الشرق الأوسطتقدير الموقفعاجل

تعنت الرئيس الأمريكي لقفل حكومته أم الرضوخ لإدارة الكونجرس في النهاية؟

إعداد: ياسمين علاء الدين عبد العاطي-  علوم سياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة

  • المركز الديمقراطي العربي

 

قال القائم بأعمال كبير موظفي البيت الأبيض ميك مولفاني في 28 من يناير لعام 2019 ؛ إن الرئيس دونالد ترامب مستعد لإغلاق حكومي آخر في حال رفض الكونغرس التعاون معه لتأمين الحدود الجنوبية ولكنه لا يريد إغلاق الوكالات الفيدرالية مرة أخرى، ولا يريد إعلان حالة طوارئ وطنية، وبرغم ذلك أكد أن الرئيس الأميركي “على استعداد للقيام بذلك”، وأوضح أن ترمب وافق على إعادة فتح الحكومة لمدة ثلاثة أسابيع لمنح الديمقراطيين فرصة للتفاوض؛ كما أشار مولفاني إلى إن بعض الديمقراطيين يقرون بخطة ترمب لتعزيز أمن الحدود، لكنهم قالوا إنهم لن يتمكنوا من التعاون مع البيت الأبيض طالما كان هناك إغلاق جزئي للحكومة، أدى الخلاف بشأن تمويل الجدار الحدودي الذي وعد بإقامته الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للفصل بين حدود بلاده والمكسيك إلى أطول فترة إغلاق للجهاز الحكومي في تاريخ الولايات المتحدة، حيث إنه يلزم الحصول على تمويل قدره 5.7 مليار دولار لمواجهة “أزمة إنسانية وأمنية” في الحدود الجنوبية، محذرا من أن الإغلاق الحكومي قد يستمر إلى أن يحصل على الأموال، ويصف الديمقراطيون الجدار بأنه إهدار لأموال دافعي الضرائب، متهمين إدارة ترامب بأنها تتحدث عن “أزمة مفتعلة”.

ومن ثم نعلم أن بناء الجدار صدر من صميم إرادة ترامب الخالصة فقط ولكن لا نعلم الجزء المجهول من هذه القضية من حيث موافقة الكونجرس على توفير 1.7 مليار دولار لتمويل 124 ميلا للحواجز الجديدة والبديلة منذ دخول ترامب البيت الأبيض، ولكن القضية التي تثار حاليًا هي تختلف جزئيًا عن ما سبق ذكره؛ حيث قبل تولي ترامب السلطة كان يوجد 654 ميلا -أكثر من ألف كيلومتر- من الحواجز القائمة على طول الحدود الجنوبية، 354 ميلا من الحواجز لمنع المارة و300 ميل عبارة عن سياج حاجز لمنع المركبات ووعد ترامب خلال حملته الانتخابية لرئاسة البلاد ببناء جدار على طول الحدود الممتدة لألفي ميل، ثم تحدث بعد ذلك موضحًا أن البناء سيقام على نصف المسافة فقط؛ لأن التضاريس الطبيعة، كالجبال والأنهار تساعد في تغطية المسافة المتبقية، بيد أن ترامب عندما تولى السلطة، وعلى الرغم من استبدال بعض الحواجز الموجودة بالفعل، لم يبدأ بالبناء على أي امتداد للجدار حيث  بنيت حواجز بديلة أو بدأت عمليات بناء على طول 40 ميلا ومن المتوقع بدء عمليات بناء حواجز بديلة على طول أكثر من 61 ميلا في عام 2019. وهو ما يعادل أقساما جديدا بنسبة 15 في المئة للهياكل المقامة حالي .ويبدأ أول بناء لأي امتداد للهياكل الحالية لاطلاق تسمية حاجز جديد عليها في شهر فبراير المقبل في وادي ريو غراند في ولاية تكساس وسوف يغطي المشروعان مساحة بإجمالي طول 14 ميلا: حاجز يمتد ستة أميال وآخر يمتد ثمانية أميال أخرى.

وأثارت التكلفة المبدئية التي حددها ترامب اختلاف تقديرات الجهات المختلفة المعنية بذلك حيث تراوحت قيمتها بين 8 مليارات دولار و 12 مليار دولار لبناء جدار يغطي نصف الشريط الحدودي، خلافا واسع النطاق وكان سياج بطول 650 ميلا قد بني خلال فترة حكم الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش بكلفة 7 مليارات دولار، ولا يمكن وصفه بأنه يفي بوعود ترامب الرامية إلى بناء جدار فولاذي-كما وصفه- بيد أن ترامب يطلب حاليًا 5.7 مليار دولار بالإضافة إلى مبلغ 1.7 مليار دولار مخصصة بالفعل للحواجز الجديدة والبديلة، وكانت وزارة الأمن الداخلي قد قدرت سابقا كلفة جدار يقام على نصف المساحة الحدودية بنحو 25 مليار دولار، لكنها قالت حاليا إنها مازالت تبحث عن خيارات لتحديد الكلفة، وتحدد هيئة الجمارك وحماية الحدود الأمريكية إن متوسط تكلفة الجدار تصل تقريبا إلى 6.5 مليون دولار للميل الواحد لبناء جدار حدودي جديد أو استبدال السياج القديم الموجود بالفعل، ثمة حاجة لجدار يهدف إلى وقف “أزمة إنسانية وأمنية متزايدة على حدودنا الجنوبية”، بما في ذلك وقف تدفق “آلاف المهاجرين غير الشرعية”، كما تحدث ترامب مع الزعيمة الديمقراطية في مجلس النواب” نانسي بيلوسي”، وزعيم الأقلية في مجلس الشيوخ “تشارلز تشومر” عن “تدفق مواطنين إلى بلادنا”.

لكن ما استند إليه ترامب من دافع لبناء الجدار هو دافع ليس مبنيًا على معلومات دقيقة؛ حيث تم حصر عدد الأشخاص الذين عبروا الجدار بطريقة غير شرعية لعام 2000 بلغوا حوالي 1.6 مليون شخص بينما تجاوز العدد في العام الماضي 400 ألف شخص ويدل هذا العدد على أنه العام الأول من تولي ترامب السلطة إلى أدني تراجع بهذا العدد منذ عام 1971، ولكن بيد على جانب أخر يدل على ارتفاع معدلات الاعتقالات وطلب اللجوء لعامي 2017 ،2018 حيث سجلت حالات الاعتقال بين هذين العامين زيادة 100 ألف وسجلت طلبات اللجوء زيادة حوالي 16 ألف أي زيادة بنسبة 43% وعلى الرغم من اعتقال حوالي 400 الف شخص حاولوا عبور الحدود الجنوبية بطريقة غير شرعية في العام الماضي إلا أنه أكثر من 700 ألف شخص دخلوا الولايات المتحدة بطريقة قانونية، وعلى الرغم من الدافع لبناء الجدار هو منع دخول المخدرات إلى الولايات المتحدة إلا إن المؤشرات تشير خلاف ذلك حيث زعم ترامب أن 90 في المئة من الهيروين يأتي عبر الحدود الجنوبية، وأن بناء جدار سيساعد في مكافحة المخدرات وكان حجم المضبوطات من الهيروين قد بلغ 7979 كيلوغراما عام 2017، 39%  منها ضُبط عبر الحدود الأمريكية المكسيكية -بحسب وكالة مكافحة المخدرات- وجاءت معظم المضبوطات الحدودية عبر ممر سان دييغو، حوالي 1073 كيلوغراما في 2017، بزيادة نسبتها 59 في المئة مقارنة بعام سابق، وعلى الرغم من أن معظم كميات الهيروين التي تدخل إلى الولايات المتحدة تأتي من المكسيك، تشير وكالة مكافحة المخدرات إلى إن معظمها تدخل عن طريق عمليات تهريب عبر منافذ الدخول القانونية، مخبأة في مركبات خاصة الملكية أو شاحنات نقل مختلطة بسلع أخرى ونسبة صغيرة فقط من مضبوطات الهيروين كانت بين نقاط الدخول، حيث توجد حواجز أو مقترح وضعها وتوجد بالفعل حواجز في قطاعات دوريات الحدود التي تسجل أعلى كميات ضبط للهيروين.

كما يُعد انتصار اليسار فى المكسيك بعد فوز السياسى المخضرم أندريس مانويل لوبيز أوبرادور -الملقب بأملو- فى الانتخابات الرئاسية التى جرت في ديسمبر 2018 تغييرًا فى السياسات الداخلية والخارجية للمكسيك مع وجود صراع قائم فى واحدة من أكثر القضايا إشكالية فى البلاد وهي قضية الهجرة التى تجلب المزيد من الاحتكاك المستمر مع الرئيس الامريكى دونالد ترامب، فخلال الانتخابات وعد بأملو إنه رافضًا خطط ترامب نحو بناء جدار حدودي بين البلدين فمن المرجح أن أملو لن يكون بسلبية الرئيس السابق بينيا نييتو مع ترامب، حيث تولي أملو السلطة في أوضاع شائكة بين البلدين ليس عن قضية الهجرة فحسب ولكن  هناك قضايا أخرى عالقة بين المكسيك والولايات المتحدة، تضاف إلى التحديات الداخلية من انتشار الجريمة وتهريب المخدرات على السياسى اليسارى المخضرم مواجهتها، ومن تلك القضايا المشتركة اتفاقية التبادل الحر فى أمريكا الشمالية (نافتا) بين المكسيك وكندا والولايات المتحدة التى قد تمثل انفتاحا اقتصاديا يساعد فى إنعاش الاقتصاد المكسيكى-ثانى أكبر اقتصاد فى أمريكا اللاتينية- فيما تعد السوق الأمريكية وجهة نحو 80 % من صادرات المكسيك أكبر شريك تجارى للولايات المتحدة، تضاف إلى العلاقات الاقتصادية المشتركة مسألة الهجرة التى تحظى باهتمام الجانبين وإن كانت أكثر تشددا فى الجانب الأمريكى الذى تتبنى إدارته الحالية موقفا حاسما رافضا لفتح الهجرة، دفعها إلى اتهام المكسيك بالسماح للمهاجرين أن يجتازوا الحدود الأمريكية.

ومن ثم جاء الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، إن حدوث إغلاق حكومى آخر هو خيار بالتأكيد، معربًا عن تشككه فى أن يتوصل الكونجرس إلى اتفاق لتمويل الجدار الحدودى الذى يريد بنائه على الحدود الأمريكية المكسيكية، وفى مقابلة مع صحيفة  “وول ستريت جورنال” الأمريكية مع  ترامب إنه يعتقد أن احتمال التوصل إلى اتفاق قبل موعد التمويل الحكومى المقبل فى 15 فبراير أقل من 50%، وأشار الرئيس أيضًا إلى أنه يشك فى أنه سيقبل بأقل من 5.7 مليار دولار للجدار أو سيوافق على منح الحق المواطنة للمهاجرين الحالمين، الذين دخلوا الولايات المتحدة كأطفال، مقابل تمويل الجدار وكان ترامب قد وقع يوم الجمعة مشروع قانون ينهى مؤقتا الإغلاق الحكومى الأطول فى تاريخ الولايات المتحدة، والذى استمر 35 يوما، وردًا على سؤال حول شكل الجدار الذى يريد إقامته، قال ترامب إنه يجب أن يشاهد ما هو، فطالما أن يوقف المجرمين والعصابات والمتاجرين بالبشر والمخدرات، فهو منفتح لأى شىء، لكن الشىء الوحيد الذى سيجدى نفعا- كما يعتقد- هو حاجز مادى قوى للغاية، وكان القائم بأعمال كبير موظفى البيت الأبيض “ميك مولفانى” قد قال “إن الرئيس ترامب مستعد لإغلاق حكومى آخر فى حال رفض الكونجرس التعاون معه لتأمين الحدود الجنوبية”، وأوضح مولفانى أن ترامب لا يريد إغلاق الوكالات الفيدرالية مرة أخرى ولا يريد إعلان حالة طوارئ وطنية، لكنه أكد أن الرئيس الأمريكى على استعداد للقيام بذلك.

وختامًا؛ فيما سبق ذكره من تداعيات داخلية وخارجية شكلت صعوبات حول القضية المطروحة حيث أننا نقف جميعًا أمام تساؤل رئيسي وهو هل سيستمر ترامب في تعنته لبناء الجدار أم إنه سيرضخ لإرادة الكونجرس الأمريكي؟؛ فالنتذكر جيدًا أنه بالرغم من إعطاء النظام الرئاسي سلطات واسعة للرئيس إلا أنه أيضًا اعطى البرلمان أو إذا صح القول الكونجرس سلطات واسعة في مواجهة أحلام وإرادة الرئيس خاصةً من زاوية التمويل، لذلك يتطلب الأمر التوصل إلى تفاهم وتسوية  ترضي جميع الأطراف حيث قُدر الإغلاق الجزئي لحكومة الولايات المتحدة قد كلف الاقتصاد الأمريكي ثلاثة مليارات دولار، وقدر البنك المركزي أن الإغلاق الجزئي أخر 18 مليار دولار في الإنفاق الفيدرالي وعلق بعض الخدمات الفيدرالية ، وبالتالي خفض المستوى المتوقع للناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في الربع الأول من عام 2019 بمقدار 8 مليار دولار أي 0.2 بالمائة.؛ لذلك يجب إعادة التفكير حول بناء الجدار “الفولاذي” مع الأخد في الحسبان مصلحة كل دولة فرادهً.

References:

1.Trump sceptical a deal on border wall can be reached, BBC,28 Jan.2019, Available link:

https://www.bbc.com/news/world-us-canada-47031810?intlink_from_url=https://www.bbc.com/news/topics/cdwjqx3kw7zt/us-government-shutdown&link_location=live-reporting-story

2.Geneva Sands, Hundreds of migrants cross Arizona border after ‘several busloads’ dropped off in Mexico ,CNN Politics, 29 January, 2019, Available link:

https://edition.cnn.com/2019/01/28/politics/migrants-arizona-arrests/index.html

3.Michelle Mark, Skye Gould and Andy Kiersz, As the government shutdown over Trump’s border wall rages, a journey along the entire 1,933-mile US-Mexico border shows the monumental task of securing it ,Business insider, Jan. 12, 2019, available link:

https://www.businessinsider.com/us-mexico-border-wall-photos-maps-2018-

4.Nick Miroff, At Mexico border, U.S. sees surge in migrants claiming fear of harm in home countries, Washington post,10 Dec.2018,available link:

https://www.washingtonpost.com/world/national-security/at-the-us-mexico-border-us-sees-big-increase-in-migrants-claiming-fear-of-deportation/2018/12/10/37d7eb70-fca8-11e8-862a-b6a6f3ce8199_story.html?noredirect=on&utm_term=.07cc61e96604

5.Nick Miroff, Hundreds of migrant families arrive at remote border crossings, overwhelming U.S. agents , Washington post,22 Dec.2018,available link:

https://www.washingtonpost.com/world/national-security/hundreds-of-immigrant-families-arrive-at-remote-border-crossings-overwhelming-us-agents/2018/12/22/44f869f2-055d-11e9-9122-82e98f91ee6f_story.html?utm_term=.8b22df955258

6.Mexican president decrees tax cuts for U.S. border region, Reuters,31 dec.2018, available link:

https://www.reuters.com/article/us-mexico-economy-border/mexican-president-decrees-tax-cuts-for-u-s-border-region-idUSKCN1OU0ZJ

7.Samuel Osborne and Sarah Harvard,Government shutdown: What does it mean and how can Donald Trump end the conflict?, Independent,4 Jan2019, Available link:

https://www.independent.co.uk/news/world/americas/us-politics/government-shutdown-when-end-2019-trump-wall-tax-explained-why-congress-house-a8711451.html

8.Congressional Budget Office ,The Effects of the Partial Shutdown Ending in January 2019, Available link:

https://www.cbo.gov/publication/54937

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق