الشرق الأوسطعاجل

تداعيات الأزمة التركية :هل سينتهي عصر توهج اردوغان السياسي ؟

اعداد الباحثة : آية حمادة ، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ، جامعة القاهرة – مصر

  • المركز الديمقراطي العربي

 

العملة التركية وأزمة الديون 2018 هي أزمة مالية عصفت بتركيا ولا زالت مستمرة حتى يومنا هذا؛ وذلك بسبب التداعيات الدولية التي لحقت ومسَّت البلد عقب “انهيار” عملته ووصولها لمراحل متدنية للغاية لم يسبق وأن وصلت لها.

تميَّزت هذه الأزمة التي ضربت عمود اقتصاد تركيا بإغراق قيمة الليرة التركية مقابل باقي العملات على رأسها اليورو والدولار كما تميزت الأزمة بارتفاع التضخم وارتفاع تكاليف الاقتراض مقابل التخلف عن سداد القروض. بشكل عام؛ هناك مجموعة من الأسباب التي تعاقبت على تركيا والتي جعلتها تدخل في هذه الأزمة من بينها العجزفي الحساب الجاري والتعثر في سداد الديون بالعملات الأجنبية، وترافق ذلك مع سلطوية الرئيس رجب طيب أردوغان المتزايدة وأفكاره الغير تقليدية حول سياسة أسعار الفائدة.

أسباب الأزمة:

العجز في الحساب الجاري والديون بالعملة الأجنبية حيث وصل العجز في تركيا إلي 1.7 مليار دولار في يناير 2018 وفي ظرف 12 شهرا فقط ارتفع العجز إلي 51.6 مليار دولار لتكون تركيا واحدة من أكبر الدول عجزا في الحساب الجاري في العالم ,وأيضا يعتمد الاقتصاد التركي بشكل كبير علي تدفقات رأس المال كما يعتمد على تمويل القطاع الخاص، وتربح تركيا أموالا طائلة من خلال إقراض باقي البنوك والشركات الكبرى, وفي الفترة التي سبقت الأزمة انخفضت تدفقات الاستثمار بسبب تشاجر اردوغان مع باقي البلدان التي كانت بمثابة مصدر رئيسي للتدفقات المالية مثل ألمانيا وفرنسا, واصبح هناك مخاوف لدي المستثمرين الأجانب بخصوص انخفاض قيمة الليرة, كما انخفضت ايضا تدفقات الاستثمار بسبب قمع الحكومة للحريات وبحلول نهاية عما 2017 بلغت ديون الشركات التركية بالعملة الأجنبية إلي 214 مليلر دولار وإجمالي الدين الخارجي بلغ 453.2 مليار دولار مما أدي لتفاقم الأزمة.

ومن أهم الاسباب أيضا التي أدت إلي تفاقم الأزمة عدم استقلالية البنك المركزي حيث أنه من أهم الأسباب التى دفعت قيمة الليرة التركية إلي الانخفاض أمام الدولار هو تدخل الرئيس اردوغان في قرارات البنك المركزي حيث أصدر تعليمات بمنع البنك المركزي من تعديل أسعار الفائدة مما أدي إلي تدهور قيمة العملة حيث بلغت قيمة الليرة التركية في اغسطس 2018 7.24 ليرة للدولار الواحد بعد أن كانت 4.87 في يوليو من نفس العام مما أدي لفقد الليرة التركية قيمتها وبالتالي ارتفعت معدلات التضخم في تركيا حيث ارتفعت في عام 2018 إلي أكثر من 25%.

النتائج المترتبة علي أزمة العملة:

  • العواقب الداخلية: تضرر المقرضون في تركيا من خلال إعادة هيكلة الشركات غير القادرة على خدمة ديونها بالدولار الأمريكي أو باليورو بسبب فقدان قيمة أرباحها بالليرة التركية وبالتالي خسرت البنوك التركية كثيرا حيث بلغ إجمالي طلبات إعادة الهيكلة العامة من قبل بعض أكبر الشركات في البلاد وحدها 20 مليار دولار مع المدينين الآخرين غير المدرجة بشكل علني أو كبير بما فيه الكفاية لطلب الإفصاح.

ومن العواقب الداخلية أيضا اضطرار البنوك إلي رفع أسعار الفائدة علي القروض وأسعار قروض الرهن العقاري مما أدي إلي الحد من الطلب, ولكن أدي ذلك أيضا إلي تراجع مبيعات المنازل بنسبة 14% وتراجعت مبيعات الرهن بنسبة 35%, كان رفع سعر الفائدة له أثرا انكماشيا علي الاقتصاد التركي.

  • العواقب الدولية:غلقت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني مكتبها في اسطنبول في 19 يناير 2018 وسط سيل من التعليقات السلبية التي أدلى بها أردوغان حول الشركات الدولية التي تقيم الجدارة الائتمانية لتركيا قائلاً أنه أصبح من المستحيل كتابة تقارير المحللين حول أي من تصنيفات التصنيف الائتماني الوظيفة التي تتطلب حرية الصحافة وحرية التعبير,

وفي 7 مارس قامت وكالة أخرى من وكالة موديز لخدمات المستثمرين بخفض الديون السيادية التركية محذرة من تآكل الضوابط والتوازنات تحت حكم أردوغان وقالت أن العملية العسكرية التركية في عفرين أدت إلى توتر العلاقات مع واشنطن وجعلت البلاد أعمق في الحرب الأهلية السورية أضافت طبقة إضافية من المخاطر الجيوسياسية, وأيضا خفضت وكالة ستاندرد آند بورز تصنيف ديون تركيا إلى منطقة خردة في 1 مايو مشيرة إلى تزايد القلق بشأن توقعات التضخم وسط عمليات بيع بالليرة التركية.

الوضع الحالي:

  • في نهاية 2018 الاقتصاد التركي انكمش ثلاثة بالمئة على أساس سنوي في الربع الأخير من 2018، بعدما تسببت أزمة العملة في خسارة الليرة نحو 30 بالمئة من قيمتها العام الماضي حيث تسببت ازمة العملة في ركود الاقتصاد التركي بشكل كبير,و بالمقارنة بالربع الأخير من عام 2018، سجل الاقتصاد التركي معدل نمو 1.3 بالمئة، حسبما أفاد معهد الإحصاء التركي (توركستات)، في إشارة إلى تحقيق انتعاش طفيف وينبغي الإشارة إلي ان تركيا وصلت لمعدل نمو في عام 2017 بلغ 7 بالمائة ولكن جاء هبوط سعر العملة مدمرا لهذا النمو الجامح.
  • بالنسبة للعجز في ميزان التجارة الخارجية ارتفع إلى 2.98 مليار دولار في ابريل مقابل 2.15مليار دولار في مارس، مع تراجع حجم الواردات في ظل ضعف الليرة وتأثير الركود الاقتصاد, ولكنه انخفض في مايو إلي 1.838 مليار دولار.
  • قطاع التشييد انكمش بنسبة سنوية تبلغ 10.9 بالمئة في الربع الأول من 2019، فيما بلغت نسبة التراجع 4.3 بالمئة في قطاع التصنيع و4 بالمئة في قطاع الخدمات خلال نفس الفترة.
  • في الوقت الحالي هناك اتجاه لفرض عقوبات اقتصادية علي تركيا من قبل الولايات المتحدة الأمريكية بسبب شراء منظومة إس-400 الدفاعية الصاروخية من روسيا مما سيزيد من حدة الأزمة الاقتصادية التركية.
  • هناك تصريحات من الرئيس التركي أنه ما زال يعارض سياسة بلاده النقدية لتشديد الائتمان وتعهد “بحلّ حاسم” قريبا لخفض أسعار الفائدة الرئيسية من مستواها الحالي البالغ 24 بالمئة، وهو الأمر الذي يُنذر بمزيد من التدهور لليرة التي تراجعت أيضاً ما يُقارب الـ 10% منذ بداية العام الحالي, حيث أنه يري أن رفع أسعار الفائدة يزيد من التضخم وهو ما يتعارض مع النظرية الاقتصادية حيث أن رفع أسعار الفائدة يؤدي إلي كبح عمليات الاقتراض مما يؤدي لتقليل السيولة في السوق مما يؤدي لخفض نسبة التضخم.
  • شغلت انتخابات بلدية اسطنبول المجتمع الدولي كله وليس فقط الشعب التركي حيث أن اسطنبول لها أهمية كبيرة في تركيا وقد صرح اردوغان في السابق أنه من يفوز باسطنبول يفوز بتركيا , وكانت نتيجة هذه الانتخابات بمثابة صفعة لأردوغان حيث فاز مرشح حزب المعارضة أكرم إمام أوغلو علي مرشح الحزم الحاكم- حزب الحرية والعدالة- ما يجعله مرشح بقوة لانتخابات الرئاسة التركية القادمة.

الحلول المقترحة لهذه الأزمة:

رفع كبير في معدلات الفائدة واستقلالية المركزي التركي وربما طلب المساعدة من صندوق النقد الدولي اذا لزمت الحاجة, ومحاولة زيادة المعروض من العملة الأجنبية ورفع الاحتياطي النقدي بالعملة الأجنبية وهذا قد يتمّ من خلال العمل على الميزان التجاري, أي تقليص الواردات ومحاولة زيادة الصادرات عبر ايجاد أسواق جديدة, واصدار سندات بالعملة المحلية بعوائد استثنائة تكون مرتفعة جداً, واعفائات ضريبية على الاستثمارات الأجنبية لفترة محدودة, وهذه حلول نزيد من المعروض الأجنبي النقدي وهو ما بدأ يحدث في عام 2019 حيث انكمش عجز التجارة الخارجية ولكن بنسبة ضئيلة لذا يجب بذل المزيد من الجهد لتخطي هذه الأزمة.

ختاما, ما زال الوضع معقد في تركيا, من ناحية هناك رفع لأسعار الفائدة لتخفيض التضخم ولكنه قلل من مبيعات المنازل, ومن ناحية يريد اردوغان التقليل من أسعار الفائدة مرة آخرى مما سيزيد من تدهور العملة التركية, فأصبح التساؤل متي سيصبح البنك المركزي التركي مستقلا بقرارته ولا يتم التدخل فيها من قبل القيادة السياسية, وزاد الأمر تعقيدا هو رغبة تركيا في شراء منظومة إس 400 الدفاعية الصاروخية من روسيا مما سيفرض عليها عقوبات اقتصادية من الولايات المتحدة الأمريكية, فالأزمة لا تعتبر أزمة اقتصادية إنما هي أزمة سياسية أيضا, لذا الجميع ينتظر ما سيحدث الأيام القادمة خاصة بعد خسارة مرشح حزب الحرية والعدالة- الذي ينتمي له اردوغان- الحاكم بن علي يلديريم انتخابات رئاسة بلدية اسطنبول,وفاز بها مرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو وهذا يمثل تغييرا في السياسة التركية ويحمل مؤشرات صعود شعبية المعارضة في مقابل هبوط أسهم الحزب الحاكم, فهل هذا مؤشر لنهاية عصر اردوغان؟ حيث أنه من يفوز باسطنبول يفوز بتركيا.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق