى .

ثانياً : تحقق الإنتظام فى المجموعة الدولية بتحقق التوازن بين قواها القطبية :

وليس من شك فى أن التوازن فى الأنساق الدولية ؛ هو جوهر هذه الأنساق ، ذلك بأن النسق الدولى ، وهو صورة منتظمة للعلاقات بين عديد من قوى ” فردية ” فى غيبة حكم أعلى ، يرفض بطبيعته هذه نقيضين متطرفين يقف هو فى وجه كل منهما على السواء .إن أية مجموعة من قوى فردية – فى غيبة حكم أعلى – لا يتصور لها إلا أن تسقط فى فوضى مطلقة و من ثم فلا ” نسق ” ، وإما أن تنتهى الحرب الدائمة بين القوى الفردية إلى إمبراطورية عالمية ، ومن ثم فلا نسق دولى أيضاً ، وبين هاتين الصورتين تقع صورة ” النسق الدولى ” ذلك بأن النسق الدولى هو مفهوم لصور المجموعات الدولية المتوازنة القوى توازناً يمكن لإنتظام علاقاتها بمنأى عن حالة الفوضى ، من ناحية ، وفى وجه  كل تطلع إلى الإمبراطورية العالمية ، من ناحية أخرى . و هكذا يرتبط مفهوم ” النسق الدولى ” – بصفة أصيلة – بحالة التوازن التى تقوم عليها مجموعة القوى الفردية ، فى مجال دولى معين مما يجعل خلط الكثير من الكتاب الأنجلو سكسون بين النسق الدولى وبين حالة التوازن الدولى أمراً مقبولاً .[21]

صورة توزيع القوى :

أولاً : النسق المتعدد الأقطاب :-

وهو النسق الذى تتعدد بداخله الوحدات السياسية المتزعمة للمجموعات الدولية ، ونلاحظ ذلك الشكل يؤدى إلى توازن القوى القطبية فيما بينها . وتلك الصورة كانت سائدة فى الفترة السابقة على الحرب العالمية الثانية ، وكان مركزها القارة الأوروبية .

ثانياً : النسق ثنائي القوى القطبية :-

وذلك النوع من الأنساق الذى تكون على قمة هرمه قطبان اثنان بينهما توازن فى القوى ويزعم العالم ، ثم يليه فى المرتبة الثانية مجموعة من قوى كبرى ولكنها ليست قوى قطبية ، وتأتى فى المرتبة الأخيرة الوحدات السياسية الأخرى ، أو مايعرف ” بالعالم الثالث ” . وصورة هذا النسق كانت سائدة فى الحقبة التى تلت الحرب العالمية الثانية ، وكان متمثل فى الكتلة الغربية بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية ، والكتلة الشرقية  بزعامة الإتحاد السوفياتى ، ولقد كان الصراع السائد بين القطبين صراع إيديولوجى ، فالأولى كانت تتبع الفلسفة الليبرالية ( الرأسمالية ) ، بينما الثانية كانت تتبع الفلسفة الشيوعية ( الإشتراكية ) .

ثالثاً : النسق آحادى القوى القطبية :-

وذلك النوع تنفرد قوة عظمى واحدة بتزعم العالم ، ونلاحظ أن تلك الصورة تؤدى إلى عدم توازن القوى وذلك من منطلق أن دولة واحدة تتحكم فى السياسة الدولية ، وكأن الميزان ( لا يتواجد به سوى جانب واحد ) دون أن يوجد الجانب الآخر الذى يحقق عملية التوازن . وثمة بعض الأراء ترى تصنيف آخر لأشكال الأنساق الدولية فمنهم من يرى أن القطبية الثنائية الجامدة لا تسمح لقوى أخرى بالدخول فيها ، والقطبية الثنائية المرنة هى التى تسمح بذلك [22]. ونجد أن ذلك الرأى يقسم الأنساق من حيث درجة المرونة والجمود ، بمعنى أن القوى القطبية التى تسمح لقوى أخرى ناشئة بالدخول فى نطاق المجموعة المتزعمة تكون بذلك قوى قطبية مرنة ، بينما التى لا تسمح بذلك تكون جامدة ” غير مرنة ” ، غير أن ذلك التقسيم يكتنفه الغموض وقد يثير لبساً ، لصعوبة تحديد معيار لدرجة المرونة والجمود ، فبأى معايير يمكننا تحديد صورة كل منهما ، هذا من ناحية ، فإنه لا توجد قوى عظمى تسمح بإرادتها لدخول قوى أخرى والتحكم فى السياسة الدولية ، من ناحية أخرى ، وعند حدوث تدخل قوى أخرى فإن ذلك مؤداه يرجع إلى ضعف القوى القطبية وتعاظم عملية الإنهيار ، ذلك من جانب ، ومن جانب آخر تنامى قوة الدول الأخرى التى تحاول بشكل أو بآخر الدخول إلى القطبية العظمى .

و أخيراً فنجد أن النسق الدولى قد ازداد وتنوع عد الوحدات الدولية فيه طوال القرنين التاسع عشر والعشرين . فقد تطور النسق الدولى من كونه نسقاً لا توجد به سوى 25 دولة على أكثر تقدير فى أوائل القرن التاسع عشر ، إلى أن يصبح نسقاً توجد به حوالى 192 دولة ، بالإضافة إلى آلاف الوحدات الدولية الحكومية والغير حكومية . وفى مطلع القرن التاسع عشر ، لم يكن للمؤسسات غير الحكومية ، وكل المؤسسات الواقعة خارج إطار القبضة المباشرة للدولة ، دوراً فى السياسة الدولية . ولكن مع نهاية القرن التاسع عشر تقلص دور الدولة فى السياسة الدولية ، ومع نهاية القرن العشرين تغيرت الصورة لتشهد بداية ظهور ” مجتمع مدنى عالمى ” ، كذلك ظهرت الشركات متعددة الجنسيات العملاقة ، والتى أصبح لها دور فى السياسة و الإقتصاد الدوليين لا يقل بحال ، إن لم يزد عن دور كثير من الدول ، بيد أن دور الدولة لم يختف فى السياسة الدولية . ومن ناحية ثالثة ، فقد تطور البنيان الدولى من كونه بنياناً متعدد الأقطاب طوال معظم سنوات القرن التاسع عشر ، إلى كونه بنياناً ثنائي القطبية طوال معظم سنوات القرن العشرين . ولما كان القرن العشرين قد شهد شهد ثلاث حروب عالمية كبرى ، هى الحربين العالميتين الأولى و الثانية ، والحرب الباردة ، فإنه من المنطقى أن نتصور وجود علاقة ما بين القطبية الثنائية و الحروب العالمية . [23]

[1]  محاضرات ملقاة على طلبة قسم العلوم السياسية . جامعة الإسكندرية ، 2004 غير منشورة.

[2] لعل من أفضل الدراسات العربية الحديثة التى تعرضت لمنهاجية دراسة العلاقات الدولية المعاصرة د. إسماعيل صبرى مقلد – نظرية السياسة الدولية ، ط1 ، 1982 ، الكويت – و كذلك د. محمد طه بدوى : النظرية العامة للعلاقات الدولية ، المكتب المصرى الحديث ، القاهرة ، 1992

[3] د.نادية مصطفى نظرية العلاقات الدولية والدعوة إلى منظور جديد مجلة السياسة الدولية ، العدد 82 ( أكتوبر 1985) ص 54 وما بعدها هذه الرؤي كانت قبل إنهيار القطبية الثنائية فى بداية العقد الأخير من القرن العشرين .

[4] أ.د/ محمد طه بدوى ، مرجع سبق ذكره ، ص 183 .

[5] د. نادية مصطفى ، مرجع سبق ذكره ، ص 75.

[6] د. إسماعيل صبرى مقلد ، مرجع سبق ذكره ، ص 11

[7] محاضرات ملقاه على طلبة دبلوم المفاوضات الدولية ، كلية الإقتصاد والعلوم السياسية ، 2005 . غير منشور.

[8] د. محمد طه بدوى ، د. ليلى أمين مرسي . مدخل إلى العلوم السياسية . منشأة المعارف 2001 .

[9] د. محمد طه بدوى ، د. ليلى أمين مرسي ، مرجع سبق ذكره .

[10] جون بيليس ، ستيف سميث . عولمة السياسة العالمية ، ترجمة مركز الخليج للأبحاث ،الطبعة الأولى ، 2004.

[11] د. محمد طه بدوى ، النظرية العامة للعلاقات الدولية ، المكتب المصرى الحديث ، القاهرة ، 1992 .

[12] راجع فى هذا الشأن

محمد طه بدوى ، مدخل إلى علم العلاقات الدولية ( المكتب المصرى الحديث ) ، 1976 ص 113 .

[13] محمد طه بدوى ، ليلى أمين مرسي ، مرجع سبق ذكره ، ص 326 ، 327 .

[14] إعتمدنا فى هذا القسم على الدراسة المستفيضة التى قدمها د. محمد طه بدوى ، النظرية العامة للعلاقات الدولية ، المكتب المصرى الحديث ، القاهرة ، 1992

[15] محمد طه بدوى ، النظرية العامة للعلاقات الدولية ، مرجع سبق ذكره .

[16] بيير رينوفان ، جان باتيست دوروزيل ، مدخل إلى تاريخ العلاقات الدولية ، ترجمة فايز كم نقش ، مكتبة الفكر الجامعى ، بيروت- لبنان ،1967 .

[17] قدرى محمود إسماعيل إمام ، دراسة فى الجغرافيا السياسية ، أليكس بتكنولوجيا المعلومات ، الإسكندرية ، 2004 ص 34 .

[18] انظر بصدد الدبلوماسية الإقتصادية ما يلى : إسماعيل صبرى مقلد الإستراتيجية والسياسة الدولية ( مؤسسة الأبحاث العربية بيروت ، 1985 ) ، ص 418 ، 421 .

وأيضاً إسماعيل صبرى مقلد ، العلاقات السياسية الدولية : دراسة فى الأصول و النظريات ، المكتبة الأكاديمية ، القاهرة ، 1991 ، ص 471 : 506 .

[19] محمد طه بدوى ، النظرية العامة للعلاقات الدولية ، مرجع سبق ذكره .

[20] بيير رينوفان ، جان باتيست دوروزيل . مرجع سبق ذكره ، ص 50 وما بعده .

[21] محمد طه بدوى ، النظرية العامة للعلاقات الدولية ، مرجع سبق ذكره .

[22] جمال على زهران ، العلاقات الدولية والسياسة الخارجية ( المبادئ والتطور ) ، قسم العلوم السياسية –جامعة قناة السويس ، 2005 ، ص 83 .

[23] محمد السيد سليم ، تطور السياسة الدولية ( فى القرنين التاسع عشر والعشرين ) ط 2 ، دار الفجر الجديد للنشر والتوزيع ، 2004 .

  • خاص – المركز الديمقراطي العربي
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق