الأفريقية وحوض النيلالدراسات البحثية

تداعيات التدخل الإسرائيلي على الأمن المائي المصري (2011- 2018)

اعداد الباحث : سيد صلاح حمدي غريب – المركز الديمقراطي العربي

 

● المستخلص :

تهدف هذه الدراسة الدائرة في فلك تداعيات التحرك الإسرائيلي في إثيوبيا على الأمن المائي المصري في الفترة ما بين (2018:2011) إلي إضاءة الجوانب الخفية حول التحرك الإسرائيلي في إثيوبيا؛ وذلك من خلال رصد وتحليل دوافع التحرك وتصوير آليات تنفيذه وتداعياته علي الأمن المائي المصري وتسليط الضوء علي إستراتيجية التحرك المصري  للتعاطي مع التدخل الإسرائيلي وتداعياته واستنطاق مؤشرات مستقبل العلاقات المصرية الاثيوبية ورسم سيناريوهاتها، واستندت الدراسة على منهج تحليل النظم الذي يستند إلى المُدخلات والمُخرجات وعمليات التفاعل والتغذية الراجعة في حين جاء المفهوم الرئيس للدراسة ” الأمن القومي والمائي” فضلًا عن أن الدراسة انقسمت إلي محاور أربعة رئيسية حيث يأتي المحور الأول بعنوان “دوافع التحرك الإسرائيلي تجاه إثيوبيا”؛ حيث يتناول الدوافع السياسية التي تكون مدخلا لتنفيذ الأجندة السياسية والأمنية للتحرك الإسرائيلي، فضلا عن الدوافع الاقتصادية الهادفة إلى كسر طوق المقاطعة الاقتصادية العربية والمفروضة على إسرائيل، بجانب الدوافع الأيدولوجية نحو الربط الأيدولوجي بين اليهود والأفارقة على نحو يدعم التواجد الإسرائيلي ويقوض التواجد العربي في إفريقيا ولا سيما المصري، أما عن المحور الثاني المعنون ب”آليات التحرك الإسرائيلي تجاه إثيوبيا “؛ حيث يسلط الضوء على آلاليات السياسية والآمنية التي تعددت أشكالها  ما بين التمثيل الدبلوماسي والتدعيم السياسي للسدود والتنسيق السياسي، فضلا عن المحور الثالث الذي بعنوان “تداعيات التحرك الإسرائيلي علي ألامن  المائي المصري “؛ حيث يسلط الضوء علي تأثير سد النهضة علي الأمن المائي المصري من خلال رصد تداعيات ضخامة حجم السد وتناقص حصة مصر المائية، وآلاليات الممكنة لدي التحرك المصري تجاهه، في حين يَسدل  المحورُ الرابعُ الستارَ علي الدراسة  بعنوان” الرؤية المستقبلية للعلاقات المصرية الإثيوبية “من خلال رسم ثلاث سيناريوهات ما بين التعاون والصراع وبقاء الأوضاع. وتوصلت الدراسة إلي عدد من النتائج، مثلت إجابة علي فرضياتها، والتي في طليعتها أن التحركات الإسرائيلية في إفريقيا ولا سيما إثيوبيا تنطلق من عقيدتها الأمنية  وإلى  نجاح آلاليات  الإسرائيلية في تنامي نفوذها  في القرن الإفريقي وخاصة إثيوبيا علي نحو هدد الأمن المائي المصري وأشعل أزمة سد النهضة و استثمار غياب التواجد المصري، أن ضعف المقدرات الإثيوبية بالتزامن مع الراغبة الجامحة نحو التنمية  خلق بيئة مثالية للتحرك الاسرائيلي.

 

● Abstract:

The purpose of this study is to study the implications of the Israeli action in Ethiopia on the Egyptian water security between 2018 and 2011, to illuminate the hidden aspects of the Israeli action in Ethiopia by monitoring and analyzing the motives of the movement and portraying the mechanisms of its implementation and its implications for Egyptian water security. The strategy of the Egyptian movement to deal with the Israeli intervention and its repercussions and to explore the indicators of the future of the Egyptian-Ethiopian relations and the drawing of their scenarios. The study was based on the method of systems analysis which is based on inputs and outputs, reactions and feedback, The main focus of the study is “The motives of Israeli action towards Ethiopia”, which deals with the political motives that serve as an input to the implementation of the political and security agenda of the Israeli movement, as well as the economic motives aimed at breaking The Arab economic boycott imposed on Israel, along with the ideological motives towards the ideological connection between Jews and Africans in a way that supports the Israeli presence and undermines the Arab presence in Egypt, particularly Egypt, and the second axis, entitled ” Rail towards Ethiopia “, which highlights the political and security mechanisms which are characterized by diplomatic representation, political consolidation of dams and political coordination, as well as the third theme,” The repercussions of the Israeli movement on the Egyptian water security “, which highlights the impact of Al-Nahda Dam on security The Egyptian Water Sector, through monitoring the repercussions of the magnitude of the dam and the diminution of Egypt’s water quota, and the possible mechanisms of the Egyptian action towards it, while the fourth axis ends the curtain on the study entitled “Future vision of the Egyptian-Ethiopian relations” by drawing three scenarios between the Aided and conflict and the survival of the situation. The study reached a number of results, which represented an answer to its hypotheses, namely that the Israeli moves in Africa, especially Ethiopia, are based on its security doctrine and on the success of the Israeli authorities in growing its influence in the Horn of Africa, especially Ethiopia. Invest in the absence of the Egyptian presence, the weakness of Ethiopian capabilities in conjunction with the unbridled desire for development created an ideal environment for Israeli action.

 

  • مقدمة:

إن التطلعِ نحو الأمنِ غايةُ سرمديةُ، آملاً في ضمانِ قدرِ من الأمنِ والاستقرارِ في عالمِ تشابكت فيهِ الإهتماماتُ والأحداثُ والصراعاتُ الدوليةُ منها والإقليميةُ، أضحي فيهِ مفهومُ الامنِ القوميِ جوهرَ الاساسِ الذي ارتكزت عليهِ العديدُ من السياساتِ الخارجيةِ للدولِ على كافة الاصعدةِ، وفي هذا الصدد ترتكز السياسةُ الخارجيةُ الإسرائيلية كغيرها من سياسات الدولِ علي إعتباراتِ المصالحِ والقناعاتِ الأيدولوجيةِ، والتي يدور جُل غاياتها حول الحفاظ على الأمن القومي الإسرائيلي، الأمرُالذي  أصبح هاجساً حاضراً بقوة في التحركات الإسرائيلية تجاه العالم  أجمع ولا سيما القارة الافريقية”[1].

تحتل القارة السمراء بكافة أقطارها مكاناً متقدماً في أولويات الأمن القومي الإسرائيلي ولاسيما إثيوبيا التي استأثرت بنصيب وافر من الإهتمام الإسرائيلي لما تنفرد به من ميزات إستراتيجية على كافة الأصعدةِ السياسيةِ والأمنيةِ والاقتصاديةِ  والجغرافية والحضارية جعلت منها معقلاً للتحركاتِ الإسرائيليةِ في سبيل الحفاظ على أمنها القومي، ذلك الأمنُ الذي اقتضت نظرياته تطويق الأمن القومي العربي  والتأثير على مائيتهِ ، حيث وضعت دولة إسرائيل منذ قيامها عام 1948 مسألة الأمن  القومي في قمة أولوياتها من خلال تجنيد كافة الطاقات الذاتية والتحالفية ، والتي كانت المياه في طليعتها أكثر الإستراتيجيات نجاعة وفعالية  لدرء التهديدات والمخاطر التي قد تحيق به و من ثم إنطلقت الدولة الإسرائيلية جاهدة نحو خضرمة الرؤي وتكريس كافة آلياتها السياسية والاقتصادية والدينية بُغية تهديد الأمن المائي المصري[2].

إنطلاقاً مما سبق تسعى هذه الدراسة نحو تجسيد دوافع التحرك الإسرائيلي وتداعياته على الأمن المائي المصري، والوقوف على الإستراتيجيات التي يمكن أن تستخدمها الحكومة المصرية في  التصدي، ومحاولة استشراف مستقبل العلاقات المصرية الإثيوبية في ظل استمرار التحرك الإسرائيلي.

  • أهمية الدراسة :

تشتمل هذه الدراسة على أهمية علمية  وعملية يمكن عرضهما على النحو التالي :

  • الأهمية العلمية :

تكمن الأهمية العلمية لهذه الدراسة فيما تفضي به على صعيد المعرفة، حيث تسعى جاهدة نحو تقديم دراسة متكاملة تخلق ثراءاً فكريا وتكون بمثابة مرجع علمي للباحثين المختصين في شأن السلوك الإسرائيلي تجاه إثيوبيا، وتقديم رؤية كاملة وعلمية تجيب على تساؤلات  الباحثين حول طبيعة العلاقات الإسرائيلية الإثيوبية ،والتي حظيت باهتمام الباحثين وتطلعاتهم، فضلاً عن كونها استكمالا للدراسات السابقة التي تناولت السياسة الإسرائيلية تجاه  إثيوبيا وتداعياته علي الأمن المائي المصري مما يثري المكتبة العربية ، ويشكل رافداً معرفيا في هذا المجال.

  • الأهمية العملية :

تتجسد الأهمية العملية  لهذه الدراسة في عدد من الاعتبارات التي يمكن عرضها على النحو التالي:

  • أولًا: إضاءة الجوانب الخفية حول نظرية الأمن القومي الإسرائيلي وعلاقته الجدلية بمكانة المياه المحورية
  • ثانيًا: السعي نحو وضع تصور واضح المعالم يدور في فلك دوافع التحرك الإسرائيلي تجاه إثيوبيا وكشف الستار عن آليات الإسرائيلية لتنفيذ أجندتها الآمنية مما يضفي أثراً بارزاً علي صعيد التحركات السياسية والأمنية المصرية تجاه تلك الدوافع .
  • ثالثًا:المساهمة في تصوير تداعيات التحرك الإسرائيلي على الأمن المائي المصري ومن ثم الأمن القومي مما يمكن صناع القرار استقراءها وتبني الإستراتيجية المؤاتية للتعامل حيالها.
  • رابعًا: محاولة استشفاف مؤشرات العلاقات المصرية الإثيوبية في ظل تصاعد أزمة حوض النيل والمساهمة في رسم تصوراتها المستقبلية.

 

  • المشكلة البحثية وتساؤلات الدراسة:

     تنطلق المشكلة البحثية لهذه الدراسة في فلك التحرك الإسرائيلي تجاه اثيوبيا وتداعياته على  الأمن المائي المصري، حيث تسعى جاهدة نحو تسليط الضوء عليها من خلال الإجابة علي التساؤل الرئيسي ألا وهو إلى أي مدى أثر التحرك الإسرائيلي تجاه إثيوبيا على الأمن المائي المصري في الفترة ما بين (2011:_2018)  والذي يندرج في إطاره جملة من التساؤلات الفرعية  تتمثل في:

  1. ما هي دوافع التحرك الإسرائيلي تجاه إثيوبيا ومدى ارتباطها بالأمن القومي الإسرائيلي؟
  2. ما هي آليات التحرك الاسرائيلي في إثيوبيا لتنفيذ أجندتها الأمنية ؟
  3. ما هي تداعيات التحرك الإسرائيلي تجاه إثيوبيا علي الأمن المائي المصري و مدي إمكانية التصدي لها ؟
  4. ما هي الرؤية المستقبلية للعلاقات المصرية الإثيوبية في ظل استمرار التحرك الإسرائيلي ؟
  • الإطار المفاهيمي:

تتضمن هذه الدراسة عدة مفاهيم أساسية يمكن طرحها علي النحو التالي :

  1. السياسة الخارجية :

اختلف الكثير من المفكرين في تحليل السياسة الخارجية بشكل دقيق ،وذلك لإختلاف منطلقات كلا منهم،ولعل الدكتور محمد السيد سليم كان في مقدمتهم حيث عرفها علي أنها “برنامج العمل العلني الذي يختاره الممثلون للوحدة الدولية من بين مجموعة من البدائل البرنامجية المتاحة من اجل تحقيق اهداف محددة في المحيط الخارجي “[3].

ومن ثم يمكن تعريفها إجرائياً على أنها “مجموع نشاطات الدولة الناتجة عن اتصالاتها الرسمية مع مختلف فواعل النظام الدولي وفقا لبرنامج محكم التخطيط ومحدد الأهداف، والتي تهدف إلى تغيير سلوكيات الدول الأخرى أو المحافظة على الوضع الراهن في العلاقات الدولية ، فضلا عن تأثرها بالبيئة الداخلية منها والخارجية.

  1. الأمن القومي:

يعد والتر ليمان(walter leman)أول من وضع مفهوماً محددًا لمصطلح الأمن القومي مؤداه ” أن تكون الدولة أمنة عندما لا تحتاج للتضحية بمصالحها المشروعة في سبيل تجنب الحرب وأنها قادرة في حالة التحدي على حماية تلك المصالح لشن الحرب ” ويمكن اجمالا تعريف الأمن القومي بأنه ” مجموعة من الإجراءات التي يتعين علي الدولة أو مجموعة من الدول أن تتخذها في حدود طاقاتها للحفاظ على كيانها ومصالحها في الحاضر والمستقبل مع مراعاة المتغيرات الدولية “[4].

  1. الأمن المائي:

يستند مفهوم الأمن المائي كمفهوم مطلق علي أساس جوهري هو الكفاية والضمان عبر الزمان والمكان أي أنه يعني تلبية الأحتياجات المائية المختلفة كما ونوعا مع ضمان استمرار هذه الكفاية دون تأثير من خلال حماية وحسن استخدام المتاح من المياه وتطوير أساليب هذا الاستخدام علاوة على تنمية موارد المياه ثم يأتي بعد ذلك البحث عن موارد جديدة سواء كانت تقليدية أو غير تقليدية وهذا المفهوم يربط بين الأمن المائي وبين ندرة المياه .

  1. نظرية حلف المحيط:

هي نظرية أمن إسرائيلية صاغها ديفيد جوريون مؤداها :عقد تحالفات مع الدول المحيطة بالدول العربية لمواجهة حالة العداء العربي تجاهها خاصة في المرحلة الأولي من نشأتها، وقد بدأت اسرائيل بتطبيق هذه النظرية من خلال تحالفها القوي مع إيران في عهد الشاه وتركيا فضلا عن إثيوبيا في عهد الإمبراطور هيلا سيلاسي.[5]

  • منهج الدراسة :

تستند هذه الدراسة على منهج تحليل النظم الذي قدمه ديفيد إيستون وعرفه من خلاله النظام السياسي بأنه التفاعلات المتعلقة بالتخصيص السلطوي للقيم في المجتمع وقدم في هذا الشأن إطارا لتحليل النظام السياسي الذي يبدأ بالمدخلات وينتهي بالمخرجات فضلا عن عملية التفاعل بينهما الرابطة بين المدخلات والمخرجات مع القيام بعملية التغذية الراجعة وبذلك يكون هذا الأكثر ملائمة لإبراز الطابع الحركي للنظام السياسي[6] .

في هذا الصدد يتلاءم منهج تحليل النظم مع طبيعة الدراسة حيث يقسمها إلى مدخلات تأتي في طليعتها الدوافع السياسية والأمنية والاقتصادية للتحرك الاسرائيلي المتمثلة في ( تطويق الأمن القومي العربي ولاسيما الأمن المائي المصري والحصول على مياه النهر النيل والتواجد الاسرائيلي في البحر الأحمر وكسر العزلة السياسية)،  فضلا عن محددات العلاقة الإسرائيلية الإثيوبية المتمثلة في( الموقع الاستراتيجي الإثيوبي والأهمية الاقتصادية لإسرائيل…)، والي مخرجات تتمثل في( تداعيات التحرك الإسرائيلي علي الأمن المائي المصري ومستقبل العلاقات المصرية الإثيوبية وسيناريوهات الأوضاع السياسية والأمنية  في حوض النيل) وبالإضافة الي عملية التفاعل والتي تتمثل في طبيعة العلاقات الاسرائيلية الإثيوبية المتمثلة في( التعاون الفني والعسكري والتعاون الاقتصادي من مساعدات فنية استثمارات وتمويل سد النهضة وفضلا عن السياسي من زيارات وتمثيل دبلوماسي بجانب آليات الأيدولوجية الإسرئيلية في إثيوبيا وكذلك ، أو الإليات التحركات المصرية سواء السياسية داخلياً وخارجياً أو القضائية او القوة الناعمة المصرية)،  والمفاوضات المصرية الإثيوبية ثم التغذية الراجعة والتي تمثل عملية تدفق المعلومات الي النظام عن نتائج أفعاله.

  • الأدبيات السابقة :

من خلال البحث في الأدبيات السابقة ذات الصلة بالموضوع  تبين أن هناك العديد من الأدبيات التي تناولت دوافع التحرك الإسرائيلي تجاه إثيوبيا وتداعياته على الأمن المائي المصري بالبحث والتحليل من كافة الجوانب السياسية والقانونية والفنية، حيث شغل بال العديد من المفكرين والباحثين والتي يمكن تقسيمها  إلي محورين كما يلي :

O المحور الأول : ويشتمل على الأدبيات التي تناولت دوافع التحرك الإسرائيلي تجاه إثيوبيا:

في ضوء هذا المحور هناك العديد من الأدبيات التي تناولت دوافع التحرك الإسرائيلي على كافة الأصعدة السياسية و الأمنية والاقتصادية والأيدولوجية، وصورت آلياته السياسية والاقتصادية والأيدولوجية تجاه إثيوبيا ويأتي في طليعة هذه الأدبيات ما يلي دراسة “الإختراق الإسرائيلي الإفريقي”[7]،  و دراسة “إثيوبيا بين التواجد المصري والحضور الاسرئيلي في حوض النيل : الرؤى و الإشكاليات “[8]،وكذلك دراسة” السياسة الخارجية الإسرائيلية تجاه منطقة القرن الإفريقي وأثرها على الأمن القومي العربي (1991-2011)”[9].

O المحور الثاني : ويشتمل هذا المحور على الأدبيات التي تناولت تداعيات التحرك الإسرائيلي على الأمن المائي المصري :

في هذا الصدد انبرت العديد من الأدبيات نحو تجسيد تداعيات التحرك الإسرائيلي على الأمن المائي المصري ولاسيما دراسة “مصر ومشكلة مياه النيل وأزمة سد النهضة “[10]،        و دراسة “سد النهضة وتأثيره على الأمن المائي المصري “[11]، ودراسة “السياسة الخارجية الإسرائيلية تجاه أثيوبيا وتأثيرها على الأمن القومي المصري (1990-2001)”[12]، ودراسة “التطويق المائي وتأثيرات التحرك الإسرائيلي في حوض النيل”[13] ،و دراسة البعد المائي في الصراع العربي الإسرائيلي: دراسة للسياسات الإسرائيلية تجاه نهري اليرموك والليطاني [14].

  • تقسيم الدراسة :

إنطلاقاً من المشكلة البحثية وتساؤلاتها ومنهجها تنقسم الدراسة إلي أربعة محاور تسبقهُما مقدمة وتعقبهُما خاتمة فضلاً جملة من النتائج، حيث يأتي المحور الأول بعنوان “دوافع التحرك الإسرائيلي تجاه إثيوبيا”، حيث يتناول الدوافع السياسية والأمنية والاقتصادية للتحرك الإسرائيلي ، أما عن المحور الثاني المعنون ب”أليات التحرك الإسرائيلي تجاه

إثيوبيا ” حيث يسلط الضوء على الآليات السياسية والاقتصادية والأيدولوجية  للتحرك الإسرائيلي في إثيوبيا ، فضلا عن المحور الثالث الذي بعنوان “تداعيات التحرك الإسرائيلي على الأمن المائي المصري “حيث يسلط الضوء على تأثير سد النهضة على الأمن المائي المصري و وآليات الممكنة لدي التحرك المصري تجاهه  ثم يختتم الدراسة  بتقديم  بالمحور الرابع بعنوان” الرؤية المستقبلية للعلاقات المصرية الإثيوبية “.

O المحور الأول: دوافع التحرك الإسرائيلي تجاه إثيوبيا:

تتجه التحركات الإسرئيلية في إطار تنفيذ عقيدتها الأمنية التي تدور في فلك الحفاظ علي الأمن القومي الإسرائيلي الأمر الذي يعكس دوافع التحرك الإسرائيلي تجاه إثيوبيا و التي يمكن عرضها علي النحو التالي:

أولاً  الدوافع السياسية والأمنية :

علي الصعيد السياسي والأمني تلعب إثيوبيا دورا بارزاً في تنفيذ الأجندة السياسية والاَمنية لإسرائيل لما تحظى به من  إمكانيات إستراتيجية يأتي في طليعتها موقعها الجغرافي المطل على البحر الأحمر الذي يعد شرياناً رئيسياً للتجارة الدولية، ومعبراً النفط العربي للعالم بجانب أنها مقر الإتحاد الإفريقي فضلا عن اعتبارها المصدر الرئيسي لنهر النيل، وبجانب غناها بالموارد الطبيعية ولاسيما المعادن كالماس والذهب والفضة وغيرها من إمكانيات جعلت منها حلفياً إستراتيجياً لإسرائيل تمكنها من تنفيذ مجموعة من الأهداف  السياسية  والأمنية التي تضمن الحفاظ على الأمن  القومي  الإسرائيلي .

وفي  هذا السياق  تسعى  إسرائيل لاقتناص حصة من مياه نهر النيل بُغية تحقيق توازن بين الزيادة السكانية احتياجاتها المائية فضلاً عن القضاء على التهديدات  الأمنية في إفريقيا والحد من إنتشار الحركات الإسلامية المتطرفة في ظل غياب الدولة كما هو الحال في الصومال  وتحقيق التواجد الإسرائيلي في البحر الأحمر من خلال إنشاء قواعد عسكرية  تضمن المراقبة والتجسس لرصد أي نشاط من شأنه المساس بالأمن القومي الإسرائيلي والحيلولة دون تحويلِ البحر الاحمر بحراً عربياً خالصاً، وتهديد الأمن المائي العربي حيث تسيطر إثيوبيا على ٨٠٪ من مياه النيل الذي يعد شريان الحياة لقطرينِ  عربيين مصر والسودان[15]؟

ومن ثم تتمكن إسرائيل من تنفيذ النظرية الأمنية التي وضعها “ديفيد بن جورين”  حيث وضع  “نظرية حلف المحيط”، والتي مؤداها تطويق الأمن القومي العربي من خلال إقامة علاقات وتحالفات مع الدول المجاورة له ومحاصرته، فضلا عن سعي إسرائيل لكسر عزلتها السياسية وإقامة علاقات دبلوماسية مع أكبر عدد ممكن من  دول القرن الإفريقي  كمدخل للقيام بنشاطات أخرى سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو أمنية، وكوسيلة لنفي الصورة العنصرية عن دولة إسرائيل والتأثير على نسبة التصويت في  المحافل الدولية كالأمم المتحدة لصالح الأهداف الإسرائيلية .

ثانيا،  الدوافع الاقتصادية:

تعد إسرائيل من أُولي الدول التي أدركت مدى فعالية الأداة الاقتصادية  في خدمة أهدافها السياسية، حيث تسعى إسرائيل من وراء سياساتِها الاقتصادية الحفاظ على الأمن القومي.

وفي هذا الصدد تجسد سياسة التغلغل الاقتصادي في إفريقيا ولاسيما إثيوبيا أروع الأمثلة حيث تسعى إسرائيل من ورائها لكسر طوق المقاطعة العربية المفروضة عليها من خلال توسيع شبكة العلاقات مع الدول الإفريقية، وربط الاقتصاد الإفريقي برباط من التبعية للاقتصاد الإسرائيلي حيث تقدم إسرائيل نفسها للدول الإفريقية كصديقة ونموذج يحتذي به من حيث درجة تطورها الاقتصادي وقدرتها على توفير متطلبات التنمية ودفع عجلات التقدم لترغيب وإغواء  الدول الإفريقية للتعامل معها مما يزيد من اعتمادها وتبعيتها الاقتصادية والسياسية[16].

حيث تعد دول القارة الإفريقية وعلى رأسها إثيوبيا فرصة هائلة لتنمية الاقتصاد الإسرائيلي إنطلاقاً من باعتبارها  سوقاً ضخماً لإستيعاب الصادرات الإسرائيلية  وتشغيل الفائض من العمالة الإسرائيلية  وتربةً خصبة أمام الإستثمارات الإسرائيلية وغنية بالموارد المائية والنفطية والمعدنية وغيرها من الموارد الأولية مما يخدم الصناعة الإسرائيلية .

ثالثًا، الدوافع الأيدولوجية :

تسعى إسرائيل وفقا لأجندة الأمن القومي لعب دوراً أيدولوجياً من خلال الربط الأيدولوجي بين اليهود والأفارقة في محاولة لاجتذاب الأفارقة تجاهها وإقناعهم علي نحو يدعم التواجد الإسرائيلي في إفريقيا، الأمر الذي يضمن لها تطويق الأمن القومي العربي من خلال التأثير على مائيته وإضعاف العلاقات الإفريقية العربية من خلال تقويض التواجد العربي ولاسيما المصري من خلال إظهار إسرائيل تلك الدولة الفتية المتطورة التي عانت على مر التاريخ على غرار الدول الإفريقية من الاضطهاد و التمييز العنصري ،ومن ثم تتجمع المصالح الإفريقية و الإسرائيلية من حيث وحدة التاريخ ومن ثم المصير، وأيضاً تجد فيها إسرائيل محاولة لكسر طوق الحصار الذي فرضته عليها الُدول العربية من خلال إقامة علاقات مع الدول الإفريقية ولاسيما إثيوبيا حيث حاولت إسرائيل بشتي الصور خلق روابط أيدولوجية معها مرتكزة على اعتبارات عدة منها الإدعاءات الإسرائيلية التي تؤرخ للعلاقات الإثيوبية الإسرائيلية في عهد “سليمان “عليه السلام وزجته بلقيس ، وأنها قلعة مسيحية في  محيط إسلامي ، وأن قومية أمهرا التي ينتمي إليها أباطرة التي كانت تحكم الحبشة تنتمي إلي سلالة سليمان عليه السلام.

O المحور الثاني : آليات التحرك الإسرائيلي تجاه إثيوبيا:

أولاً المدخل  السياسي والأمني :

إتخذت إسرائيل من آلياتها وإمكانياتها السياسية والأمنية تجاه إثيوبيا أحد السبل الرئيسية للتأثير علي الأمن المائي المصري ساعية نحو تطويع  كافة آلياتها السياسية والأمنية علي نحو يضمن بقاء الدولة الإسرائيلية متطورة وقوية  حيث إتخذت أشكالاً متنوعةً يمكن عرضها كما يلي:

   فعلى الصعيد السياسي  تحرص إسرائيل علي تواجدها  الميداني في إثيوبيا ولقاء المسؤُلين في للتباحث وتبادل الأراءِ حول سبل تطوير التعاون بين الطرفين  واستندت في ذلك على آليات من شأنها توطيد العلاقات بين البلدين، مما يمكنها من التأُثير علي الأمن القومي العربي، ومائيته على نحو يخدم الأمن القومي الإسرائيلي وغلبت على تلك التحركات السياسية  اشكالا مختلفة يمكن عرض أبرزها على النحو التالي :

  1. شكل الزيارات والتمثيل الدبلوماسي:  استندت إثيوبيا في سبيل توطيد علاقاتها مع حلفيتِها الإستراتيجية إثيوبيا تكثيف التمثيل الزيارات الدبلوماسية حتى جعلت من عام 2004 عاماً متميزاً من خلال الزيارات الدبلوماسية وإرسال المبعوثين والتي غالبا ما تنتهي بعقد إتفاقيات تعاون بين البلدين ولعل زيارة وزير الخارجية الإسرائيلية “ليبرمان” عام 2010 خير شاهد علي مدي تقدم العلاقات الإسرائيلية الإثيوبية ، وكذلك زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بينامين نتنياهو عام 2016 لبعض دول شرق ووسط أفريقيا وبالأخص إثيوبيا والتي كانت تحمل الكثير من الجدل حول طلب إسرائيل عضوية الإتحاد الأفريقي كعضو مراقب والتي تشير إلي مدي تغلغل النفوذ الإسرائيلي في القارة السمراء ولاسيما إثيوبيا.
  2. التدعيم السياسي للسدود الإثيوبية :  تسعى إسرائيل إلى التدخل في بناء السدود الإثيوبية ودعمها سياسيا وذلك إنطلاقاً من مكانة المياه في الفكر الإسرائيلي حيث تسعي إسرائيل من وراء سياساتها المائية تأمين احتياجاتها المائية لإحداث توازن مع الزيادة السكانية ومتطلبات التنمية التي تطمح إليها وكذلك المساس بالأمن المائي المصري من خلال التأثير على حصته المائية في حوض النيل مما ينعكس سلباً وكارثياً على  الأمن القومي المصري، وفي هذا الصدد  تجدر الإشارة إلي الدور الإسرائيلي والتدعيم السياسي  في مشروع سد النهضة الإثيوبي .
  3. التنسيق السياسي مع مليس زيناوي:  إتخذت إسرائيل من وجود مليس زيناوي الذي يشاركها العداء للحكومة المصرية أحد الركائز الاساسية في تفعيل آلياتها السياسية ، حيث استطاعت إلى حد كبير إحداث نوع من التنسيق السياسي بين إسرائيل وإثيوبيا ظهرت أبزر معالمه في تنسيق إستراتيجية  للتعامل مع أي صراع يندلع علي علي خلفية المياه في حوض النيل من خلال الدور السياسي والتمويلي الإسرائيلي في تجاه مشروع سد النهضة، الذي لم ينتهي بعد وفاة زيناوي حيث استمر مع خليفته  رئيس الوزراء هايلي مريام ديسالنيجيه الذي وصفه وزير الخارجية الإسرائيلي ليبرمان بالصديق الحميم ، وتوصل معه أثناء زيارته لإسرائيل إلى تفاهمات وإتفاقيات تعاقدية يدور جُلها حول ملف المياه في حوض النيل.

أما على الصعيد الأمني  سعت إسرائيل  إلي توطيد التعاون الأمني الذي اتضح  بقوة في عقد التسعينات من القرن العشرين بعد عودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين والتي كانت قد انقطعت بسبب الحرب المصرية الاسرائيلية  أكتوبر 1973،بغُية إحداث ثقل وتوازن بين إثيوبيا والدول العربية، وتعد إثيوبيا من أُولي  الدول الإفريقية التي أقامت علاقات تعاون عسكرية منذ نشأتها،وإرتباطها بعوامل تاريخية وسياسية، حيث واصلت إسرائيل سعيها المدروس والدؤوب نحو تكثيف آلياتها الأمنية تجاه إثيوبيا لحد  لم تنقطع فيه المساعدات العسكرية من إسرائيل في ظل فترة ثلاثة عقود من الاضطرابات ، والتي  بلغت مجموع الواردات من إسرائيل إلي إثيوبيا ما يعادل نحو مليون دولار خلال العام 2003[17]،  وذلك التعاون الأمني الذي اتخذ  سواء على المستوى العسكري والاستخباراتي بين البلدين أشكالاً مختلفة يمكن ذكر بعضا منها على النحو التالي :

  1. التعاون العسكري في عهد منجستو :

مثلت فترة “منجستو” الفترة الذهبية من عمر التعاون العسكري بين اسرائيل وإثيوبيا حيث شملت إمداد إسرائيل لإثيوبيا بالمعدات العسكرية والأسلحة الصغيرة  والذخائر والخبراء العسكريين فضلاًعن وساطة إسرائيل لإثيوبيا لتسهيل صفقة الأسلحة “طائرات f-5 ” من الولايات المتحدة الأمريكية ، بجانب الزيارات الأمنية  وتطوير نظم الإتصالات بين قادة القوات الجوية وتدريبهم ، بل تخطى الأمر إلى إنشاء الكلية الحربية للتجسس والمراقبة.

  1. تنفيذ العديد من المشروعات الإستراتيجية في إُثيوبيا:

والتي شكلت بناء قواعد عسكرية ومصانع الأسلحة وإقامة قواعد جوية ترابط بها الطائرات الإسرائيلية ،وذلك مقابل تقديم إثيوبيا إمتيازات كانت في طليعتها إستخدام جزر إثيوبية في البحر الأحمر تكون بمثابة نقاط مراقبة وقواعد عسكرية والسماح بهجرة يهود الفلاشا الأُمر الذي كان من شأنه تدعيم الوجود الأمني الإسرائيلي علي البحر الأحمر وإستخدامه  كمحطات لرصد ومراقبة السفن  ولاسيما في جزيرتي “حالب وفاطمة “، بالقرب من باب المندب .

  1. الإتفاق الإستراتيجي عام 1996:

ذلك الاتفاق الذي أتاح لإسرائيل تسهيلات عسكرية استخباراتية  في الأراضي الإثيوبية والذي تأكد عام 1999.

  1. الدعم العسكري أثناء الحرب الإثيوبية الإريترية:

حيث استخدمت إثيوبيا سياسة التعامل المزدوج ودعمت الطرفين حيث عقدت مع الجانب الإثيوبي صفقة طائرات “ميج 21” و إمداده بمعدات تشويش على الرادار الإريتري وتدريب جنود القوات الإثيوبية[18] .

ثانيا المدخل  الاقتصادي :

تعد إسرائيل من أُولي الدول التي أدركت مدى فعالية الأداة الاقتصادية في خدمة أهدافها السياسية،  حيث تسعى إسرائيل من وراء سياساتها الاقتصادية الحفاظ على الأمن القومي لذلك لم تدخر جهدً في توظيف كافة  ما تمتلكه من إمكانيات وقدرات اقتصادية ، والتي أوجدت من إثيوبيا أرضاً خصبة  لتغلغُلْهَا الاقتصادي، حيث توافرت بها العديد من العوامل أبرزها ضعف الاقتصاد الإثيوبي والنمو السكاني المتزايد وتراجع معدل النمو الاقتصادي بجانب قلة الخبرة الفنية الإثيوبية ، والتي لعبت دوراً في تسهيل سياسة التغلغل والتي إتخذت أشكالاً متعددةً يمكن طرحها على النحو التالي:

  • المساعدات الاقتصادية:

تدخل المساعدات الاقتصادية  ضمن سياسة التغلغل الاقتصادي التي تتبعها إسرائيل تجاه إثيوبيا، والتي بدأت  منذ نشأة العلاقات بين البلدين ، والتي لم تنقطع أثناء فترة قطع العلاقات الدبلوماسية والتي إتخذت صيغً مختلفةً مُنذ عقد التسعينيات من القرن العشرين، حيث دعمت إسرائيل إثيوبيا مساعدات اقتصادية تنوعت جوانبها ما بين الناحية الزراعية والصحية والتنموية والفنية.

  • الاستثمارات الاقتصادية:

تعد الاستثمارات الاقتصادية الإسرائيلية تجاه إفريقيا بصفة عامة وإثيوبيا بصفة خاصة إحدي ركائز سياسة التغلغل الاقتصادي الإسرائيلية، والتي تعددت مجالاتها حتى وصلت للحصول على إمتيازات البحث عن البترول، وتأسيس الشركات الإسرائيلية وتسجيلها  بإعتبارها إثيوبية والتي استطاعت من خلالها احتكار العديد من السلع في الأسواق الإثيوبية، فضلاً عن توسيع الاستثمارات في المجال الزراعية  لتوفير احتياجاتها الزراعية ومن أمثلتها شركة “أنكود “و شركة تهال(tahal)التي تتبع مشروع (( osso وهو مشروع إسرائيلي إثيوبي بمساعدة ألمانية قُدرت تكلفته 1,5 يورو .

أما عن الاستمارات في المجال البنية التحتية التي كانت لها حظاً وافًراً من الأموال الإسرائيلية، حيث قدرت تكلفة مشروع البنية التحتية في إثيوبيا الذي نفذه إتحاد المقاولين الإسرائيلين نصف مليار دولار، ويبلغ إجمالى رأس المال الإسرائيلى المستثمر فى إثيوبيا حوالى بليون و57 مليون دولارأمريكى فى 281 مشروعا منهم 11 تحت التنفيذ[19].

وهناك العديد من الشركات الإسرائيلية التي تعمل مع إثيوبيا أبرزها الشركة الإسرائيلية المائية و شركة “الدا” التجارية وشركة “آسيا للمواد الكيميائية والصيدلانية “وشركة “ميكرون” و شركة “سوليل بونيه للبناء والأشغال العامة”، وما يجدر الإشارة إليه  أن أغلبية تلك الشركات تعمل في مجال الزراعة والري، والتي من شأنها المساس بالأمن المائي المصري .

  • التمويل الفني والمالي للسدود:

تعتبر السياسة التمويلية والفنية للسدود هي أبرز الأدوات وأكثرها فعاليةً في تحقيق الأجندة السياسية والأمنية لإسرائيل ، حيث توظف إسرائيل كافة إمكانياتها التمويلية علي قدم وساق في تمويل مشروعات الري الإثيوبية والكهربائية  ولاسيما السدود لما تحمله في طياتها من تهديدات الأمن القومي المصرية فرص لإسرائيل تستخدمها كورقة ضغط ومساومة مع الحكومة المصرية فيما يخدم الطموحات المائية الإسرائيلية .

وفي ضوء الحديث عن السياسة الإسرائيلية التمويلية تجدر الإشارة إلى الدور الإسرائيلي في تمويل مشروع سد النهضة، حيث سبق وأن كشفت مصادر إسرائيلية عن تقدم شركات إسرائيلية يملكها جنرالات متقاعدون في الموساد بعروض للمساهمة في مشروعات بناء السدود على منابع نهر النيل في الأراضي الإثيوبية، كما أشارت إلى قيام  إسرائيل بفتح إكتتاب شعبي  في البنك المركزي الإسرائيلي لجمع التبرعات الموجهة الي السندات والأذون لخدمة السد فضلا عن قيام الحكومة الإثيوبية باستقدام الخبراء والاستشاريين الإسرائيلين للعمل في مراحل التجريب والتنفيذ طوال المرحلة الثانية، بجانب العقود السبعة بين البلدين، والتي تستهدف تطوير الخدمات والإمكانيات والطاقات لمشروع  السد[20] .

ثالثًا، المدخل الأيدولوجي أو الثقافي :

تسعى إسرائيل من خلال آلياتها  الثقافية  نحو إستقطاب التعاطف الإفريقي  على نحو يبرر التواجد الإسرائيلي في القارة السمراء و يخلق توترات في العلاقات الإفريقية العربية  على نحو يعمل على استمالة  عقولة الأفارقة لقبول السياسة الإسرائيلية باعتبارها تصب في صالح الأفارقة لإسرائيل وحدها، وذلك إنطلاقاً من الروابط التاريخية المشتركة والرباط الأيدولوجي بين الأفارقة واليهود، وإظهار معاناة كلأً من اليهود والأفارقة من الاضطهاد والتمييز العنصري وشملت آليات الغزو الثقافي على الصعيد الإفريقي بصفة عامة أشكالاًمتعددةً منها طابع المشروعات الثقافية كمشروع الإخدود الإفريقي العظيم ومشروع التعاون الإقليمي في مجال البحوث العلمية، والطابع المؤسسي من خلال وزارة الخارجية الإسرائيلية والوكالة اليهودية ومنظمة الصهيونية العالمية وفضلاً عن دور الجاليات اليهودية، وأجهزة الإعلام والصحف ….إلخ[21].

وعلي صعيد الغزو الثقافي الاٍسرائيلي في إثيوبيا سعت إسرائيل جاهدة نحو إبراز العوامل والروبط المشتركة بين اليهود والإثيوبيين في محاولة الربط الأيدولوجي بين البلدين ومحاولة استغلاله ضد البلاد العربية ومحاصرتها  ومن  أبرز تلك المحاولات ما يلي :

  • أكذوبة التاريخ المشترك :

حاول  اليهود  استدراج الأفارقة بدوعي التاريخ المشترك الذي يربطهم إنطلاقاً من معاناة كلا منهم من الاضطهاد والتمييز العنصري.

التركيز على الادعاءات الاسرائيلية:  وهي تلك الادعاءات  التي ترد العلاقات الإسرائيلية الإثيوبية إلى عصر الملكة بلقيس  زوجة سيدنا سليمان الذي أنجب منها فيما بعد “منيلك “، مؤسس الحبشة التي كانت تسمي “ماكاد”، وأن قومية أمهرا التي ينتمي إليها أباطرة الحبشة تنتمي الي سلالة سليمان عليه السلام.

O المحور الثالث: تداعيات التحرك الإسرائيلي في  إثيوبيا على الأمن المائي المصري.

لقد استطاعت إسرائيل توظيف كافة آلياتها من سياسية واقتصادية وأيدولوجية  وركزتها صوب الدول الإفريقية ولاسيما دول حوض النيل ومن ثم كانت إثيوبيا التي تسيطر على 80% من مياه النيل مصباً للتحركات الإسرائيلية على نحو يخدم الأجند الأمنية الإسرائيلية . ومن هنا تناول هذا المحور تداعيات التحرك الإسرائيلي على الأمن المائي المصري بجانب تقديم خريطة من الحلول تجاه تلك التداعيات لحل أزمة سد النهضة  كما يلي:

أولاً تداعيات التحرك الإسرائيلي علي الاًمن المائي:

وفي هذا السياق تظهر التحركات الإسرائيلية تجاه تقديم الدعم السياسي والمالي للسدود الإثيوبية والتي أبرزها سد النهضة علي النيل الأزرق الذي يحوي ما يعادل 60% من مياه نهر النيل، الأمر الذي من شأنه المساس بالأمن المائي المصري الذي يعتمد على مياه نهر النيل بنسبة 96% مما يجعله شبحاً يهدد الأمن المائي المصري حيث يحمل تداعيات ومخاطر على الأمن المائي المصري يمكن طرحها من عنصرين أساسيين هما :

  1. ضخامة حجم السد :

وفقا للمواصفات القائمة لعام 2015 يبلغ حجم السد 145متراً وعرض 1850متراً وتمتد بحيرة التخزين لمسافة 246 كم خلف جسم السد لتبلغ سعتها التخزينية نحو 74 مليار متر مكعب علي منسوب 640 متراً فوق مستوى سطح البحر، وتكون قدرته الإنتاجية من الكهرباء 6000ميجا وات مما يجعل في حالة إتمامه بتلك المواصفات يدخل في مصاف أكبر عشر سدود في العالم، وما يجدر الإشاراة إليه ما ذكره “أصفو بيبني “أستاذ الهندسة الميكانيكية بجامعة سنتايجو بولاية كاليفورنيا إلى  أن سعة السد التخزينية وحجمه مبالغ فيهما بنسبة 300%ومن ثم يجب تقليصها إلي ثلث مواصفاتها حتى يصبح آمناً، وتزداد مخاطر السد من ناحية باعتباره ليس السد الوحيد ، بل تزعم إثيوبيا بناء  ثلاثة  سدود آخرين (كرادوبة و بيكوآبو و مندايا ) والتي تقدر سعتهما التخزينية نحو 150% مليار متر مكعب من مما يهدد بشكل أساسي الأمن المائي المصري [22].

  1. تناقص نصيب مصر والسودان من مياه النيل :

من الطبيعي أن يؤثر سد بحجم سد النهضة علي مائية دول المصب إذ تقدر بنحو 12 مليار متر مكعب، أثناء فترة ملء الخزان التي تقدر بنحو 6 سنوات، مما يرفع نسبة العجز المائي لمصر من 7 مليار متر مكعب إلي 15 مليار متر مكعب وسيحدث إنخفاضاً في مستوى المياه في بحيرة السد بنحو 15 مليار متر مكعب وما يتبع ذلك من إضطرابات في النظام المحصولي والزراعي حيث يتوقع بوار 2 مليون فدان من الأراضي الزراعية  أي مايعادل نحو 25% من المساحة المزروعة، وسوف تتناقص القدرة الإنتاجية للكهرباء بنحو يتراوح 30 و 40%، وسوف تزداد معدلات التلوث والخلل في نظم الحياة البيئية بحيرة السد العالي والبحيرات الشمالية وتناقص المياه الجوفية، إرتفاع نسبة الملوحة في المياه والخزانات الخاصة بها،  بل ويلحق الأمر بالثروة السمكية من حيث تناقصها بل اختفائها لمدة خمس سنين [23].

ثانياً: الحلول المقترحة لحل أزمة سد النهضة:

على  صعيد الأنهار الدولية تتبنى دول حوضها ما يعرف بإستراتيجية التعاون والتنمية المتكاملة وذلك لتفادي الخلافات التي تحدث بين تلك الدول على غرار ما يحدث بين دول حوض نهر السنغال في إفريقيا أو دول حوض نهر الدانوب بأُوروبا [24]،  وفي هذا السياق تبنت دول حوض نهر النيل إستراتيجية التعاون بين دول الحوض لتسوية الخلافات بين دول الحوض التي ظهرت أشدها في أعقاب 2011، على صعيد العلاقات المصرية الإثيوبية  إثر إندلاع ثورة25 يناير والتي اتخذت منها إثيوبيا فرصة مؤاتية لإعلان عن عزمها في بناء سد النهضة الإثيوبي على النيل الأزرق، الأمر الذي أشعل فتيل الخلافات في حوض النيل التي مرت بمراحل صعود وهبوط بدأيةً من ثورة 25 يناير حتي تولي عبد الفتاح السيسي رئاسة الجمهورية ،الذي سارع بكل قوة نحو تصحيح مسار الأزمة  وإزالة التعديات التي تمت على الحقوق التاريخية لمصر في حوض النيل ، حيث توصل إلى عقد إتفاقية المبادئ المتعلقة بسد النهضة ولازالت التحركات المصرية في يقظة واعية ساعية لإتخاذ أبزر الآليات الفاعلة تجاه تلك الأزمة، والتي يمكن  صياغة أبرز تلك الحلول على النحو التالي :

  • تنشيط قنوات التحرك السياسي الدبلوماسي :

على الحكومة المصرية السعي نحو تبني إستراتيجية واضحة المعالم تسعى من خلالها توظيف تحركاتها السياسية فيما يخدم موقفها في أزمة سد النهضة والتي ينبغي  أن تقوم على عدد من الأسس الرئيسية والتي تأتي في مقدمتها السعي نحو إثبات الحقوق التاريخية والمكتسبة لمصر في نهر النيل ومحاولة الحصول عليها أو التوصل لحل يرضي كافة الأطراف فيمالايتعارض مع الأمن القومي المصري ولاسيما المائي ، محاولة استمالة الموقف الإثيوبي من خلال الإقرار بأحقية إثيوبيا في إقامة سد النهضة و مع التنوية بعد التواصل مع مصر والسودان ، محاولة تدعيم الاستقرار واستغلال التحركات الشعبية في إثيوبيا والذي برز في دور الكنيسة المصرية في التواصل مع الكنيسة الإثيوبية ،ضرورة إعادة النظر في إتفاقية عنتيبي بعد توحيد الموقف المصري السوداني[25].

  • تنشيط العلاقات المصرية الإثيوبية الإقتصادية :

حيث ينبغي على الحكومة المصرية الإستفادة من التجربة الإسرائيلية التي تتبعها من خلال تغلغلها الاقتصادي في إثيوبيا، وذلك من خلال زيادة المساعدات الفنية والاستثمارات الاقتصادية ولاسيما في المجالات التنموية وتوليد الكهرباء وبل والمساهمة في تمويل المشروعات المائية في حوض النيل ولاسيما سد النهضة الأمر الذي من شأنه أن يمنح مصر دوراً رقابياً في حوض النيل، ويدعم موقفها تجاه التحركات الإسرائيلية هناك.

  • التركيز على الإتجاه المؤسسي في التحركات المصرية :

حيث يجب علي الحكومة المصرية في تحركاتها تجاه أزمة سد النهضة وغيرها من الملفات الحيوية تفعيل دور المؤسسات الوطنية على النحو الذي يساهم في حل مسألة المياه  ومعالجة قضايا الشؤون الإفريقية وفي هذا الصدد يجب علي الحكومة المصرية  السعي نحو توفير تلك المؤسسات الوطنية ولاسيما هيئة قومية مصرية لمياه النيل وزارة الشؤون الإفريقية وحوض النيل، ومراكز بحثية حول مياه النيل والشؤون الإفريقية [26].

  • استقراء الخريطة الإقليمية والدولية :

ينبغي على الحكومة المصرية أن تضع في اعتبارها القوى الإقليمية والدولية التي تلعب دوراً حاسماً علي المستوي السياسي في القارة الإفريقية ولاسيما إثيوبيا أهم دول منابع نهر النيل  وأن ترقب بعين الحذر سياسات تلك الدول ومشروعاتها التي تستهدف  تدعيم وجودها السياسي  و إثارة وإنعاش الخلافات والصراعات الدينية والمذهبية في تلك الدول ولاسيما مشروعات الولايات المتحدة الأمريكية والتي في مقدمتها مشروع القرن الإفريقي الكبيرو حروب الجيل الرابع أو مشروعات السياسية الفرنسية من خلال منظمة الفرانكفونية، أو التحركات الإسرائيلية علي وجه الخصوص والتي تسعى تطويق الأمن القومي المصري في ضوء الحفاظ على أمنها القومي ، لذا على الحكومة المصرية أن تسعى حثيثةً نحو تدعيم وجودها السياسي والاقتصادي والعسكري ومحاولة إستعادة دورها في القارة السمراء.

  • الوساطة والتحكيم الدولي :

يجب على  الدولة المصرية أن تتخذ من مسار الوساطة والتحكيم الدولي سبيلاَ للحفاظ على أمنها المائي وأن تحسن استخدامه  وذلك من خلال استغلال ما يدعم موقفها على الساحة الدولية من تسليط الضوء عن الأضرار والمخاطر المتوقعة بعد استكمال سد النهضة وفقا  للمواصفات والمقاييس الموضوعة علي علي أمنها القومي مما يشكل مخالفة صريحة للقانون الدولي.

يجب على الحكومة المصرية أن تبني تحركاتها وفقا لأسس فعالة علي الساحة الدولية وذلك من خلال تسليط الضوء على القواعد والأُسس التي أرسها القانون الدولي وعلى رأسها السيادة المشتركة لدول حوض النيل علي مجري النهر، والتي تحظر على أيةَ دولة من الانفراد بالسيادة على مجرى النهر، القواعد الدولية  في حوض النيل التي تضمن حق دول المنابع في إعادة توزيع الحصص المائية فيما بينها ولك بعيد عن دول المصب مصر والسودان نظراً لما قد يطرأ من تداعيات مرتبطة بمصير الدولتين، إقرارمنظمة الإتحاد الإفريقي مبدأ توراث المعاهدات والاتفاقيات في دول الحوض وأنها ملزمة للجميع حتى لو تمت في الفترات الاستعمارية .وفي نهاية تلك الحلول ينبغي على الحكومة المصرية توظيف كافة آلياتها بكافة أشكالها السياسية سواء علي الساحة الدولية أو الإقليمية أو المحلية والإقتصادية والدعائية  والقضائية سعياً وراء التوصل لحلول حيال تلك الأزمة المصيرية [27].

O المحور الرابع: مستقبل العلاقات المصرية الاثيوبية :

في خضم الحديث عن مستقبل العلاقات المصرية الإثيوبية يتضح أن هناك  ثلاثة  من السيناريوهات  تدور في فلكهما مستقبل العلاقات  بين البلدين يمكن عرضهما على النحو التالي:

أولا سيناريو التعاون :

يميل هذا السيناريو إلى افتراض أن مسار العلاقات الإثيوبية المصرية سوف يتخذ إطاراً تعاونيا يسوده حظُ وفيرُ من الترابط والتفاهم يمكن من خلاله تسوية الخلافات والنزاعات بين الطرفين، والتي يأتي في مقدمتها ملف المياه على نحو يرضي كافة الأطراف بما يضمن الحفاظ علي الأمن المائي المصري ومن ثم الأمن القومي المصري، ويلبي متطلبات التنمية في إثيوبيا، ويُفترض هذا السيناريو في ظل التحركات المصرية الواعية تجاه تلك الملف ومدى قدرتها على تطويع آلياتها سواء كانت على المستوى السياسي من حيث مدي قدرتها على إثبات الحقوق التاريخية المكتسبة لمصر في حوض النيل بل والحصول عليها، ومدي فعاليتها علي التوصل لحل يرضي كافة الاطراف من حيث الإقرار بأحقية إثيوبيا في بناء سد النهضة ولكن فيما لا يتعارض مع حقوق مصر التاريخية وإعادة النظر في مواصفات السد القائمة على نحو يحقق التنمية في إثيوبيا ويحافظ على الأمن المائي المصري، أو المستوى الاقتصادي من خلال زيادة الاستثمارات والمساعدات المالية والفنية في إثيوبيا ولاسيما مشروعات الري  وتوليد الكهرباء ، والمساهمة في تمويل سد النهضة مما يخلق أرضية مشتركة لتلاقي المصالح المصرية والتعاونية.

وذلك بجانب المستوى القضائي الدولي  من خلال مدى فعالية الأجهزة المصرية في تفعيل آلياته القانونية والتمسك بحقوقها التاريخية التي أرستها منظمة الوحدة الافريقية، وصدق عليها القانون الدولي، وفضلاً عن مدى نجاحها في استقراء خريطة التحركات الدولية في حوض النيل وفي مقدمتها التحركات الإسرائيلية، ومحاولة التصدي لها، وإستعادة دور مصر القيادي، وبتطبيق تلك الافتراضات على  تحركات الحكومة المصرية  يتضح الدور الفعال للقيادة المصرية على كافة مستوياتها وأجهزتها  ولاسيما المؤسسة الرئاسية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي.

ثانياً سيناريو الصراع :

يميل لهذا السيناريو إلي تصوره المظلم لمستقبل العلاقات المصرية الإثيوبية، وذلك متاثراً  بمستوى التوترات والخلافات بين البلدين على  مر التاريخ والتي تتضح أبرز معالمه في تمسك القيادة المصرية بالحقوق التاريخية في نهر النيل ومحاولة إثباتها دون السعي حول وضع حلاً يرضي كافة الأطراف، والنظرة الإثيوبية لسد النهضة باعتباره حلم قومي تعبر من خلاله إلى  بوابة التقدم والتنمية متخذة موقفاً تعسفياً تجاه أي إتفاقية أعطت لمصر حقوق تاريخية، تمت في عهد الاستعمار، ومحاولة التحرر منها ولاسيما في ظل استمرار الأدوار الدولية في حرب المياه في حوض النيل ولاسيما نجاح التحرك الإسرائيلي في إشعالها ومن ثم يضع هذا السيناريوإطاراً للصراع يدخل البلدين في نفق مظلم قد ينتهي بالمواجهة العسكرية.

ثالثاً سيناريو استمرار الأوضاع:

يفترض هذا السيناريو استمرار وبقاء الاوضاع التي تنبثق عنها طبيعة العلاقات المصرية الإثيوبية وعدم وحدوث أي تغيرات أو تطورات من شأنها تغير مسار العلاقات بين البلدين سواء في شكلها التعاوني أو الصراعي على  نحو يحفظ  صيغتها و أبعادها .

و من ثنايا ما سبق يمكن ترجيح  السيناريو التفاؤلي  الذي يوحي بانفراجة  أزمة سد النهضة  إنطلاقاً من التطورات اللاحقة علي ملف الأزمة من تولي أبي أحمد رئاسة الوزراء في إثيوبيا  والذي جاء حاملاً عدداً من السمات المثالية لخلق بيئة تعاونية  بعيدة عن الصراع ، تستند على آلية المفاوضات وترجيح مصلحة  الجميع، ترفع شعار المنفعة للجميع، ولا ضرر ولا ضرار، حيث أكد رئيس الوزراء على نهجه التعاوني، وحرصه على تحسين وتعزيز العلاقات المصرية الإثيوبية  بالتزامن مع طابع القيادة المصرية بكافة مؤسساتها  ولا سيما الرئاسة  وزراتها الخارجية اللذان اعتمدا آلية الحل السلمي و التعاوني واللذان قد غرس بذرته بعقد اتفاقية المبادئ 2015  ، الأمر الذي عكسته خفة حدة التصريحات التي غَلُبت  عليها المفاهيمُ المبطنةَ من قبل المسؤُلين في في إثيوبيا كالاستخدام العادل للمياه الذي سرعان ما تدحرج علي لسان أبي أحمد إلي حرص حكومته على ضمان الحفاظ على حصة مصر المائية من نهر النيل والعمل علي زيادتها  والعمل على تعزيز العلاقات المصرية الإثيوبية في كافة المجالات ولا سيما التبادل الاقتصادي والتجاري.

وفي هذا الصدد فإن ما أسفرت عنه زيارة أبي أحمد للقاهرة في يونيو 2018 من نتائج مثلت مؤشرات حقيقية نحو بدء صفحة جديدة في تاريخ العلاقات المصرية الإثيوبية  تتميز بقدراً كبيراً من التعاونِ والتفاهمِ والسعيِ نحو الوصول إلي حلول حاسمةٍ تُحقق الرفاهية والتنمية لإثيوبيا وتضمن حصة مصر المائية في نهر النيل،  حيث تم الإتفاق على  إنشاء منطقة صناعية مصرية في إثيوبيا ودعم الاستثمارات المصرية في إثيوبيا ولا سيما في مجال إستيراد اللحوم الإثيوبية والثروة الحيوانية والزراعة و مزارع الثروة السمكية، فضلاً عن  إنشاء صندوق ثلاثي  لتمويل مشروعات التنمية التحتية للدول الثلاث مصر وإثيوبيا والسودان وبجانب الإفراج عن 30 إثيوبيا للمغادرة إلى بلادهم على متن طائرة رئيس الوزراء بالتزامن مع ظهور العثرات الفنية في بناء سد النهضة وتأجيل التخزين به مما يسمح بخلق فرص أكثر لتقارب وجهات النظر ولا سيما بعد نوايا مصر لاعادة دورها القيادي في إفريقيا ولا سيما إثيوبيا بعد غيابها الطويل .

  • الخاتمة:

لقد تمحورت هذه الدراسة حول دوافع التحرك الإسرائيلي تجاه إثيوبيا وتداعياته على الأمن المائي المصري في الفترة ما بين (2011_2018)حيث سلط الضوء على دوافع التحرك الإسرائيلي تجاه إثيوبيا ما بين الدوافع السياسية والاقتصادية والأيدولوجية، وتجسيد آلياتها  سواء كانت سياسية واقتصادية وأيدولوجية فضلا عن الآثار المترتبة لهذه التحرك على الأمن المائي المصري من حيث التأثير على  مائيته وتصوير مجموعة من الحلول للسياسة المصرية تجاه تلك الأزمة وتوصلت هذه الدراسة لمجموعة من النتائج تمثل إجابة على فرضياتها، ويمكن طرحها على  النحو التالي :

  1. تنطلق التحركات الإسرئيلية تجاه إثيوبيا من عقيدتها الأمنية، ومكانة المياه في الفكر الإسرئيلى التي تفترض الحفاظ على الأمن القومي الإسرائيلي، وتطويق الأمن القومي العربي وذلك من خلال  التأثير على مائيته، وكسر طوق الحصار الذي فرضته الدول العربية لها من خلال تبني نظرية حلف المحيط بإقامة علاقات مع الدول المحيطة بالدول العربية وتمثل عمقاً إستراتيجاً له ومن ثم كانت إثيوبيا معقلاً لتلك التحركات  .
  2. قدرة التحركات الإسرائيلية علي تفعيل آلياتها السياسية والاقتصادية والأيدولوجية في تدعيم نفوذها وتغلغلها السياسي والاقتصادي والعسكري والفني والثقافي في إفريقيا ولاسيما إثيوبيا.
  3. يعد سد النهضة تهديداً حقيقاً للأمن المائي المصري، ومن ثم الأمن القومي  حيث يحمل في طياته تداعيات كارثية لا تقارن بالمنافع المزعومة لهذ السد، والتي تعكسها بوضوح المواصفات الموضوعة للسد وفقا لعام (2015 ) ولاسيما حجم السد وسعته التخزينية .
  4. مستقبل الأزمة في حوض النيل ومن ثم أزمة خلافات بين مصر وإثيوبيا وحرب المياه تتوقف على مدى فعالية الأجهزة المصرية في التعامل مع الأزمة ومدى قدرتها على التصدي للتحركات الإسرائيلية فإثيوبياا ومدي قدرتها على انتزاع استعادة دورها القيادي في إفريقيا.
  • قائمة المراجع

– أولاً الكتب :

  • حمدي عبد الرحمن، الإختراق الإسرائيلي الأفريقي، ، منتدي العلاقات العربية الدولية ، الدوحة، 2015، ط 1.
  • جمعة بن علي بن جمعة، “الأمن العربي في عالم متغير ” مكتبة مدبولي ، القاهرة 2010 ، ط2، ص72.
  • عمر فضل الله، حرب المياه علي ضفاف النيل : حلم اسرئيلي يتحقق،، دار نهضة مصر ، الجيزة،
  • كمال المنوفي، مناهج وطرق البحث في علم السياسة، دار الغريب ، القاهرة ، 2015، ب ط.
  • محمد السيد سليم ،:تحليل السياسة الخارجية ، (القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، 1997)، ط2.
  • محمد سيلمان طايع، سد النهضة وتأثيره علي الامن المائي المصري : دراسة من منظور جيوبوليتكي، دار الشروق،القاهرة  2014، ط.
  • موسي فرجي، اسرائيل وحركة تحرير جنوب السودان :نقطة البداية ومرحلة الانطلاق، ترجمة الدار العربية للدراسات والنشر، مركز ديان لدراسات الشرق الأوسط وافريقيا، تل أبيب.
  • ثانياً الرسائل العلمية :
  • اسماعيل شمس الدين ، سد النهضة الاثيوبى وحتمية توفر المياه والطاقة لدول المصب السودان ومصر( ، دار روافد ،2014)، ط1.
  • أشرف محمد كشك, السياسة المائية المصرية تجاه دول حوض النيل ( القاهرة : برنامج الدراسات المصرية الأفريقية, كلية الاقتصاد والعلوم السياسية, 2006).
  • آية محمد يحيى حامد، البعد المائي في الصراع العربي الإسرائيلي: دراسة للسياسات الإسرائيلية تجاه نهري اليرموك والليطاني، رسالة ماجستير،( جامعة القاهرة، كلية الإقتصاد والعلوم السياسية،  2015).
  • خالد وليد محمود، التغلغل الإسرائيلي في القارة السمراء: أثيوبيا دراسة حالة، ( _    ، مركز الجزيرة للدراسات، 24يناير2012).
  • ذكي البحيري، مصر ومشكلة مياه النيل وأزمة سد النهضة :إتفاقيات المياه والتغلغل الصهيوني ، (القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 2016) ب ط.
  • محمد محمود دياب، السياسة الخارجية الاسرئيلية تجاه إثيوبيا وتأثيرها علي الأمن القومي المصري ،رسالة ماجستير، (جامعة الأزهر، كلية الأداب والعلوم الإنسانية ، 2015).
  • نائل عيسي جودة، السياسة الخارجية الاسرائيلية تجاه المنطقة العربية وأثرها علي الأمن القومي العربي (1991-2011)، رسالة ماجستير، (جامعة الأزهر، كلية الاقتصاد والعوم الإدراية، 2013).
  • ثالثاً الدوريات والمجلات العلمية:
  • حسين خلف موسى ،اثيوبيا بين التواجد المصري والحضور الإسرائيلي في حوض النيل الرؤى و الإشكاليات، “المركز العربي للدراسات الإستراتيجية “، العدد (   )، المجلد (  )،  مايو 2014ظ.
  • محمد أبو العينين، آخرون، التقريرالاإستراتيجي في شرق إفريقيا(2009-2010)، مركز البحوث للدراسات الإفريقية، القاهرة 2002.
  • محمد حجازي، نحو إستراتيجية مائية مصرية في حوض النيل ،”السياسة الدولية “، العدد(125)، يوليو1996.
  • محمد سلمان طايع،آليات التعامل المصري مع الواقع الحالي لأزمة سد النهضة من المنظور السياسي، ا”لمركز القومي للدراسات لدراسات الشرق الأوسط “، العدد(63)، يوليو 2014.
  • نادية سعد الدين،التغلغل الاقتصادي الإسرائيلي في شرق إفريقياوإنعكاساته علي الأمن القومي العربي، ” مجلة المستقبل العربي“، العدد(292)، إبريل 2003.
  • نورا ماهر،التطويق المائي وتأثيرات التحرك الاسرئيلي في حوض النيل ،”السياسة الدولية “، العدد(195)، المجلد(9)، إبريل2014.

[1] حمدي عبد الرحمن، الإختراق الإسرائيلي الأفريقي، (الدوحة ، منتدي العلاقات العربية الدولية ، 2015) ط 1، ص40.

[2]محمد محمود دياب،السياسة الخارجية الاسرائيلية تجاه إثيوبيا وتأثيرها علي الأمن القومي المصري (1990-2001)، رسالة ماجستير، (جامعة لاأزهر، كلية الأداب والعوم الإنسانية ، 2015)ص 67-69

[3] محمد السيد سليم ،:تحليل السياسة الخارجية ، (القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، 1997)، ط2، ص7.

[4] جمعة بن علي بن جمعة، “الأمن العربي في عالم متغير “، (القاهرة ، مكتبة مدبولي ، 2010، )”1، ص 25

[5] موسي فرجي، اسرائيل وحركة تحرير جنوب السودان :نقطة البداية ومرحلة الانطلاق، ترجمة الدار العربية للدراسات والنشر (تل أبيب، مركز ديان لدراسات الشرق الأوسط وافريقيا)، ص 52.

[6]كمال المنوفي،  مناهج وطرق البحث في علم السياسة(القاهرة ، دار الغريب ،2015)ب ط، ص36.

[7] حمدي عبدالرحمن، مرجع سابق

[8] حسين خلف موسى ،اثيوبيا بين التواجد المصري والحضور الإسرائيلي في حوض النيل الرؤى و الإشكاليات، “المركز العربي للدراسات الإستراتيجية  “، العدد (   )، المجلد (  )،  مايو 2014 .

[9] نائل عيسي  جودة، السياسة الخارجية الاسرائيلية تجاه المنطقة العربية وأثرها علي الأمن القومي العربي (1991-2011)، رسالة ماجستير، (جامعة الأزهر، كلية الاقتصاد والعوم الإدراية، 2013)

[10] ذكي البحيري، مصر ومشكلة مياه النيل وأزمة سد النهضة :إتفاقيات المياه والتغلغل الصهيوني ، (القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 2016) ب ط

[11] محمد سيلمان طايع، سد النهضة  وتأثيره علي الامن المائي المصري : دراسة من منظور جيوبوليتكي، (القاهرة، دار الشروق، 2014)، ط، ص68-70.

 

[12] محمد محمود دياب، السياسة الخارجية الاسرئيلية تجاه إثيوبيا وتأثيرها علي الأمن القومي المصري ،رسالة ماجستير، (جامعة الأزهر، كلية الأداب والعلوم الإنسانية ، 2015).

[13] نورا ماهر،التطويق المائي وتأثيرات التحرك الاسرئيلي في حوض النيل ،”السياسة الدولية “، العدد(195)، المجلد(9)، إبريل2014.

[14] آية محمد يحيى حامد، البعد المائي في الصراع العربي الإسرائيلي: دراسة للسياسات الإسرائيلية تجاه نهري اليرموك والليطاني، رسالة ماجستير،( جامعة القاهرة،  كلية الإقتصاد والعلوم السياسية،  2015).

[15] محمد سليمان طايع، مرجع سابق،  ص68-70.

[16] نادية سعد الدين،التغلغل الاقتصادي الإسرائيلي في شرق إفريقياوإنعكاساته علي الأمن القومي العربي، ” مجلة المستقبل العربي“، العدد(292)،  إبريل 2003، ص105-106.

[17] عمر فضل الله، حرب المياه علي ضفاف النيل : حلم اسرئيلي يتحقق، (الجيزة  ، دار نهضة مصر ، 2014)، ط2، ص72

[18] نائل عيسي، مرجع سابق ،  ص113

[19]  خالد وليد محمود، التغلغل الإسرائيلي في القارة السمراء: أثيوبيا دراسة حالة، (  _    ، مركز الجزيرة للدراسات، 24يناير2012،)، ص3

[20] محمد أبو العينين، آخرون، التقريرالاإستراتيجي في شرق إفريقيا(2009-2010)، مركز البحوث للدراسات الإفريقية،  القاهرة 2002، ص72.

[21]نائل عيسي  جودة،  مرجع سابق، ص 98

[22] ذكي البحيري ، مرجع سابق، ص 503.

[23] اسماعيل شمس الدين ، سد النهضة الاثيوبى وحتمية توفر المياه والطاقة لدول المصب السودان ومصر(      ، دار روافد ،2014)، ط1.

[24] محمد حجازي، نحو إستراتيجية مائية مصرية في حوض النيل ،”السياسة الدولية “، العدد(125)، يوليو1996، ص130-131.

[25] محمد سلمان طايع،آليات التعامل المصري مع الواقع الحالي لأزمة سد النهضة من المنظور السياسي، ا”لمركز القومي للدراسات  لدراسات الشرق الأوسط “، العدد(63)، يوليو 2014، ص86-87.

[26] ذكي البحيري، مرجع سابق ،  ص579.

[27] أشرف محمد كشك, السياسة المائية المصرية تجاه دول حوض النيل ( القاهرة : برنامج الدراسات المصرية الأفريقية, كلية الاقتصاد والعلوم السياسية, 2006)

  • خاص – المركز الديمقراطي العربي
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق