الشرق الأوسطتقدير الموقفعاجل

البيان الختامي للقمة العربية الطارئة في مكة : قراءة في الخطاب السياسي

إعداد: د. مصطفى أحمد قنبر – باحث في علوم اللغة

  • المركز الديمقراطي العربي

 

تحمل البيانات الختامية للقمم والاجتماعات السياسية خلاصة ما أجمع عليه المشاركون إزاء ما دار من مناقشات أو حوارات حول الموضوع أو الموضوعات الرئيسية، تلك التي ارتضوا أن يتم إدراجها للطرح في جدول أعمالهم من قبل خلال اجتماع وزراء الخارجية الذي عادة ما يسبق اجتماع القمة.

وتمر صياغة مفردات وجمل البيان الختامي بمراحل، يكشف عنها في البيانات الصحفية تنتهي عادة بالموافقة بالإجماع على نص البيان، وهذا يعني أن منتج هذا الخطاب، والموافقين عليه أو الموقعين عليه على وعي تام بمضامين هذا النص، ومعانيه، ودلالاته، وخلفياته أو مرجعياته الثقافية…. وما يمكن أن يترتب عليها من قرارات في الحال أو في المآل.

أما عن مؤتمر القمة العربية الطارئة فقط انعقد في مكة المكرمة في 26 رمضان 1440، الموافق 30مايو 2019، بدعوة من البلد المضيف وهو المملكة العربية السعودية، وذلك بعد سلسلة من التطورات الإقليمية.

ويحاول هذا البحث الوقوف على نص البيان الختامي، وتقديم قراءة للخطاب السياسي وأبعاده التي حملها هذا البيان، التي قلما يلتفت لها المحللون أو المراقبون للشأن السياسي.

نص البيان:

” استجابة للدعوة الكريمة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود لأشقائه قادة الدول العربية لبحث التداعيات الخطيرة للهجوم الذي قامت به الميليشيات الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران على محطتي ضخ نفط بالمملكة العربية السعودية وما قامت به من اعتداء على سفن تجارية في المياه الإقليمية لدولة الإمارات العربية المتحدة.
وإعمالا للمادة الثالثة من ملحق ميثاق جامعة الدول العربية الخاصة بالانعقاد الدوري للقمة، عقد مجلس جامعة الدول العربية على مستوى القمة دورة غير عادية في مدينة مكة المكرمة بتاريخ 25 رمضان 1440هـ الموافق 30 مايو 2019م حيث تدارس القادة العرب تلك التطورات كافة وما تحمله من مخاطر وتداعيات على المصالح العربية العليا.

وقد خلصت المداولات إلى التأكيد على المواقف التالية:

1 – إدانة الأعمال التي قامت بها الميليشيات الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران من العبور بالطائرات المسيرة على محطتين لضخ النفط داخل المملكة العربية السعودية وما قامت به من أعمال تخريبية طالت السفن التجارية في المياه الإقليمية لدولة الإمارات العربية المتحدة.

2 – التأكيد على أن الدول العربية تسعى إلى استعادة الاستقرار الأمني في المنطقة وأن السبيل الحقيقي والوحيد لذلك إنما يتمثل في احترام جميع الدول في المنطقة لمبادئ حسن الجوار والامتناع عن استخدام القوة أو التلويح بها والتدخل في الشؤون الداخلية للدول وانتهاك سياداتها ، وأن سلوك الجمهورية الإسلامية الإيرانية في المنطقة ينافي تلك المبادئ ويقوّض مقتضيات الثقة وبالتالي يهدد الأمن والاستقرار في الإقليم تهديداً مباشراً وخطيراً مع التأكيد على أن علاقات التعاون مع الدول العربية والجمهورية الإسلامية الإيرانية يجب أن تقوم على مبدأ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول واحترام سيادتها .

3 – التأكيد على تضامن وتكاتف الدول العربية بعضها مع بعض في وجه التدخلات الإيرانية في شؤونها الداخلية سواءً بشكل مباشر أو غير مباشر بهدف زعزعة أمنها واستقرارها وتكثيف سبل التعاون والتنسيق بينها في مواجهة المخاطر التي تنتج من ذلك.

4- إدانة استمرار عمليات إطلاق الصواريخ البالستية إيرانية الصنع على المملكة العربية السعودية من الأراضي اليمنية من قبل ميليشيات الحوثي التابعة لإيران وعدّ ذلك تهديداً للأمن القومي العربي والتأكيد على حق المملكة العربية السعودية في الدفاع عن أراضيها وفق ميثاق الأمم المتحدة ومساندتها في الإجراءات التي تتخذها ضد تلك الاعتداءات في إطار الشرعية الدولية.

5 – إدانة استمرار الدعم الإيراني المتواصل لميليشيات الحوثي المناهضة للحكومة الشرعية في اليمن.

6 – استنكار وإدانة التدخلات الإيرانية المستمرة في الشؤون الداخلية لمملكة البحرين، ومساندة الإرهاب وتدريب الإرهابيين وتهريب الأسلحة والمتفجرات وإثارة النعرات الطائفية لزعزعة الأمن والنظام والاستقرار.

7 – إدانة استمرار احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث المحتلة وتأييد الإجراءات والوسائل السلمية كافة التي تتخذها دولة الإمارات العربية المتحدة لاستعادة سيادتها على جزرها المحتلة.

8 – استمرار حصر القنوات الفضائية الممولة من إيران على الأقمار الصناعية العربية.

9 – تكثيف الجهود الدبلوماسية بين الدول العربية مع الدول والمنظمات الإقليمية والدولية لتسليط الضوء على ممارسات إيران التي تعرض الأمن والسلم في المنطقة للخطر، ومطالبة المجتمع الدولي باتخاذ موقف حازم لمواجهة إيران وأنشطتها المزعزعة للاستقرار في المنطقة، والوقوف بكل حزم وقوة ضد أي محاولات إيرانية لتهديد أمن الطاقة وحرية وسلامة المنشآت البحرية في الخليج العربي والممرات المائية الأخرى، سواء قامت به إيران أو عبر أذرعها في المنطقة.

10 – التنديد بالتدخل الإيراني في الأزمة السورية وما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على مستقبل سوريا وسيادتها وأمنها واستقلالها ووحدتها الوطنية وسلامتها الإقليمية، وأن مثل هذا التدخل لا يخدم الجهود المبذولة من أجل تسوية الأزمة السورية وفقا لمضامين جنيف واحد، والقرارات الدولية ذات الصلة، وبخصوص القضية الفلسطينية قضية العرب المركزية أكدت القمة على تمسكها بقرارات القمة العربية 29 بالظهران ” قمة القدس ” وكذا قرارات القمة العربية الثلاثين في تونس.
وفي ختام اجتماعهم عبّر قادة العرب عن شكرهم وتقديرهم لخادم الحرمين الشريفين ولشعب المملكة العربية السعودية على حسن الاستقبال وكرم الضيافة وعلى ما لمسوه من حسن تنظيم وإعداد متميز لأعمال هذه القمة.”()

1ــــــ البنية الشكلية لنص البيان:

جاء البيان الختامي لهذه القمة في (600) ستمائة كلمة تقريبا. توزعت على بنيته الثلاث: المقدمة والعرض والخاتمة.
تضمنت المقدمة سبب الدعوة إلى القمة الطارئة في زمانها ومكانها، وهنا أشار البيان إلى أن  انعقاد هذه القمة الطارئة اكتسب مشروعيته من جهتين: الأولى: ثابتة ودائمة وهي إعمال ما جاء في نص ميثاق جامعة الدول العربية ” للمادة الثالثة من ملحق ميثاق جامعة الدول العربية الخاصة بالانعقاد الدوري للقمة، ” ()

والثانية: طارئة وهي دعوة إحدى الدول الأعضاء في الجامعة، لمناقشة المخاطر التي تتعرض لها ” استجابة للدعوة الكريمة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود لأشقائه قادة الدول العربية لبحث التداعيات الخطيرة للهجوم “()

أما العرض، فقد تضمن النتائج أو التوصيات التي خرجت بها القمة، وجاء ت في عشر فقرات خُصصت بالكامل للوقوف إلى جانب الدول المتضررة من التطورات الأخيرة في المنطقة، وإدانة الأعمال الإرهابية التي وقعت فيها.
ثم جاءت الخاتمة (البروتوكولية) التي حملت الشكر للمنظمين قيادة وشعبا على الاستقبال، والضيافة، وحسن التنظيم والإعداد الجيد.

2 ـــــــ الظروف المحيطة بإنتاج نص البيان:

لفهم الظروف المحيطة بمراحل الإنتاج النصية دورها في فهم مفرداته، وصياغة جمله وعباراته، واستكناه دلالاته. ومن دونها تكون المقاربة النصية مبتورة، وتفتقر إلى النظرة البحثية الشاملة.

وقد أشار البيان في استهلاله إلى هذه الظروف حيث التطورات الخطيرة في منطقة الخليج العربي والتي لخصها في الهجوم ” الذي قامت به الميليشيات الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران على محطتي ضخ نفط بالمملكة العربية السعودية وما قامت به من اعتداء على سفن تجارية في المياه الإقليمية لدولة الإمارات العربية المتحدة “. ()
مما استدعى الاستجابة ” للدعوة الكريمة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود لأشقائه قادة الدول العربية لبحث التداعيات الخطيرة”، ” وما تحمله من مخاطر وتداعيات على المصالح العربية العليا “. ()
أما عن الظروف الزمانية والمكانية، فقد جاءت القمة عقب هذه التطورات بوقت ليس طويلا، وصادف أن يكون هذا الانعقاد في شهر رمضان بما يحمله من مكانة ورمزية في وجدان العالمين العربي والإسلامي، وفي العشر الأواخر منه خاصة…، وجاء مكان الانعقاد (مكة المكرمة) وبجوار الحرم ؛ ليضيف مساحة أخرى للبعد والرمز السابق.

3ـــ منتج النص وقائله:
يندرج هذا النص تحت النوع المؤسساتي، فليس منتجه فردا بل مجموعة القادة الذين يمثلون الدول الأعضاء للجامعة العربية والذين حضروا اجتماع القمة. فهم جميعا منتجو نص هذا البيان، حيث قاموا بصياغة جمله وانتقاء ألفاظه، والموافقة على أية مقترحات بشأن تعديل بعضها، وما جرى من عمليات الإضافة والحذف في مسودة النص، ثم الموافقة الجماعية على الصياغة النهائية التي خرج بها النص من الجلسة المغلقة إلى العلن.
أما قائله فهو الأمين العام للجامعة العربية السيد أحمد أبو الغيط، وهو دبلوماسي مصري تدرج في عدة مناصب.()

4ـــــ المتلقـــي:

وهم المعنيون بالخطاب من قِبَلِ موجه الخطاب ومنتجيه، وهؤلاء المعنيون ليسوا شريحة واحدة، بل هم عدة شرائح قصد إليها منشئ النص، لكنهم ليسوا في مرتبة واحدة، ويمكن ترتيب هذه الفئة من المتلقين كما جاءت في نص البيان على النحو التالي:

1ـــــــ القيادة الإيرانية أو الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
2ــــــــــــــ الميليشيات الحوثية.
3ـــــــ دول العالم والمنظمات الإقليمية والدولية.
4ـــــ شعوب المنطقة.
وكان ذلك عبر حشود من وسائل الإعلام التي فتحت لها الأبواب لتغطية أعمال هذه القمة.

5 ـــــــ تهيئة البيئة النفسية للخطاب:

تُعد تهيئة البيئة النفسية للخطاب من فقه المرسِل حين يريد توجيه رسالته إلى المتلقين، وما ذلك إلا لضمان وصول مضامين رسالته وفهمها على وجهها الذي أراده لها؛ بما يحقق هدفي الإقناع والتأثير.
وقد حملت عبء هذه التهيئة مقدمة البيان التي جاءت في فقرتين والتي صٌدِّرت بها أسطره، وخلت هذه المقدمة من جمل الاستفتاح بـــــــ (بسم الله الرحمن الرحيم) …. رغم جلالة المكان والزمان. وبدأت جملة الاستفتاح بالمفعول لأجله المتقدم على فعله عقد  (استجابة) في الفقرة الأولي، و(إعمالا) في الفقرة الثانية.

وفضلا عن هذه التهيئة النفسية عمد منتج النص إلى تحقيق هدف الإقناع ومن ثم التأثير، وإن كان هذا الهدف متمددا ليشمل كل بنية النص من مقدمته حتى خاتمته.

وقد طعِّمت هذه المقدمة بألفاظ وتراكيب لها دلالاتها في العقل الجمعي للمخاطبين مثل: خادم الحرمين، الميليشيات الإرهابية، المخاطر، مكة المكرمة، رمضان، المصالح العربية العليا، اعتداء.

وقد ألمحت هذه المقدمة إلى أهمية ما سيأتي عقبها، ومن ثم حاولت إثارة الانتباه وتخليص وعي المتلقي من أيه عوامل مشتتة.

6ــــــــ مضامين الخطاب:

يستمد الخطاب السياسي أهميته من عدة زوايا منها كونه يتعامل مع المشكلات الكبرى للحياة العامة، ويصفها ثم يشكلها، ولذا فإن الصورة اللفظية لهذا الخطاب أصبحت هي المصدر الرئيس لفهم الواقع السياسي، وأساس العمل الرسمي، وأساس شعور الشعب بالتفاؤل أو التشاؤم، بالرضا أو السخط حول سير الحياة السياسية. ()
ولما كانت مضامين أي خطاب سياسي يراد لها أن تكون معبرة عن الحقائق والأفكار، فليس من سبيل إلى ذلك إلا اللغة، وعلى الرغم مما يقال إن الحقائق والأفكار أقوى من الكلمات المعبرة عنها، إلا أن هذه الحقائق والأفكار لا يمكن أن تصبح قوية حتى تعرف، وفي معظم الأحيان يتطلب ذلك لغة مصوغة بشكل ملائم تصل إلى جماهير المتلقين بوسائل محددة جدًا، ودون هذه اللغة تظل هذه الحقائق والأفكار خرساء، حبيسة فكر منتجها. ()

وقد اشتمل الخطاب السياسي الموجه من القادة العرب في قمتهم الطارئة على مجموعة من الحقائق والمضامين التي جاءت وفق ترتيبها في نص البيان على النحو التالي:

  • إدانة الأعمال التي قامت بها الميليشيات الحوثية.
  • التأكيد على أن الدول العربية تسعى إلى استعادة الاستقرار الأمني في المنطقة.
  • احترام جميع الدول في المنطقة لمبادئ حسن الجوار.
  • عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول واحترام سيادتها.
  • تضامن وتكاتف الدول العربية بعضها مع بعض في وجه التدخلات الإيرانية.
  • إدانة استمرار عمليات إطلاق الصواريخ البالستية إيرانية الصنع على المملكة العربية السعودية.
  • إدانة استمرار الدعم الإيراني المتواصل لميليشيات الحوثي.
  • استمرار حصر القنوات الفضائية الممولة من إيران على الأقمار الصناعية العربية.
  • التنديد بالتدخل الإيراني في الأزمة السورية.
  • مطالبة المجتمع الدولي باتخاذ موقف حازم لمواجهة إيران وأنشطتها المزعزعة للاستقرار في المنطقة.
  • والوقوف بكل حزم وقوة ضد أي محاولات إيرانية لتهديد أمن الطاقة وحرية وسلامة المنشآت البحرية في الخليج العربي والممرات المائية الأخرى، سواء قامت به إيران أو عبر أذرعها في المنطقة.
  • القضية الفلسطينية قضية العرب المركزية.

7 ـــــ التأكيد على الموضوعات الكبرى:
تحاول بعض الخطابات ـــــــــــ خاصة السياسيةـــــــــ التأكيد على الموضوعات الكبرى من وجه نظر منتج الخطاب، وغالبًا ما يوجد بون ما بين رؤى طرفي الخطاب المتكلم والمتلقي حول أولوية الموضوعات، أو بين شرائح المتلقين أنفسهم، أو ما يسمى بـــــ استراتيجية التأكيد على الموضوعات الكبرى(Strategy Of Emphasizing Macro Topics) ، فبينما تنتظر جماهير المتلقين من منتج الخطاب تناول موضوعات ما يرون أنها ذات أولويات في حياتهم الراهنة إذا هم يشعرون بخيبة الأمل؛ إما لتجاهل هذه الموضوعات، أو تناولها تناولا عابرًا لا يليق بها. وقد بيَّنت البحوث التجريبية أن تركيز النخب على الموضوعات العامة وتعريفات القضايا أو أطرها بكيفية ما، قد يكون لها أثر كبير في التفسير والرأي العام. ()

وقد كانت المضامين التي اشتمل عليها نص البيان محل اهتمام وقبول من جماعة المشاركين في اجتماع القمة، إلا دولة واحدة قيل أنها لم تشارك في صياغة البيان، () ولا يمكن القول بإجماع المتلقين على هذه الموضوعات.

8ـــــــ ترتيب الأولويات:

يعمد كثير من منتجي الخطاب السياسي مذ عرف هذا الخطاب إلى الدفع في المقدمة بالقضايا التي يرونها ذات أهمية عند جماهير المتلقين، وإغفال أخرى قد يخصم تناولها ــــــ خاصة إذا ارتبطت بإخفاقات أو إهمال ـــــــــ مما يسمى درجة الشعبية أو الرضا عن الأداء.

وهناك طريقتان تقوم من خلالهما اللغة السياسية بترتيب الأولويات:

الأولى: عندما يُولي السياسي اهتماما لموضوع أو شخص ما؛ فإنه يضفي عليه أهمية ويتسبب في إبرازه، والعكس صحيح إذ يتوارى من قِبَل سياسيين وصحافيين بارزين.

الثانية: هي التحكم في عملية انتشار المعلومات، فأحيانا يحاول السياسيون إخفاء إنجازات منافسيهم أو معارضيهم، كما يحاولون حجب أخطائهم أو انحرافاتهم الشخصية أو الحزبية، حتى عندما تصبح هذه الإخفاقات معروفة يسعون جاهدين لصرف الانتباه عنها بوسائل شتى مثل: الحديث عن قضايا أخرى، أو البحث عما يسمى (كبش فداء)، أو القيام بعمل عسكري خارج البلاد … لكنَّ هذه المحاولات قد تبوء بالفشل ويعجز السياسي عن السيطرة على انتشار المعلومات؛ مما قد يفضي إلى نتائج وخيمة. ()

وقد عمد منظمو القمة والموقعون على البيان على الدفع بالقضايا الملحة التي دعت إلى عقد هذه القمة الطارئة، ومن ثم جاءت الموضوعات التي سبق الإشارة إليها على ترتيبها وفق رؤية منتجي البيان لترتيب الأولويات. وكانت الإدانة للأعمال التي وقعت في المنطقة في مقدمتها تلاها ما يتعلق بها أيضا، وجاءت في ذيل الموضوعات التأكيد على ثوابت القضية الفلسطينية، ولا غرابة ذلك إذ الاجتماع الطارئ كان من أجل الهجمات الأخيرة؛ لذا خصص ـــــــــ كما جاء في البيان ـــــــــ لـــــــــ (تدارس القادة العرب تلك التطورات كافة وما تحمله من مخاطر وتداعيات على المصالح العربية العليا).

9 ـــــــ وضوح الرسالة:

إذا كانت اللغة عملية تواصلية لرسالة ما بين المرسل والمتلقي، عناصرها:

المرسل الرسالة المتلقي وكل فرد متكلم هو في الوقت نفسه مرسل ومستقبل لرسالته، بما أنه يستطيع إرسال الرسالة وفك رموزها ــــــ فإنه لن يرسل إلا ما يستطيع فك رموزه، لأن الرسالة المرسلة إلى الطرف الآخر هي قبل كل شيء مرسلة إلى صاحبها وهو ما يجيز القول إن الكلام يحدث في الذات أولا وفي الوقت نفسه ــــــــــــ فإن المستقبل المحلل للخطاب لا يحلله إلا في النطاق الذي يسمح له بقول ما يسمعه.() وتؤكد معظم الدراسات أن الرسالة المفهومة والواضحة تكون على درجة من الإقناع أكبر من الرسالة غير المفهومة.() ولا يختلف هذا الأمر من ثقافة إلى ثقافة أو من عصر إلى عصر، بل يكاد يكون عامًا حتى مع غير بني البشر. ()

وقد تميزت الرسالة التي حملها البيان الختامي بالوضوح، فلم تكن المعاني المقصودة غريبة أو ضبابية أو تحمل عدة معانٍ متناقضة، ولم تكن ألفاظها بعيدة عن المعهود من أنماط الخطاب السائدة في ذلكم المجتمع، وكانت التراكيب جارية على سنن التأليف العربي السياسي المعاصر، وقلت الاصطلاحات السياسية والدبلوماسية التي ربما يستعصي فهمها على غير المتخصصين.

10ــــــ منطقية التفسير، وبراعة الإقناع:
يلجأ بعض منتجي الخطاب ـــــ خاصة السياسي ــــ إلى جذب انتباه متلقيهم بتخصيص قضايا معينة لموضوعات خطاباتهم، حيث يوضحون أولوية هذه القضايا بالتناول وتفسيرها وبيان سبب استحقاقها هذا الاهتمام.() أو تناول ظاهرة ما طفت على السطح، فيعمدون إلى تفسيرها والربط بينها وبين ظواهر أخري تزيد من أهميتها، أو بيان خطورتها ومن ثم يمكن لأحدهم أن يدخل إلى عقل المتلقي ويستلبه، وقد يصل الأمر إلى ما يسمى بالسيطرة على الجمهور (Audience Control).()

وتعتمد منطقية التفسير وبراعة الإقناع على مدي ما يوظفه منشئ الخطاب من استراتيجيات أو حجج تجعل أفكار الخطاب نافذة إلى عقل المتلقين فتنال القبول بل وتتمكن من توطيد أركانها بحيث يعصب محوها، أو تنصل الفرد منها.

وقد عمد منتجو الخطاب إلى ذلك في مقدمة البيان، عندما أشار إلى سبب انعقاد القمة. ثم بيان جسامة الجرم الذي ارتكب في حق دول المنطقة، وأهدافه غير المشروعة، وقد حشد لذلك الألفاظ والتراكيب:

(أعمال تخريبية، الاعتداءات، يهدد الأمن والاستقرار، زعزعة الأمن، تهديد الأمن القومي، التدخلات، مساندة الإرهاب، تهريب الأسلحة والمتفجرات، وإثارة النعرات الطائفية، تهديد أمن الطاقة) التي تنفر المتلقي منها، وتستميله إلى جانب منتجي النص.

ومن براعة الإقناع الإشارة إلى عدم التزام الآخر بثوابت حسن الجوار التي لا يختلف عليها، والبناء على ما يترتب عليها من نتائج “….. احترام جميع الدول في المنطقة لمبادئ حسن الجوار، والامتناع عن استخدام القوة أو التلويح بها والتدخل في الشؤون الداخلية للدول وانتهاك سياداتها، وأن سلوك الجمهورية الإسلامية الإيرانية في المنطقة ينافي تلك المبادئ ويقوّض مقتضيات الثقة، وبالتالي يهدد الأمن والاستقرار في الإقليم تهديداً مباشراً وخطيراً “.

ومنه كذلك الاستناد إلى مبادئ الشرعية الدولية في تبرير الإجراءات الدفاعية:

” التأكيد على حق المملكة العربية السعودية في الدفاع عن أراضيها وفق ميثاق الأمم المتحدة ومساندتها في الإجراءات التي تتخذها ضد تلك الاعتداءات في إطار الشرعية الدولية.”

11ــــــ التكرار:
التكرار في حد ذاته وسيلة مهمة من الوسائل السحرية التي تعتمد على تأثير الكلمة المكررة في إحداث نتيجة إيجابية في العمل الفني المميز.() وهو وسيلة بلاغية مهمة يقصد إليها المتكلم لتقوية قوة المنطوق الإنجازية، يقولون إن الشيء إذا تكرر تقرر، والتكرار تعرفه الشفرتان المنطوقة والمكتوبة كلتاهما، وإن كان تأثيره في بنية الشفرة المنطوقة التلقائية أقوى.()

وللتكرار وظائف خطابية عدة عُبر عنها بالإفهام والإفصاح والكشف وتوليد الكلام والتشديد من أمره، وتقرير المعنى وإثباته.()

فالتكرار إذن من خلال هذا التعريف ليس مجرد ألفاظ موضوعة في الخطاب أكثر من مرة، فليس هو ذلك التكرار المولد للرتابة والملل، أو التكرار المولد للخلل والهلهلة في البناء، ولكنه التكرار الذي يسمح لنا بتوليد بنيات لغوية جديدة باعتباره أحد ميكانيزمات عملية إنتاج الكلام، وهو أيضا التكرار الذي يضمن انسجام النص وتوالده وتناميه .()

واللفظ المكرر ــ بوجه عام ــــ مصدره الثورة، وهدفه الإثارة حبًا أو بغضًا في أي غرض من أغراض الكلام. كما أن التكرار مرتبط بقانون التردد من قوانين تداعي المعاني؛ ولذا يعد وسيلة تربوية من وسائل التقرير، ويرجع أثر التكرار إلى أنه يزيد المعنى المكرر تميزا من غيره. ()

وفي عشرات الخطابات يعمد المتكلمون إلى تكرار ألفاظ وعبارات يهدفون من خلالها إلى إيصال مفاهيمها الدلالية إلى المتلقين، كإبراز أهميتها، أو التمسك بها، أو التباهي بها، أو التحذير منها …أو غير ذلك من الدلالات التي تستشف من النص، والتي تعكس الاتجاه الفكري للمتكلم، سواء كان فرديًا أو مؤسسيًا. أو تعبيرًا عن السياسة العامة لتلك المرحلة.
ولولا أن اللفظ المتكرر وما يكتنفه من دلالات لا يثير اهتماما عند المتكلم ما لجأ إلى تكراره، وما أصرَّ على أن ينقله إلى نفوس ووجدان مخاطبيه، أو من هم في حكم المخاطبين، ممن يصل إليهم القول على بعد الزمان والديار. ()

والتكرار في هذا البيان كان لمفردات وتراكيب وفق الحقول الآتية:

  • ما كان وصفا للقائمين بالاعتداء (الميليشيات الحوثية الإرهابية)،
  • الداعمين للقائمين بالاعتداء (إيران، والجمهورية الإسلامية الإيرانية)
  • الدول المتضررة من الاعتداءات: (المملكة العربية السعودية، الإمارات العربية المتحدة، البحرين، الدول العربية).
  • ألفاظ تعبر عن حالات المجتمع المنشودة (الأمن، الاستقرار)
  • الألفاظ المعبرة عن الموقف من الأعمال: (إدانة، استنكار)

وبعد فقد سعت هذه الدراسة إلى الوقوف على الخطاب السياسي في البيان الختامي للقمة العربية، بغية تحليله وإبراز القضايا التي عمد منتجو النص إلى تضمينها إياه، وكيف ظهر من خلال ما انتقوه من مفردات وما صاغوه من جمل، وما وظفوه من تراكيب واصطلاحات0 من عدة حقول معرفية.

المراجع:

1-أبوبكر العزاوي: الخطاب والحجاج، مؤسسة الرحاب الحديثة للطباعة والنشر، بيروت، ط 1(2010) .
2-أحمد بن راشد بن سعيد: قوة الوصف ــ دراسة في لغة الاتصال السياسي ورموزه، في مجلة: عالم الفكر، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ع1، المجلد 32(يوليو ـــ سبتمبر 2003) .
3- جورج إم غازدا: نظريات التعلم، ترجمة: د. على حسن حجاج، عالم المعرفة (70)، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت (أكتوبر 1983م).
4-دليلة قسيمة: استراتيجيات الخطاب في الحديث النبوي، مذكرة مقدمة لنيل الماجستير في اللغة العربية وآدابها، كلية الآداب واللغات، جامعة الحاج لخضر (2011ــــــــ2012م).
5-عبد الفتاح يوسف: فاعلية التكرار في بنية الخطاب، مجلة فصول، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة (2003).
6-عز الدين على السيد: التكرير بين المثير والتأثر، عالم الكتب، بيروت، ط2 (1407هـــ ــــــ1986م)
7-على رزق: نظريات في أساليب الإقناع ــ دراسة مقارنة، دار الصفوة، بيروت، ط1(1414هــ ـــــ1994م)
8-فان دايك: الخطاب والسلطة: ترجمة غيداء العلي، ترجمة وتقديم: عماد عبد اللطيف، المركز القومي للترجمة، ط1(2014م) .
9-محمد التحريشي: ترجمة مقدمة كتاب: اللغة ذلك المجهول، في مجلة: ثقافات، خريف (2002).
10-محمد العبد: النص والخطاب والاتصال، الأكاديمية الحديثة للكتاب الجامعي، القاهرة (2014)
11-موقع وكالة الأنباء السعودية: https://www.spa.gov.sa/viewstory.php?lang=ar&newsid=1930066
12-موقع جامعة الدول العربية:
http://www.lasportal.org/ar/secretarygeneral/Pages/C-V.aspx

13-موقع هيئة الإذاعة البريطانية: http://www.bbc.com/arabic/middleeast-48462841

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق