الدراسات البحثيةالعلاقات الدوليةالنظم السياسي

قطر: تحولات سياستها الخارجية أو الوجه الآخر للسياسة القطرية

اعداد : السفير بلال المصري – ســفيـر مصر السابق لدي أنجولا وساوتومي والنيجر –

مدير المركز الديمقرلطي العربي

مُــــقــــدمـــة :

قطر التي حصلت علي إستقلالها عام 1971 عبارة عن شبه جزيرة داخل مياه الخليج العربي والذي يكاد وأن يكون بحراً شبه مُقفل إلا أن مضيق هرمز يفتح لهذا البحر سبيلاً لخليج عُمان ومنه للبحر العربي , وهو مضيق مهدد بالإغلاق لأن الخليج العربي تطل عليه دول مجلس التعاون الخليجي وإيران وكلاهما في حالة دائمة من التربص المُتبادل , وتبلغ مساحة قطر إحدي الدول المُطلة علي هذا الخليج الذي يُعتبرمخزن طاقة إستراتيجي للعالم الصناعي 11,437 كم مربع ولها حدود برية وبحرية مع كل من المملكة السعودية والإمارات المتحدة وبحرية فقط مع البحرين , أخذت قطر التي كانت تحكمها بريطانيا عن طريق الوكيل السياسي (كان يُدعي J.S.R Duncan ومُستشار سياسي يُدعي G.M Hanccock عام 1959) سمت الدولة بعد إستقلالها عن بريطانيا كغيرها من المشيخيات المُتناثرة علي الشاطئ الغربي للخليج العربي والتي تكونت منها دولة الإمارات العربية المتحدة لاحقاً وكانت كلها تُسمي قبل إستقلالها مشيخيات  Sheikhdomsأو إمارات الساحل المُتهادن (Trucial Coast) , كانت هناك كذلك مشيخة قطر تلك التي حكمتها أسرة آل ثاني منذ منتصف القرن التاسع عشر , وهناك حقيقتين لابد من وضعهما في الإعتبار عند النظر لعلاقات قطر مع دول مجلس التعاون الخليجي والسعودية علي وجه التعيين أولاهما أن سكان قطر الأصليين  منشأهم وأصلهم  منطقة نجد التي تعتبر أكبر أقاليم المملكة السعودية مساحة وتقع في وسطها وبالتالي فمن المفترض أنها بذلك أقرب للسعودية من دول مجلس التعاون الخليجي لولا بزوغ النجم الآفل محمد بن سلمان ولي عهد السعودية الحالي ورائد التحديث الوهمي الذي يطلبه ويحدد إطاره الغرب الصليبي , ثانيهما أنه وفقاً لهيئة الإحصاء القطرية فقد يصل إجمالي عدد سكان قطر إلى 2.8 مليون نسمة بحلول عام 2020 ولكن وثيقة استراتيجية التنمية الوطنية القطرية (2011 – 2016) أشارت إلي أن عدد سكان البلاد سيصل إلى 1.78 مليون نسمة في عام 2013 و1,81 مليون نسمة في عام 2014 و1,84 مليون نسمة 2015 و1,86 مليون في عام 2016 منهم حالياً 300,000 مواطن قطري الأصل , وهؤلاء   القطريين الأصليين يتبعون في غالبيتهم المذهب أو الفكر الوهابي في نسخة يغلب عليها الرمادية فالأمير تميم يعلم أن الوهابية مُحاطة بسلسلة مُتصلة من الدعاية الغربية المُتطرفة تناصبها العداء خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 فقد كان من وُجهت إليهم أصابع الإتهام بتدمير برجي التجارة في نيو يورك مجموعة من الشباب السني منهم وهابيون , فيما يعتبر البعض الآخر أن الوهابية مارستها السلطة السياسية السعودية بأسوأ ما يكون التطبيق إذ  كان فيها من المظهرية أكثر مما فيها من الروح الإصلاحية السلفية الحقة التي ما نشأ المذهب أو الفكر الوهابي إلا لغرسها في نفوس سكان شبه الجزيرة العربية  وقت أن شاعت في أوساطهم البدع والخرافات , وكان من المُفترض أن تكون الوحدة المذهبية بين قطر والسعودية عاملاً من عوامل الإرتباط المُتبادل بين البلدين , إلا أنه من الواضح مع وصول الحكم السعودي إلي يد أمير بلا فكر مُحدد إلا من إدعاء الحداثة التي هي في الواقع عنوان عبثي أو طلاء بلا لون مُحدد ولا يحتاج لها المجتمع الإسلامي في العالم الإسلامي كله بقدر حاجته إلي إستعادة تمسكه عملياً بأحكام القرآن الكريم والسنة الشريفة فما هي حاجة مجتمع إسلامي ما إلي حداثة هي في الواقع مُصطلح هلامي بلا مضمون إلا في عقول الخارجين عن نطاق القرآن والسنة , فذلك المُصطلح غالباً ما يُستخدم للتخلص من أفكار وتقاليد وأعراف إتحد مجتمع إسلامي ما علي العمل بها والتعايش في سلام إجتماعي علي أساسها , وفي هذا أشارت وكالة الأنباء القطرية بمناسبة إفتتاح أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني لمسجد الشيخ محمد بن عبد الوهاب إمام الدعوة السلفية (الوهابية) النجدية في الدوحة في 16 نوفمبر 2011 إلي إنتماء الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلي قبيلة بني تميم التي تنتمي إليها الأسرة الحاكمة في قطر (15,5% من سكان قطر شيعة) كإشارة إلي تمسك قطر بالمذهب الوهابي الذي تتنصل منه السعودية تدريجيا بترويع بعض دعاته وتحويل البعض الآخر ممن يرضي بالعيش في ظلال سلطة أي سلطة طالما  ستجزل له العطايا .

ربما تميزت الأسرتان الحاكمتان في قطر والكويت عن باقي دول الخليج العربي بتبنيهما في وقت مبكر لنظرة إقتصادية سديدة مؤداها التعامل بحرص وحذر وواقعية نسبية مع الثروة الوحيدة التي يمتكانها وهي الثروة البترولية القابلة للنضوب , وقد أدت هذه النظرة الثاقبة التي تعاملت مع الزمن وكأنه عامل من عوامل الإنتاج فأخذت – في وقت مُبكر في مستهل سبعينات القرن الماضي – من أرباح البترول ما أمكنها من إقامة صناعة ثقيلة كالحديد والفولاذ والبتروكيماويات والأسمدة وإسالة الغاز والأسمنت , وخصصت من الموازنة العامة للدولة لعام 1976 مبلغ 380 مليون دولار أي خمسة أضعاف ما خُصص في العام السابق من أجل الصناعات الثقيلة , وذلك في إطار نهج إقتصادي يستهدف تنويع الإستثمار بحيث تُشكل عائدات دولة قطر المباشرة من النفط نسبة 15% فقط من إجمالي عائداتها عام 1980 أما النسبة الباقية للعائدات فتأتي من البتروكيماويات والصناعات الثقيلة والخفيفة , لكن تظل ثروة قطر من الغاز الطبيعي والبترول هما المُمول الوحيد لسياسة تنويع الإستثمارات تلك .

لم تعزل قطر نفسها بحكم موقعها الجغرافي غير المُميز عن محيطها العربي فأسست سياستها الخارجية خاصة في الدائرة العربية علي عدة محاور وأسس كان وما يزال من أهمها سياسة المنح والمساعدات المالية التي وُجه جزء كبير منها في سبعينات وثمانينات القرن الماضي إلي دول خط المواجهة مع الكيان الصهيوني ولمنظمة التحرير الفلسطينية , وعلي سبيل المثال لا الحصر فقد تلقت مصر من قطر مبلغ 200 مليون دولار علي شكل منح وقروض وقتذاك , كما وافقت قطر علي المساهمة في صناعة الأسلحة العربية المُقترحة آنذاك ومقرها مصر (هيئة التصنيع العربية) بمبلغ 400 مليون دولار هذا بالإضافة لمساعدات وُجهت لدول أفريقية منها مثلاً أوغندا التي تلقت 3,5 مليون دولار عام 1975 * ( النشرة السنوية للشرق الأوسط لعام 1977 . صفحة 206) , وفي سبيل تكوين  وصياغة ” الدور” الإقليمي المؤثر وحتي لا تظل قطر مجرد إمارة علي خط التماس بين دول الخليج وإيران أنشأت دولة قطر شبكة الجزيرة الإعلامية عام 1996 والتقييم الموضوعي لها بغض النظر عن تطويعها لتحقيق بعض الأهداف الدقيقة للسياسة القطرية وهو حق لها والتركيز في حالات بعينهاعلي حدث ما في دولة ما وإهمال أو تأجيل تناول حدث ما في دولة اخري , أنها مؤسسة تتحري الحرفية والحركية والعمق والبعد عن الجانب الدعائي والتبعية الكاملة للحكومة القطرية بحيث لا يمكن للمرء القول بصفة مُطلقة بأنها صدي صوت حكومي His Master,s Voice  مُبتذل كشأن مؤسسات الإعلام العربية الأخري التي تتعامل مع مستمعيها ومشاهديها وقراءها علي أنهم سفهاء , وهذا التباين وهذه الحرفية شكلتا بشكل تراكمي إسناداً وقوة إندفاع للسياسة القطرية خاصة فيما تعلق بإقتحامها مجال الوساطة في بعض الأزمات الإقليمية وهي متعددة كأزمة دارفور والأزمة الناشئة عن النزاع الحدودي بين أرتريا وجيبوتي وغيرهما كثير مما أفضي في النهاية إلي بناء قطر لدور سياسي وإقتصادي دولي بواسطة مزيج أو ضفيرة واحدة قوامها القدرات الإقتصادية والمالية والإعلامية إستطاعت بها التأثير إلي الحد الذي لا يمكن موضوعياً القول بأن الحصار الذي فرضه علي قطر رباعي الحصار (السعودية / الإمارات العربية / البحرين / مصر) في 5 يونيو 2017 كان مؤثراً أو ضاراً عليها بل إنه في تقديري كان عامل شحذ وإستخراج مزيد من الميزات بمزيد من المزج لهذه القدرات المُشار إليها وكان من بين ما أضافته شبكة الجزيرة لقطر أنها أكسبت قطر أهمية نسبية لدي المؤسسات الأمنية الأأمريكية خاصل وكالة المخابرات المركزية CIA, كما أن الدور القطري المُتميز علي هذا النحو كان كاشفاً في الوقت نفسه عن النمطية التي تتناول بها الولايات المتحدة إستراتيجيتها مع دول الخليج العربي فكلهم بالنسبة للولايات المتحدة ” توابع” أو كما يُوصفون إعلامياً من قبيل المُبالغة “حلفاء” , وبالتالي فلا أفضلية لأي من هذه الوحدات السياسية الخليجية ولا لغيرها بالمنطقة إلا بصفة نسبية , لكن الأمر المهم هنا هو التأكيد علي أن قطر لم تتنازل لتقبل أي من الشروط الثلاث عشر التي أعلنها في 5 يونيو 2017 رباعي الحصار علي قطر الذي يُصر حتي يومنا هذا علي رفع هذا الحصار إن إستجابت ونفذت هذه الشروط كلها ومنها مثلاً وقف تمويل ودعم الجماعات الإسلامية المُوصوفة حالياً بالراديكلية أو الأصولية أو الإرهابية و إغلاق أوحصر شبكة الجزيرة الإعلامية في أضيق نطاق وتدجينها لتعمل علي غرار الإعلام العربي السفيه أي في النطاق الضيق التقليدي الهابط لمؤسسات الإعلام العربية والهادفة أساساً لتزييف الوعي العربي بل وإعادة تشكيله ليتناسب مع مرحلة السقوط السياسي والحضاري الحالية , وقبل الإسترسال في تناول الإتجاه والمضمون الحقيقي للسياسة القطرية لابد من التأكيد علي أن الحصار الرباعي علي قطر والذي فُرض من خارج نطاق جامعة الدول  العربية مما يُؤكد أنه إجراء غير حائز علي إجماع عربي كما أنه إجراء لا سابقة له وغير مدروس مؤسسياً فهو مجرد قرار أُخذ بليل وأظهر قطر علي خلفية الرسائل الإعلامية عالية الحرفية التي تبثها شبكة “الجزيرة” وكأنها ضحية مع أن المُحاصر وهو قطر والمُحاصرين الأربع نطاق حركتهم السياسية داخل مربع أمريكي واحد وبالتالي فلهم حرية حصار قطر لكن دون الخروج من هذا المُربع وإلا ….. ولعل أي مراقب لهؤلاء يري بوضوح أن قطر شاركت فيما يُعرف بالتحالف الإستراتيجي للشرق الأوسطMiddle Eastern Strategic Alliance (MESA) أو ما يُشار إليه إعلاميا بالناتو العربي فاقاعدة الأمريكية في التعامل مع كل هؤلاء هي : ” إصدع بما تُؤمر ” .

بالرغم من أنه لا يبدو للعيان أن هناك قمة تغيير في السياسة القطرية منذ فرض الحصار الرباعي علي قطر في يونيو 2017 والمشروط بثلاثة عشر شرطاً بعضها مهين والبعض الآخر مُستهدف منه شل الحركة السياسية القطرية دولياً , إلا أنه في تقديري هناك نذر تحولات  محدودة لكنها رئيسية علي قائمة مُكونات سياسة قطر الخارجية , وهذه النُذر كاشفة عن الأساس الذي تأسست عليه هذه السياسات وعن حقيقة وطبيعة الدور القطري الذي رُوج عن طريق قناة ” الجزيرة ” الفضائية وإعلام بعض الدول المُتعاطفة مع قطر رُوج له علي أنه دور مُساند للشعوب وهو للأسف ما يصطدم بالواقع , ومن بين أمثلة عديدة دامغة أُشير إلي آخرها وهو دعم قطر الإقتصادي والسياسي لنظام الرئيس عمر البشير برغم السخط والغضب الشعبي في السودان وهو سخط مُتطابق مع ثورات الربيع العربي وإمتداد طبيعي لها , وفي تقديري أن قطر التي ساندت ثورات الربيع العربي قبل 5 يونيو 2017 تاريخ فرض الحصار الرباعي بضوء أخضر أمريكي لكنه خافت سرعان ما إنطفأ بتسوية أمريكية / قطرية , ليست هي قطر بعد هذا التاريح , إذ ان قطر أقدمت  علي إجراء بعض التحولات في سياستها الخارجية وفي مواضيع وقضايا إنتقائية  , وهذه التحولات في تقديري لم يتجه مُتخذ القرار السياسي القطري إلي إجراءها من أجل رفع الحصار الرباعي من علي قطر , فليس لهذا الحصار من قيمة واقعية تخشي منها قطر, إذ تُظهر النتائج الإقتصادية التي سجلها الإقتصاد والمالية العامة القطرية وكذا شبكة العلاقات الخارجية أن الحصار الرباعي كان دافعاً إيجاباً لقطر خاصة من الوجهة الإقتصادية وكان أيضاً حافزاً لتوثيق وتعزيز العلاقات الخارجية القائمة بتعزيز سياسات قائمة و/ أو البحث عن وتطبيق سياسات بديلة , وهو ما أعنيه حرفياً عندما أشير إلي أن ما أقدم عليه مُتخذ القرار القطري يُعد تحولات محدودة في سياسات رئيسية بعينها , ومن الوجهة المبدئية فإن هذا التحول لم يكن نمطياً إذ أنه تحول بالتطوير في سياسات وبالملائمة في سياسات وبالتغيير الجذري في سياسات أخري , هذه التحولات المحدودة عدداً هي في الأساس لم تكن إلا إستجابة لمتطلبات إستراتيجيات القوي الدول الغربية الكبري وفي مقدمتها الولايات المتحدة مُستغلة ضغوط التهديدات المُحتملة للحصار الرباعي فجنت هي وبعض القوي الدولية وليس دول الحصار الرباعي ثمار ونتائج الحصار الرباعي الذي سيُرفع آجلاً أم عاجلاً  بالمشيئة الأمريكية وليس بإرادة الرباعي , فمن يتولي حماية كل هذه النظم السادرة في غيها السياسي هي الولايات المتحدة المُتصرف الحصري لكل أمور هؤلاء , وكما كان صمود قطرأمام الحصار الرباعي غير المحسوب منذ 5 يونيو 2017 وحتي الآن دالة علي جاهزية وحركية ومرونة السياسة القطرية , فقد كان في إقدام قطر علي إجراء هذه التحولات في عدد محدود من السياسات المُتعلقة ببعض القضايا الرئيسية فرصة للمراقب لإستجلاء القدر الوفير من المرونة والقدرة علي الإخفاء بالتنكر أو الإيهام يساعدها علي ذلك الحرفية العالية لشبكة ” الجزيرة ” الإخبارية وهي أداة ووسيلة ذات بأس لو يعلمون عظيم وكان الأدعي لدول الحصار الرباعي بدلاً من وضع شرط إغلاق ” الجزيرة ” أن تنُشيئ إعلام مهني حر بدلاً من إعلامها الكسيح المُثير للسخرية , فالإعلام القطري مُمثلاً في “الجزيرة” يكاد وأن يكون أحد تروس آلة إنتاج سياستن قطرالخارجية وبل ويد تشارك في نسج شبكة علاقاتها الدولية المُتسعة , وقد تناولت تحولات عدداً من السياسات التي كانت قائمة ومُستقرة قبل فرض الحصار الرباعي في 5 يونيو 2017 منها ثلاث أعتبرها الأهم ومجالها ثلاث موضوعات هي : (1) دعم قطر للجماعات الإسلامية / التيار الجهادي , (2)  مستقبل العلاقة القطرية مع الكيان الصهيوني , (3)  العلاقة مع تركيا , ومن المهم أن أشير إلي أن التحول الذي لحق بهذه الموضوعات الثلاث ليس بمستوي أو عمق واحد , لكنه في التحليل النهائي يُعبرعن إتجاه سياسي مختلف في السياسة القطرية بلا شك .

(أولاً) تحول قطر عن دعم الجماعات الإسلامية المعارضة أو التيار الجهادي :

فيما يتعلق بتغيير بعض السياسات يأتي في المقدمة التغيير الأهم وهو المُتعلق بعلاقات قطر بالتيار الإسلامي الجهادي والذي لا يستسيغه حكام منتهي الإعتدال بأوطاننا ومعهم معظم النخب السياسية بعالمنا العربي والإسلامي وهي نخب تم إستصال هويتها الأصيلة وتتولي المناصب القيادية في مؤسسات هذه الدول وهي التي تنفذ سياسات تقود إلي هاوية الذل والمهانة التي بها سقوطنا الحضاري تحت عناوين بل مبررات متنوعة منها الحداثة والتقدمية والثورة علي الثوابت الإسلامية والموروث القيمي الإجتماعي الذي كان يمثل النسيج القوي بألوانه الأصيلة , ففي نظر هؤلاء لا يجب رفع السلاح ضد فرنسا والولايات المتحدة وأضرابهما من القوي الدولية التي إستباحت كل شيئ بدءاً من الموارد الطبيعية مروراً بتحديد مفاهيمنا ومصطلحاتنا السياسية ومنها الديموقراطية التي حُرمت علي التيار الإسلامي الذي يجري شيطنته لأسباب ودوافع مختلفة, وهي مفاهيم ومصطلحات يحتكر تحديدها  لنا قادة القوي القابضة علي الحكم وإعلامييها , بإيعاز ومُساندة وتحريض من القوي الدولية عبر وكلاءها ممن يحكمون عالمنا الإسلامي , والقاعدة العامة التي يتم تطبيقها هو التضييق علي اتيار الإسلامي  لعرقلة دخوله نطاق العمل السياسي في مرحلة ثم تتحؤيم فتجريم ممارسته العمل والفعل السياسي , وأصبح من يحدد لهؤلاء ولنا المُسلم المُعتدل المؤسسات الأمنية والإعلامية والبحثية خارج دار الإسلام  وبقدر ما يتنازل نظام ما في العالم العربي والإسلامي عن ثوابت الدين بقدر ما يحظي بالمساندة والتحصين وتسمية خصومه السياسيين بالمُتطرفين , وقطر ليست ولم تكن يوماً إستثناء من ذلك  .

في ضوء ما تقدم وتدليلاً علي ما طرأ مُؤخراً من تحول في توجهات السياسة القطرية إزاء التعامل / التعاون أو الإرتباط بالتيارات الإسلامية جهادية أو سياسية صرفة , أشير بالتحديد إلي أن هذا التغيير قد بدأته السياسة القطرية منذ بضعة أشهر لكن من نقطة بعيدة نسبياً عن نطاق العالم العربي , فقد بداته من منطقة الساحل وتحديداً بمالي , ففي 27 ديسمبر 2018  أُعلن عن أن وزارة الخارجية القطرية أشارت إلي ” أن طائرات عسكرية شحنت وسلمت 30 عربة مُدرعة لمالي , وذلك للمساعدة في مواجهة الإرهاب وإرساء الأمن ليس فقط في جمهورية مالي بل أيضاً في منطقة الساحل الأفريقي والتي شكلت ما يُعرف بمجموعة الساحل  الخماسية  أو G5 Sahel وهي المجموعة التي تضم كل من مالي والنيجر وموريتانيا وتشاد وبوركينافاسو والتي تولت فرنسا إقامتها والترويج دولياً لتمويلها حماية لمصالحها الإقتصادية الإستراتيجية بمنطقة الساحل ولمواجهة تهديدات معارضي الوجود الفرنسي بهذه المنطقة وهم في غالبيتهم من التيار الجهادي الإسلامي , وقد بدأت فرنسا التحرك من أجل جمع شتات الدول الخمس المُشار إليها لتكوين مجموعة الساحل الخماسية بعد تطورات مُتلاحقة بمالي والنيجر شكلت تهديداً مباشراً للعسكرية الفرنسية ومن ثم عرضت مصالح فرنسا الإقتصادية للخطر وبدأ تصاعد هذه التهديدات المُوجهة حصرياً للوجود الفرنسي عام 2009 بالنيجر بخطف الخبراء التعديننين العاملين في مجال إستخراج اليورانيوم بمناجم Arlit بالنيجر ومعظم هؤلاء تابعون لمجموعة Areva المملوك معظمها للدولة الفرنسية مما أدي لتوقف العمل بصفة مُتقطعة أكثر من مرة بمناطق الإستخراج وهو ما يمثل خسارة إقتصادية ملموسة لفرنسا وبالتالي تهديداً مباشراً لأمنها القومي , إذ أن فرنسا تعتمد علي يورانيوم النيجر التي تعد ثالث أكبر مُنتج عالمي له في تشغيل 47 مفاعل نووي بها لتوليد الطاقة الكهربائية  , كذلك ففي مالي فقد تزامن ما حدث في النيجر مع إنتقاد فرنسا العلني لرئيس مالي السابقAmadou Tomani Toure مُتهمة إياه بالتراخي في مواجهة الجماعات الجهادية في مالي خاصة في شمالها حيث معظم سكانه من الأزواد / الطوارق , ولما يأست فرنسا من إجبار الرئيس Toure علي الخضوع لتدخلاتها وتصنيفها لما هو إرهابي أو غير إرهابي , فقد قام المكتب الثاني ( المخابرات العسكرية الفرنسية بهندسة وتخطيط الإنقلاب العسكري في النيجر في 18 فبراير 2010 ةإنقلاب آخر في مالي في 22 مارس 2012 وكلاهما بقيادة ضابطين برتبة صغيرة , وتدليلاً علي موقف الرئيس Amadou Tomani Toure  نجده يدلي بتصريح في 20 سبتمبر 2010 يقول فيه ما نصه ” أنه ليس للفرنسيين إلقاء اللوم علي دول المنطقة , فهذه الدول طالها عدم الإستقرار بسبب مواجهات فرنسا مع الإسلاميين “ , ولذلك خططت لإنقلاب عسكري في 22 مارس 2012أي قبل نهاية ولايته الرئاسية بشهر قاده ضابط برتبة صغيرة يُدعي Amadou Sanogo  والذي برر هو وزملائه الإنقلابيين فعلتهم بقولهم بأن ” نظام الرئيس Amadou Tomani Toure لم يدعم جيش مالي بالقدر الكافي في معركته مع متمردي الطوارق بشمال مالي “, مع أن هذا الجيش المالي وبعد شهر من هذا الإنقلاب هرب وتخلي عن مواقعه أمام عناصر الحركة الوطنية لتحرير أزواد MNLA عند إعلانهم الإنفصال عن مالي في 4 أبريل 2012 , ولولا مواجهة تنظيم أنصار الدين الإسلامي وسحقه لهؤلاء الإنفصاليين في 26 إلي 28 يونيو 2012ما إستطاعت مالي بجيشها الذي يقوده ثلة من الإنقلابيين الحفاظ علي تكامل وسيادة مالي علي أراضيها , وقد إدعت الحكومة الفرنسية – كما العهد بها في الإنقلابات التي تديرها بمستعمراتها الفرانكفونية السابقة – إدانتها الرقيقة والدبلوماسية لهذا الإنقلاب , وكذلك فعلت قبل ذلك بعامين حينما دعمت إنقلاب النيجر الذي قاده عسكري برتبة متواضعة أيضاً يدعي Salou  والذي أطاح في 18 فبراير 2010 بالرئيس Mamadou Tandja بسبب موقفه الصلب في مناوئة الإستغلال الفرنسي المهين ليورانيوم النيجر ولمجرد أنه تجرأ علي المطالبة بتحسين شروط التعاقد الفرنسي لعقود إستغلال يورانيوم النيجر وكذلك لمطالبته فرنسا عبر مجموعةِAreva  المملوك معظمها للدولة الفرنسية بالبدء في التدفقات الإستثمارية في منجمImoraren بشمال النيجر ثاني أكبر منجم يورانيوم بالعالم , ولم يكن الموقف الفرنسي  العدائي للرئيس Tandja بسبب مشروعه للتمديد لفترة رئاسية ثالثة والتي لا تتفق ونص دستور النيجر لعام 1999 , ففرنسا والولايات المتحدة لديهما أوثق العلاقات مع رؤساء أفارقة بعضهم فارق حياته وبعضهم ينتظر بعد أن مكثوا علي رأس الحكم بلا كفاءة لمدة لا تقل عن 30 عام متواصلة مثل إدريس ديبي وبونجو ونجيسو ساسو وغيرهم , وهذه المواقف الغربية عموماً وعلي نحو خاص الفرنسية والأمريكية  والمُتناقضة والمُعلنة تجعل المرء يتأكد من أن مصالح فرنسا ليست لها علاقة ما بالديموقراطية ولا بالتكامل الترابي لمستعمراتها السابقة في أفريقيا , فالعسكرية الفرنسية وكذلك عسكريات القوي الدولية الكبري والإعلام الغربي مُبرمجين علي إعتبار “الجهاديين” أعداء لفرنسا وأعداءهم ولا يعتبرونهم ” معارضين” شأنهم شأن أي تيار معارض آخر , أما الإنقلابيين العسكريين في العالمين الثالث والرابع وحركات الإنفصال مثل MNLA في مالي وFLEC بكابيندا في أنجولا (التي إتخذت من باريس مقراً لحكومتها بالمنفي) التي تطالب بفصل إقليم جيب كابيندا بأنجولا , فهم أدوات ليس إلا تُستخدم لتعزيز إحكام قبضة فرنسا علي مصالحها عموماً وبمستعمراتها السابقة علي نحو خاص , ومن هنا يمكن هضم فكرة أن الإنقلابيين والمستبدين الطغاة والإنفصاليين في نظر القوي الكبري آثمون لكن باب الغفران الإمبريالي لا يوصد في وجوههم أبداً .

منذ أن وصلت الأزمة المالية إلي ذروتها بالتدخل العسكري الفرنسي المباشر بشمال مالي بعملية Serval في ديسمبر 2012 لم تكتف العسكرية الفرنسية بعملياتها العسكرية الوحشية تلك والتي بالرغم من أنها كانت بغطاء دولي هو قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2085 بتاريخ 20 ديسمبر 2012  , إلا أنها لم تكن خاضعة لرقابة أو لمتابعة دولية لكيفية تنفيذ العسكرية الفرنسية لعمليتها العسكرية ولا مداها , وكان يرد لدي في هذه الآونة عندما كنت سفيراً لمصر في النيجر المُلاصقة لمالي معلومات عن إنتهاكات فرنسية لأمن وحياة سكان شمال مالي والتي لم يتناولها إعلام فرنسا أو الغرب المدعو “بالحر” , وعلي كل حال ومع رغبة فرنسا إحكام قبضتها علي الأوضاع بمنطقتي الساحل والصحراء الكبري تطلعت الدبلوماسية والعسكرية الفرنسيتين إلي إبتكار مظلة من خمس دول واقعة بهاتين المنطقتين لشرعنة وجودها بصفة مُستديمة وكذلك لكي ترسخ إنطباع كاذب بأن وجودها العسكري إنما هو مُكمل لجهود من خمس دول هي مالي / النيجر / تشاد / موريتانياوبوركينافاسو تحت مسمي مجموعة الخمس للساحل G 5 Sahel , لكن التمويل وقف كعقبة كؤود أمام تحقيق فرنسا لإنشاء وبدء عمل هذه المجموعة التي لم تكن في التحليل الأخير لها في تقديري إلا ظهيراً لحملة صليبية تُوجه للعالم الإسلامي من نقطة إنطلاق جديدة هي الصحراء الكبري , ولم تكن قطر معنية بأي شكل بالإقتراب أو التجاوب مع الإتجاه الفرنسي لمواجهة ما تصر فرنسا وغيرها علي وصفهم “بالجهاديين ” أو الإرهابيين في منطقة الساحل وما هم إلا معارضين مُسلحين للوجود الفرنسي بهذه المنطقة , وهناك مؤشران علي الأقل علي عدم التجاوب القطري آنئذ مع الجهود الفرنسية السابقة فيما يتعلق بإنشاء قوة الساحل الخماسية وهما :-

(1) أن قطر لم تشارك أو تقترب من الجهود الفرنسية منذ أن بدأت الدبلوماسية الفرنسية تحركاتها العلنية لإقامة قوة الساحل الخماسية , فقطر لم تشارك لا في قمة مُصغرة في Celle Saint-Cloud بالقرب من العاصمة الفرنسية باريس في 13 ديسمبر 2017 والتي ضمت بجانب الرئيس الفرنسي Emmanuel Macron رؤساء دول القوة الخماسية مالي والنيجر وبوركينافاسو وتشاد وموريتانيا (رفضت الجزائر الإنضمام لهذه الجهود) بالإضافة إلي وفود من الدول المانحة مثل السعودية والإمارات والولايات المتحدة وإيطاليا وبلجيكا وألمانيا , وأستهدفت فرنسا من عقد هذه القمة تسريع وضع القوة الخماسية موضع التنفيذ في ضوء إفتقاد التمويل اللازم والذي قُدر حده الإدني آنئذ بنحو 250 مليون يورو , وقد أعلن الرئيس الفرنسي أمام هذه القمة عن تعهد السعودية بالمساهمة بنحو 100 مليون يورو وكذلك عن مساهمة الإمارات بنحو 30 مليون يورو وهو ما يفي بالإحتياج وفقاً للرئيس الفرنسي علي إعتبار أن مساهمتي الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي ستسدان الفجوة التمويلية المُتبقية أيضاً لإنشاء قوة الساحل الخماسية , كما لم تشارك قطر أيضاً في ” المؤتمر الدولي رفيع المستوي بشأن الساحل ” الذي عُقد في بروكسل في 23 فبراير 2018 والذي شاركت فيه السعودية والإمارات بإعتبارهما دولاً مانحة ( طبعاً لا بد من التخلي عن السؤال الضروري وهو : ما علاقة مملكتين قائمتين في رمال صحراء شبه الجزيرة العربية بجمهوريات تبعد عنها آلاف الكيلومترات مُتناثرة علي رمال الصحراء الكبري؟ )  , وأقل ما تعنيه عدم مُشاركة قطر في هاتين القمتين وعن الإتصالات الفرنسية السابقة واللاحقة لهما أن قطر منذ ديسمبر 2017 وحتي نوفمبر2018 لم تبد تجاوباً للمساهمة في قوة الساحل الخماسية لسبب بسيط هوأن سياستها كانت مُتجهة نحو دعم التيار الجهادي هناك وهذا وبغض النظر عن دوافعه إلا أنه كان صائباً وهو كذلك , رغم إعتبار فرنسا لهذا التيار بأنه تيار إرهابي ورغم أن العلاقات الفرنسية / القطرية كانت نشطة في دوائر أخري كمشتريات السلاح القطري مثلاً , لكن في نفس الوقت يجب القول والإشارة – طالما الكلام عن الإرهاب – بأن فرنسا ومعها القوي الدولية الأخري والحكام المحليين التبع بهذه المنطقة لا يمكن إستثناؤهم من ممارسة الإرهاب لتطابق أفعالهم العلنية وغير العلنية مع معايير الإرهاب , علي أية حال فقد ظل العمل علي إنشاء قوة الساحل الخماسية يُراوح مكانه بسبب معضلة تمويل هذه القوة التي ما زالت تمثل تهديداً ماثلاً لإستمرارية هذه القوة التي قيل أنها معاونة واليست قناعاً لإستمرار وشرعنة  الحملة الإرهابية العسكرية الفرنسية في شمال مالي , وفي سبيل حل هذه المُعضلة فقد قدرت الأوساط المعنية الفرنسية أن الإتحاد الأوروبي سيمكنه التعهد بمبلغ يتراوح ما بين 50 إلي 80 مليون يورو , لكن المشكلة التمويلية لم تصل حتي وقت قريب للحد المُرضي لفرنسا التي مازالت تواصل جهودها من أجل أن تقف قوة الساحل الخماسية علي أقدامها لذلك عقدت في 15 يناير 2018 إجتماعاً وزارياً في باريس ضم وزراء دفاع ورؤساء أركان دول قوة الساحل الخمس إستقبلتهم وزيرة الدفاع الفرنسية (التي قامت بزيارة مالي في مستهل 2018) وحضر هذا الإجتماع ممثلي 8 دول مساهمة و3 منظمات هي الإتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والإتحاد الأوروبي , ومما قالته وزيرة دفاع فرنسا فيه ” إن الهدف (من الإجتماع) هو الخروج بخارطة طريق وجدول زمني بالعمليات خاصة في المنطقة التي تلتقي عندها حدود النيجر ومالي وبوركينافاسو” .

من الواضح ومن المنطقي أن دعم قطر لجماعة أنصار الدين في كفاحها للحفاظ علي الهوية والمصالح الوطنية بل والتكامل الترابي لمالي مكن هذه الجماعة مع عوامل أخري من إحباط مقاتليها خطة فصل شمال مالي التي أعلنتها الحركة الوطنية لتحرير أزواد MNLA في 4 أبريل  2012 وهو دعم أشارت إليه مصادر مخابراتية غربية وجزائرية ولابد من أنه كان بعلم وإذن من الولايات المتحدة بل وبالتنسيق معها , فهي التي تصون أمن قطر التي تتمتع بالحماية الأمريكية شأنها شأن كل دول شبه الجزيرة العربية , وقطر في هذا شأنها شأن الإمارات التي مولت عملية Serval العسكرية الفرنسية في شمال مالي بسبعة مليارات دولارات فلفرنسا قاعدة السلام العسكرية بالإمارات لحماية الإمارات من عدوها وصديقها التجاري : إيران , وظل الموقف القطري علي مسافة من الموقف الفرنسي فيما يتعلق برؤية فرنسا لأمن منطقة الساحل علي هذا النحو الذي تراوح ما بين الدعم العسكري والمالي وبين الإبتعاد عنن التفاعل مع الرؤية الفرنسية  وظهر ذلك جلياً في عدم مشاركة قطر في إجتماع Celle Saint-Cloud في 13 ديسمبر 2017 الذي حضرته السعودية والإمارات وظل هكذا حتي ما قبل الإعلان القطري في 26 ديسمبر 2018 عن تسليم 24 عربة مُدرعة لحكومة مالي في إطار مساهمتها في قوة الساحل الخماسية التي تدعمها وتقود فرنسا جهود إنشاءها , فطيلة هذه الفترة  لم يكن لدي القيادة القطرية أي توجه لتغيير وجهة السياسة القطرية بالتخلي عن دعم التيار الإسلامي المُعارض بمالي أو غيرها من دول منطقتي الساحل والصحراء , وهو دعم – كما أشرت وأؤكد – لم يكن بالطبع يجري في غيبة أو غفلة من الولايات المتحدة الأمريكية , فلا يمكن ألا يكون للتمركز العسكري الأمريكي في قاعدة “العيديد” في قطر تأثير مناسب يأخذ صفة التنسيق أو علي الأقل العلم الأمريكي بالبعد العسكري القطري خارج حدود قطر , ولا يستغربن أحد من كلمة ” تنسيق ” تلك , فقطر ودول شبه جزيرة العرب لابد في مقابل تمتعهم بالحماية الأمريكية أن يكون توجههم بالدعم في مناطق كمنطقة الساحل وهي البعيدة عن نطاق دائرة أمنهم القومي توجه وظيفي وليس بالضرورة توجه قائم علي المبادئ أو الضرورة فما هي الضرورة من دعم الإمارات والسعودية وبعدهما قطر للإستراتيجية الأمنية والعسكرية الفرنسية لولا الضغوط التي مُورست عليهم بأشكال مختلفة , وقطرعندما كانت تدعم جماعة أنصار الدين والتوحيد والقتال كانت تفعل ذلك بتوجيه أمريكي إذ أن هناك قدر من التنافسية بين الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا في أفريقيا خاصة في المرحلة التالية للإعلان عن إقامة الولايات المتحدة لقيادتها العسكرية لأفريقيا AFRICOM في 6 فبراير 2007 , فالولايات المتحدة وكنتيجة لدورها الحاسم في الحرب العالمية الثانية بإلحاق الهزيمة بالنازية إتجهت إلي مد نفوذها للشرق الأوسط وحلت محل البريطانيين وهو نفس الهدف الذي تسعي إليه الولايات المتحدة بالحلول محل النفوذ الفرنسي في أفريقيا الفرانكفونية لكن فرنسا تقاوم بشراسة , وكان دعم قطر للتيار الجهادي بمالي والساحل ناشئاً عن إحتياج للولايات المتحدة التي تشكل قاعدة العيديد في قطر العمود الفقري للعلاقات الثنائية مع قطر ودونها ستصبح قطر مُعرضة تماماً , فلهذه القاعدة بالطبع أهميتها في ضوء كون منطقة الخليج العربي برمتها قاعدة عسكرية كبري للولايات المتحدة في مواجهة إيران , كما أنها حلقة إتصال للمجهودات العسكرية الأمريكية بدءاً من أفغانستان وحتي ليبيا وهو ما يُعرف بالشرق الأوسط الكبير Greater Middle East , وفي هذا الإطار وقعت وزارة الدفاع الأمريكية ووزارة الدفاع القطرية  في إطار الدورة الثانية للحوار الإستراتيجي بين قطر والولايات المُتحدة في الدوحة في 13 يناير 2019 مذكرة تفاهم بشأن  دعم قطر لأنشطة وزارة الدفاع الأمريكية في قاعدة العيديد الأمريكية بقطر ,

يمثل أمن الساحل ضرورة حيوية لفرنسا , وفي هذا الإطار تُري أهمية ” المؤتمر الدولي رفيع المستوي بشأن الساحل ” في بروكسل في 23 فبراير 2018 والذي عُقد قبل يوم من قمة رؤساء الدول والحكومات المعنية بالموقف في الساحل من أجل التعبئة السياسية والدعم المالي لإنشاء قوة الساحل الخماسية G5 Sahel حيث إجتمع نحو 50 من رؤساء دول وحكومات وكبار المسئولين يمثلون الدول الخمس التي تتشكل منها هذه القوة ودول الإتحاد الأوروبي ومسئولين كبار عن الولايات المتحدة واليابان والمغرب ودول أخري وممثل عن كل من الأمم المتحدة والإتحاد الأفريقي والذي بالرغم من هذا الحشد الدولي لم تشارك فيه قطر , ونتج عن هذا المؤتمر دفعة مالية للأمام لعملية تدبير التمويل اللازم للقوة , وقد أعلنت المفوضية الأوروبية في بيانها الصحفي بتاريخ 23 فبراير 2018 أن النتائج الرئيسية للمؤتمر رفيع المستوي هي أنها :

  • 1- عززت الدعم السياسي لمنطقة الساحل وأن دعماً هاماً أُعطي لعملية السلام بمالي وأن هؤلاء ممن يهددون هذه العملية يمكن أن يُواجهوا بعقوبات .
  • 2- زادت العون المالي للأمن حيث ضاعف الإتحاد الأوروبي من تمويله للقوة الخماسية للساحل لنحو 100 مليون يورو بهدف تحسين الأمن الإقليمي ومحاربة الإرهاب , وأن الإتحاد الأوروبي والدول الأعضاء به ساهموا معاً بنصف الدعم الدولي للقوة الخماسية , وهذا التمويل الجديد يفي تماماً بإحتياجات القوة ويقدم الوسائل بغية تحسين الظروف الأمنية بالمنطقة .
  • 3- لتنسيق أفضل لجهود التنمية , فمن خلال رصد مبلغ 6 بليون يورو لعون التنمية علي مدي الفترة من 2014 حتي 2020 يكون الإتحاد الأوروبي قد أصبح المانح الأكبر للدول الخمس المُكونة لقوة الساحل G5 Sahel وبذلك يلعب الإتحاد الأوروبي دوراً رائداً في ” التحالف من أجل الساحل ” الذي بدأ في يوليو 2017 , وهذا التحالف عبارة عن مبادرة تهدف إلي تنسيق وتسليم العون بسرعة وكفاءة أكثر للمناطق الأكثر هشاشة وهو تحالف مفتوح أمام كل الشركاء بالمجتمع الدولي .

عموماً يمكن القول أن مؤتمر بروكسل الدولي حقق نتيجة مادية ملموسة وهي زيادة التمويل بحيث أصبح من الممكن القول بأن مشكلة التمويل قد حُلت نتيجة الجهود الدبلوماسية الفرنسية الحثيثة , فقد أعلنت مفوضة الإتحاد للشئون الخارجية Federica Mogherini عن أنه تم تدبير مبلغ 414 مليون يورو أي 510 مليون دولار لإنشاء هذه القوة لتكون جاهزة في مارس 2018 وأن نصف هذا المبلغ سيقدمه الإتحاد الأوروبي وأعضاءه و60 مليون دولار من الولايات المتحدة ( حاولت الولايات المتحدة التملص من المساهمة بدعوي أن إنشاء قوة الساحل الخماسية يأتي من خارج مجلس الأمن الدولي ولإن الولايات المتحدة قررت خفض مساهماتها في قوات حفظ السلام, لكن بمواصلة الضغط والتفاهمات الفرنسية مع واشتطن وافقت الولايات المتحدة علي المساهمة) بجانب مساهمات أخري من السعودية تعادل 100  مليون يورو وهي المساهمة الأكبر من بين كل المساهمات الأخري , كما ساهمت الإمارات العربية بمبلغ 30 مليون يورو , وفي هذا المؤتمر أعلن الإتحاد الأوروبي عن مضاعفة مساهمته للقوة من 50 مليون يورو تقررت في يوليو 2018 لتصبح مائة مليون يورو .

تعتبر المساهمة القطرية والتي كانت عبارة عن 24 عربة مُدرعة مساهمة إضافية غير مباشرة لقوة الساحل الخماسية أيضاً , ويُلاحظ أن قطر حرصت علي أن تبدو مساهمتها وكأنها بعيدة عن نطاق التنسيق الفرنسي / القطري المُباشر والذي في إعتقادي أخذ مدي أوسع بهذه المُساهمة أتاحه نطاق كبير نسبياً إكتسبته العلاقات الثنائية من واقع اللقاءات والزيارات الرسمية المُتبادلة , ففي الفترة من 22 – 23 يونيو 2013 قام الرئيس François Hollande بزيارة عمل إلي قطر التي وقعت فرنسا معها عقود لشراء 24 طائرة مُقاتلة طراز Rafale , كما أن الأمير تميم بن حمد قام بزيارة عمل لفرنسا في 23 سبتمبر 2013 تناولت الوضع في سوريا تبعها بزيارة أخري في الفترة من 23 – 24 يونيو 2014 وثالثة في 15 سبتمبر 2017 ورابعة في الفترة من 5 – 6 يوليو 2018 , ومن جانبه قام الرئيس Emmanuel Macron بزيارة رسمية لقطر في 7 ديسمبر 2017 صاحبه فيها وزيرا الخارجية Jean-Yves Le Drian والقوات المُسلحة Florence Parly  ومن المنطقي أن تتضمن مباحثات الرئيس Macron مع القطريين حثهم علي المُشاركة في دعم قوة الساحل الخماسية خاصة أنها زيارة تتم وقطر تحت ضغط الحصار الرباعي الذي أحد شروطه وقف قطر لدعمها المالي والسياسي للجماعات والتنظيمات الإسلامية أو الإرهابية كما يصفونها , يويجب التنويه إلي أن هناك أرضية مناسبة لإضافة وتبرير تفاهمات جديدة بين فرنسا وقطر , هذه الأرضية تتمثل في أن فرنسا تُعد وجهة رئيسية للإستثمارات الخارجية القطرية فوفقاً لأرقام عام 2016 بلغ مجموع هذه الإستثمارات هناك 25 بليون يورو , لكن ومع ذلك فقد تجنبت قطر أن تظهر كمن إنقلب في سياسته تلك بزاوية قدرها 360 درجة , اذلك فضلت أن تبدأ تحول موقفها من التيار الإسلامي بالساحل (وبالتبعية في مناطق أخري) بداية مُغطاة بحيث تتسلم مالي الدعم العيني العسكري القطري وبعد ذلك تتسلمها قوة الساحل الخماسيةG5 Sahel فلم تكن مساهمة قطر لهذه القوة مالية  كالمساهمتين السعودية والإماراتية اللتين قدمتا وأُعلن عنهما في 13 ديسمبر 2017 , ومن الواضح والحالة هذه أن خطوة تسليم قطرعدد 24 عربة مدرعة لمالي كانت موضوعاً لنقاش سياسي فرنسي / قطري مُسبق خاصة وأن هناك ثمة إتفاق تعاون دفاعي مُوقع بين الدولتين عام 1994 , ومن جهة أخري فلا يمكن للحكومة القائمة في بماكو وهي حليفة لفرنسا أن تتم معها إتصالات قطرية بشأن تقديم هذه المساهمة  التي تصب في النهاية في خانة دعم القوة الخماسية للساحل G 5 Sahel دون علم  بل موافقة فرنسية  .

إذن قطر تحركت وأعلنت في 27 ديسمبر 2018عن دعمها لمالي ولقوة الساحل الخماسية  تماماً كما فعلت السعودية والإمارات العربية , وإن كانت الأخيرتين أكثر سخاء من قطر في حجم مساهمتهما المالية المباشرة لقوة الساحل الخماسية التي ما نشأت إلا حفاظاً علي تأمين المصالح الإقتصادية وتحقيق أهداف السياسة الفرنسية في الساحل وهو أمر رأت فيه السعودية والإمارات والآن قطر أنه وإن لم تكن بينه وبين الأمن العربي المُتحلل علاقة , إلا أن بينه وبين تأمين فرنسا والولايات المتحدة والغرب لهذه الدول الثلاث في إطارين ثنائي وإطار مجلس التعاون الخليجي المُتصدع علاقة , ففرنسا والولايات المتحدة بصفة رئيسية تتعهدان أمن دول الخليج العربي وحمايتهم من غائلة أي هجود إيراني مُفترض وهو مفهوم إكتسب وزناً أثقل بعد أن أنكرت هذه الدول أو كادت أن تنكر مُطلقاً أن عدو العرب الوحيد والحصري هو الكيان الصهيوني وليس إيران , وبذلك فقد أنتقل الوزن الذي مثله العداء العربي للصهاينة ليُضاف تلقائياً إلي خانة إيران التي إعتبرها العرب صديقاً إبان عهد الشاه أحد داعمي الكيان الصهيوني الشرق الأوسطيين إلي أن زال نظامه للأبد في فبراير 1979 , ولكن الأمر المذهل هنا أن العدائية التي بين بعض النظم العربية وإيران مبرراته ليست بقوة المبررات التي مازالت قائمة بين العرب جميعاً والكيان الصهيوني ومع ذلك أصبح قادة العرب المُغيبين عن حركة التاريخ ودواعي المنطق والوطنية يرون في الكيان الصهيوني ملاذاً إضافياً يحميهم من ثورات مفاجئة كثورات الربيع العربي , ويأتي في مقدمة مبررات العداء للصهاينة إستلابهم  لفلسطين تحت دعاوي دينية توراتية ليس العرب بمؤمنين بها بالمرة , فماذا سلبت منا إيران ؟ إن إيران نفسها تعلن مسئوليتها عن تحرير فلسطين والقدس , لكن بعض العرب إختاروا حماية الصهاينة لكراسي حكمهم التي يأكلها النمل الأبيض ولم يختاروا  إسترداد الحقوق الفلسطينية بل وإحترام العالم لهم , إذ أنهم لا يرون أن هذا أمر ضروري فالعيش بلا إحترام أفضل ؟؟؟؟ .

بلا شك فإن في تسليم قطر الأربع والعشرين عربة مُدرعة لمالي أحد دول مجموعة الساحل الخماسية التي تدعمها فرنسا تغيير واضح في السياسة القطرية إزاء الوضع في منطقة الساحل ومن النظام القائم بمالي تعييناً , فالسياسة القطرية لم تكن متبنية من قبل نهج دعم الحكومة المالية القائمة حالياً والتي تولاها Ibrahim Boubacar Keïta بعد فوزه بمنصب الرئاسة بالدورة الثانية للإنتخابات التي جرت علي مدي ش شهري يوليو / أغسطس 2013 , فبعد إطاحة إنقلاب عسكري في مارس 2012 بالرئيس الماليAmadou Tomani Toure وتصاعد الموقف العسكري بشمال مالي بالتدخل العسكري الفرنسي المباشر من خلال عملية  Operation Serval العسكرية التي بدأت بشمال مالي تحت غطاء قرار لمجلس الأمن الدولي برقم  2085 بتاريخ 20 ديسمبر 2012 بدعوي محاربة المُقاتلين الإسلاميين في الساحل وهم في الواقع المعارضين للوجود والنهب الفرنسي المُنظم برضي سياسيين ماليين موالين لفرنسا وهم للأـسف كثر وتجدهم في مواقع تفريخ فرنسية هي جامعات ومعاهد بل و في المعاهد العسكرية المخصصة لتدريب العسكريين الأفارقة الذين يبزغ منهم لاحقاً الإنقلابيين العسكريين الذين يطيحون بأي حكم مدني لا يتفق والمصالح الفرنسية , ولتحقيق عملية Serval تلك طلب الرئيس الفرنسي Francois Hollande من الإمارتيين خلال زيارته لأبو ظبي دعمها لتدخل بلاده العسكري في شمال مالي بالسلاح أو بالعون المالي لتمويل عملية تلك العملية الدموية هناك عام 2013 * ( صحيفة The National في 16 يناير 2013) وبالفعل ساهمت الإمارات في تمويل هذه العملية الدموية بمبلغ تردد أنه 7مليار دولار , وبعد إنتهاء عملية Serval في 15 يوليو 2014 أعقبتها عملية Operation Barkhane التي بدأت في الأول من أغسطس 2014 والمُتمركزة في Gao بشمال مالي وقوامها 4,000 عسكري فرنسي وتتخذ هذه القوة من N’Djamena عاصمة تشاد مقراً دائماً لها ( تغيرت حالياً) , وهي التي تكلفت – وفقاً لبيانات صحيفة Le Point Afrique في 23 فبراير 2018 – نحو أربعة آلاف مليار فرنك خُصصت لعملية Barkhane العسكرية بمالي لمحاربة  “الجهاديين ” بشمال مالي بصفة رئيسية ولها نقاط تمركز مُوزعة علي طول الحدود من تشاد شرقاً حتي حدود موريتانيا غرباً , وبسبب التمركز العسكري الفرنسي منذ عملية Serval تناقص الدور القطري في شمال مالي وتراجع بالتالي الدعم العسكري القطري الداعم لتنظيم أنصار الدين والذي نجح بفضل الدعم القطري وعوامل أخري في إحباط مُخطط إنفصال شمال مالي عن جمهورية مالي تحت دعاوي عرقية وهو الإنفصال الذي أعلنته في 4 أبريل 2012 الحركة الوطنية لتحرير أزواد MNLA  , مما دعي جماعة أنصار الدين إلي مواجهة هذه الحركة الإنفصالية في معارك طاحنة إستمرت علي مدي أيام 26 و27 و28 يونيو 2012 ” , ووفقاً لما أورده موقع CAM NEWS 24 فإن “مقاتلي الحركة الوطنية لتحرير أزوادMNLA الإنفصالية بعد أن أعلنوا إنفصالهم عن مالي قاتلهم وطاردهم مقاتلي أنصار الدين حلفاءهم القدامي بعد قتال عنيف بمدينة Tomboictou , عموماً كان الموقف الفرنسي الرخو من الإنقلاب العسكري بمالي في 22 مارس 2012 ثم الموقف الفرنسي الممُاثل من إعلان الحركة الوطنية لتحرير أزوادMNLA  الإنفصال عن مالي في 4 أبريل 2012 كاشفاً بوضوح عن الإتجاه الفرنسي الجديد لتمويل دول خليجية مُتخمة بمال البترول عمليات عسكرية لحراسة مصالحها الإقتصادية الكثيفة ليس بمالي فحسب بل وفي نطاق منطقتي الساحل والصحراء , وهو الإتجاه الذي تبناه الرئيس الأمريكي Donald Trump والذي أعلنها وكررها غير مرة صريحة للسعودية  :   “أن إدفعوا ثمن حمايتنا لكم ” .   

وضع الدعم العسكري العيني القطري لمجموعة الساحل الخماسية من خلال مالي نهاية للسياسة القطرية التي كانت قائمة  علي دعم التيار الجهادي والإسلامي عموماً , وفي الواقع فإن هذا التغيير وإن كان وارداً كشرط من بين الشروط الثلاث عشرة التي أعلنتها دول الحصار الرباعي في 5 يونيو 2017 , إلا أن الوفاء بهذا الشرط من جانب قطر بإيقاف دعمها ” وتمويلها” للتيار الجهادي أيا ما كان موضعه , كان في إطار تعاونها مع قوي دولية هي تحديداً وبصفة رئيسية الولايات المتحدة وفرنسا , ففي 11 يوليو 2017 وبعد نحو شهر ونصف تقريباً من إعلان رباعي الحصار علي قطر عن فرضهم لهذا الحصار وقع وزير الخارجية الأمريكي Rex Tillerson مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وقطر تضمنت وضع خطة مُشتركة للتحري عن والقضاء علي تمويل الإرهاب حرصت الخارجية الأمريكية علي الإشارة بموقعها علي الشبة الدولية إلي أن مذكرة التفاهم تلك جري التفاوض بشأنها قبل الإعلان عن حصار الرباعي العربي علي قطر , لكن يبدو أن قطر والولايات المتحدة كانت لديهما إرادة مُشتركية لبيان تنسيقهما فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب وتمويله , فقد عُقدت الدورة الثانية للحوار الإستراتيجي الأمريكي / القطري لمكافحة الإرهاب وتمويله في الدوحة في 5 سبتمبر 2018 برئاسة اللواء عبد العزيز الأنصاري رئيس اللجنة القطرية الوطنية لمكافحة الإرهاب وعن الجانب الأمريكي النائب الرئيسي بوزارة الخارجية الأمريكية منسق مكافحة الإرهاب Alina L. Romanowski وجرت خمس جلسات متتابعة تناولت متابعة ما تضمنته مذكرة التفاهم المُوقعة في 11 يوليو 2017 وأداء تنفيذ خطة مكافحة الإرهاب وتمويله لعام 2018 وما يخدم في تحقيق هذا الغرض , وفي هذه الجلسات قدم الجانب القطر الشكر للولايات المتحدة لدعمها قطر بإعتباها حليف إستراتيجيفي مواجهة الإرهاب , أما بالنسبة لفرنسا فهي ترتبط مع قطر بإعلان نوايا وخريطة طريق وقعه الجانبان الفرنسي والقطري  في 7 ديسمبر 2017خلال زيارة للرئيس الفرنسي للدوحة , كذلك يُشار إلي أن قطر كانت من بين الدول التي شاركت في مؤتمر ” لا أموال للإرهاب ” الذي عُقد بباريس في الفترة من 25 – 26 أبريل 2018 و الذي إستهدفت أعماله مكافحة الإرهاب وتمويله ,  وبالرغم من توقيع قطر علي وثائق كتلك مع القوي الدولية التي بيدها هي فقط تصنيف وتبويب ما هو إرهابي أو غير إرهابي بعالمنا , إلا أن ذلك لم يُخفف من وتيرة حصار الرباعي العربي علي قطر , لسبب بسيط أن هذا الرباعي يعلم أن قطر لم تقدم دعماً لأنصار الدين من دون موافقة أمريكية لأن مساعدة قطر لأنصار الدين في شمال مالي عام 2012 لم تكن خارج سياق تنافس أمريكي / فرنسي مكتوم في أفريقيا خاصة في منطقة النفوذ الفرنسي الأفريقية الأولي وهي أفريقيا الفرانكفونية , إذ منذ إقامة الولايات المتحدة الأمريكية لقيادتها العسكرية في أفريقيا AFRICOM في 6 فبراير 2007 وهي تسعي بوتيرة منتظمة لإبتلاع وهضم مناطق النفوذ الفرنسية بأفريقيا بالرغم من التنسيق العسكري الفرنسي / الأمريكي في الحملة الأطلسية علي ليبيا عام 2011 والتنسيق السياسي والمخابراتي لإحباط ثورات الربيع العربي ودعم الثورات المُضادة عبر وكلاءهما المحليين , وربما يكفي قليلاً أن نعرف أن الولايات المتحدة في عهد D . Trump تباطأت في تقديم دعم مالي لقوة الساحل الخماسية , وذلك علي خلفية إصدار مكتب الميزانية في إدارة الرئيس D . Trump  في يونيو 2017  خططا لخفض مساهمة الولايات المتحدة فى عمليات حفظ السلام بما يقرب من مليار دولار , ومع ذلك ظلت فرنسا تضغط علي الولايات المتحدة بوسائل مختلفة بعضها يتعلق بملفات ثنائية بها نقط إختناق , وفي النهاية أعلن وزير الخارجية الأمريكي Rex Tillerson في 30 أكتوبر 2017 عن تقديم عون مالي يمكن أن يبلغ نحو 51 مليون يورو يُوجه بصفة ثنائية للدول أعضاء قوة الساحل الخماسية , وتعد  هذه المساهمة الأمريكية تنازل أمريكي كبير في ضوء القرار الأمريكي بخفض مساهمات الولايات المتحدة في ميزانية عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في يوليو  2017 , وقد ترك الوزير Tillerson لمندوبة الولايات المتحدة لدي الأمم المتحدة Nikki Haley مسألة توضيح هذه المُساهمة الأمريكية لأعضاء مجلس الأمن الدولي إذ كان عليها بيان أن هذه المُساهمة لن تُوجه للأمم المتحدة لتمويل القوة الخماسية , وبرر Andrew Lebovich الباحث المُتخصص في شؤون الساحل بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية ذلك الموقف الأمريكي بقوله أن ” إدارة الرئيسTrump قالت وبوضوح أن ثقتها في الأمم المتحدة محدودة جداً , إذن لم يبد الأمريكيون حماساً ملحوظاً في البداية لتقديم دعم مالي لقوة الساحل الخماسية التي لا تعمل تحت مظلة الأمم المتحدة المباشرة ولا حتي تحت مظلة الإتحاد الأفريقي لسبب قانوني , بينما نجد أن السعودية والإمارات وأخيراً قطر هرعوا لدعم قوة الساحل الخماسية  دعماً لفرنسا ليس إلا بالرغم من أن هدفها الحقيقي هو حراسة النهب الإقتصادي الفرنسي والغربي لموارد منطقتي الساحل والصحراء .

 (ثـانياً) العلاقة القطرية مع الكيان الصهيوني :

هناك علاقة واضحة لاشك في ذلك بين قطر والكيان الصهيوني , ولكن يحدث في الشهور المنصرمة ما يمكن وصفه بالملائمة في سياسة قطر إزاء الكيان الصهيوني , ملائمة تتناسب مع أمواج التطبيع العالية الفجة التي تعتري المياه التي بين ممالك ومشيخيات الخليج والكيان الإسرائلي , هذه الممالك التي أصابتها ثورات الربيع العربي بالفزع , فهذه الثورات ولو أنها بلا قيادة مُحددة إلا أنها نجحت في إقتلاع أربعة أنظمة لطالما تبجحت بالقول بأنها قائمة وعليها ان تستمر حفاظاً علي الإستقرار الذي هو في حقيقته تعفن وفساد ومنتهي الضعف , ولأن هذه الممالك بالغة الضعف بنيوياً فهي ليست إلا أسرات تحكم شأنها شأن الجمهوريات العائلية التي تبني شرعية إستمرارها علي ما تدعيه من تحقيق “الإستقرار ومحاربة الإرهاب التخيلي” وهي كلها علي إختلافها نظم ضعيفة لإعتمادها علي البقاء علي الأمن وحده الأمن بمعني أمنهم هم , وليس علي الثقة المُتبادلة وإحترام شعوبهم لهم , لذلك جاهرت كل هذه النظم بالجزء الخفي في علاقاتها بالكيان الصهيوني وكأنهم يقولون لشعوبهم ندرك أنكم لا تريدون أن تروا وجوهنا لكن هناك من يفضل الإذلاء الضعفاء وهم نحن , ومن يفضلنا هو الكيان الصهيوني  ولا شأن لكم بنا فلا برلمانات حقيقية لدينا لتسألنا وتحاسبنا ولا شعب قادر الآن علي ترسانة أمنية مُتفرغة تماماً لحمايتنا وجهاز مخابرات مُحترف (الموساد) يموننا بالمعلومات الأمنية لحمايتنا من شعوبنا التي نفذ صبرها وتحيا علي آمال خافتة في الحرية والحياة الكريمة ولن نحققها لهم فهي شعوب غير مؤهلة للديموقراطية ولا الحياة الكريمة .

علي ضوء ما تقدم إتجهت قطر إلي توجو تحديداً – كما سأوضحه تالياً –  لملائمة سياستها مع علو موجة التطبيع بين الكيان الصهيوني ودول مجلس التعاون الخليجي ربما بإستثناء الكويت ,  وهي الموجة التي  تتزامن مع إستمرار رباعي حصار قطر في حصارها لها وهو ما  حدا بقطر لإجراءات وتحركات تتلاءم مع هذا الموقف الذي لا يخلو من صعوبة بحيث تبدو قطر وكأنها تتنافس مع رباعي الحصار في أيهم يفوز بنصيب أكبر من إهتمام ورعاية الصهاينة له …. هذه هي الحقيقة وهذا هو الواقع للأسف …. , وفي سبيل تحقيق هذه الملائمة تتخذ قطر بعض الخطوات بإتجاه الصهاينة خاصة وأنها حالياً علي مقربة من أبواب مؤسسات بعينها في تل أبيب , ومن ثم فستقتضي سياسة الملائمة تلك إرساء مستوي جديد من العلاقات مع الكيان الصهيوني تتجاوز به قطر المرحلة الحالية في إدارة العلاقات مع الصهاينة , بمعني إستبدال القنوات التحتية التي تمر عبرها الإتصالات المُتبادلة بين قطر وبني صهيون حالياً بمزيد من التجاوب القطري مع متطلبات يطمح في تحقيقها الكيان الصهيوني تحقيقاً لإستراتيجية النفاذ لأفريقيا والتي وصلت إلي حد إختيار الصهاينة لدولة توجو لتكون مسرحاً لأول قمة أفريقية / صهيونية كان من المُؤمل أن تُشارك فيها 30 دولة افريقية علي الأقل , ولكن هذه القمة أُرجأت لأجل غير مُسمي , وقد تُعقد لاحقاً بعد إزالة السبب الذي من أجله أُرجأت هذه القمة وهو عدم الإستقرار السياسي وفوران المعارضة الداخلية لنظام الديكتاتور Faure Gnassingbé , والذي قاكم وزير خارجيته بزيارة قطر في فبراير 20218 تبععها بعد شهرين زيارة الرئيس Gnassingbé نفسه  لقطر التي لاشك في أن قيادتها ومستشاريها السياسيين يعلمون موقع توجو ودورها في تنفيذ إستراتيجية الكيان الصهيوني للنفاذ في أفريقيا , فبينما نجد نيجيريا تُحبط عقد قمة بين الكيان الصهيوني ودول التجمع الإقتصادي لدول غرب أفريقيا ECOWAS الذي يضم 15 دولة في أبوجا بنهاية عام 2016 إلا أن رئيس نيجيريا لم يوافق علي ذلك , وكان من الحري بقطر كي تتسق مع موقفها من القضية الفلسطينية وكي تعطي إنطباع بأن دعمها لحماس دعم خالص أن تفعل كما فعلت دول عربية قليلة ببذل الجهود لإفشال قمة ” إسرائيل – أفريقيا في توجو , بدلاً من مكافأة رئيس توجو بإستقباله في زيارة رسمية لقطر في أبريل 208 وقبله وزير خارجيته في فبراير 2018 , وهو ما يُلقي بظلال من الشك علي شفافية الموقف القطري من مجمل القضية الفلسطينية لأن قمة ” إسرائيل – أفريقيا ” تلك كانت لصالح دعم نظرية الأمن القومي للكيان الصهيوني أي تصرفاً إستراتيجياً , ولقد أشارت صحيفة Le Monde الفرنسية علي موقعها بتاريخ 13 سبتمبر 2017 في معرض تغطيتها للإعلان الصهيوني الذي تبعه الإعلان التوجولي عن تأجيل إنعقاد قمة إسرائيل – أفريقيا الأولي من نوعها التي كانت قد أعلنت توجو والكيان الصهيوني عن إتفاقهما علي عقدها بالعاصمة التوجولية Lomé في الفترة من 23 إلي 27 أكتوبر 2017 , أشارت إلي التصريح الذي أدلت في به 12 سبتمبر 2017 السيدة حنان عشراوي عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية وعبرت فيه عن الشكر والعرفان لجنوب أفريقيا وللدول العربية الأفريقية وهي الجزائر وموريتانيا والمغرب وتونس لدورهم في إلغاء هذه القمة , وأضافت قولها أنهم ” لن يمنحوا الكيان الصهيوني حرية التسلل إلى قارتي إفريقيا وأمريكا الجنوبية من أجل تعزيز شرعيتها “ , ومن الواضح أن قطر لم تكن معنية بمسألة العمل علي إلغاء هذه القمة , وإلا لما رأينا الرئيس التوجولي  Faure Gnassingbé ولا وزير خارجيته Robert Dussey يزوران قطر بعد بضعة أشهر من الإرجاء الإضطراري لهذه القمة , فهذا الموقف القطري وحده كفيل بخفض مصداقية الموقف والدور القطري من القضية الفلسطينية ودعم غزة , إذ كيف يتسق تصور دعم قطر لغزة مع إستقبال Gnassingbé رئيس توجو الذي يدعم وبقوة إستراتيجية نفاذ الكيان الصهيوني في أفريقيا مالم يكن ذلك التصرف القطري مؤسساً علي تنسيق تم من خلال القنوات التحتية القائمة بين الدوحة وتل أبيب , وبناء علي ذلك فالسؤال : ما هي الضرورة الُمُلحة في إستقبال قطر وزير الخارجية والرئيس التوجولي علي التوالي في الدوحة ؟ . 

في الواقع تُلقي الزيارتان المُتتاليتان لوزير الخارجية والرئيس التوجولي بعده للدوحة في فبراير وأبريل 2018 الضوء علي العلاقة القطرية مع الكيان الصهيوني مُجدداً , إذ أنه ليس لقطر سابقة إتصالات مع جمهورية توجو التي تعد علاقاتها الخارجية الرئيسية مع فرنسا والكيان الصهيوني حصرياً وكانت قمة  “إسرائيل- أفريقيا ” تأكيد علي ما وصلت إليه علاقات توجو مع الكيان الصهيوني من قوة , وهاتين الزيارتين تمتا في خضم الحصار الرباعي علي قطر وإتخاذ بعض الدول الأفريقية بضغوط وإغراءات مالية / إقتصادية سعودية     قرارات بقطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر كحالتي أرتريا وتشاد , ومن ثم تمثل زيارتي وزير الخارجية والرئيس التوجولي إتجاهاً عكسياً من جانتب توجو التي كان يمكن أن تتجه للسعودية لتربح دعماً إقتصادياً , لكن من الواضح أن هناك طرف ثالث وراء هاتين الزيارتين إلي قطر , وهو في تقديري الكيان الصهيوني الذي من مصلحته إصلاح الأوضاع السياسية والإقتصادية في توجو كي تستعيد إستقرارها توطئة لتجديد الدعوة لعقد قمة ” إسرائيل – أفريقيا ” , ومن مصلحة قطر – إذا صحت هذه الفرضية – في مناخ تنافسي بين دول مجلس التعاون الخليجي (ربما بإستثناء الكويت) لرفع سقف التطبيع مع الكيان الصهيوني أن تتجاوب مع رغبات حلفاء الكيان الصهيوني الأفارقة ومنهم  فلا أعتقد أن زيارتي وزير خارجية توجو Robert Dussey والرئيس التوجوليFaure Gnassingbé كان الغرض منهما توقيع هذه الإتفاقيات التي كان من الممكن توقيعها أيضاً في LOME عاصمة توجو , وفي تقديري أن وراء هاتين الزيارتين المُتقاربتين زمنياً مطلب للكيان الصهيوني وصل لقطر عبر القنوات المفتوحة بينهما ومفاده التوصية الصهيونية بتقديم قطر دعم إقتصادي لنظام الرئيس Faure Gnassingbé الحليف الأفريقي المهم للكيان الصهيوني , وهو أمر لا يُستبعد منطقياً علي ضوء دعم قطر مُؤخراً لمجموعة الساحل الخماسية G 5 Sahel والمُشار إليه بعاليه , فنظام يديره ديكتاتور تابع ذليل يصدع بما يأمره به الغرب والكيان الصهيوني هو الرئيس التوجولي Faure Gnassingbé يواجه مأزقاً سياسياً وإقتصادياً عصيباً في بلاده يستحق المكافأة والرعاية من القوي الغربية وفي مقدمتها الكيان الصهيوني , ومن ثم يجب الحفاظ علي أي نظام أفريقي يخدم الصهاينة كالنظام التوجولي و بشتي الوسائل , وبناء علي ذلك ففي تقديري أن الإحتمال الأكثر ترجييحاً أن تكون توجو وبتوجيه أو توصية من الكيان الصهيوني قد توجهت إلي قطر علي أمل أن تدفعها الرغبة في إظهار إنفتاحها علي أفريقيا (يأتي مُتسقاً مع ذلك زيارة رئيس الوزراء الصومالي حسن علي خيري  للدوحة وتوقيعه في 13 ديسمبر 2018 4 إتفاقيات و4 مذكرات تفاهم مع الجانب القطري) إثر فرض الحصار الرباعي عليها إلي التجاوب مع طلب توجو تلقي دعم مالي أو إقتصادي قطري , للمساهمة في إستعادة الإستقرار السياسي بتوجو التي يحكمها الديكتاتور Faure Gnassingbé الذي خلف والده Gnassingbé Eyadema في حكم هذا البلد قبل 12 عاماً مضت , وواجه ومازال يُواجه معارضة قوية من تحالف سياسي مُعارض يضم 14 حزب تنظم مظاهرات حاشدة بالعاصمة Lomé منذ مستهل سبتمبر 2017 للآن ( أُعلن في 12 يناير 2018 عن إلقاء سلطات الأمن التوجولية القبض علي 205 مواطن بسبب تظاهرهم ضد النظام القائم) , ومازال التوتر وعدم الإستقرار السياسي يُخيم علي هذا البلد , مما إستدعي تدخل التجمع الإقتصادي لدول غرب أفريقيا (Communauté économique des Etats de l’Afrique de l’Ouest) وبذل رئيسي غانا وغينيا لجهود دبلوماسية مُكثفة لمساعدة الحكومة التوجولية واللاعبين السياسيين التوجوليين في تحقيق الإصلاحات الدستورية ، بما يتوافق مع المواعيد النهائية القانونية والمعايير والمبادئ الديمقراطية وسيادة القانون , وقد أدي إستمرار عدم الإستقرار السياسي الناشئ عن رغبة شرهة لدي الرئيس الحالي Faure Gnassingbé للبقاء في السلطة عنوة رغم تعارض ذلك مع دستور 1992 إلي تأثيرات سلبية علي الإقتصاد التوجولي , ففي حديثه إلى البرلمان التوجولي في يونيو 2018 اشتكى وزير الاقتصاد والمالية التوجولي Sani Yaya من التأثير المستمر للأزمة السياسية على الاقتصاد الوطني , وألمح الوزير إلى أن الانخفاض في الإيرادات يرجع إلى ” الوضع الاجتماعي السياسي الوطني الذي تميزت فيه المظاهرات أحيانًا بأعمال التخريب التي رافقتها والتي كان لها تأثير سلبي جدًا على النشاط الاقتصادي وبالتالي على تعبئة الموارد الداخلية ,  وبالتالي فإن تعبئة الأموال للبلاد قد عانت كثيرا من حالة التوتر التي ” تشكل ضربة لصورة بلدنا مع المستثمرين الأجانب وبالتالي اقتصادنا ” * ( LA TRIBUNE . 26 يونيو 2018 ) , ووفقا لدراسة استقصائية أجرتها غرفة التجارة التوجولية فقد انخفض معدل دوران 70٪ من الشركات بنسبة تتراوح من 25 إلى 50٪ بسبب الأزمة السياسية المُستمرة , إن الأزمة الاجتماعية والسياسية التي هزت توجو منذ 19 أغسطس 2017 لا تخلو من التأثير على اقتصاد البلاد ، بعيدة كل البعد عن ذلك  بعد أن ندد صندوق النقد الدولي بهذا الوضع , وهذا سقوط يجب أن يعزى إلى الأزمة السياسية بالطبع * ( نفس المصدر السابق) , علي أنه تجب ملاحظة أنه لم يعلن إثر زيارة الرئيس التوجولي للدوحة في 29 أبريل 2018 عن دعم مالي أو إقتصادي قطري لتوجو ,لكن علي كل الأحوال المؤكد أن واضع ومُتخذ القرار السياسي القطري جانبه كثيراً الصواب في توجيهه الدعوة لوزير الخارجية والرئيس التوجولي لزيارة قطر زيارة رسمية فمثل هذا التصرف يؤكد علي أن السياسة القطرية ليست مثالية فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وإلا فما هو الذي يجبر قطر علي أن تكافئ نظام ديكتاتوري قبيح كالذي يحكم توجو إضافة لإرتباطاته العضوية والخدمية مع الكيان الصهيوني كا عبر عن ذلك بدقة نهوض توجو بمهمة الإعلان عن وتنظيم ” قمة إسرائيل – أفريقيا ” الأولي من نوعها في عاصمتها Lomé , بالإضافة لما هو معروف عن توجو من أن شأنها في علاقاتها بفرنسا شأن نظم أفريقية فرانكفونية عديدة فهي في قبضة فرنسا المُحكمة برضي حاكمها بل وسعيه إلي هذا فدور فرنسا دائماً هو الحفاظ علي ديكتاتور توجو * (مقال للكاتبة Farida Bemba Nabourema بموقع  Ouestaf بتاريخ 9 يناير 2019)

إن وسيلة القنوات التحتية أو الأنابيب كانت ومازالت كافية لإدارة علاقات قطر مع الصهاينة  , وهي القنوات ذاتها التي من خلالها تمت زيارة وزير الخارجية والرئيس التوجولي لقطر , وبهذه الوسيلة وحدها تُدير قطر علاقاتها التي من الواضح أنها مُتنوعة مع الكيان الصهيوني , فعلي سبيل المثال إستطاعت قطر عبر هذه القنوات أو الأنابيب القيام بدور مُعلن من أجل غزة أو دعنا نقل أنه لحماس وهو دور بطبيعته ونتائجه مشكور , ولهذا السبب وغيره فلا مبالغة إن يُشار إلي أن قطر تتابع عن كثب ملف غزة /الكيان الصهيوني من زوايا مختلفة منها التوتر الذي يُميز علاقات غزة (حماس) والكيان الصهيوني , ومما يؤكد ذلك أن محمد العمادي المُمثل الرسمي للعائلة القطرية المالكة والمُكلف بإعادة إعمار غزة صرح أثناء زيارته لغزة مُؤكداً في الأول من يوليو 2018 في معرض إعلانه بوجوب رفع الحصار المفروض علي غزة في إطار أي حل يتعلق بالقطاع بأن هناك مباحثات غير مباشرة بين الكيان الصهيوني وحماس تتعلق بتخفيف التوتر والأزمة الإنسانية بالقطاع , مُضيفاً قوله أن لدي الإدارة الأمريكية علم بالمحادثات الجارية , وقال ” لقد طالبنا برفع الحصار عن غزة ، التي شهدت ثلاث حروب … لقد أكدنا للأمريكيين والصهاينة على ضرورة تحقيق ذلك ، ونحن نعمل على هذه القضية ، لكننا لم نحقق حتى الآن أية نتائج ” مُوضحاً قوله ” لن نتدخل بدون موافقة ووجود السلطة الفلسطينية ” , مما يُؤكد أن قطر بالفعل لديها قناة إتصالية مع الكيان الصهيوني هو أمر بات معروفاً للكافة * (THE TIMES OF ISRAEL 2 يوليو 2018) , ولست هنا في معرض إنتقاد الدور القطري في ملف غزة فهو وفي أي الأحوال وفي ظروف الإنتكاس العربي دور ضروري , ولإن القنوات الإتصالية مع الكيان الصهيوني ضرورية لنفاذ قطر إلي غزة , لذلك تمر منها قرارات حيوية تعزز مكانة ودور قطر بالنسبة لقطاع غزة ومع حماس بالتالي ومن المخادعة القول بصفة مُطلقة أن قطر تدعم حماس , فهناك مسار ذهاب وعودة بينالكيان الصهيوني وقطر يستوعب أيضاً زيارات غير رسمية ليهود صهاينة منهم الأستاذ الأمريكي Alan Dershowitz بجامعة Harvard الأمريكية الذي زار قطر في ديسمبر 2017 وفي الاشهر الأولي من عام 2018 وقال أنه في خلال زياراته لقطر علم من مسئوليين قطريين أن قادة من حماس غادروا الدوحة , وكتب علي موقع The Hill عن إنطباعاته علي زيارته لقطر فقال أنه ستصبح ” إسرائيل الخليج ” وقال كذلك أن قطر تصل وتتصل باليهود الأمريكان من خلال قنوات مختلفة منهم Nick Muzin الذي عمل في السابق مع السيناتور Ted Cruz ويدير مُنشأة تدعي Stonington Strategies والتي أعلن  Nick Muzin في 6 يونيو 2018 أنها لم تعد تمثل دولة قطر , * (موقع صحيفة THE JERUSALEM POSTبتاريخ 21 يونيو2018) , ويمكن رؤية الدور القطري بأنه مُستمر في إطار إدراك من يتتبع إستراتيجية الكيان الصهيوني إزاء منظمة التحرير الفلسطينية التي أصبحت أثراً بعد عين ويتحكم فيها وكلاء فلسطينيون بعقلية فلسطينية / صهيونية مزدوجة وكذلك إزاء حماس التي تمثل مقاومة تخلي عن العرب كل بصورة مختلفة عن الآخر , لكن الثابت أن للكيان الصهيوني إزاء رام الله وغزة أهداف مرحلية يريد الكيان الصهيوني تحقيقها في غزة منها تجنب الكيان الصهيوني تحويل غزة لجزء ميت مُلقي بجانب الأراضي الفلسطينية السليبة أي أراضي الكيان الصهيوني لأن ذلك أمر ضار للأمن الصهيوني , لكن لاشك أن الهدف الصهيوني جعل غزة ” كيان ضعيف ” ومن ثم فإن الكيان الصهيوني لا تمانع في هذا الدور القطري بل تشجعه لتحقيق هذا الهدف المرحلي وكذلك ليكون ملف غزة وسيلة إتصال وتقارب صهيوني/ قطري وهي وسيلة مُغطاة جيداً ولا يعترض عليها إلا القليلون ومنهم السلطة الفلسطينية في رام وقوي إقليمية أقل كفاءة سياسياً من قطر في ملف غزة , وفي هذا السياق نجد أمثلة مُتعددة علي إتصالات قطرية  / صهيونية مُتبادلة منها مؤخراً ما أُعلن في 9 أكتوبر 2018 عن تمويل قطر لشحنات ديزل بلغت 9,200 جالون لقطاع غزة عبوراً من الأراضي الصهيونية , فعبر هذه القنوات الإتصالية القائمة علي الدور القطري الذي تشجعه ويدعمه الكيان الصهيوني بالنسبة لغزة كانت قطر قد أعلنت في 11 أكتوبر 2018 إتصالاً بموضوع شحنات الديزل تلك عن تقديمها دعم إنساني لغزة بمبلغ 150 مليون دولار لتمويل توريد محروقات للقطاع لتشغييل محطة الكهرباء الرئيسية هناك  * ( THE TIMES OF ISRAEL .11 أكتوبر 2018) وتعد هذه القنوات الإتصالية قوية ومُحكمة إلي الحد الذي تتحمل معه قرارات صهيونية يعتبرها الجانب القطرية سلبية مثل ما حدث مُؤخراً عندما نقلت إذاعة الجيش الصهيوني خبر إعلان رئيس الوزراء الصهيوني Benjamin Netanyahu وقف مؤقت لتحويل مالي جديد قدره 15 مليون دولار من مجموع 90 مليون دولار تُحول لغزة علي دفعات من قطر ( من رجل أعمال قطري) لصالح حماس بعد إطلاق الأخيرة صواريخ علي أراض صهيونية مجاورة للقطاع * ( Sputnik . 7 يناير 2019) وهو قرار إنتقده مسؤلون بوزارة الدفاع الصهيونية منهم وزير الفاع السابق Avigdor Lieberman بقولهم أنه سيؤذي سكان القطاع *  HAARETZ) . 8 يناير 2019) , لكن محمد العمادي رئيس اللجنة القطرية لإعادة إعمار غزة أكد  أن التحويل المالي القطري الثالث البالغ 15 مليون دولار سيصل للقطاع يوم الأربعاء 23 يناير 2019 وأن الكيان الصهيوني وافق بعد أن هدأت جبهة غزة (طبعاً بتفاهمات مُتبادلة تضمنت قطر) والذي كانت الحكومة الصهيونية أرجأته بسبب العنف الحدودي , كذلك فقد إقترحت قطر علي الجانب الصهيوني إنشاء ربط جوي بين الدوحة وغزة لكن الكيان الصهيوني رفض هذا المُقترح وفقاً لإفادة أدلي بها محمد العمادي المُكلف بإعادة إعمار غزة وقال ما نصه “ قالوا (الصهاينة) إن هذا المُقترح ستتم مناقشته ، لكنهم أجلوه … ولكننا سنقوم بتجديد طلبنا ” وأوضح قائلاً ” كان الجانب الصهيوني مهتمًا بالأمن , لكننا أخبرناهم أنه من الممكن إيجاد حل للأمن من قبل الطائرات التي رحلتها ستكون رحلتها ذهاباً وعودة إلى غزة من خلال الدوحة فقط وتحت إشراف الأمن القطري ”  ( صحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 11 ديسمبر 2018)  , لا يُماري أحد في ضرورة هذا الدور القطري رغم بعض علاته لكنه يظل ضرورياً مع حالة العجز التي طالت كل أركان النظم العربية التي تتحرك في إتجاه تصفية القضية الفلسطينية ليس إلا ,  لكني أردت فقط  أن أؤكد من خلال هذه المقدمة المُتعلقة بعلاقات قطر بالكيان الصهيوني أن أشير إلي أن الحصار الرباعي علي قطر لابد وأنه سيتأثر بضغوط سيمارسها – إن لم يكن قد مارسها رباعي الحصار حتي في الفترة السابقة علي الإعلان عن فرض حصارهم علي قطر في 5 يونيو 2017 – إذ أن علاقات رباعي الحصار مع الكيان الصهيوني ها قد وصلت إلي مرحلة الذل والإنقياد السلس بتوجيه صهيوني , مما يعني أن الكيان الصهيوني بالرغم من بعض إحتاجه لنافذة ما مع حماس وهي بالتأكيد قطر إلا أن ضغوط  رباعي الحصار علي تل أبيب قد تصل إلي إلتماس هذا الرباعي الرضي الصهيوني بحذف الدور القطري , ومن ثم وقبل أن يحدث ذلك سيكون علي الكيان الصهيوني رفع ثمن أداء قطر لدورها مع حماس وهو أمر لو حدث فسيكون في الغالب  نقل العلاقة من مستوي القنوات إلي مستوي أعلي بمعني أن قطر مُقبلة بوتيرة مُنتظمة علي تطبيع علاقاتها مع الكيان الصهيوني بصفة كاملة   (كانت قطر والكيان الصهيوني قد أقاماعلاقات تجارية عام 1996خلال زيارة شيمون بيريز لقطر وإنشاء بورصة للغاز بتل أبيب مع الكيان الصهيوني قُطعت فيما بعد) , فكما فرض رباعي الحصار مقاطعة غير محسوبة علي قطر , يتحرك الكيان الصهيوني بخطي محسوبة داخل وحول دول الثروة في قطر نفسها وفي الإمارات وعُمان والبحرين والسعودية بالطبع ومن ثم فلم يتبق أمام قطر إلا إفساح مساحة لسفارة او لمسافة إضافية للنطاق القائم حالياً والذي تنمو فيه علاقاتها بالكيان الصهيوني وتجاوز مرحلة القنوات التحتية تبحيث تتسع المساحة لإضافة موضوعات تتبادل من خلالها الدوحة وتل أبيب الرأي والمشورة ليس في شأن غزة   وتحقيق إستراتيجية الطاقة الصهيونية عبر تحريك الغاز القطري وإصطياده داخل مشروعات الغاز الطبيعي الصهيونية الطموحة , بل التعاون مع قطر في أفريقيا من خلال شراكات تمويلية تضم دول خليجية من بينها قطر , فالإرتقاء بالعلاقات الثنائية لتصل إلي تبادل السفراء مع قطر لم يحن بعد لكنه مُتوقع لاحقاً وهو أمر ليس من قبيل المبالغة بقدر ما هو من قبيل إختيار التوقيت , ولهذا نجد السياسة القطرية تبحث عن الملائمة وليس عن التطوير أو التغيير في سياستها مع الكيان الصهيوني , إذ أن علاقات قطر بالكيان الصهيوني  ثابتة عند مستوي عملي مرض للطرفين وهي بنفس القدر غير قابلة للتغيير لأنها علاقات موضوعة داخل إطار مرن بطبيعة شموله مكونات إقتصادية  كما لا يُفضل أن نهمل الإيحاءات الإيجابية التي تُضفيها ” قناة الجزيرة ” الفضائية علي الموقف القطري من القضية الفلسطينية والتي بسبب تكرارها وحسن تغطية مراسلي “الجزيرة” لمسير القضية الفلسطينية من رام الله وتل ابيب ومن غزة ذاتها أصبحت رؤية الإتصالات القطرية / الصهيونية ضبابية , وهناك مثال أخير علي ذلك عندما رحبت قطر بمشاركة رياضيين صهاينة في بطولة العالم للجمباز التي نظمتها قطر في أكتوبر 2018 وبالطبع لم تحظ بتغطية مناسبة من قناة “الجزيرة” , وفي هذا ذكرت القناة الثانية بالتلفزيون الصهيوني أن جمعية الجمباز الصهيونية تلقت رسالة من الدوحة  ورد فيها : ” نحن نحب الرياضة ، ونكرم الرياضيين الذين يمثلون بلادهم كسفراء للسلام والوئام” ، وأضافت : ” نتعهد ونعد بأن يكون الموقف تجاهالكيان الصهيوني  مثل أي بلد آخر خلال المسابقات” , بل إن قطر ذهبت لمسافة أبعد في غرامها العذري للرياضة عندما تخدم السياسة , فقد أشارت تقارير إعلامية صهيونية إلي إن تل أبيب تلقت إشارات قطرية إيجابية مفادها استعداد الدوحة لإستقبال عشاق كرة القدم الصهاينة خلال نهائيات كأس العالم في عام 2022 , فقد أعلن حسن الذوادي مسؤول البنى التحتية وبناء ملاعب كأس العالم في قطر إن الصهاينة مُرحب بهم في الدوحة  لمشاهدة الفرق التي ستشارك في المونديال * ( موقع البيان بتاريخ 23سبتمبر 2018) , ومالم يكن ذلك من قبيل التطبيع ؟ إذن فماهو التطبيع إذن ؟ , إن قطر كغيرها من النظم العربية فعلت ما فعلته وأولت ظهرها لكل الثوابت العربية , وسأختار الأمثلة التالية عن مقاطعة الكيان الصهيوني من واقع نصوص وردت بمتن الكتاب الصادر عن الجامعة العربية – الأمانة العامة . إدارة شئون الفلسطين  قرارات مجلس جامعة الدول العربية الخاصة بفلسطين :

* يُقرر المجلس الموافقة علي توصية المُؤتمر الثامن لضباط المقاطعة ( مقاطعة الكيان الصهيوني) الآتية : ” …. مان المؤتمر الأول للأولمبياد العربي الذي إجتمع بلبنان أواخر الصيف الماضي قد قرر بموافقة مندوبي اللجان الأولمبية اللبناية والسورية والمصرية أن يُوصي بعدم إمتناع الفرق الفرق الرياضية عن مُنازلة فرق فلسطين المُحتلة …. ( ق 680 /د 20/ ج8 – 27 يناير 1954) ….. قررت اللجنة أنه لا مانع من الإشتراك في هذه المباريات علي ألا تُنازل الفرق العربية فرق الكيان الصهيوني …… ( ق1073/د24/ج 4 . 15 أكتوبر 1955) .

* فيما يتعلق بتوصيات المُؤتمر الثاني لضباط مُقاطعة الكيان الصهيوني رأت اللجنة الفرعية إقرار التوصيات التالية :

  • 1- إطلعت اللجنة السياسية علي توصيات المُؤتمر الثانيلضباط الإتصال لمكاتب مقاطعة الكيان الصهيوني , وتوصي اللجنة الحكومات العربية بدراسة هذه التوصيات بالعناية اللازمة وإتخاذ جميع التدابير التي تؤدي إلي إحكام المُقاطعة ومنع التهريب مباشراً كان أم غير مُباشر .
  • 2- مُقاطعة الشركات التي لها مصانه فرعية في الكيان الصهيوني وليس لها فروع به وفي البلاد العربية .
  • 3- تكليف اللجنة القانونية بالجامعة بوضع مشروع قانون موحد لمكافحة التهريب إلي الكيان الصهيوني علي أن يُعرض علي مجلس الجامعة في الدورة القادمة .
  • 4- وتلفت اللجنة النظر بوجه خاص إلي ما يأتي ” تيسير التبادل التجاري بين دول الجامعة” . ( ق 468 / د 16/ج5 بتاريخ 23 سبتمبر 1952)

* تحت عنوان التهريب بين الكويت وإمارة قطر وإسرائيل نقرأ ما يلي ” يُقرر المجلس الموافقة علي قرار اللجنة السياسية بتعديل توصية المُؤتمر الخامس لضباط الإتصال علي النحو التالي :

بحث المُؤتمر في الإقتراح المُقدم من قبل المكتب الإقليمي العراقي المُتعلق بمفاتحة الجهات المسئولة في إمارتي الكويت وقطر للحيلولة دون تسرب البضائع منها إلي الكيان الصهيوني والعكس …… بعد أن أصبحت هناك شبكة تجارية تعمل علي تمويل تموين الكيان الصهيوني بما يحتاجه من المواد المذكورة وفتح أسواق تجارية لأسواق الكيان عن طريق إمارتي الكويت وقطر ….. بعد أن ثبت لمؤتمر ضباط إتصال المُقاطعة أن ميناء الأحمدي بالكويت من أهم المصادر التي تُمون الكيان الصهيوني بالزيوت ” . ( ق 695 / د 20 / ج 8 بتاريخ 27 يناير 1954)

عموماً ليست قطر وحدها التي أولت ومازالت تولي ظهرها لمقاطعة الكيان الصهيوني , بل الدول العربية كلها بشكل رسمي أو غير رسمي وعلي سبيل المثال كان قرار إعادة تحريك مكاتب مقاطعة الكيان الصهيوني من أهم القرارات العملية الخمسين التي صدرت عن “قمة عمان”  .لكن لا تنفيذ . ( مجدي حماد . جامعة الدول العربية – مدخل إلي المُستقبل . سلسلة عالم المعرفة العدد 545 الكويت نوفمبر 2007)

علي ضوء السياق المُتقدم بيانه ففي تقديري أن زيارة ديكتاتور توجو Faure  Gnassingbé  للدوحة في 29 أبريل 2018 كان يمكن لقطر الإستغناء عنها كليةً نظراً لكون الرئيس التوجولي ونظامه كان مسئولاً عن تنظيم ” قمة إسرائيل – أفريقيا ” , لولا أن قطر مثلها مثل توجو نفسها ومثل معظم دول مجلس التعاون الخليجي لديها ولديهم من الإرتباطات والتعهدات مع الكيان الصهيوني ما يجعل من خدمتها بل والذود عن مصالحها عملاً إيجابياً يصون لقطر ولهؤلاء أيضاً بقاءها وبقائهم آمنين لا يخشون غائلة ما يهدد حكمهم , ولذلك ففي إعتقادي أن توجيه قطر الدعوة لوزير خارجية توجو ومن بعده بشهرين لرئيس جمهورية توجولزيارتها إضافة جديدة لموضوعات العلاقات التحتية بين قطر والكيان الصهيوني ربما تؤدي لاحقاً إلي توسيع وتقصية المساحة الإعتيادية  Mazmizationالتي تتحرك فيها العلاقات القطرية / الصهيونية بحيث تستطيع قطر والحالة هذه التغلب علي منافسيها الخليجيين المُطبعين مع الكيان الصهيوني حالياً , وهذه الإضافة مُستخرجة من الهدف الذي أتي بسببه الرئيس التوجوليFaure Gnassingbé  لزيارة الدوحة في 29 أبريل 2018 بدعوة من أمير قطر وأستغرقت 48 ساعة حيث إستقبله عند وصوله مطار الدوحة وزير المحليات والبيئة القطري محمد بن عبد الله الرميحي ثم أستقبله في 30 أبريل أمير قطر , ووُقعت أثناء هذه الزيارة عدة إتفاقات ثنائية وأتفق الجانبان علي وضع آلية تشاور دبلوماسي لتطوير التعاون بين البلدين وإتفاق من حيث المبدأ لتوقيع إتفاق بشأن الإعفاء المُتبادل من تأشيرات الدخول لحاملي جوازات السفر الدبلوماسية يُوقع لاحقاً , والمُلفت أن وزير الخارجية التوجوليRobert Dussey قام بزيارة صداقة وعمل للدوحة في 24 فبراير 2018 بدعوة من نظيره القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثان قبل زيارة الرئيس التوجولي للدوحة بحوالي شهرين , مما لا يجعل الأمر يبدو عادياً فهي بهذه الكيفية وذلك التوقيت زيارة تمهيد لأمر ما , خاصة وأن العلاقات الثنائية بين قطر وتوجو (التي تعتبر ثاني أكبر متعامل تجاري مع الكيان الصهيوني في أفريقيا عام 2013) لا تشغل حيزاً يُعتد به أبداً في شبكة العلاقات الأفريقية لقطر التي تشكل دول منطقتي الساحل (دون التوجو) والصحراء فيها دائرة ذات أهمية ملحوظة بنفس القدر الذي تمثله دائرة منطقة القرن الأفريقي لقطر , لذلك فزيارة رئيس توجو لقطر لا أعتقد في تقديري أنها كانت ضرورية بالمرة للعلاقات المحدودة للغاية بين قطر وتوجو , ما لم تكن ضرورية لمن يدعمون نظام الحكم التوجولي المنهك والذي يُواجه معارضة شعبية عاتية ومن بين الداعمين الرئيسيين لنظام  Faure Gnassingbé الكيان الصهيوني وبالطبع فرنسا , وقد إختارالكيان الصهيوني توجو لتكون مسرحاً لأكبر تطور في العلاقات الصهيونية مع أفريقيا وهي قمة “إسرائيل – أفريقيا ” , بما يعكس درجة عالية من القوة تتميز بها العلاقات التوجولية / الصهيونية , فالرئيس التوجولي Faure Gnassingbé قام بزيارة الكيان الصهيوني ثلاث مرات الأولي عام 2012 ثم قام بزيارة أخري لها في الفترة من 7 إلي 11 أغسطس 2016 وزيارة تالية  بمناسبة مشاركته في جنازة رئيس الكيان الصهيوني الراحل Shimon Peres في سبتمبر 2016 , لكن زيارته الثانية كانت الأهم فبشأنها صدر بيان عن خارجية توجو أشار إلي ” أن الرئيس التوجولي ورئيس الوزراء الصهيوني تحدوهما الثقة في الإمكانات غير الإعتيادية للتعاون الإقتصادي بين البلدين ” وأنهما عبرا عن ” تصميمهما للعمل معاً ليصبح هذا التعاون أقوي خاصة في مجالات الزراعة والصحة العامة والتعليم والتعليم العالي وعلوم التكنولوجيا والأمن وتنمية المجتمع والحماية الإجتماعية ” ثم أشار هذا البيان للإنجاز الذي بدأ رئيس وزراء الكيان الصهيوني العمل علي تحقيقه وإلي أنهما إتفقا علي عقد قمة ” إسرائيل – أفريقيا في العاصمة التوجولية Lomé تحت عنوان  “الأمن والتنمية ” , وقد وردت الإشارة بشأن إتفاقهما علي عقد هذه القمة مرة أخري في البند الخامس من البيان الختامي الصادر في 10 أغسطس 2016عقب إنتهاء هذه الزيارة , وكانت توجو – التي تعتبر ثاني أكبر متعامل تجاري مع الكيان الصهيوني في أفريقيا عام 2013 –  قد ساقت مبررين لإضطلاعها بهذا الدور الترويجي أو دور الواجهة Front لصالح السياسة الصهيونية في أفريقيا , الأول صدر عن الرئيس التوجولي Gnassingbe عندما أجاب عن سؤال عما إذا كان قد إعتراه القلق بشأن رد الفعل السلبي من دول الشمال الأفريقي والدول العربية فقال ” إن توجو بلد صغير ولم تأخذ بليونات الدولارات من العربية السعودية وقطر . إن السكان المسلمين بتوجو عدهم صغير وليسوا بالفاعلين ” , أما الثاني فصدر عن وزير الخارجية التوجولي عندما تحدث بعد إجتماعه برئيس الوزراء Netanyahuمع صحيفة The Jerusalem Post عن مقترح بلاده بعقد هذه القمة الصهيونية بقوله ” هناك مؤتمر ” الصين – أفريقيا ” و ” أفريقيا – فرنسا ” , لكن لُوحظ إغفاله الإشارة إلي القمم العربية / الأفريقية وآخرها القمة الرابعة التي عُقدت في Malaboعاصمة غينيا الإستوائية في الفترة من 17 إلي 23 نوفمبر 2016 تحت شعار ” معا من أجل التنمية الاقتصادية المستدامة ” .

ولإيضاح إزدواجية السياسة القطرية إزاء الكيان الصهيوني وحلفاؤه الأفارقة وفي مقدمتهم توجو التي كانت ستنهض بتنظيم أول قمة من نوعها تجمع الكيان الصهيوني بنحو 20 دولة افريقية لولا أن دولاً عربية وأفريقية بذلت جهود لإفشالها ووُفقت في ذلك , … لإيضاح ذلك , أشير إلي أن البرلمان العربي أصدر بياناً ختامياً بعد إنعقاد الجلسة العامة له بمقر جامعة الدول العربية بالقاهرة في 6 يوليو 2017 , تضمن عدداً من التوصيات من بينها توصية بدعوة أعضاءه إلي مواجهة النفوذ المُتنامي للكيان الصهيوني في أفريقيا بصفة عاجلة , وذلك علي ضوء التحضيرات الجارية لعقد قمة أفريقية / صهيونية في العاصمة التوجولية Lome في أكتوبر القادم , هذا وقد وضع البرلمان العربي مسودة خطة عمل أهم ما تضمنته  مخاطبة رؤساء البرلمانات الأفريقية الذين يزمعون المشاركة في هذه القمة وتذكير حكوماتهم بحقوق الشعب الفلسطيني وحقهم في إقامة دولة مُستقلة عاصمتها القدس الشرقية طبقاً للقرارات الدولية ذات الصلة خاصة القرارين 242 و338 الصادرين عن مجلس الأمن الدولي والمبادرة العربية للسلام , وقد صدرت هذه التوصيات – التي ضربت قطر بها عرض الحائط بإستقبالها الرئيس التوجولي  Faure Gnassingbéالذي أخذ علي عاتقه تنظيم قمة ” إسرائيل – أفريقيا ” في LOME عاصمة بلاده – ويُلاحظ أن توصيات البرلمان العربي تلك جاءت بعد شهر من إعلان رباعي حصار قطر فرضهم الحصار عليها  بدءاً من 5 يونيو 2017 ليس لتحركاتها كغيرها من النظم التي تدعي أنها عربية مع الكيان الصهيوني بل لدعم وتمويل قطر للإرهاب وزعزعة إستقرار الأنظمة بالمنطقة , إلا أن قطر بدلاً من الإستجابة لتوصية البرلمان العربي التي بغض النظر عن مكانة ووضعية هذه البرلمانات الصادرة عنها إلا أنها توصية منطقية تتسق ومشاعر وأماني الشعوب العربية , نجدها تستقبل هؤلاء الداعمون الأفارقة للكيان الصهيوني , بل إن البرلمان العربي ذهب لأبعد من ذلك في رفضه لتنظيم توجو لقمة ” إسرائيل – أفريقيا ” وهي الأولي من نوعها كما أشرت , إذ أن رئيس البرلمان العربى الدكتور مشعل بن فهم السلمى سلم  رسالتين خطيتين لرئيس البرلمان الزامبى ونائب رئيس برلمان رواندا خلال لقاءه بهما في جنيف ، طالب فيها البرلمانيين بحث حكومتيهما على عدم استضافة القمة الأفريقية – الصهيونية أو المشاركة فيها فى ظل مساعى الكيان الصهيوني لعقدها بعد أن تم إرجاء موعد عقدها فى توجو لحين إشعار آخر , وطلب السلمي من برلماني زامبيا ورواندا حث حكومتيهما على عدم استضافة قمة إفريقية – صهيونية أو المشاركة فيها قبل أن ترضخ القوة القائمة بالاحتلال للقانون الدولي وتُقر بحل الدولتين وحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته الوطنية المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها مدينة القدس وفقًا لقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة ومبادرة السلام العربية التي تتبنى الحل القائم على أساس الدولتين المتعايشتين جنبًا إلى جنب كمدخل لإرساء سلام شامل وعادل ودائم على المستويين الإقليمي والدولي * ( موقع البوابة بتاريخ 27 مارس 2018) , إذن فبماذا تفسر قطر هذه الإزدواجية التي لاشك في أنها قد تأتي علي مصداقية مجمل الدور القطر في القضية الفلسطينية الذي بالشكل الذي تعرضه “شبكة الجزيرة الإعلامية” , فتطور الإتصالات القطرية مع الكيان الصهيوني من خلال القنوات التحتية في موضوعات مختلفة بعيداً عن الدعم القطري المشكور لغزة ليست في خدمة القضية الفلسطينية بقدر ما هي لخدمة أهداف قطرية لا يحققها لقطر إلا الصهاينة وحلفاؤهم وفي مقدمتهم الولايات المتحدة , وقطر شأنها في ذلك شأن النظم العربية القائمة , أما الموضوعات الأخري التي تقع في دائرة إهتمام اقطر والكيان الصهيوني فالأمثلة بشأنها عديدة  ويجري تناولها بهذه القنوات التحتية منها مثلاً إستعانة قطر بشخصيات ذات صلة وثيقة بالكيان الصهيوني كرجل الأعمال الفرنسي / الصهيوني Philippe Hababou Solomon (كان زميلاً  للرئيس الفرنسي Emmanuel Macron عندكا عملا معاً بوكالة الأنباء الإيطالية) وهوالذي تحدث علي موقع مجلة Jeune Afrique الفرنسية مُؤخراً عن تعاونه مع Alexandre Benalla مُستشار الظل الذي أصبح الآن مُستشاراً لدولة قطر , كما أن Philippe Hababou Solomon والبالغ من العمر 63 أيضاً مُتخصص في الدبلوماسية الخاصة بأفريقيا لحساب الحكومات وكان مُستشاراً خاصاً للرئيس الجنوب الأفريقي السابق Jacob Zuma وهو نفسه يستعين بأربعة أتراك نيابة عن شركة نسيج سودانية تُدعي” Sur International ” وشركة Barer Holding والأخيرة يمتلكها Solomon وهي مشروع مُشترك تركي / قطري , ووفقاً لصحيفة le  Monde الفرنسية فإنPhilippe Hababou Solomon يفكر في الإستثمار في قطر * ( موقع Le Journal du Dimache  بتاريخ 31 ديسمبر 2018) , ويُعتبر Philippe Hababou Solomon هو الناصح الأمين للسيد Alexandre Benalla وهو يهودي من أصل تونسي وكان الحارس السابق للرئيس الفرنسي Macron وسافر في مهمات لبلدان أفريقية وللكيان الصهيوني حاملاً جواز سفر دبلوماسي وفي يوليو 2018 تحول إلي مجال الدبلوماسية الخاصة مُستغلاً قربه من أوساط تجار السلاح وقام مؤخراً بزيارة لتشاد في مستهل ديسمبر2018 بصحبة Philippe Hababou Solomon  وألتقي بالرئيس التشادي إدريس ديبي 9 , وذلك وفقاً لصحيفة Le Monde وهو من عمل علي إعادة العلاقات التشادية / القطرية التي قطعتها تشاد بضغط وإغراء سعودي بعد فرض الحصار الرباعي علي قطر في 5 يونيو 2017 . * ( موقعDes Infos>com في 28 ديسمبر 2018)

تعد توجو من الدول الأفريقية التي تُصنف علاقاتها بالكيان الصهيوني بأنها الأقوي من بين الدول التي ترتبط بعلاقات دبلوماسية كاملة مع كيان الصهاينة ( بدأت العلاقات الدبلوماسية بين توجو الكيان الصهيوني في فترة ما بعد حرب 1967 مباشرة) , ومن بين الإشارات الدالة علي ذلك مؤخراً علي الصعيد السياسي تصويت توجو ورواندا وكينيا وبوروندي لصالح الموقف الصهيوني في الوكالة الدولية للطاقة الذرية , كما روجت توجو لمطلب الصهاينة من أجل إكتساب صفة المراقب في الإتحاد الأفريقي ألخ … , ومن بين مُحفزات الرئيس التوجولي لأداء هذا الدور خدمة للكيان الصهيوني كسب تعاطف رجال الأعمال اليهود الصهاينة الذين يستثمرون في قطاع التعدين بتوجو وتحديداً الفوسفات وعلي رأس هؤلاء Raphy Edery أحد العناصر التي كانت تعمل بجهاز الخابرات الخارجية الصهيوني  MOSSAD  وهذه الشبكة من رجال الأعمال الصهاينة دخلوا في مفاوضات مؤخراً مع Consortium صهيوني – صيني من بين أهم أعضاءه رجل الأعمال الصهيوني Elenilto والصيني Wengfu اللذان يسيطران علي معظم سوق إستغلال النحاس بأفريقيا جنوب الصحراء , ومن ثم فإن الرئيس Faure Gnassingbé يتقرب من الكيان الصهيوني لإعادة التموضع السياسي له للإحتفاظ بالسلطة المُؤبدة بتوجو رغماً عن المعارضة , وذلك من خلال منح إمتياز إستغلال فوسفات بلاده لليهود , وعليه فإن  قمة ” إسرائيل – أفريقيا ” لم تكن إلا مهمة ذات مردود إستراتيجي أداها بإخلاص الرئيس التوجولي Gnassingbé وفقاً لسيناريو صهيوني ولابد له والحالة هذه أن ينتظر مقابلاً لها من الدولة العبرية    , فالكيان الصهيوني كان من المُقدر له إن كانت هذه القمة قد عُقدت بتوجوأن يحقق إختراقاً مُؤثراً بأفريقيا وينقل خطوط التماس مع أفريقيا إلي مسافة أبعد يقف فيها الكيان الصهيوني مع القوي الدولية كتفاً بكتف أي مع الصين والولايات المتحدة وفرنسا والهند وروسيا وإيران وتركيا مُؤخراً , أما توجو فسيظفر رئيسها – كما أشرت – بفترة رئاسية أخري بالرغم من شدة المعارضة الحزبية والشعبية لنظامه فالكيان الصهيوني بمعونة من حلفاءه الغربيين بأفريقيا وهما تحديداً الولايات المتحدة وفرنسا يمكنه دعم نظام الرئيس التوجولي Faure Gnassingbéليظفر بدورة رئاسية رغم أنف المعارضة والشعب تماماً كدورها بالشرق الأوسط  .

لقد دشن رئيس الوزراء الصهيوني Benjamin Netanyahu خطة النفاذ لأفريقيا عندما إلتقي أثناء مشاركته في أعمال الدورة العادية للأمم المتحدة في 23 سبتمبر 2016 حيث إلتقي هناك بنحو  12 رئيس ووزير خارجية أفريقي أعقبها بزيارات لدول أفي شرقي ووسط أفريقيا , ومازال تحقيق إستراتيجية النفاذ الصهيوني لأفريقيا هدفاً يصمم رئيس الوزراء الصهيوني علي تحقيقه بالتوازي مع النفاذ السهل الذي شارف علي تحقيقه في نطاق دول الخليج العربي , قام وزير الخارجية الصهيوني السابق Avigdor Lieberman بزيارة إلي رواندا وساحل العاج وغانا وإثيوبيا وكينيا في بداية يونيو 2014 وأستغرقت عشرة أيام وأستهدفت الترويج لمسعي الصهاينة للحصول علي صفة ” مراقب ” بالإتحاد الأفريقي وأعقبها في 26 يونيو إرسال الكيان الصهيوني وفد إلى قمّة الاتحاد الإفريقي في مالابو (غينيا الاستوائية) لتكون ممثلةً له في هذا الاجتماع القارّي بصفة مراقب ، لكن هذا الوفد ووُجهت مُشاركته بالرفض من قِبَل رئيس الدولة الموريتانيّة محمد ولد عبد العزيز، ثمّ من رئيس الاتحاد الإفريقي نفسه ووفود أخري من دول أعضاء طالب جميعهم بخروج الوفد االصهيوني من مركز المؤتمرات حيث تمّ عقد القمة , وفي يوليو2016 , وقبل عقد قمة الإتحاد الأفريقي في كيجالي في الفترة من 10 إلي 18 يوليو 2016 قام رئيس الوزراء الصهيوني بزيارة لبعض دول شرق أفريقيا تدشيناً للإستراتيجية الراسخة التي بدأها الكيان الصهيوني في خمسينات القرن الماضي وأستأنفها Netanyahu والهادفة إلي وضع أفريقيا بمواردها وحاجاتها المُلحة للتنمية علي خريطة الإقتصاد للكيان الصهيوني وهي الزيارة التي أعقبها زيارة قام بها Dore Gold مدير عام الخارجية الصهيونية لغينيا (أحد أهم الدول الأفريقية في نظر إالكيان الصهيوني) إلتقي فيها الرئيس الغيني Alpha Conde إنتهت بالإعلان عن إستعادة العلاقات الغينية / الصهيونية في 20 يوليو 2016 وهي العلاقات التي كانت قد قُطعت في 5 يونيو 1967 , وفي طريقه إلي    غينيا / كوناكري توقف في ندجامينا حيث إلتقي هناك بالرئيس التشادي إدريس دبي ولم يمنع عدم وجود علاقات دبلوماسية (قُطعت عام 1972) قيامه بهذه الزيارة لتشاد ,فإسرائيل تستطيع تنمية علاقاتها بهذه الدولة أو تلك بعلاقات دبلوماسية وبدونها , وقد أشارت صحيفة The Jerusalem Post في يوليو 2016 أن العلاقات الصهيونية / التشادية من المتوقع إستئنافها .

 كان مجمل التحرك الصهيوني في أفريقيا في الفترة السابقة علي أكتوبر 2017والذي بدأه رئيس الوزراء الصهيوني غايته الأخيرة عقد قمة “إسرائيل – أفريقيا ” في توجو في أكتوبر 2017 , لكنها أُرجأت لأجل غير مُسمي نظراً للموقف السياسي شديد الحرج والصعوبة في توجو جراء إصرار ديكتاتور توجو للبقاء في الحكم بصفة مُؤبدة ضارباً بأحكام الدستور التوجولي الصادر عام 1992 عرض الحائط (لا تمانع فيها فرنسا التي مانعت من قبل وبمنتهي الوضوح بقاء رئيس النيجر لفترة رئاسية واحدة إضافية عام 2009) , وكان الكيان الصهيوني في سبيل تأمين إنعقاد هذه القمة قد أوفد مجموعة من ضباط الموساد إلي توجو لذلك الغرض , ومن أجل ذلك ومن بين إجراءات مختلفة إتخذوها إندسوا قبل عقد هذه القمة في أوساط الجماهيير بتوجو تأميناً لعقدها لكن بمجرد الإعلان عن إلغاءها حزم هؤلاء الضباط حقائبهم وعادوا من حيث أتوا * ( موقع 27 avril . com بتاريخ 14 سبتمبر 2017) , والواقع أن عدم التمكن من عقد قمة ” إسرائيل – أفريقيا ” في توجو لم يكن الإخفاق الصهيوني الأول بل سبقه إخفاق آخر أشارت إليه صحيفة THE JERUSALEM POST في23 أغسطس  2016 حين أشارت إلي أن رئيس الوزراء الصهيوني  Benjamin Netanyahu كان يخطط لعقد قمة تضم 15 رئيس دولة من دول غرب أفريقيا يتشكل منها التجمع الإقتصادي لدول غرب أفريقيا ECOWAS في نيجيريا بنهاية عام 2016 إلا أن رئيس نيجيريا لم يعط موافقته علي هذه الخطة التي توجه بها رئيس مفوضية التجمع الإقتصادي لدول غرب أفريقيا Marcel Alain de Souza للكيان الصهيوني في يوليو 2016 ليقدم الدعوة لرئيس الوزراء الصهيوني لحضورها لكنها لم تتحقق لرفض نيجيريا البات لعقدها , وللأسف لم يُرصد علي وسائل الإعلام المختلفة أن بلداً عربياً أوفد مبعوثاً لنيجيريا لشكرها علي موقفها الإيجابي والأسباب معروفة بالطبع .

إثر إعلان دول الحصار الرباعي فرضهم للحصار علي قطر تحت دعاوي مختلفة منها تمويل ودعم قطر التنظيمات الإرهابية (الجهادية) آثرت قطر توقيع مذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة في 11 يوليو 2017   تضمنت وضع خطة مُشتركة للتحري عن والقضاء علي الإرهاب , وكانت أولي خطوات قطر نحو إجراء تغيير في سياستها إزاء دعم الإسلام الجهادي وربما في خطوة لاحقة الإسلام السياسي تقديم الدعم العيني لقوة الساحل الخماسيةG 5 Sahel  بأربع وعشرين عربة مُدرعة ثم إستقبال رئيس توجو ووزير خارجيته وهما من أكثر النظم الأفريقية إقتراباً ودعماً لنفاذ الكيان الصهيوني في أفريقيا  وهما زيارتين مُفعمتين بمعاني مختلفة ليس أقلها أن قطر غير معنية بجعل علاقاتها بالدول الأفريقية الداعمة للكيان الصهيوني في حدها الأدني خاصة وأن بعض هذه الدول علاقاته بقطر كانت محدودة للغاية , كذلك فقطر أصبحت مثلها مثل النظم العربية الأخري تحمل هموم بناء الكنائس وكأن هؤلاء مفلسون أو ليس لهم من يدعمهم مالياً , ففي 17 يناير أعلنت قطر عن تمويلها لبناء كنيسة للمارون في كسروان  * (L,Orient LE JOUR بتاريخ 17 يناير 2019) ,وهو نفس ما تفعله الإمارات وغيرها وكأن هؤلاء سيمنحوننا صكوك الرضا والغفران أو البركة , مع أن المسألة التي بيننا وبينهم أكبر من هذه الترهات الشكلية الفارغة من المعني , فكيف يمكن لقطر أن تتسق مع نفسها إذن ؟ فها هي ذا تدعم من يقتلون المسلمين وهم يدافعون في مالي ومناطق أخري عن مواردهم التي تسرقها فرنسا وعندما يستخدمون السلاح كما تستخدمه فرنسا دفاعاً عن مواردهم تتهمهم فرنسا وغيرها بأنهم ” إرهابيين ” وتجرد حملة عسكرية .  

(ثـالثاً) العلاقة مع تركيا  :

قطرعضو في منظمة البلدان المصدرة للبترول (OPEC) وقد سجل انتاجها من النفط خلال شهر يونيو2017 نحو 611 ألف برميل يوميا * ( موقع صحيفة الشرق القطرية بتاريخ 21 سبتمبر 2017) ، وهو إنتاج محدود قياساً علي دول أخري عضو بهذه المنظمة , لكن قطر تعد من كبريات المنتجين العالميين للغاز الطبيعي إذ أنه وخلال عام 2014 مثلاً بلغت كمية الغاز الطبيعي المُسال القطري المشحونة للأسواق 76.4 مليون طن أو 32 % من مُجمل الإمدادات العالمية من الغاز ، وذلك وفقا للأرقام الصادرة عن المجموعة الدولية لمستوردي الغاز الطبيعي المسال , وقد سعت قطر سعياً دؤوباً لتطبيق سياسة الإنتشار الإستثماري في إستكشافات البترول والغاز الطبيعي علي مستوي العالم من بحر الشمال حتي قبرص , ويشير تصريح أدلي به سعد الكعبي الرئيس التنفيذي لقطر للبترول لوكالة أنباء   Reuters في 7 فبراير 2017 إلي هذا المعني حيث قال ” إنني أسعى للحصول على صفقات في قبرص حيث فازت قطر للبترول بعرض يشمل 40 % من  خريطة التنقيب هناك , وقد ذهبنا مؤخراً إلي المغرب للاستكشاف ” , وأضاف في موضع آخر من تصريحه قوله أن ” قطر للبترول تخفض التكاليف في عملياتها المحلية وتتطلع للتوسع في الخارج من خلال مشاريع مشتركة مع شركات النفط العالمية ” وأوضح قوله ” لست قلقًا على الإطلاق بشأن تخمة الغاز فسوف تكون هناك حاجة للغاز لفترة طويلة جدا * (Reuters من الدوحة بتاريخ 6 فبراير 2017) , وفي هذا الإطار وقعت قطر للبترول وExxonMobilعقد إستكشاف ومشاركة في الإنتاج مع حكومة جمهورية قبرص بالقطاع البحري رقم10دخل حيز التنفيذ في 15 نوفمبر 2018 ( علي مدي العامين الماضيين منحت حكومة قبرص شركات تنقيب مُتخصصة حقوق الإستكشاف في منطقتها الإقتصادية الخالصة مثل ENI الإيطالية وTotal KOGAS الكورية و Noble  Energy الأمريكية علي أمل إكتشاف الهيدروكربون وتحديداً الغاز الطبيعي والبترول , وقبل التوقيع علي هذا العقد إستقبل رئيس جمهورية قبرص Nicos Anastasiades في القصر الرئاسي بنيقوسيا السيد سعد شريدة الكعبي رئيس ومدير عام لقطر للبترول ومعه السيد Andrew  Swiger نائب رئيس والمسئول المالي الرئيس لشركة ExxonMobil ( تلقت قطر للبترول موافقة تنظيمية من حكومة الولايات المتحدة لإقامة مصنع للغاز الطبيعي المسال بتكلفة 10 مليار دولار مع شريكها ExxonMobil) , وجرت بين ثلاثتهم مناقشات تركزت علي مستقبل التعاون في مجال الطاقة والعقد الذي أرسي الشروط المُتعلقة بالإستكشاف والبحث الهيدروكربوني المُحتمل بالقاطاع رقم 10 البحري لجزيرة قبرص , وبعد ذلك جرت مراسم توقيع العقد بحضور وزير الطاقة والتجارة والصناعة والسياحة القبرصي Yiorgos Lakkotrypis ووزراء العمل والمالية والشئون الخارجية والسفير القطري والسفيرة الأمريكية لدي قبرص Kathleen A Doherty , وقد قال رئيس قطر للبترول في مناسبة التوقيع تلك ” إن هذا الإتفاق يضع بصمتنا علي مدي أوسع بالعالم  ومنه منطقة شرق البحر المتوسط , ونأمل أن تكون هذه المنطقة أحد أكثر الفرص الواعدة ” *  (موقع قطر للبترول) , وقد أعلن الكونسوريوم الذي يضم قطر للبترول أنه يجري عمل مسح زلزالي ثلاثي الأبعاد في القطاع رقم 10 ، في الوقت الذي يستعد فيه شركاء الكونسورتيوم لبدء الحفر الاستكشافي في عام 2018 , وبالفعل توجهت سفينة الحفر Stena IceMax التي تعمل لصالح ExxonMobil للمنطقة الإقتصادية الخالصة لقبرص ويبدو وفقاً لموقع Forbes بتاريخ 10 نوفمبر 2018 أنها إقتربت من تحقيق مهمتها مما إستدعي إصدار تركيا تحذير مفاده أنها ستتصرف إزاء أي عملية إستكشاف أو تنقيب في النطاق البحري لقبرص حيث أن الموارد الطبيعية حول الجزيرة القبرصية أمر يتعلق بتسوية القضية القبرصية لأنه هذه الموارد ليست ملكاً للقبارصة اليونانيين وحدهم بل ومعهم القبارصة الأتراك أي حكومة شمال قبرص التركية وبالتالي فإن لا حكومة شمال قبرص ولا الحكومة التركية تعترفان بالنطاق الإقتصادي الخالص لقبرص ولتركيا مطالب بأيلولة أجزاء من القطاعات البترولية حول قبرص أرقام 1 و 4 و 6 و 7 بإعتبار وقوعها في المنطقة الإقتصادية الخاصة بها كما أن هناك مطالب أخري لحكومة شمال قبرص التركية – التي لم تحظ إلا بإعتراف رسمي من تركيا – في أي إكتشافات مُحتملة في القطاعات أرقام 1 و 2 و3 و8 و9 و12 و13 , وقد أكد وزير خارجية حكومة شمال قبرص التركيةKudret Ozersay – وفقاً لما نشرته صحيفة  Phileleftheros الصادرة بقبرص اليونانية , أن تركيا سوف يكون لها رد فعل علي أعمال التنقيب التي تقوم بها شركة ExxonMobil لأن لتركيا وحكومة شمال قبرص حقوق في المنطقة الإقتصادية الخالصة , وأن قرار حكومة القبارصة اليونانيين بالإستكشاف في المنطقة الإقتصادية الخالصة يثبت أن الحقوق والمصالح التي للقبارصة الأتراك في الموارد الطبيعية التي بالجزيرة القبرصة مازال يتم تجاهلها من جانب القبارصة اليونانيين , وأضاف قوله أن كلا من جمهورية شمال قبرص التركية وتركيا علي أهبة الإستعداد لإتخاذ الخطوات الضرورية دفاعاً عن حقوقهما ومصالحهما بالمنطقة ومن بينها ممارسة أنشطة إستكشاف الهيدروكربون , وإتصالاً بموقف ExxonMobil من التحذيرات التركية تجنب Neil Chapman نائب رئيس ExxonMobil عندما إلتقاه الصحافيين بقبرص اليونانية بعد لقاءه برئيس جمهورية قبرص اليونانية مُؤخراً الخوض في موضوع التحذيرات التركية إذ قال ” نحن كيان تجاري وعملنا يتعلق بإنتاج وتنميةالموارد الطبيعية لصالح حكومات وأي مسائل ذات صلة بالحكومة , علي الحكومات في هذه الحالة أن تناقشها وتحلها .

إن دخول قطر للبترول في الإستثمار البترولي بالقطاع رقم 10 بالمنطقة الإقتصادية الخالصة للجزيرة القبرصية تحدد بناء علي العلاقات البترولية المُتجذرة بين قطر والولايات المتحدة والتي تعد أساسية للإقتصاد القطري , فالبترول والغاز الطبيعي هما  معاً المنتج الوحيد لهذه الدولة والذي بالتبعية يعد الممول الرئيسي لتنفيذ أي سياسة خارجية  قطرية والقائمة علي الإعلام (شبكة الجزيرة الإعلامية) وموال المساعدات والإستثمار , ومن بين الإشارات الدالة علي ذلك مُؤخراً تلك الزيارة التي قام بها Dan Brouilletteنائب وزير الطاقة الأمريكي في 14 يناير 2019 لقطر حيث ألتقي بها رئيس والمدير العام لقطر للبترول سعد الكعبي وأجريا ما وُصف بأنه “حوار بناء” بشأن خطط التوسع الممكنة لمشروعات الغاز الطبيعي القطرية وأهمية الإنتاج والتعاون الأمريكي / القطري في مشروعات الغاز الطبيعي , وذلك  تزامناً مع ما سببه دخول قطر للبترول مع ExxonMobil في الإستثمار البترولي بقبرص , وأشارDan Brouillette إلي الإهتمام المُستمر لشركات الطاقة الأمريكية بلعب دور في خطط قطر لزيادة الإنتاج من الغاز الطبيعي المُسال من 77 مليون طن / عام إلي 110 مليون طن / عام , وقد أوضح سعد الكعبي و Brouillette أنهما إتفقا علي أن تعاون قطر والولايات المتحدة  في موضوع الغاز الطبيعي المُسال يساعد علي مزيد من التعزيز لأمن الطاقة حول العالم ( ENERGY. GOV بتاريخ  14 يناير 2019 ) , وهذه العلاقات البترولية المُتجذرة بين قطر والولايات المتحدة تلك يُعبر عنها مؤخراً الكونسورتيوم الذي يجمع قطر للبترول و ExxonMobilفي قبرص والذي لم يراع ما يمكن أن ينشأ من تداعيات خطيرة ويزيد من تعقيد القضية القبرصية , هذه العلاقات هي التي تدفع بقطر للبترول للإستثمار البترولي بقبرص وليس موجبات العلاقات القطرية مع تركيا أو غيرها , وبوضوح فليس لقطر ولا لقطر للبترول ثمة سلطة أو قدرة علي معارضة الإستراتجية البترولية أوالطاقوية للولايات المتحدة , ويُري التوجيه الأمريكي للسياسات البترولية لكل دول الخليج العربي المُنتجة للبترول والغاز في إطار العلاقة بين آمر ومأمور وهي علاقة إتبعتها الإدارات الأمريكية المُتعاقبة وربما تظهر هذه العلاقة بهذه الكيفية بدرجة عالية من الوضوح وبفجاجة علنية في إدارة الرئيس الأمريكي Donald Trump , ففي تصريح أدلي به  Dan Brouillette نائب وزير الطاقة الأمريكي قال ” أن الولايات المتحدة في محادثات مع الدوحة بشأن إمدادات أوروبا من الغاز الطبيعي المُسال , كما أنها – أي الولايات المُتحدة – تريد من ألمانيا والدول الأخري إستيراد الغاز القطري والأمريكي عوضاً عن إستيراده من روسيا والذي يُمثل نسبة 60% مما تستورده ألمانيا ” , وأضاف Brouillette قوله ” تحادثنا مع الوزير (القطري) الكعبي هنا عن الأسواق الأخري خاصة الأوروبية حتي أننا تناولنا مع القطريين مد الأسواق الأوروبية بالغاز الطبيعي , وهم (أي القطريين) مُهتمين جداً بذلك مثلنا , وهوأمر شديد الإرتباط بالمداولات التي نجريها مع الآخرين بشأن Nord Stream 2 وهوخط الأنابيب الذي سيزيد من إعتمادية وأوروبا علي روسيا , لكن ألمانيا قررت مُؤخراً المساعدة في تمويل إقامة مرافق إستيراد الغاز المُسال والتي يمكن أن توازن وتعوض هذه الإعتمادية ” , أما وزير البترول القطري فقال الشهر الماضي لوكالة Reuters أن قطر للبترول تبحث في إستثمار ما لا يقل عن 20 بليون دولار في الولايات المتحدة علي مدار السنوات القليلة القاتدمة وأنه يتوقع قراراً نهائياً في هذا الشأن والإستثمار في  محطة الممر الذهبي النهائية في Texas , ووفقاً للوزير القطري ” فإن الإستثمار القطري في محطة الممر الذهبي وفي مرافق التصدير الأمريكية مهم جداً إذ سيتيح ذلك لنا تسليم الغاز الطبيعي لأوروبا ” * (Reuters . 14 يناير 2019) , وكان الرئيس الأمريكي إتهم ألمانيا في يوليو 2018 بأنها “أسيرة” لروسيا نظراً لإعتماديتها الطاقوية علي الروس وهو إتهام رفضته ألمانيا مُعلنة بأنها مُنفتحة علي تنويع مصادر حصولها علي الطاقة لكن ذلك أمر يتحدد بناء علي الإعتبارات الإقتصادية فحسب .  

هناك ثمة إرتباط بين إعلان وزير الطاقة القطري المُفاجئ في 3 ديسمبر2018 الإنسحاب من Opec ( قطر عضو بهذه المنظمة منذ 1961) في يناير 2019 والعلاقات البترولية مع الولايات المتحدة عبر شركات البترول الأمريكية التي لها كلمة في السياسة الخارجية للولايات المُتحدة , وقد أبلغت قطر Opec بقرارها والذي عللته برغبتها في التركيز في إنتاج الغاز وأوضح وزير الطاقة أن هذا القرار” فني وإستراتيجي ” وليس سياسي , مُوضحاً أن قطر ليس لديها إمكانيات كبيرة في مجال إنتاج البترول (600,000 برميل / يوم) وأنهم واقعيون وأن إنتاج الغاز سيظل أولوية قصوي لدي بلاده مُنكراً صلة قرار الإنسحاب من Opec بالحصار الرباعي وبالعلاقات المُتدهورة مع السعودية منذ قيادتها لرباعي الحصار الذي فُرض في 5 يونيو 2017 , ولكن محللين كُثر أكدوا أن القرار سياسي بإمتياز وهو ما تنكره قطر بدعوي أن تركيزها الأول في إنتاج الغاز بإعتبار حيازتها لأكبر إحتياطيات غازية مُؤكدة بعد روسيا وإيرإن وتأتي كأول مُصدر للغاز المُسال عالمياً , كما أن مركزها المُتأخر نسبياً في الإنتاج البترولي لا يُكسبها أهمية داخل Opec فيما الوزن الأكبر داخل المنظمة للسعودية التي تنتج ثلث الإنتاج الكلي للدول أعضاء Opec , لكن وبغض النظر عن تعليلات وزير الطاقة القطري فإن قرار قطر الإنسحاب أُعلن بعد قرار سعودي أثر علي تماسك وحدة سياسات Opec وهو قرار زيادة إنتاجها البترول خروجاً علي قواعد الإنتاج التي قررتها  Opec, وذلك من أجل عيون الرئيس الأمريكي Trump وإضطرارها بسبب تصفيتها الشنيعة للصحفي السعودي الناقد جمال خاشقجي إلي بيان خضوعها وتسليمها بالأوامر الأمريكية حتي ولو علي حساب دخلها القومي , وبعد ذلك أعلنت منظمة Opec في ختام إجتماع أعضاءها بمقرها في Vienna أن الدول الأعضاء بها وكذلك دول غير أعضاء إتفقوا علي خفض إنتاج النفط الخام بمعدل 1,2 مليون برميل / يوم علي مدي 6 أشهر قادمة بدءاً من يناير 2019 كمحاولة للتأثير في أسعار النفط الخام * ( وكالة أنباء  UPIفي 7 ديسمبر 2018) , لذلك في تقديري أن قرار الإنسحاب القطري من  Opecيُماثل القرار السعودي , ولكن من باب مختلف لكنه يؤدي إلي نفس الوجهة التي تريدها الولايات المتحدة , فكلا القرارين قد يؤديان إلي مزيد من التصدع لهذه المنظمة العتيدة التي لا تروق للولايات المتحدة ولا لرئيسها D . Trump بل وتتعارض مع إستراتيجية الطاقة الأمريكية في غالب الأحوال , فالولايات المتحدة كقاعدة عامة لا تريد تكتلات أو Cartels خاصة تلك التي قد تعترض سبيل أي إستراتيجية تضعها ,  وقد يؤدي الإنسحاب القطري من Opec لاحقاً – ما لم يظل إتحاد باقي الدول أعضاء  Opecقوياً – إلي إحتذاء دول أخري أعضاء بهذه المنظمة بقطر خاصة وأن القيادة السعودية للمنظمة تفقتقد إلي الصواب والحد الأدني من الإستقلالية عن الإرادة الأمريكية , بدليل قرارها زيادة إنتاجها كما شاء الرئيس Trump والذي تسبب في فوضي وأرتباك سعري وإنتاجي بأسواق البترول التي أصبحت مُتزنة عند الحد الذي يحقق للإقتصاد الأمريكي أفضل توازن مُستهدف , وسيظل الوضع كذلك طالما بقيت السعودية رهينة للحماية الأمريكية التي جاهر الرئيس الأمريكي بأن علي السعودية ( ودول الخليج بالتابعية) أن تدفع (ويدفعوا) ثمن هذه الحماية ليس فقط بضخ أموالهم للخزانة الأمريكية بطرق مختلفة كمشتريات السلاح الضخمة التي تأكد بحرب اليمن انها عبثية وتعديل منسوب الإنتاج البترولي وتمويل حملات عسكرية تحقق الأمن والإستقرار لمصالح دول حلف شمال الأطلنطي بقيادة الولايات المتحدة ومنها دعم مجموعة الساحل الخماسيةG5 Sahel  وما خفي كان أعظم بل , وبالمزيد من الخضوع والذل , فكيف لدولة هذا وزنها تقود آخرين أو تتكلم عن ” مكانة ” ؟ أن تقول بذلك وهي محمية بالمعني الحرفي للكلمة ؟ فكلهم سواء في الخضوع للنسر الأمريكي و”كلهم” هنا أعني بها كل نظم مجلس التعاون الخليجي ونظم أخري , وبناء علي ذلك فإن القرار القطري بالإنسحاب من Opec يتفق مع الفكر الطاقوي الأمريكي ومن ثم فإن الكونسورتيوم الذي بين قطر للبترول و ExxonMobilالأمريكية تعبير جزئي ولكنه واضح يؤكد التنسيق الإستراتيجي في مجال البترول بين قطر والولايات المتحدة , ومن ثم فإن في هذا ما يثبت أن إستراتيجية إنتاج الغاز القطري أولاً ويليه البترول تضعها قطر بناء علي التنسيق المباشر مع الولايات المتحدة الأمريكية وعبر التعاون مع شركاتها , وهو ما يعني أن العلاقات القطرية مع الولايات المتحدة هي وليست العلاقات القطرية / التركية التي تتأسس عليها قرارات قطر السياسية في شأن دخول قطر للبترول في إستكشاف الغاز الطبيعي في المنطقة الإقتصادية للجزيرة القبرصية إلي الحد الذي يجعل قطر لا تعتني بما يؤدي إليه عملها في منطقة متنازع عليها بقبرص من المزيد من التعقيد للقضية القبرصية حتي لو أدي ذلك إلي الإضرار بالموقف التركي في هذه القضية   .

لا تعتبر تركيا أن قضية البترول مُنفكة الصلة بأمنها القومي خاصة وأن هناك حلف تكون من رباعي شرق المتوسط وهم مصر واليونان وقبرص والكيان الصهيوني في مواجهة تركيا ومن بين المصالح التي دعت إلي تكوينه موارد الغاز الطبيعي في شرق المتوسط وقبرص جزء منه , لكن تركيا لا تصدر تصريحات غير مُؤيدة بأفعال , إذ أن التحذيرات التركية التي وُجهت إلي ExxonMobil بألا تقترب من المنطقة الإقتصادية الخالصة تحذيرات جدية , فقد سبق أن توجهت قطعة بحرية عسكرية تركية في فبراير 2018 إلي حيث تقوم شركة ENI الإيطالية بالتنقيب بواسطة سفينة  SAIPEM 12000 المُعدة للإستكشاف في القطاع رقم 3 بالمنطقة الإقتصادية الخالصة للجزيرة القبرصية , ولم تسمح لها بممارسة العمل فقد ظلت SAIPEM 12000 بمنطقة العمل بالبحر 12 يوماً إنتظاراً لمغادرة القطعة البحرية العسكرية التركية مما حدا بشركة ENI إلي التخلي عن العمل هناك , وتعليقاً علي ذلك صرح المتحدث باسم خارجية القبارصة اليونانيين Prodromos Prodromou بأن بلاده تقوم علي تنفيذ خطة الطاقة علي أساس القانون الدولي وبالتعاون مع الشركات التي لديها تراخيص بالعمل بالمنطقة الإقتصادية الخالصة وأنه من الواضح أن حكومة قبرص لا تريد أن يتكرر ما حدث في فبراير 2018 وأنها تجري إتصالات دبلوماسية لتأمين أعمال التنقيب بدون مشاكل .

إهتمت الولايات المتحدة في سياق علاقاتها المُعقدة بتركيا حالياً بالدخول علي خط أزمة ExxonMobil وقطر للبترول , وإتصالاً بذلك فقد صرح مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشئون أوروبا وأوروآسيا A. Wess Mitchell بقوله  “نحن واضحون في مراسلاتنا مع المسئوليين الأتراك فقد قلنا لهم أن مضايقة سفن الحفر في المنطقة الإقتصادية الخالصة لقبرص ليس من الأمور التي ولا نبدي ملاحظتنا عليها أو لا نتكلم فيها سنسمح بها ” , وهذا يعني أن تكرار التصرف التركي في مواجهة ENI الإيطالية معExxonMobil الأمريكية وقطر للبترول التي لم يصدر عن أي من مسئوليها – خلافاً لحالة شريكها ExxonMobil – تعقيب علي الموقف التركي بشأن نشاطهما المحتمل في القطاع رقم 10الذي تعتبره حكومة قبرص شديد الأهمية لتحقيق خطة الطاقة بها وسيفتح الباب لقبرص لإقامة مرفق لإسالة الغاز الطبيعي بها بتكلفة تُقدر بنحو 6 مليارات دولارات , إذ مازال الإنتاج القبرصي الحالي لا يبرر من الوجهة التكاليفية إقامته مالم يبدأ الإنتاج من القطاع رقم 10 . * (Forbes . بتاريخ 10 نوفمبر 2018)

بناء علي ما تقدم يمكن القول بأن موضوع قيام شركتي ExxonMobil الأمريكية وقطر للبترول بالإستكشاف في منطقة موضع نزاع بين القبارصة الأتراك والقبارصة اليونانيين يمكن أن يكون إضافة لملف العلاقات الأمريكية / التركية المُعقدة , كما أنه يمثل تهديداً لعلاقة التحالف القطري / التركي القائمة والمُتطورة والتي أثبتت تركيا في إطارها أنها صمام أمن لقطر , وهي كذلك بالطبع إضافة لصمام الأمن الأمريكي المُتاح لقطر وأثبتت الأزمة الخليجية التي بدأت بالحصار الرباعي لقطر أن هذا الصمام الأمريكي قلص – بعد جدل داخل الإدارة الأمريكية عن السماح بتمرير المخطط السعودي بغزو قطر علي غرار ما تفعله حالياً هي والإمارات في محافظتي المهرة وسقطري اليمنيتين أو إيقافه وهو ما رجحه دور وزير الخارجية الأمريكي السابق Rex Tillersonمدعوماً من الكويت وعُمان –  قلص المساحات التي إعتقد رباعي حصار قطر أنها حرة ومفتوحة أمامهم لتنفيذ خطة الغزو , وعلي كل حال فمن الواضح حتي الآن أن تركيا تحرص علي مواراة وإخفاء غضبها من السلوك القطري , فليس القطريون بالأغبياء حتي يعتقدوا أن لا خطورة ما في إستثمارهم عبر قطر للبترول في مجال البترول والغاز في القطاع رقم 10 بالمنطقة الإقتصادية الخالصة للجزيرة القبرصة والتي قُسمت بعد العملية العسكرية التركية هناك في يوليو – أغسطس 1974 فنشأ بعدها كيانين مُتنازعين خاضا ويخوضا حتي يومنا هذا دورات لا تنتهي من المفاوضات برعاية الأمم المتحدة والدول الثلاث الضامنة لإستقلال قبرص( تركيا – اليونان – المملكة المتحدة), لذلك فدخولهم أي القطريين في كونسورتيوم يضم  ExxonMobil الأمريكية و قطر للبترول وهو كيان إقتصادي إستراتيجي يشكل مع  “شبكة الجزيرة الإعلامية ” جماع القوة الشامل لدولة قطر فبهما إستطاعت قطر عمل مزيج في منتهي الكفاءة أدي إلي إنشاء أو هندسة ما يُسمي بالدور القطري , وقطر تعلم يقيناً خطورة تقدمها للإستثمار في مجال البترول مع حكومة قبرص اليونانية حليفة اليونان في منطقة مُتنازع عليها , فهل تعرضت قطر لضغوط أمريكية لفعل ذلك وووافقت علي تشكيل كونسورتيوم مع شركة ExxonMobil الأمريكية العملاقة بهدف إرباك تركيا وزيادة عدد المشاكل التي تواجهها بإضافة وفتح ملف القضية القبرصية من نقطة حرجة خاصة وأن أي إستثمار لموارد طبيعية بالجزيرة القبرصية أو حولها خاصة في مجال البترول يتعارض مع جهود تسوية القضية القبرصية ويعني مباشرة المصادرة علي حل لها ؟ إذ كيف يجري إستغلال وإنتفاع حكومة القبارصة اليونانيين بعوائد موارد طبيعية كالبترول في هذه الحالة ولا ينتفع بها القبارصة الأتراك في دولة يشير دستور قبرص نفسه الذي بموجبه نشأت جمهورية قبرص , ويكرر المفاوضون أنها دولة بموجب دستورها  ثنائية الطائفة Bicommunal ؟ نحن أمام موقف شديد التشابك والتعقيد في مواقف الدول الداخلة في عملية الإستثمار في البترول القبرصي , وما يعنينا هنا هوالموقف القطري الذي غامر بوضع يده في يد الأمريكيين لمزيد من العقيد للقضية القبرصية , فالقطريون يعلمون ما يمكن أن يسببه إستثمارهم في إستخراج موارد محل نزاع بين الطائفتين التركية واليونانية القبرصية وأن هناك جهود تحاول الأمم المتحدة بذلها في سبيل حل هذا النزاع , ففي هذا الإطار ستصل مبعوثة الأمين العام للأمم المتحدة Antonio  Guterres الخاص للقضية القبرصية Jane Holl Lute قريباً ربما في فبراير القادم إلي قبرص , إلا أن رئيس Mustafa Akıncı  جمهورية شمال قبرص التركية  كان قد صرح بعد إجتماعه مع Elizabeth Spehar الممثلة الخاصة الأمم المتحدة لدي قبرص والتي ترأس قوة الأمم المتحدة لحفظ السلام بقبرص UNFICYP في 11 يناير 2019 بأنه لا مفاوضات مع القبارصة اليونانيين يمكن توقعها قبل منتصف هذا العام أي في يونيو بسبب الإنتخابات المحلية بشمال قبرص في 31 مارس 2019 , بينما صرحتElizabeth Spehar بعد هذا الإجتماع بأنها ستناقش الموقف في قبرص المُقسمة ودور الأمم المتحدة هناك خلال إجتماعها مع كبار المسئوليين الأمريكيين بنيويورك في وقت لاحق هذا الشهر( يناير2019) وكذلك مع الأمين العام للأمم المتحدة *  DAILY NEWS . Hurriyet) . 12 يناير 2019) , من جهة أخري علقت صحيفةKathimerini التي تصدر في قبرص اليونانية في مستهل يناير 2019علي مسألة التنقيب عن البترول في مقال عنوانه “تجميد مسألة الطاقة لتدفئة مشكلة الغاز ” وقالت أن ظهور مشكلة التنقيب عن البترول بواسطة شركة  ExxonMobil سيُؤثر بلا شك علي حل القضية القبرصية , أما صحيفة Fileleftheros القبرصية اليونانية فقد أشارت إلي أن أسس المقترحات التي طرحتها تركيا بشأن مسألة التنقيب عن وإستغلال موارد الغاز الطبيعي بالمنطقة الإقتصادية للجزيرة القبرصية مُؤسسة علي مُقترح قديم قدمه في 24 سبتمبر الرئيس درويش أوغلو مفاده تقاسم الغاز الطبيعي وإنشاء لجنة فنية للهيدروكربون في إطار الحوار بين الطائفتين التركية واليونانية بالجزيرة , وهو ما يعني أنه بينما تواصل الأمم المتحدة جهودها لحل القضية تشارك قطر الولايات المتحدة عبر شركة ExxonMobil في تعقيد القضية القبرصية بإدخال عامل الثروة البترولية التي يعتبرها الأتراك إبان الحكم العسكري الطويل وكذلك تحت حكم حزب العدالة والتنمية سدة الحكم عام 2002 قضية أمن قومي , ولابد أن القطريين يعلمون أو ربما لا يعلمون ذلك , لكن يُلاحظ أن الولايات المُتحدة نفسها وهي تُقحم البترول بإضافته للعناصر المُتشابكة للقضية القبرصية تعاني من تناقض في بيان موقفها من مسألة إستغلال الموارد الطبيعية الواقعة في المنطقة الإقتصادية الخالصة للجزيرة القبرصية أي للطائفتين : القبارصة الأتراك والقبارصة اليونانيين معاً (البترول والغاز القبرصي) , فخلافاً لما ذكره مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشئون أوروبا وأوروآسيا A. Wess Mitchell مُؤخراً بقوله ” نحن واضحون في مراسلتنا مع المسئوليين الأتراك فقد قلنا لهم أن مضايقة سفن الحفر في المنطقة الإقتصادية الخالصة لقبرص ليس من الأمور التي ولا نبدي ملاحظتنا عليها أو لا نتكلم فيها سنسمح بها ” , وهو تصريح يتسق مع تصريح سابق عليه أدلت به  للصحافة القبرصية سفيرة الولايات المتحدة لدي قبرص Kathleen A. Doherty في 21 فبراير 2018 عقب مقابلة رئيس جمهورية قبرص Nicos Anastasiades لها بالقصر الجمهوري , إذ قالت ” لقد كانت مناقشة جيدة مع الرئيس تضمنت الأحداث الجارية بما فيها مسألة الهيدروكربونات , ولقد نقلت للرئيس (القبرصي) أن الولايات المتحدة تشعر وبقوة بأن لجمهورية قبرص (اليونانية) الحق في إستكشاف وإستغلال مواردها في المنطقة الإقتصادية الخالصة EEZ وأننا (الولايات المتحدة)    أكدنا للجانب التركي لدي زيارة وزير الخارجية Tillerson لأنقرة الأسبوع الماضي إنخراطنا في المسائل المُتعلقة بشرق المتوسط  , وقد طرح عليهم (طرح عليهم( Tillerson  هذه المسألة (الإستكشاف البترولي أمام سواحل جمهورية شمال قبرص التركية ) , لذلك فنحن نرقب هذه الأحداث , فنحن مُنخرطون أيضاً فيها ويحدونا الأمل في أن تُحل هذه المسألة , حتي يمكننا التحرك للأمام ونبدأ في المحادثات مرة أخري (تقصد محادثات حل القضية القبرصية) , لكنها قالت أيضاً رداً علي سؤال حول تواجد شركة ExxonMobil للعمل في الإستكشاف البترولي بالمنطقة الإقتصادية الخالصة لقبرص (وفقاً لإدعاء جمهورية قبرص اليونانية) ” نحن نتحدث عن المسائل الفورية اليوم وسوف ننظر ما الذي عساه أن يحدث” . *(IBNA Newsroom . وكالة أنباء البلقان المستقلة بتاريخ 21 فبراير 2018) , لكن هذه التصريحات تتناقض هذا مع ما قاله نائب مساعد وزير الخارجية للشئون الأوروبية والآسيوية Jonathan Cohen في إجابته عن سؤال وجهه إليه Bob Menendez النائب الديموقراطي وعضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب الأمريكي بشأن موارد الغاز والبترول بجمهورية قبرص , فقد أشارJonathan Cohen إلي أنه ” ينبغي تقاسم موارد النفط والغاز القبرصية بصورة متساوية بين الطائفتين في الجزيرة في سياق تسوية شاملة” ، وأضاف قوله ” إن الاستقرار في شرق البحر الأبيض المتوسط يُشكل أولوية قصوى بالنسبة للإدارة , وإذا ما تأكد ذلك فسأكون على استعداد لاتخاذ خطوات لتعزيز العلاقة بين الولايات المتحدة وجمهورية قبرص”. *(صحيفة Ekathimerini.com القبرصية اليونانية بتاريخ 21 مايو 2018) , لكن من الواضح أن الولايات المتحدة أميل لدعم الموقف القبرصي في مسألة الموارد البترولية , إذ أن وزير الطاقة القبرصي في لقاءه مع وزير الطاقة الأمريكيFrances Fannon  خلال زيارته لقبرص في إطار جولة شملت مصر والكيان الصهيوني أدلي بتصريح أعاد فيه التأكيد علي الموقف الأمريكي الداعم لقبرص وإعتراف الولايات المتحدة ” بحق قبرص في تنمية ثروتها الطبيعية ” , وتكمن أهمية تجديد الإعلان عن الموقف الأمريكي في أنه أتي بعد ساعات من تهديد وجهه وزير الطاقة التركي مفاده ” أن تركيا ستمضي قُدماً في الإعلان عن أن تراخيص التنقيب عن الغاز القبرصي بالمنطقة الإقتصادية الخالصة غير قانونية ” .

كذلك فإن القطريين يعلمون وشركة قطر للبترول ذاتها تعلم وتدرك أن عملها مع ExxonMobil أو غيرها في منطقة تعود لدولة كقبرص تتكون وفقاً لدستورها من طائفتين دخلتا في نزاع حول السيادة عقب التدخل العسكري التركي في يوليو 1974 وحتي يومنا هذا , أمر محفوف بالمخاطر , كما أن شركات البترول حتي الأمريكية منها ليست حرة بصفة مُطلقة في الدخول في عطاءات البترول التي تطرحها الدول المعنية بدون ضوء أخضر أو أحمر حسب الحالة تعطيه حكومة الولايات المتحدة , ومن ثم فدخول قطر للبترول لا يمكن أن يكون مُنزهاً عن الغرض وبريئاً فدخولها في قبرص لم يكن ضربة لازب أو عملاً عشوائياً بالمرة .

من غير المُتصور ألا يكون لدي “قطر للبترول” علم أو فكرة عن المخاطر والتعقيدات بل والتداعيات السياسية التي يُؤدي إليها دخول شركة ما للبترول للإستثمار في مناطق مُتنازع عليها والأمثلة علي ذلك كثيرة وبإعتبار الصلات القوية والتاريخية بين “قطر للبترول” ومختلف الشركات الأمريكية للبترول  فلابد أن لديها علم من هذه الشركات بسوابق حدثت في هذا الصدد منها ما أقدمت عليه شركة TEXAS  EASTERN الأمريكية بالعمل في منطقة حلايب وشلاتين مع أن هذه الشركة وغيرها كانت وقتذاك تعلم تماماً أنها منطقة مُتنازع عليها , حينها سارعت وزارة الخارجية المصرية بتوجيه مذكرة شديدة اللهجة للسفارة الأمريكية بالقاهرة في 4 نوفمبر 1980 أفادتها فيها بما نصه “أن هذه الشركة الأمريكية تقوم بإجراء مساحة جيولوجية وجيوفيزيقية وعمل خريطة للمنطقة بواسطة القمر الصناعي وكذلك عمل مساحة جاذبية ومساحة سيزيمية بحرية , وأن ذلك يتم دون الحصول علي الترخيص اللازم من السلطات المصرية المُختصة وفقاً للقوانين المصرية ”  وأشارت المذكرة إلي ” أنه ونظراً لأن هذه المناطق التي تجري فيها هذه الأعمال مناطق مصرية تخضع للسيادة المصرية فإننا نطالبكم بضرورة تنبيه الشركة الأمريكية المُشار إليها بوقف هذه الأعمال فوراً والإمتناع عن أي عمل من هذا القبيل مستقبلاً , وإلا أضطرت السلطات المصرية المختصة إلي إجراءات شديدة في مواجهتها فضلاً عن تحميلها كافة النتائج القانونية والتعويضات المُترتبة علي ما ترتكبه من أعمال غير مشروعة “, وبطبيعة الحال فهذه الشركة إنما قامت بما قامت به بإذن من السلطات السودانية , وكان الجانب الأمريكي يعلم تمام العلم بأن منطقة حلايب مُتنازع عليها بل يعلم كذلك أن الحدود السياسية محددة بخط عرض 22 درجة شمالاً فهناك خريطة رسمية أمريكية  صادرة عن وزارة الدفاع الأمريكية عن منطقة أسوان تظهر فيها حدود حلايب مع السودان وفقاً لخط عرض 22 درجة شمالاً , ومع أن محاولة TEXAS EASTERN كانت في في منطقة نزاع بين مصر والسودان ومازالت كذلك إلا أن حالة النزاع القبرصي أكثر تعقيداً من النزاع علي حلايب فحلايب بين دولتين بينما النزاع القبرصي بين طائفتين هم القبارصة اليونانيين والقبارصة الأترك وبينهما تركيا واليونان أي أن النزاع بقبرص قوامه 4 أطراف بينهم كراهية مُتأصلة تاريخياً , ومن ثم فدولة قطر ومعها “قطر للبترول” وشركة  ExxonMobil الأمريكية  بحساب الأرباح والخسارة ونظرية أن رأس المال جبان كان عليهم الإبتعاد عن نزاع علي السيادة والتقسيم نيرانه مازالت مُضرمة وتتقد , مالم يكن مطلوباً منهم المغامرة علي قاعدة التعويض العيني أو المالي فيما بعد , إن المنطق يقول بذلك , فقد سبق أن رفضت حكومة شمال قبرص التركية والحكومة التركية معاً وبقوة عمل كونسورتيوم بترولي يضم ENI و Total بالقطاع رقم 6 , وكانت شركة ENI وحدها قد مُنحت إمتياز القطاع 8 , فيما ظفر كونسورتيوم آخر يضم  Exxon Mobil و Qatar Petroleum بالقطاع رقم 10 والذي وقع هذا الكونسورتيوم عقد إلإستكشاف والإستغلال للهيدروكربون بهذا القطاع مع حكومة نيقوسيا في 5 أبريل 2017 , وقد إعترضت تركيا علي كل ذلك في حينه وصدر بيان رسمي تركي في 7 أبريل أوجز وجهة النظر التركية أشار إلي ” أنهم – أي الحكومة التركية – تجد في ذلك المسلك ما يدعو إلي القلق كونه من غير المقبول أن يصر الجانب القبرصي اليوناني علي التصرف بإعتباره المالك الوحيد للجزيرة ويستمر في أنشطته أحادية الجانب خاصة في فترة كان عليه أن يُبدي إرادة سياسية قوية فيما يتعلق بإقامة شراكة جديدة مع شعب قبرص التركية , ولقد لفتنا الانتباه مرارا إلى الطبيعة الإشكالية للأنشطة التي تقوم بها الشركات الهيدروكربونية في المناطق البحرية التي للقبارصة الأتراك حقوق فيها , وعلاوة على ذلك ، فإن جزءًا كبيرًا من أحد المجالات ذات الصلة بهذه الأنشطة بالقطاع رقم 6 والذي يقع داخل الجرف القاري التركي ولا يجوز أبدًا لأي شركة أجنبية تحت أي ظرف من الظروف القيام بأنشطة استكشاف واستغلال غير مصرح بها للهيدروكربونات في مناطقنا القانونية البحرية ” , كذلك أشار بيان الحكومة التركية إلي إتفاقها مع النقاط الواردة في البيان المُنفصل الصادر عن وزارة خارجية حكومة شمال قبرص التركية بشأن الأطقم الفنية لشركة  ENI الإيطالية  في موقع الإستكشاف البحري , كما صرح وزير الخارجية التركي في 14 أبريل 2017 بأن الجانب القبرصي اليوناني لم يتخذ الخطوة الصحيحة بشأن إحتياطيات الغز الطبيعي والبترول وأن بلاده ستتخذ بعض الخطوات إزاء ذلك وأنهم سوف لا يسمحون بأي خطوات أحادية بالتعاون مع أي شركات أوكونسورتيوم دولي في هذا الشأن , ويُشار إلي أن  شركة ExxonMobil الأمريكية للبترول دخلت علي نفس الخط مع شركة ENI الإيطالية  إذ أنها هي الأخري ستشرع في بدء الإستكشاف بالمنطقة البحرية أيضاً , وبالتالي فسيُسهم البترول كما العهد به في تشكيل العلاقات الدولية والنزاعات الطارئة عليها , سيُسهم في إضافة بعد جديد لكنه أكثر خطورة من الأبعاد السياسية والأمنية الأخري التي تُشكل بنيان القضية القبرصية التي نشأت إثر التدخل العسكري التركي في قبرص الذي بدأ في20يوليو1974 وأنتهي في أغسطس 1974 بتقسيم الجزيرة وفرض واقع جديد بها إنقاذاً للقبارصة الأتراك من براثن عسكر اليونان الذين قرروا إنهاء وجودهم من جزيرة قبرص البالغ مساحتها 9581 كم مربع مرة واحدة وللأبد , فبعد الغزو اليوناني للجزيرة والإنقلاب الذي دبره عسكر اليونان علي الرئيس القبرصي الأسقف مكاريوس في 15 يوليو 1974الذي جاء في أعقاب الرسالة التي بعث بها مكاريوس للرئيس اليوناني والتي تضمنت طلبه سحب الجنود اليونانيين من الجزيرة وهي الرسالة التي دفعت العسكريين اليونانيين للإسراع بغزو قبرص وقلب نظام الحكم الذي يرأسه الأسقف مكاريوس , وقبل هذا الغزو تم التنكيل بالقبارصة الأتراك بشكل لا إنساني فيه من الفظاعة بقدر ما فيه من الرغبة في الإنتقام من كل ما هو تركي , مما حد بتركيا إلي التدخل عسكرياً وبسرعة لوضع حد للمجازر ضد القبارصة الأتراك * ( دراسة بحثية منشورة علي موقع المركز الديموقراطي العربي في 23أكتوبر 2018تحت عنوان ” موقف الولايات المُتحدة من القضية القبرصية : تأثير مُلتبس للبترول” )

إن تركيا فعلت ما يجب علي الأخوة الإسلامية أن تفعله فوقفت بجانب قطر بقوة فأرسلت في مساء 5 يونيو 2017 وبعد موافقة فورية من البرلمان التركي فرقة عسكرية لحماية الأراضي القطرية إتقاء لغزو عسكري من دول الحصار الرباعي التي أعلنت عن حصارها لقطر في 5 يونيو 2017 , وهو موقف تركي مُستمر فقد أكد Mevlut Cavusoglu وزير الخارجية التركي هذا الموقف مع قطر عندما وصف مطالبة دول الحصار الرباعي بقيادة السعودية  بإغلاق القاعدة العسكرية التركية في قطر بغير الواقعية , وأكد Cavusoglu رداً علي ذلك بأن الوجود التركي بقطر ليس مُرتبطاً بالأزمة التي ما بين قطر ورباعي الحصار عليها , وقال ما نصه ” نحن نعتقد أن هذا المطلب لا هو واقعي ولا هو ذا صلة بالموضوع , فالوجود التركي بقطر سابق علي هذه الأزمة ” . *( وكالة الأنباء الفرنسية AFP من الدوحة بتاريخ 30 أكتوبر 2018) , لكننا إذا تتبعنا العلاقات القطرية الخليجية منذ فرض رباعي الحصار البائس علي قطر في يونيو 2017 نجد أن الولايات المتحدة لم تدعم حصار الرباعي حتي ينجح كما لم تحاول رفعه وهي تستطيع كما إستطاعت أن تفرض علي السعودية فتح صنبور بترولها وزيادته حتي تنخفض أسعاره وقد كان , وفي الحالتين ظلت قاعدة ” العيديد “الأمريكية والقاعدة التركية صمام أمان لقطر وإن إختلفا في درجة تحقيق ذلك ومداه  , ومع ذلك فالحيز الإيجابي في العلاقات التركية / القطرية يجعلها علاقات مُتميزة لكنها ليست حاسمة في أمن قطر , وتركيا من جهتها لم تشأ حتي الآن إنتقاد قطر التي سمحت لقطر للبترول أن تدخل مع ExxonMobil في كونسورتيوم للتنقيب وإنتاج الغاز في القطاع رقم 10 بالمنطقة الأإقتصادية الخالصة للجزيرة القبرصية التي مازالت تمثل أحد القضايا الدولية التي تتدخل فيها الأمم المتحدة ولم تسو قضايا السيادة علي الأرض والموارد بها بين الطائفتين التركية واليونانية القبرصية بها  ومع أن تركيا وحكومة شمال قبرص رفضتا علناً ما تزمع شركة ExxonMobil القيام به من أعمال تنقيب في القطاع 10 فقد أشارت الخارجية التركية في بيان لها في 18 نوفمبر 2018 إلي أعمال الإستكشاف والتنقيب بالساحل الجنوبي الغربي للجزيرة القبرصية التي تقوم بها ExxonMobil دون الإشارة لشركة قطر للبترول وتجاهل المُتحدث باسم الخارجية التركية ami Aksoy الإجابة عن سؤال عن الشراكة التي بين قطر للبترول و ExxonMobil في شأن التقيب عن الغاز الطبيعي هناك , إلا أن مصدراً غير مُسمي بالخارجية التركية  قال أن خطوات قطر في هذا الأمر ستُؤدي لمشاكل لا يمكن تجنبها * (موقع صحيفة Ahval التركية نقلاً عن BBC Turkish بتاريخ 14 ديسمبر 2018) , إلا أنهما أي حكومة شمال قبرص وتركيا لم يُوجها أي إنتقاد علني لشركة قطر للبترول المُشاركة في هذا العمل وآثرتا إلتزام الصمت حيال الموقف القطري , والمثُير للإستغراب أنه رغم أن العلاقة بين قطر وتركيا إرتقت لمستوي الحلف ومن مظاهرها المختلفة المعارضة الواضحة من جانب تركيا للحصار المفروض من قبل الرباعي علي قطر وإستمرار العسكرية التركية مُتمركزة في قاعدتها بقطر التي تعهدت في أغسطس 2018 بدعم تركيا في مواجهة أزمة هبوط الليرة التي ساهمت فيها الإمارات والسعودية والولايات المتحدة , وبالفعل فقد أعلنت قطر عن إستثمارها 15 مليار دولار في تركيا وفي أكتوبر 2018 أهدت قطر تركيا طائرة طراز فاخرة 747- 8i تُقدر قيمتها بنحو 500 مليون دولار , لكن بالرغم من هذا فإنه لا شك في أن إستثمار قطر للبترول في التنقيب عن وإستغلال الغز الطبيعي بالشراكة مع ExxonMobil له أثر سلبي خطير علي القضية القبرصية , وعلاقة التحالف القطري / التركي تسمح بأن تفاتح تركيا قطر خلف الأبواب المُغلقة بعدم إرتياحها للمسلك القطري مع شركة  ExxonMobil التي بدأت التنقيب فعلاً لكن في منطقة غير مُتنازع عليها مع تركيا التي تراقب بحذر إتجاه قطر نحو اليونان إذ صرح الناطق باسم الخارجية القطرية محمد الخاطر بما نصه ” نحن علي إستعداد لطي الصفحة (مع اليونان) وأعادة تقييم علاقاتنا التجارية والإقتصادية مع اليونان” , (موقع صحيفة ekathimerini القبرصية اليونانية بتاريخ 9 ديسمبر 2018) , وقد أتاح رباعي حصار قطر فرصة ثمينة للعسكرية التركية لتوطيد مركزها وعلاقاتها مع قطر والكويت وربما لاحقاً عُمان , مما أعان تركيا علي تعيين خطوط أبعد لوصولها الإستراتيجي في البعدين المتوسطي والخليجي جعلها في حالة تماس عسكري وسياسي وأمني مع القوتين الإقليميتين الجاهزتين وذاتا الوزن وهما تحديداً إيران والكيان الصهيوني , إذ كل النظم الأخري خفيفة الوزن هشة التكوين , وبالتالي أصبحت تركيا إضافة يُحسب لها حساب بمعيار التحالف الأمريكي / الصهيوني وتهديداً للتحالفات الورقية القائمة بمنطقتي الخليج العربي والشرق الأوسط , وهو أمر بقدر ما تتجنبه العسكرية الأمريكية بقدر ما تعترف به كواقع  تتعامل معه , لكن ليس بمنهجية الدول المُعادية لتركيا بهاتين المنطقتين .

تــقــــديــــر الـــمــوقـــف :

لست ممن يعتقدون بأن الحصار الرباعي الذي ضُرب علي قطر في 5 يونيو 2017 يُعتبر من العوامل الرئيسية التي دفعت بقطر إلي الإقدام علي إحداث تحولات في سياستها الخارجية خاصة ,ان تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي FMI نُشر في مارس 2018 أشار إلي تآكل الأثر المالي والإقتصادي للحصار المضروب علي قطر , لكنه أي الحصار الرباعي كان ومايزال عاملاً مُحرضاً فحسب للولايات المتحدة التي تدير كل هؤلاء الحكام وتدفع بهم ذات اليمين إن شاءت أو ذات اليسار , وكان أيضاً عاملاً ضاغطاً ليس علي قطر بل علي الولايات المتحدة أيضاً التي تريد التفرغ هي والكيان الصهيوني لما تزعم بأنه خطر إيراني فشمرت عن ساعدها لعمل محاولة ثانية لتشكيل ما يُسمي بالتحالف الإستراتيجي للشرق الأوسط أو MESA  فالأولوية الأمريكية الآن ليست العرب بأي شكل ولكن إيران ولذلك تضغط علي دول الحصار الربالعي ومعهم الأردن وقطر لتشكيلا هذا التحالف , وقطر تريد من الولايات المتحدة الضغط علي دول الحصار الرباعي للمضي معهم في تشكيله ,  فقطر لا تتميز عن النظم العربية في التبعية للسياسة الأمريكية والصهيونية خاصة بعد النجاح المؤقت للثورات المُضادة لثورات الربيع العربي بعد 2011 , إذ من الواضح أن وضع السياسات الإقتصادية والسياسية لقطر يتم بمعرفة الأسرة الحاكمة أسرة آل ثاني ومجموعة مُحترفة ومُنتقاة من الخبراء والمستشارين السياسيين والإقتصاديين , وهؤلاء يضعون السياسة في أي من المجالات المختلفة بناء علي قواعد ثابتة هي : مراعاة البراجماتية وتحري الحركية والتجديد والتقييم في القرارات المُتخذة سواء في المحال الإقتصادي أو السياسي والدبلوماسي , وهي قواعد موضوعة ويجري العمل علي أساسها دائماً في قطر التي تختلف عملية صنع وإتخاذ القرارات بها عن معظم دول الخليج التي لا يمكن القول بقدر من الدقة بأن هناك عملية “صنع للقرار” بها بقدر ما يُتخذ القرار السياسي بهذه الدول بدون صناعة فهو قرار مُباشر غير مُعد مُسبقاً يتخذه في الغالب فرد واحد هو الملك أو الأمير , هذا من جهة , من جهة أخري فالأمثلة الثلاث التي أوردتها فيما تقدم بيانه هي نماذج ليس إلا للوجه الآخر من السياسة القطرية . وربما يمكن وعلي سبيل الإيجاز أن أورد الملاحظات التالية التي ترتبط وتؤكد ما سبقت الإشارة إليه في النماذج الثلاث المُشار إليها بعالية :

– صحيح أن قطر تمارس سياسة خارجية بقدر كبير من الحرفية والحركية لكن في مساحة مُحددة ولا تخرج في الغالب عن الخطوط الأمريكية التي تختلف في حالات قطر والكويت وعُمان عن حالتها في حالة رباعي الحصار علي قطر , أي أن الحيز المُستقل للسياسة الخارجية (والداخلية أيضاً فيما يتعلق بالحريات والمؤسسات العسكرية لهذه الدول) لكل هذه الدول وغيرها بالعالم العربي يُعتبر لاغياً إن تعارض مع الإستراتيجيات الأمريكية , ووفقاً لذلك يُلاحظ أن قطر لم تمانع أو تري بأساً في المشاركة فيما يُسمي بالتحالف الإستراتيجي للشرق الأوسط Middle Eastern Strategic Alliance (MESA) وهو تحالف موضوع ليفي بالمتطلبات الأمنية الإستراتيجية للولايات المتحدة وليس إحتياجاً أصيلاً للدول المنضوية تحت لواءه فقد أصدرت الولايات المتحدة أمراً لهذه الدول المُشاركة فلبت وصدعت بالأمر , ومن بين هذه الدول قطر التي ستشارك في هذا التحالف الذي هدفه الرئيسي مواجهة وإضعاف النظام بإيران وليس الجماعات الإرهابية وتدمير حزب الله كما تدعي الولايات المتحدة , فكل تحركات الولايات المتحدة الأمريكية سواء من جانب الرئيس الأمريكي أو وزيرا الخارجية والدفاع والمخابرات الأمريكية CIA ومنذ 18شهراً تهدف  واشنطن من وراءها دعوة دول الخليج إلى الإلتئام مرة أخري وتجاوز حصار قطر والاتحاد معاً بأسرع ما يمكن لمواجهة إيران بوضع الكتلة التي تضم المملكة العربية السعودية وعمان والكويت والبحرين والإمارات العربية المتحدة وقطر ومصر والأردن في إطار هذا التكتل المُحتمل , ووفقاً لتصريح نشرته صحيفة The National لنائب مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشئون الخليج العربي Tim Lenderking فإن هناك مفاوضات جارية علي مدي الأسابيع الثلاث الماضية لوضع أسس التحالف الإستراتيجي للشرق الأوسط MESA وسيُعلن عن هذا التحالف في قمة تُعد الولايات المتحدة لعقدها في يناير 2019 وفقاً لما أوردته بعض التقارير , لكنه تحالف في تقديري يواجه تشكيله عقبات مختلفة وقد تخفق الولايات المتحدة في التغلب عليه , هذا بالإضافة إلي أنه في حالة تكوينه فمن غير اليقيني أن يتسم بالكفاءة فحالة الجيوش العربية غير مُشجعة ولذلك ستكون وظيفته تستر الولايات المتحدة وإسرائيل وراءه لتقترفا جرائمهما تماماً كمجموعة الساحل الخماسية G5 Sahel والعسكرية الفرنسية فهذه المجموعة الخماسية ستار الحملة الصليبية التي تقودها فرنسا في دول الساحل , بينما يري Lenderking أن هذا التنظيم الإستراتيجي الجديد قوي في مواجهة التهديدات الماثلة بمنطقة الخليج بما فيها إيران وإدارة الصراع في سوريا واليمن * GULF BUSINESS) . بتاريخ 27 سبتمبر 2018) , من جهة أخري لابد من الإشارة إلي أن قطر التي تحاول موازنة علاقاتها بإيران خاصة بعد فرض الحصار الرباعي سيسئ إنضمامها لهذا التحالف لعلاقاتها مع إيران , لكن ربما يشجع قطر علي المضي قدماً والتضحية بالعلاقات مع إيران التي تدرك أن مجلس التعاون الخليجي برمته يعبر عن إرادة غير مُستقلة لأعضاءه , كما أنه ولأن الحصار الرباعي يفقد بريقه ولم يحقق أي نتيجة بل بالعكس أفاد السياسة والإقتصاد القطري فإن قطر علي إستعداد للمشاركة في هذا التحالف حالة تكوينه .

أن الولايات المتحدة لم تتوقف عن توريط الدول التي تحاول الحفاظ علي علاقات متوازنة مع إيران كحالة قطر في إتخاذ موقف ظاهر وعلني ومحدد ضد إيران والموافقة علي المشاركة Strategic Alliance (MESA) , ولم تكتف الولايات المتحدة بذلك فها هي تخطط – كما أُعلنت الخارجية الأمريكية عن ذلك في 11 يناير 2019- لتنظيم والإستضافة المُشتركة مع بولندا في Warsaw في 13 و14 فبراير 2019 لمؤتمر يُركز علي شئون الشرق الأوسط وتحديداً علي إيران , وهو ما علق عليه وزير الخارجية الإيراني بأنه ” سيرك يائس ضد إيران ” والذي رفضت تركيا المُشاركة فيه , ويُلاحظ بشأن هذا المؤتمر أنه حتي يناير 2019 لم تُعلن قائمة الدول التي ستشارك في السيرك الذي سيُنصب في Warsaw في 13 فبراير القادم , وإن كان وزير الخارجية البولنديJacek Czaputowicz  قد صرح بأن نحو 70 دولة إضافة لدول الإتحاد الأوروبي وُجهت إليها الدعوة للحضور والمُشاركة في هذه القمة * ( موقع وكالة Reuters  بتاريخ 11 يناير 2019) , ومن المُحتمل جداً أن تشارك قطر فيه صاغرة ومن اليقيني مشاركة دول الحصار الرباعي البائس لكن الفارق بين قطر وهؤلاء هو أن قطر تذهب وفي حلقها غصة خشية من توازن علاقاتها بإيران التي لا تثق في كل دول الخليج العربي بلا إستثناء – أما “هؤلاء” فسيشاركون وهم في حالة متعة وإطفاء شهوة ممتعة شهوة العداء التلقائي لإيران مع أن أعداءهم الواضحين فهما بالقطع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني وليست إيران , هذه هي قطر التي أيضاً وفي إطار علاقاتها الإستراتيجية بالولايات المتحدة فضلت الوفاء بمتطلبات علاقتها الإستراتيجية بالولايات المتحدة عن علاقاتها مع الحليف التركي وظهر ذلك جلياً في الكونسورتيوم الذي تشكل من قطر للبترول وشركة ExxonMobil الأمريكية للتنقيب وإستغلال الغاز الطبيعي في المنطقة الإقتصادية الخالصة حول الجزيرة القبرصية دون نظر قطر لمضار ذلك علي الموقف التركي بشأن القضية القبرصية المُعلقة , وهو ما يعني بوضوح أن تحالف قطر مع تركيا وإيران تحالف تكتيكي يجبه ويعلو عليه ويتقدمه التحالف الإستراتيجي بين قطر والولايات المتحدة . والمثير للجنون أن إيران وتركيا معاً هما أعداء السعودية أي السنة والشيعة معاً أما اليهود “والذين أشركوا ” بالتعبير القرآني فهم الأخوة والأصدقاء الأوفياء للسعودية وآخرين , ألسنا في مستشفي للمجانين ؟ , ومن الغريب تاريخياً أن يأتي مطلب وحدة العرب من الولايات المتحدة لكن لمواجهة إيران فقط وليس للكيان الصهيوني الذي سيحقق الوحدة العربية لكن علي مستوي الحكام خدمة لهذا الكيان , بينما واجهت الولايات المتحدة وبضراوة فكرة الوحدة العربية من أجل صالح العرب أنفسهم عندما كانوا يعملون علي تحقيقها بأنفسهم وليس بيد الولايات المتحدة .

– بالرغم من التحولات السلبية في السياسة القطرية علي الوجه المُشار إليه آنفاً إضافة للخسائر الإقتصادية الحادثة ومنها خسائر قطر للطيران والمُحتملة كالخسائر التي يمكن أن تنتج عن التنافس السعودي  ضد قطر في إنتاج الغاز الطبيعي فالمملكة السعودية ستشرع في إنتاج الغاز الطبيعي المسال والذي قد تبدأ المملكة في تسويقه بحلول عام 2020 والمشاركة في المشروع الروسي Arctic LNG 2 الذي قد تنضم إليه شركة Total مما قد يؤدي إلي الإضرار الجزئي بسوق الغاز المُسال القطري فقطر مازالت المصدر الرئيسي للغاز الطبيعي المسال عالمياً , ولذلك وبسبب هذه التنافسية الناتجة عن سلوكيات الحصار أعلنت قطر عن أنها ستزيد من طاقة إنتاج الغاز المُسال بنسبة 43% ليصبح إنتاجها منه 110 مليون طن علي السنوات الخمس القادمة مما قد يقوي مركز قطر كأكبر مُنتج ومُصدر للغاز المُسال بالعالم  * (موقع World News Monitor  بتاريخ 28 ديسمبر 2018) , بالرغم من هذا الجانب السلبي للحصار الرباعي إلا أن هناك تأثير إيجابي للحصار الرباعي المُستمر علي قطر إذ تمكنت بإرادة  ماضية من مواجهة هذا الحصار بدبلوماسيتها المحترفة عالية الأداء نسبيا إذا قيست بدبلوماسيات رباعي الحصار البائس وكانت أهم الإيجابيات التي نتجت عن هذا الحصار بالنسبة لقطر :

(1) إضافة ملف طالبان لسلسلة ملفات الوساطة وتيسير المفاوضات التي تعمل عليها قطر وهي متعددة  , فقد رفضت حركة طالبان حضور مفاوضات السلام الرابعة في مسلسل التفاوض مع الأمريكيين لإنهاء الحرب الأفغانية المستمرة ضدهم منذ 17 عاماً , وكان مُخططاً لهذه المفاوضات أن تُعقد في السعودية , لكن طالبان طلبت علي لسان مسئوليها الذين صرحوا في 6 يناير 2019 بأن الحركة طلبت من الولايات المتحدة تغيير مكان عقد هذه المفاوضات ليكون في قطر لأسباب منها أن السعودية ومعها الإمارات تحاولان إدخال الحكومة الأفغانية طرفاً في هذه المفاوضات والتفاوض مع طالبان مباشرة وهو ما رفضت طالبان الموافقة عليه في الوقت الحاضر وفي هذه المرحلة التي كان من المُفترض فيها البحث في إنسحاب القوات الأجنبية ووقف إطلاق النار عام 2019 * (موقعMiddle East Monitor بتاريخ 7 يناير 2019) .

(2) بسبب إستمرار الحصار ولخفض آثاره الإقتصادية والسياسية السيئة إتجهت السياسة القطرية ودبلوماسيتها إلي إيلاء أفريقيا والسودان مزيداً من الإهتمام بهدف النفاذ بأقصي قدر ممكن إلي القارة الأفريقية وبوسائل متنوعة ليس أقلها فتح الخطوط الجوية القطرية لخطوط جديدة في دول أفريقية مثل نامبيا التي بدأت في العمل العام الماضي بتسيير 4 رحلات أسبوعية مباشرة من وندهوك إلي الدوحة التي أُعلن أيضاً في 11 فبراير 2018 عن بدأها لرحلات مُنتظمة بينها وبين Accra عاصمة غانا بما يُفيد الركاب الراغبين في التوجه إلي وجهات في الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا , كما أُعلن في 9 ديسمبر 2018 عن بدء الخطوط القطرية أول رحلة مباشرة من الدوحة إلي Mombasa ثاني أكبر المدن الكينية وذلك 4 مرات أسبوعياً , وهناك رحلات مُنتظمة للخطوط القطرية بتنزانيا وكل هذه التطورات بالطبع ذات صلة بالحصار المفروض علي قطر من الرباعي براً وجواً وبحراً ولهذا أعلن رئيس مجلس إدارة قطر للطيران أكبر البكر خلال مشاركته في منتدي الدوحة الذي نظمته قطر علي مدي يومي 15 و16 ديسمبر 2018 في أن الخطوط الجوية لبقطرية أنشأت 24 خط جوي جديد علي مدي عامي 2017 – 2018 من ضمنها خطوط عدة بأفريقيا وأنها ستتابع هذا التطوير في الأشهر القادمة , مُشيراً إلي أن الشركة سجلت خسائر مالية ملموسة * (موقع Jeune Afrique بتاريخ 19 ديسمبر 2018) .

(3) بالتوازي مع ذلك وبما يساعد قطر في نفس الوقت علي إعادة تركيب صورتها لدي القوي الدولية الغربية علي نحو خاص , فقد وقعت في ختام زيارة إستغرقت يومان لموسي فقيه محمد رئيس مفوضية الإتحاد الأفريقي إليها في14 يناير 2019 مذكرة تفاهم تضمنت تعهداً قطرياً بتقديم مساعدة بقيمة 20 مليون دولار (17.5 مليون يورو) لضحايا الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر في إفريقيا , ووقع هذه المذكرة حمد الشهواني نائب مدير مشاريع التنمية في صندوق قطر للتنمية  وأميرة الفاضل عضو لجنة الشؤون الاجتماعية في الاتحاد الإفريقي , وإذا ما وضعنا هذا الحدث المُتعلق بأزمة الهجرة غير الشرعية التي تعاني منها أوروبا نكون نحن الآن إزاء أنهماك قطر الواقعة علي الخليج العربي في آسيا في حل الأزمات الأوروبية وبوضع هذا السلوك السياسي بجانب حدث آخرهو تقديم قطر 24 عربة مُدرعة لدعم مجموعة الساحل الخماسية G 5 Sahel  التي عليها مواجهة “الجهاديين” في الصحراء الكبري وتحديداً بشمال مالي , الذين كانت قطر تدعمهم حتي وقت قريب قبل فرض رباعي حصار قطر لحصارهم , هؤلاء الجهاديون الذين حشدت لهم فرنسا جزء من قوتها العسكرية في عملية Serval التي مولتها الإمارات العربية بنحو 7 مليار دولار من أجل مواجهة فرنسا لحماعة أنصار الدين وحركة التوحيد والقتال في غرب أفريقيا MOJWA , ثم تلتها بعملية Barkhanالتي بدأتها فرنسا هناك في أول أغسطس  2014وقوامها 3000 جندي فرنسي بالتنسيق مع مجموعة G5 Sahel التي تدعمها قطر الآن , إذن فنحن أمام إنضمام قطر للمعسكر العربي الداعم للمصالح الغربية بالمال العربي , …. صورة كئيبة وقبيحة .

(4) قام أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني بجولة أفريقية في الفترة من 20 إلي 24 ديسمبر 2017 شملت السنغال وغينيا كوناكري ومالي وساحل العاج وبوركينافاسو وغانا لتعزيز العلاقات الثنائية مع هذه الدول الواقعة جميعها بغرب أفريقيا وكذلك توقيع إتفاقيات تتعلق بتعزيز هذه العلاقات , فقطر وفي إطار المُناخ التنافسي مع دول الحصار الرباعي تتحرك في أفريقيا دول الحصار الرباعي بحصار مُضاد لهم حيث أن حرب اليمن أجبرت الإمارات العربية والسعودية ومصر إلي الإهتمام بالتواجد العسكري بموانئ شرقي أفريقيا خاصة في منطقة القرن الأفريقي أي في الصومان وجيبوتي وأرتريا والسودان التي  وقعت قطر معه اتفاقية   لإنشاء ميناء في جزيرة سواكن قبالة الساحل السوداني علي البحر الأحمر باستثمار يقدر بـ 4 مليارات دولار وتأتي هذه الاتفاقية بعد شهرين فقط من توقيع عقد امتياز على نفس جزيرة سواكن مع تركيا التي ستقوم ستؤسس قاعدة بحرية هناك ويمتد الامتياز القطري للجزيرة على مساحة 70 كم 2 ولمدة 99 سنة مقابل وعود قطرية للاستثمار وبرنامج للتعاون العسكري  وهو ما يُؤدي مع نمو العلاقات التركية / السودانية إلي تنشيط عوامل التوتر المُتقطعة في العلاقات السودانية / المصرية  وضرب للمحور السعوي / المصري / الإماراتي الذي يحاول يائساً غرس أقدامه في موانئ القرن الأفريقي بعد طرد جيبوتي والصومال للوجود السعودي والإماراتي من موانئها بعد إلغاء إتفاقيات أبرمتها السعودية والإمارات مع هاتين الدولتين , لكن الإمارات ولري شهوتها في التواجد بالقرن الأفريقي وفي جو المنافسة المحمومة مع قطر تحركت بإتجاه جمهورية أرض الصومال المزعومة  ووقعت في  الأول من مارس 2018معها على اتفاقية تنص على إنشاء شركة مسؤولة عن إدارة ميناء بربرة ، لإثيوبيا فيها 19٪ مقابل 30٪ لأرض الصومال و 51٪ لموانئ دبي العالمية وهي خطوة أدت إلي تصاعد التوتر بين أرض الصومال وجمهورية الصومال المُعترف بها دولياً التي أعلن برلمانها أن هذه الاتفاقية “لاغية وباطلة” لأنها تنتهك سيادة البلاد , وفي الواقع أري أن هذه التحركات من جانب دول الحصار الرباعي عبثية فهذه دول لم تتحرك صوب القرن الأفريقي إلا بدافع الصراع الدائر بينه وليس بدافع تحقيق المصالح العليا لشعوبها هذا من جهة , من جهة أخري وهذا هو المُثير للسخرية والدهشة معاً أن السعودية والإمارات وقطر ثلاثتهم ينتمون لمنظومة ما يُوصف بأنه مجلس التعاون الخليجي والذي كل دوله وعلي رأسها السعودية عبارة عن ” محميات ” أو Protectorates وهي الكيانات التي تعيش تحت حماية الولايات المُتحدة التي كرر رئيسها Donald Trump خمس مرات مُتتالية علي الأقل قبل أكتوبر 2018 وعلناً وعبر وسائل الإعلام الأمريكية جهاراً نهاراً أنها بدون الحماية الأمريكية لن تبقي مكانها بعد أسبوعين  , بل إن إن نائب جمهوري بمجلس الشيوخ أضاف أن هذه الدول ستتكلم الفارسية بعد أسابيع قليلة من رفع الحماية الأمريكية عنها , فكيف لهذه الدول بهذه الصفة التي أعلنها الرئيس الأمريكي …. صفة المحميات …. أني لها أن تتواجد عسكرياً في موانئ دول القرن الأفريقي ؟ وما الذي ستفعله بهذه الموانئ ؟ صراع عبثي بين فاقدي الرشد يؤدي إلي هدر أموال الشعوب وتمكين الآخرين أكثر فأكثر , إن الإمارات فعلت نفس ما فعلته قطر , فالإمارات ضربت عرض الحائط بمصالح الصومال (التي طردتها وأنهت إتفاق معها بالتواجد في مينائها ) فتوجهت صوب جمهورية أرض الصومال المزعومة لتنشئ شركة لإدارة ميناء بربرة في شمال غربي أرض الصومال , وهو نفس ما فعلته قطر عندما وقعت قطر للبترول – ذراع قوة وحيوية قطر – إتفاقا بتكوين كونسورتيوم مع شركة ExxonMobil الأمريكية  للتنقب عن وإنتاج الغاز الطبيعي من القطاع 10 بالمنطقة الإقتصادية الخالصة حول الجزيرة القبرصية ضاربة بعرض الحائط علاقاتها بتركيا التي سيتأثر موقفها إزاء الصراع الدائر في قبرص منذ تقسيم هذه الجزيرة بعد العملية العسكرية التركية في يوليو 1974 لإنقاذ القبارصة الأتراك من وحشية القبارصة اليونانيين وبداية ما يُسمي بالقضية القبرصية التي يدور بشأنها تفاوض بين قبرص والدول الضامنة لإستقلالها وهي تركيا واليونان وبريطانيا برعاية الأمم المتحدة , ودخول قطر في عملية التنقيب عن وإستغلال الغاز القبرصي يُعقد القضية لأنه يتعلق بإستغلال موارد طبيعية في أراض مُتنازع علي السيادة عليها بين الطائفتين المُتنازعتين القبارصة الأتراك والقبارصة اليونانيين , وهذه يعني ببساطة أنه لا الإمارات ولا قطر يمكن لدولة من غير القوي الدولية الكبري الوثوق بمواقفهما السياسية طالما كان الأمر مُتعلقاً بدولة غير الولايات المتحدة القابضة علي زمام الأمور بهذه المحميات , صحيح أن هناك تحرك قطري صوب أفريقيا لتوسيع مدي الحركة والمجال السياسي لقطر لكن السؤال ماذا ستفعل قطر بهذا المجال الذي يفوق طاقتها المالية والإقتصادية , وما الذي ستجنيه قطر والدول الخليجية من قارة تتصارع عليها القوي الدولية الكبري بمؤسسات رشيدة مُتمكنة وفقاً لقرارات ودراسات جدوي مُعمقة وليس تحت ضغط وبسبب أزمة وصلت إلي حد الصراع بين هؤلاء العرب الذين إستمرأوا التضحية بموروثهم الإسلامي والعربي وأتجهوا إلي تراثها مُستلهم من قتل الأنبياء .

الـــســفــيــر بـــلال الــمــصــري – ســفـيـر مصر السابق لدي أنجولا وساوتومي والنيجر

خاص – المركز الديمقراطي العربي – القاهرة : تحريراً في  27 يناير 2019

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق