fbpx
الاجتماعية والثقافيةالدراسات البحثيةالمتخصصة

أخلاقيات الخطاب في أولوية الفعل التواصلي

بقلم : الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

  • المركز الديمقراطي العربي

 

طوّر يورغن هابرماس منهجًا شاملا ومثيرًا للإعجاب في الفلسفة والنظرية الاجتماعية. إن قليل من المنظرين المعاصرين، قد درسوا بدقة، وبمثل هذا الاجتهاد والخيال، المشاكل المرتبطة بتبرير نزعة النقد الاجتماعي في سياق حديث. عمل هابرماس على إعادة صياغته للنظرية النقدية مبكرأً من خلال مراقبته  العديد من النزاعات العلمية والخلافات السياسية، الى مساهماته في الفكر المعاصر في الدفاع النقدي عن التنوير وأمله في التحرر القائم على العقل الإنساني.[1] آمل أن أكشف في هذه  الدراسة يمكن أن نجد في عمل هابرماس أكثر المصادر النظرية المثمرة المتاحة لنا في التعامل مع مشاكل التبرير التي تعتبر أساسية لمخاوفنا الفكرية والسياسية والأخلاقية.

الجذور النظرية لأخلاق الخطاب

تمثل أخلاق خطاب هابرماس إجراءً تبريرًا للمبادئ الجوهرية للعدالة مبنيًا على مفهوم التجرد والموضوعية والنزاهة الحوارية. رغم أن هابرماس يشارك راولز في يمكن أن يكون تبرير إجراء نزيه بمثابة اختبار لمبادئ العدالة التنافسية، الأ إنه  يرفض التفسير المُقيِد للتفكير الأخلاقي السياسي الذي يتمثل في الموقف الأصلي كما يطرحه راولز. فلاتكون المعايير صالحة، بالنسبة إلى هابرماس، ما لم يكن بإمكان جميع الأشخاص المتأثرين بها قبولها كمشاركين في خطاب حقيقي.[2] يجب النظر إلى الاختبار الخطابي على أنه مشروع تعاوني بين أعضاء المجتمع الذين يشاركون عمليًا في المداولات أو المشاورات. ترتكز المعايير الصحيحة على قناعة مشتركة يتم تحقيقها بشكل جماعي، وبالتالي تعبر هذه المعايير عن إرادة مشتركة. وعليه لا يمكن تبريرها من قبل مجموعة من الأفراد المنعزلين الذين يختارون المبادئ بمعزل عن بعضهم البعض في ظل ظروف وأوضاع مُعدة نظريًا.

يمكّن هذا التركيز الخطابي هابرماس من  فصل  الجوانب السياسية لأخلاقنا من التزاماتنا الأخلاقية الأكثر شمولاً قبل أن نتمكن من اعتبار التفكير المحايد محتملاً. والأهم من ذلك، أنه يسمح للمشاركين في الخطاب بالتقييم النقدي، ومراجعة حدسهم الأخلاقي، إذا لزم الأمر، في ضوء اللقاء والمواجهة مع الآخرين. يختلف المشاركون، ضمن إجراء التبرير هذا عن بعضهم البعض وتتضمن المرونة النقدية المطلوبة منهم وجود احتمال حقيقي بأنهم سيختبرون الخطاب على أنه لحظة من التحول أو التغيير الذاتي غير القسري. يصر هابرماس على أنه ليس من حق الفيلسوف أن يستنتج أو يبرر مبادئ العدالة الجوهرية.[3] يجب ترك هذا للمشاركين في خطابات حقيقية واقعية فعلية تُختبر في سياق النزاعات الحقيقية التي تنشأ في أي شكل من أشكال الحياة المشتركة. يمكن لهابرماس من خلال الحفاظ على المهمة الفلسفية المتمثلة تبرير وجهة نظر محايدة منفصلة تمامًا عن المهمة السياسية المتمثلة في تبرير مبادئ جوهرية للعدالة. يهتم هابرماس بتسويغ قواعد محددة للمحاججة تعمل كقيود إجرائية على النقاش والمداولة لتبرير المبادئ الجوهرية للعدالة ويكشف بهذه الطريقة عن الآثار التي تشوه  فيها السلطة  المداولات الديمقراطية.

المهمة الأولى لهذه الدراسة تقديم لمحة عامة عن دفاع هابرماس النقدي عن التنوير. وتفسير كيف يجب فهم نظرية الفعل التواصلي، جزئيًا على الأقل، كرد فعل هابرماس على النقاش مع غادامير. أسس هابرماس معاييره في التبرير لمبادئ العدالة بواسطة نظرية اللغة وفي الادعاء بأولوية الفعل التواصلي على الفعل الاستراتيجي. سنرى في هذه الدراسة لماذا يعتبر هذا الادعاء أساسيًا لدفاع هابرماس عن العقل والحداثة والتنوير وكيف يرتبط بنقل النموذج من فلسفة الوعي إلى فلسفة الفهم المشترك بين العقول.[4] يؤسس هذا الادعاء في أولوية الفعل التواصلي، كلاً من النظرية الاجتماعية النقدية لهابرماس، وأخلاق خطابه.

إن مهمة هذه الدراسة هي تمكيننا من وضع أخلاق الخطاب في سياق بحيث يمكن توضيح مزاياها من خلال تفسير نظرية العدالة. الحجة المركزية للدراسة هي أن أخلاق الخطاب تزودنا بالمصادر النظرية التي يمكن أن تسمح لنا بتقديم مقاربة للعدالة تأخذ على محمل الجد كل من تعدد المفاهيم الفردية للخير في كل مجتمع حديث، وتعددية شكلت مجتمعات سياسية مختلفة تاريخيًا.  حتى يفضي المفهوم الحواري للحيادية والنزاهة والتجرد فيما يتعلق بالعدالة إلى طريقة أفضل لكشف كيف يمكن للأختبار المحايد لمبادئ العدالة أن يحترم تعددية المفاهيم الفردية للخير.

تكشف أخلاق خطاب هابرماس،من خلال ترك تفسير المبادئ الجوهرية للعدالة للمشاركين في لقاءات حقيقية،عن حساسية تأويلية للسياق الذي يمكن أن يقدر تعددية المجتمعات السياسية التي لها خصوصية ومتفردة في تاريخها أيضًا. لكن بما أن أخلاق الخطاب تعبر عن تفسير للحياد القائم على مفهوم العقل العملي فقد عدلَ هابرماس من احترامه لسياقات مختلفة من منظور نظري يتحدى بشكل فعال الطرق التي يمكن أن تتداخل فيها التفسيرات السائدة للعدالة مع العمل الخفي للسلطة الاجتماعية.

يقدم هابرماس السمات المميزة لأخلاق الخطاب على أنها تعبرعن معرفة أخلاقية. وهذا يعني أن قواعد أو مبادئ العدالة التي تبرر أنها صالحة وفقًا لاختبارها الإجرائي لها وضع مماثل للحقيقة. يتم الدفاع عن هذا الادعاء ضد المتشككين في حجة معقدة آمل في توضيحها. أعتزم من أجل القيام بذلك أن أوضح كيف يمكن لهابرماس، في تصور وجهة نظر موضوعية ومحايدة من الناحية الحوارية، أن يقدم حالة أكثر إقناعًا لمشروع الحيادية بوصفه مبدا من مبادى العدالة. بمجرد الإشارة إلى مزايا هذه المقاربة أو النهج، لابد أن يصبح واضحًا بعد ذلك أن أخلاق الخطاب تتضمن رؤى أفضل للجماعاتية والنسوية.

نحتاج بادئ ذي بدء، إلى أن نوضح كيف يجعل عموم مشروع هابرماس المصادر النظرية متاحة لتفسير العدالة التي تضع اهتمامات ومخاوف الحياد في سياقات محددة. إن المناقشة التي تلي هنا، حول المطالبة بأولوية الفعل التواصلي، مدفوعة بحاجتنا إلى مفهوم محايد ومتجرد وموضوعي. وكما سنرى أصبح هذا ممكناً من خلال الطريقة التي بنى فيها هابرماس رؤيته عن التبرير أو التسويغ المعياري في نظرية اللغة.[5] كما أننا مدفوعون بحاجتنا لتجنب خطر التحيز الذي يقوض العديد من  تأويلات العدالة. سنرى كيف يوعد التوجه العالمي لنظرية هابرماس للفعل التواصلي بمقاربة للنزاعات حول العدالة ذات كفاءة نقدية، وحساسة بما فيه الكفاية للسياقات التاريخية المختلفة. نوجز بعض النقاط قبل أن نستكشف هذه  المصادر النظرية.

يأتي عمل هابرماس في سياق تقاليد النظرية الاجتماعية النقدية التي تطمح إلى ترسيخ آمالنا في مستقبل متحرر قائم على أساس حقيقي. يريد الناس أن يتحرروا مما يسبب لهم معاناة غير ضرورية، وهذا ليس مجرد  حقيقة طارئة، بالنسبة لهابرماس؛ بل إنها بالأحرى، وعلى حد تعبيره، متأصلة بعمق في بنية المجتمع البشري المندمج بشكل وثيق في إعادة إنتاج الحياة البشرية لدرجة أنه لا يعتقد أنه يمكن أن يعتبر مجرد موقف شخصي قد يوجه أو لا يوجه هذا أو ذاك بوصفه أمر يخص البحث العلمي فقط.[6]

فعلى  الرغم لا تظهر فكرة المصلحة المعرفية التحررية بشكل صريح في نظريته الاجتماعية، لكن لا يمكن أن يكون هناك شك في الموقف النقدي الذي يشكل السمة الغالبة لهابرماس كمنظّر.[7] لقد أرسى لنا في نظرية الفعل التواصلي أملأ في التحرر. وبشكل أكثر تحديدًا، يدعي في عمله أن الفعل التواصلي، هو نمط أصلي لاستخدام اللغة، يوفر لنا أساسًا نظريًا للنقد الاجتماعي الذي يمكن أن يساعد في الحفاظ على أملنا في مستقبل أفضل.

يُبنى كل من التشخيص الاجتماعي النظري للمجتمع الحديث وأخلاق الخطاب عند هابرماس، على نظرية الفعل التواصلي. وبينما تهدف نظريته الاجتماعية إلى تعريف وتفسير السمات القمعية للمجتمعات الرأسمالية المتقدمة من خلال الكشف عن الطرق التي يمكن أن يُشوه فيها التواصل من قبل السلطة، فإن نظريته الأخلاقية، أو أخلاق الخطاب، توضح المعايير التي يمكننا من خلالها التمييز بين المعايير الأخلاقية الباطلة والصالحة أو مبادئ العدالة. تسهل أخلاق الخطاب النقد الاجتماعي البنّاء من خلال توضيح معايير الشرعية، بينما تساعدنا النظرية الاجتماعية النقدية على تحقيق شروط تحقيق نظام اجتماعي مشروع.

سنقدم هنا في ماتبقى من الدراسة  مخطط عريض عن  مشروع هابرماس الشامل الذي سيساعدنا على فهم الجذور النظرية لأخلاق الخطاب كمقاربة للمنازعات حول العدالة. الهدف الرئيسي من مشروع هابرماس هو تقديم دفاع نقدي عن العقل والحداثة والتنوير.

الفلسفة وإعادة البناء العقلاني

يقبل هابرماس في نظريته الاجتماعية الكثير من النقد الذي قدمته النظرية التأويلي حول مزاعم الموضوعية غير المبررة للعلم الاجتماعي الوضعي. ومع ذلك، يهتم بتجنب النسبية الضمنية  للتأويلات الراديكالية في بناء إطار لنظرية نقدية.[8] فبينما يجب أن يُنظر الى دور المنظر الاجتماعي على أنه دور مؤول مشارك لا دور مراقب محايد، فإن الاستنتاج الذي مفاده أنه يجب علينا التخلي عن فكرة الموضوعية تمامًا غير مُلزم هنا بالضرورة. يمكننا التخلي عن صفة المراقب ومطالباتنا باستقلالية السياق بالتأكيد. ويمكننا أيضًا توسيع تحقيقاتنا واستفساراتنا إلى ما وراء ادعاءات الحقيقة المقترحة أو التي نفترضها لتشمل ادعاءات غير وصفية للصواب المعياري والتعبير الصادق عن الذات. ولكن لا يزال بإمكاننا استخلاص معايير موضوعية للنقد الاجتماعي من خلال رسم الافتراضات العقلانية الضمنية في جميع التأويلات الممكنة للأفعال والظواهر الاجتماعية وإعادة بنائها نظريًا.

الأمر المطروح هنا هو إمكانية توضيح شروط صلاحية التعبيرات والأفعال التي توجه بشكل بديهي جميع الفاعلين الاجتماعيين في تمييز الصالح من غير الصالح. إنها محاولة لإعطاء تفسير نظري للمعرفة البديهية التي نأخذها جميعًا كأمر مسلم به في التواصل اليومي. نظرًا لأن يُعتقد أن هذه المعرفة البديهية شاملة وعالمية، ولا تعتمد في وجودها على أي سياق معين، فمن الواضح أن هابرماس يرى ذلك وسيلة نظرية لتجاوز التأويلات. هذه هي الخطوة الأولى في توفير معايير العدالة التي يمكن أن تتجنب خطر التحيز.

ندرس هنا جهود هابرماس للحصول على الدعم لنظريته في الفعل التواصلي من خلال التحول إلى ما يسميه إعادة بناء البحث العلمي. تختلف الإجراءات العلمية لإعادة بناء البحث العلمي عن الإجراءات التحليلية التجريبية بأنها تحاول “إعادة بناء المعرفة الحدسية البديهية للمواضيع المؤهلة بشكل منهجي” بدلاً من السعي إلى “تطوير فرضيات أسمية حول مجالات الأحداث التي يمكن ملاحظتها”.[9] تهتم عملية إعادة البناء العقلانية للفعل التواصلي بالبنية العميقة لواقع العالم الاجتماعي المُنظم رمزياً.[10] وهي تسعى إلى تفسير المعرفة العملية قبل النظرية لكيف تتواصل  جميع الذوات المؤهلة للتواصل. البنية العميقة التي يعيد بناؤها هي وعي القاعدة الضمنية الذي تكمن وراء إمكانية أن تولد الذوات المؤهلة تعبيرات ذات معنى في سياق البنية الظاهرة للغة. لم يعد هدف الفهم بالنسبة للعالم أو إعادة البناء لمضمون التعبير الرمزي أو ما يعنيه مؤلفون معينون في حالات معينة، بل الوعي بالقاعدة البديهية التي يمتلكها المتحدث بلغته الخاصة.[11] ما يهدف اليه هذا النوع من التحليل هو الكشف عن المعايير العالمية المفترضة للعقلانية التي يمكن اعتبارها شروطًا لصحة تعبيرات ذات معنى.[12]

تتجاوز إعادة البناء العقلاني بهذه الطريقة مخاوف النهج التأويلي الذي يقتصر على محاولة فهم مضمون العبارات في سياق البنية الظاهرة أوالسطحية للغة. يهتم هابرماس، على النقيض من ذلك، بالدفاع عن نظرية تعبر فيها  المعرفة التي أعيد بناؤها عن قدرة عالمية أو “كفاءة النوع” البشري.[13] ، يأمل هابرماس أن تؤمن نظرية الفعل التواصلي في توضيح الشروط العامة لصحة التعبير الرمزي موطئاً نقدياً فيما يتعلق بالعبارات غير الصالحة.

تؤكد النظرية أن الإدلاء ببيان يمكن فهمه ينطوي بالضرورة على المشاركة في عمليات التواصل حيث يتبنى جميع المشاركين (المتحدثون والمستمعون والمراقبون) موقفًا أدائيًا. يتيح هذا الموقف،”توجهاً متبادلاً نحو ادعاءات  الصحة والمصداقية… المصممة من أجل التقييم النقدي بحيث يمكن أن يكون الأعتراف بين الذاتين لمطلب معين بمثابة أساس لتوافق أو اجماع بدوافع عقلانية”.[14] من المهم أن نلاحظ، قبل دراسة فكرة الفعل التواصلي بمزيد من التفصيل، أن هابرماس يرى إعادة البناء العقلاني كميزة رئيسية لدفاعه النقدي عن التنوير.

يرى هابرماس أنه يقع على الفلسفة في ضوء الانتقادات المعاصرة للابستيمولوجيا الأسسية مهمة أن تجد دوراً ووظيفة جديدةً لها.[15] ولتوضيح المعنى المقصود بألابستيمولوجيا الأسسية فيمكن القول عموماً إنها تيار العقلانية الفلسفية الذي يمتد ما بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر. وما هو مشترك بين هذا التيار هو تأكيد قدرة الانسان على كشف الحقيقة وبلوغ عمق الدلالة انطلاقاً من قدراته العقلية الذاتية ويكفي استحضار اليقظة الذهنية حتى يتم الكشف عن كل الدلالات النصية والوجودية والمعرفية. وهناك العديد من التيارات الفلسفية مثل التأويلية ومابعد البنيوية، بالإضافة إلى المقاربات الحديثة لتاريخ العلوم، التي تشارك في نقد الفلسفة الأسسية. ويعد الفيلسوف الأمريكي ريتشارد رورتي في كتابه “الفلسفة ومرآة الطبيعة”[16] واحد من أكثر الذين وجّهوا انتقادات قوية الى فكرة أن يكون هناك ثمة أساس نهائي لتبرير فلسفي لعقل مستقلٌ عن أحداث التاريخ والثقافة. فترفض اللاأسسية العقلانية المستقلة التي تميز أو تتصف فيها فلسفة الوعي كماهي ممثلة في ديكارت وكانط. فالذوات لاتشكل العالم ولكن بالأحرى أنها تتجسد داخل سياق عالم لغوي خاص.

يرفض هابرماس الأسسية أيضاً ومعها أي أمكانية لمفهوم العقل المجرد. ويقول في كتابه: الخطاب الفلسفي للحداثة “ليس هناك عقل مجرد يمكن أن يرتدي اللغة لاحقاً”.[17] وعلى كل حال فإن دفاع هابرماس عن مكانة العقل لايجعله يصل في نقده للأسسية الى حد تأييد اعتراض رورتي على المشروع الفلسفي برمته.

يرى هابرماس أنه يجب على الفلسفة أن تتقبل أنها لم تعد قادرة على لعب الدور الذي كان يأمل كانط أن تقوم به، وهو توضيح “أسس العلوم لمرة واحدة وإلى الأبد، وتحديد حدود ما يمكن وما لا يمكن تجربته”.[18] ويؤكد أيضاً على أن هذه المحاولة للفلسفة لإرشاد العلوم إلى مكانها الصحيح لم تعد مقبولة.[19] والشئ نفسه يمكن أن يقال عن دور الفلسفة بوصفها أحكاما على جميع المسائل الثقافية مثل التفريق بين مجالات قيم العلوم والأخلاق والفن، وكذلك مطالبتها الضمنية بإضفاء الشرعية على هذه المجالات داخل الحدود الخاصة بكل منها. فمثل هذه المهمة لايمكن للفلسفة أن تقوم بها أو تحققها. والسبب في ذلك هو أن هذه البنى العقلانية لا تحتاج إلى أساس أو تبرير في السياقات الحديثة، ولأنها هي مايميز الحداثة نفسها. فمهمة إعطاء تسويغ فلسفي لمجالات القيم المتمايزة والمختلفة هي بكل بساطة زائدة ولا حاجة لها.[20]

وعلى الرغم من أن الفلسفة لم يعد بإمكانها المطالبة بدور الفاتح لأبواب العلوم والحاكم عليها ولكن يمكنها أن تبقى تطالب بوظيفة الحارس للعقلانية.[21] وإذا كان لها أن تفعل ذلك، فعليها أن تقود مساراً بين تقليد الفلسفة الأسسية الذي لم موثوقاً فيه من جهة، وبين الهروب إلى ذلك النقد الشامل ضد العقلانية من جهة أخرى.[22] فيرى هابرماس أنه يمكن للفلسفة من أجل إعادة بناء العلوم أن تدخل في علاقة تعاونية مع مشاريع بحثية في العلوم الإنسانية من خلال لعب دور الممثل لنظريات العلوم التجريبية في المطالبات القوية بالصلاحية الشاملة.[23] وبعبارة أخرى، يمكن للفلسفة أن تقدم فرضيات إعادة بناءِ للعلوم الإنسانية تستخدم في البيئات التجريبية. وفي المقابل، قد يقدم البحث التجريبي تأكيداً غير مباشر لفرضية إعادة البناء هذه. أي يمكن للفلسفة أن تقدم فرضيات إعادة البناء التي تستخدم في الأطار التجريبي. وبالمقابل، قد يقدم البحث التجريبي تأكيدات غير مباشرة لإعادة بناء هذه الفرضيات. وسيتم استخدام الفرضيات في البحث التجريبي التي قد تسعى، على سبيل المثال، إلى شرح المعرفة البديهية للمواضيع المختصة، أيً “القواعد العالمية الشاملة المفترضة للتجربة العقلانية وللحكم، بالإضافة إلى التواصل اللغوي”.[24] فيقع عمل هابرماس الفلسفي في سياق هذا التعاون من أجل اعادة بناء العلوم الإنسانية.

يمكن للفلسفة أن تأخذ على عاتقها مهمة مساعدتنا في إيجاد توازن بين اللحظات المنفصلة من العقل في تواصل الحياة اليومية بعد أنها لم تعد قادرة على وضع نفسها كحاكم على مجالات وفضاءات قيم الثقافة. فيمكنها أن تكون الوسيط المفسّر بين مجالات العلم والأخلاق والفن، في وقت تُحترم فيه العقلانية الخاصة لكل مجال بحيث إنها لم تعد معزولة عن بعضها البعض. فرغم أن هذه المجالات متميزة عن بعضها من الناحية المفاهيمية لكنها تتداخل باستمرار. ولهذا السبب يرى هابرماس أن هناك ضرورة ملحة لنظرية عامة حول الفعل التواصلي يمكن أن تتعهد بمطالب الصحة والمشروعية  في كل من هذه المجالات، وتقوم في الوقت نفسه بدور المفسّر والمترجم نيابة عن عالم الحياة.[25]

يفهم هابرماس هذه الأدوار الجديدة للفلسفة بوصفها سمة لنموذج تحول من فلسفة الوعي إلى فلسفة الفهم البيذاتي المشترك. سعت فلسفة الوعي لتأمين أسسها في ذات وحيدة، معزولة، مستقلة بذاتها، منفصلة بعقلانيته، وغير مجزأة، ومستقلة عن كل طوارئ تاريخية واجتماعية.[26] وعلى الرغم من أن هذه الأسس قد انهارت، إلا أننا لا يجب أن نصل الى مرحلة الشلل الفلسفي والقبول بمواقعنا العرضية والطارئة في سياقات تاريخية وثقافية حقيقية. يمكننا أن نتفادى مثل هذا الشلل برفضنا النظر الى العقل بوصفه عقل محض أو مجرد غير متجسد، والنظر اليه كما هو متعين تاريخياً في الممارسة التواصلية في الحياة اليومية.

إن مهمة مشروع هابرماس الفلسفي هي التوضيح والتفسير، مع الوعي بقابلية الخطأ، والافتراضات البراغماتية للعقلانية في السير اليومي للوصول إلى التفاهم، والافتراضات المسبقة التي تسلم بأنها عالمية وشاملة طالما أنه لا يمكن تجنبها. وإنه يسعى لتأكيد فرضياته بالتعاون مع النظريات التجريبية في كفاءتها الشاملة. وفي اطار هذا المشروع لايكون ذلك الشلل الفلسفي ولا الابتهاج بنقد الفلسفة اللا أسسية هي الاستجابة المناسبة لأنهيار الأسس النهائية لفلسفة الوعي. لا تقف وظيفة الفلسفة بوصفها حارس للعقلانية ولكنها تحولت أيضاً الى لعب دور التأقلم مع الجوانب العقلانية ومع المصير التأريخي للعقل الذي تم كبحه مرات ومرات وأسئ استخدامه وتشويهه آيديولوجياً، وواصلت رفع صوتها بعناد ضد كل ما يحول دون فعل التواصل الناجح.

أن ما يمكن ماتدعيه النظرية الفلسفية، من منظور هابرماس، هو أنه يمكنها أن تقدم  نظرية اجتماعية نقدية وإعادة بناء الافتراضات العملية البرغماتية للمحاولات اليومية لاستخدام اللغة كوسيلة من وسائل تحقيق التفاهم المتبادل.[27]

تأخذ الفلسفة، من وجهة نظر هابرماس، دورًا متواضعًا. فكل ما يدعيه هو أن ما يمكن تقدمه  النظرية الفلسفية للنظرية االجتماعية النقدية هو، في أحسن الأحوال، إعادة بناء الافتراضات الواقعية للمحاولات اليومية لاستخدام اللغة كوسيلة. ويمكن لإعادة البناء هذه، من أجل وتحقيق التفاهم المتبادل أن تقدم أساسًا نظريًا يمكننا من خلاله صياغة مفهوم الحياد. هذا هو الطريق الذي يسلكه هابرماس للتغلب على مخاطر تأويل العدالة من خلال إرساء اختبار صارم عالميًا لمبادئ العدالة المتنافسة.

تنبثق خلاقيات الخطاب من تحول النموذج إلى فلسفة الفهم المشترك. وبهذه الطريقة تزودنا الفلسفة  بمفهوم حيادي  للنزاهة يشكل، أو هكذا سأجادل ، أفضل دليل متاح لنا في البحث عن معايير التبرير لمبادئ العدالة. إن نظرية إعادة البناء للفعل التواصلي هي المصدر النظري الذي يسمح لهابرماس بتقديم صيغة مقنعة. يقدم هابرماس من خلال استخلاص مفهومه للحيادية من نظرية اللغة ، أساسًا استراتيجيًا لمعاييره في التبرير المعياري. علينا الآن أن نفحص عن كثب بعض السمات الرئيسية لنظرية العمل التواصلي.

الفعل التواصلي والأستراتيجي

تعطينا نظرية الفعل التواصلي تفسيرا للمعرفة النظرية المسبقة والأمر الحدسي لـ “أنظمة القواعد التي تقوم من خلالها الذوات المتنافسة بتوليد وتقييم التعبيرات والأداء الصحيح”.[28] ما يميز مقاربة هابرماس عن تأويلات غادامير وفالزر، هو الادعاء بأنه عندما نسعى إلى التوصل إلى تفاهم ، يجب علينا أن نحتكم ضمنياً الى المعايير العالمية للعقلانية. لا يهتم بتفسير المعنى وشرحه فقط بل بالأحرى بقواعد استخدام اللغة المعروفة بدهيا أو حدسيا من قبل جميع االأشخاص أو الذوات المؤهلة للتواصل. ينتج تعين الشروط  العامة الشاملة للصلاحية التي هي هدف عملية إعادة البناء العقلاني معرفة نظرية للبنى العامة للتواصل الذي يتجاوز الأفق المحدد لتقليد معين.

أثيرت مطالبات  تتعلق بصحة  وشرعية الفعل التواصلي، التي يمكن انتقادها من حيث المبدأ. هفناك، حسب هابرماس، ثلاثة ادعاءات صحة منفصلة تتوافق مع ثلاثة علاقات مختلفة مع العالم؛ الادعاء بالحقيقة ويتعلق بحالة موجودة في العالم الموضوعي، الادعاء بالحق المعياري ويتعلق بتنظيم العلاقات بين الأشخاص في العالم الاجتماعي؛ أدعاء بالمصداقية التي تتصل  بتجربة المتكلم الحية في العالم الذاتي .[29] وبالتالي يمكن نقد  كل فعل من الكلام من ثلاث وجهات نظر مختلفة، على الرغم من أن “واحدة فقط من ادعاءات الصلاحية الثلاثة يمكن التأكيد عليها بشكل موضوعي في أي فعل كلامي ( كخطاب) محدد وجليً.”[30]

ما يميز الفعل التواصلي هو الموقف الأدائي- الأنجازي الذي يتم تبنيه في أي محاولة للتوصل إلى تفاهم مع شخص آخر حول شيء ما في العالم. يمكن تحليل السمات البرغماتية والواقعية لهذا الموقف من حيث أفعال الكلام، فقد يقول أحد المشاركين شيئًا يسجيب له المشارك الآخر بنعم أو لا. هذا هو أبسط شكل من أشكال الفعل التواصلي ولكن لا يقتصر هذا الموقف على أفعال الكلام فيمكنه وصف العديد من أشكال الأفعال غير اللفظية في الممارسة التواصلية اليومية أيضًا.[31] أيً الفعل الذي لا يمكن إعطاؤه صيغة لفظية، مثل بعض الإيماءات التي قد يستخدمها الخطيب للتأكيد على نقطة معينة. إذا أردنا تحليل ما ينطوي عليه ذاتان أو أكثر للوصول إلى تفاهم متبادل، فيجب الرجوع إلى نموذج الكلام. لذلك يعيد هابرماس بناء الافتراضات المسبقة وفق القواعد الذرائعية- البرغماتية للفعل التواصلي من خلال تحليل أفعال الكلام.

لا يمكن تجنب بعض الافتراضات المسبقة الضرورية التي تنطوي عليها أفعال الكلام لدينا عندما ننخرط في الفعل التواصلي. إذا كان موقفي، في التواصل معك، موجهًا للوصول إلى تفاهم حول شيء ما فقط، فعندئذ يجب أن أفترض مسبقًا أنك ستكون متحمسًا لقبول ادعاءات الصدق والصلاحية التي أثيرها من خلال قوة فرض العقل. وبعبارة أخرى، أفترض مسبقًا أن الفهم الذي نسعى إليه سيكون بدافع عقًلاني. يمكن أن يتناقض ذلك مع مجرد اتفاق بحكم الواقع حيث يجب أن يقبل المشاركون أو يفترضوا مسبقًا أي اتفاق يتم التوصل إليه بطريقة تكون تواصلية وليس بالفرض.[32]

من الواضح لا يدعي هابرماس أن جميع التفاعلات التي تتم بوساطة اللغة هي فعل تواصلي. أنه يهتم بالتمييز بين الفعل التواصلي وما يدعوة الفعل الاستراتيجي.[33] وهو يمثل نوعين من التفاعل يمكن استخدامه في تنسيق خطط الفعل. من الصحيح بالطبع أننا ننخرط في كثير من الأحيان في الفعل الاجتماعي بموقف غير موجه للوصول إلى التفاهم بل بالأحرى بموقف موجه نحو العواقب، لنجاح أهدافنا الخاصة. بالنسبة لهابرماس، تشكل الأخيرة فعلاً استراتيجيًا. ينطوي الفعل الاستراتيجي بوساطة لغوية على استخدام أعمال الكلام لإثراء زملائنا المشاركين ونحن نسعى لتحقيق النجاح في أهدافنا الفردية.

وتجدر الإشارة إلى أن الفعل التواصلي غالبا ما يعمل على ربط خطط الفعل الآلية الغائية للأفراد المشاركين. ومع ذلك، فإن السمة المميزة للفعل التواصلي، كشكل من أشكال تنسيق التفاعل، لا يمكن اختزاله إلى فعل غائي لا يمكن تحليله إلا بالرجوع إلى نوايا وأهداف الفرد الفاعل. بالطبع، إن الفعل الموجه للوصول إلى التفاهم له هدف، ولكن سيكون من الخطأ الاعتقاد بأن هذا يعني يجب أن ينهارالتمييز بين نموذجي الفعل بالضرورة. وذلك لأن “وسيط اللغة وغايات التواصل الوصول  للوصول إلى فهم النتاصل فيهما يشكلان بعضهما البعض بشكل متبادل. ليست العلاقة بينهما علاقة الوسائل بالغايات.”[34] بينما يهدف الفعل الاستراتيجي إلى التدخل سببيًا في العالم ، فإن أهداف الفعل التواصلي تقع على مستوى مختلف. هذا المستوى هو عالم الحياة الُمشكًل لغوياً.

إن إهداف  الوصول إلى الفهم، المتأصل في البنى اللغوية، تجبر الفاعلين التواصليين على تغيير منظورهم؛ و يجد هذاالتعبير في ضرورة الانتقال من موقف الفعل الموجه نحو النجاح، والذي يسعى إلى التأثير على شيء ما في العالم، إلى الموقف الذي يسعى للتوصل إلى تفاهم مع شخص آخر حول شيء ما.[35]

إن الاتفاق الذي يتم  التوصل اليه بشكل تواصلي يسير دائمًا بشكل تعاوني “في إطار اللغة  التي تكشف عن العالم نفسه ” ولاتكون “تحت تصرف طرف فردي للتفاعل.”[36] تتشابك غاية الفعل التواصلي بشكل كبير مع شكل الحياة المشتركة مما يجعل كل التفاعل بوساطة لغوية ممكنًا بحيث لا يمكن التعامل معه على أنه غاية محتملة بل بالأحرى غاية لا يمكن تجاوزها.[37] لذلك يجب تحليل الفعل التواصلي بشكل مستقل عن نوايا وأهداف  الأفراد الفاعلين. وبما أنه أفعال الكلام لدينا في الفعل التواصلي موجهة للوصول الى التفاهم، فيجب أن يكون من الممكن توضيح بنية التواصل اللغوي بدون الرجوع الى بنى النشاط الهادف”.[38] 39 هذه هي السمة المركزية للتحول من نموذج  فلسفة الوعي إلى فلسفة التفاهم بين الذوات أو فلسفة الفهم المشترك بالنسبة لهابرماس. أنه يأمل في محاولة اشتقاق الافتراضات البراغماتية ( الذرائعية) العامة للفعل التواصلي من بنى  عمليات الوصول إلى التفاهم، تقديم تفسير نظري لإعادة بناء  للمعرفة التمهيدية للمتحدثين الأكفاء، الذين يمكنهم تمييز المواقف التي يمارسون فيها تأثيرًا على الآخرين من تلك التي  يتوقون فيها  إلى التفاهم مع هؤلاء الآخرين، ويعرفون متى تفشل محاولاتهم.[39]

هناك العديد من القضايا المهمة التي يجب معالجتها في أي اعتبار جاد لمفهوم الفعل التواصلي، إلا أنها ستأخذنا بعيدًا جدًا عن موضع التركيز الرئيسي لهذه الدراسة.[40] نحتاج لأغراضنا  دراستنا، معالجة سؤال واحد فقط يتعلق مباشرة بتبرير أخلاق الخطاب كاختبار محايد لمبادئ العدالة.

إنتاج عالم الحياة والنظرية الاجتماعية النقدية

يمثل مصدرعالم الحياة “مخزونًا من الأنماط التفسيرية المنقولة ثقافياً والمنظمة لغوياً”.[41] 55 هذا المخزون من الأنماط التفسيرية هو الأفق الذي يتحرك فيه الفاعلون التواصليون دائمًا.  إنه يمثل الافتراضات الخلفية المسلمة بها التي تشكل سياقات جميع عمليات الوصول إلى التفاهم. يساعد مفهوم عالم الحياة ، باعتباره المعرفة الخلفية المشتركة للمشاركين في الممارسات اليومية للتواصل على توضيح كيف يمكن ان يحصل  التفاعل الناجح. يعتمد المشاركون، في كل عمل من أعمال التواصل، على مصادر شكل من أشكال الحياة المعروفة سابقًا والتي لا يتحكمون فيه. يجدون أنفسهم دائمًا في أفق تفسيري مشترك ويُعتبر هذا أمرًا مسلمًا به. وبالتالي يتم تحقيق النجاح التفاعلي بشكل مستقل وبمعنى مؤهل.[42]

تقوم عمليات الوصول إلى التفاهم، بدورها في الحفاظ على  البنى الرمزية لعالم الحياة وتعيد تشكيلها ايضاً. فليس مصدرعالم الحياة موجه من خلال” الفعل التواصلي فقط ولكنه “محمل” بالإنجازات التفسيرية الفاعلين.[43]. وكما يقول هابرماس، “تتغذى شبكة الإجراءات التواصلية من مصادر عالم الحياة ، وهي في الوقت نفسه  الوسيط أوالوسيلة  التي يتم من خلالها إعادة أنتاج  الأشكال الملموسة للحياة.”[44] وبالتالي فإن مفاهيم الفعل التواصلي وعالم الحياة متكاملان. يكمل هابرماس تحليله للفعل الموجه نحو الوصول إلى التفاهم بتحليله لعالم الحياة. يقف المشاركون، في الفعل التواصلي، في تقليد ثقافي يستخدمونه ويجددونه في نفس الوقت. ويتم أعادة أنتاج  البنى الرمزية لعالم الحياة من خلال ممارسات الفعل التواصلي.

يقوم الفعل التواصلي، في ظل الجانب الوظيفي من التفاهم المتبادل، بنقل وتجديد المعرفة الثقافية؛ ويخدم في إطار الفعل التنسيقي،التكامل الاجتماعي وإرساء التضامن؛ وأخيرًا، يخدم ،في إطار التنشئة الاجتماعية، تكوين الهويات الشخصية.[45] فتشكل عمليات اعادة الانتاج الثقافي والتكامل الاجتماعي والتنشئة الاجتماعية إعادة إنتاج البنى الرمزية لعالم الحياة والفعل التواصلي هو الوسيلة التي يتم من خلالها اعادة الانتاج او التوليد هذه.

توفر هذه العلاقة ذات الاتجاهين بين عالم الحياة والفعل التواصلي لهابرماس الأساس لتبرير خيار بديل من أجل أولوية الفعل التواصلي. لقد طور هذه الحجة ردا على الادعاء بأنه قد يكون من الممكن تجنب الموقف الأدائي الموجه للوصول إلى التفاهم تمامًا من خلال تبني الموقف الهادف الفاعل الاستراتيجي.[46] يدعي هابرماس أن هذا سيتطلب فك ارتباط الفرد عن عالم الحياة.[47] وكما رأينا، لا يمكن توليد أو إعادة أنتاج عالم الحياة إلا من خلال وسيلة الفعل التواصلي وليس بما يتفق مع النشاط الهادف العقلاني لأفراد معزولين. يمكن أن يشكل الفرد هويته الشخصية فقط في سياق شبكة من الاعتراف المتبادل والتفاهم بين الذوات التي يوفرها عالم الحياة.[48]

بقدر ما تعتمد الهوية الشخصية للفاعل على بنى عالم الحياة، فإن خيار الفعل الاستراتيجي الملائم متاح فقط بشكل مجرد في الحالات الفردية، و ليس كفك ارتباط طويل الأمد عن سياقات الفعل التواصلي. يؤكد هابرماس أن اختيار الانسحاب على المدى الطويل من سياقات الفعل الموجه للوصول إلى التفاهم، وبالتالي من مجالات الحياة المنظمة بطريقة تواصلية، يعني التراجع إلى العزلة الأحادية للفعل الاستراتيجي؛ وهذا على المدى الطويل مدمر للذات.[49]

يفترض الفعل الاستراتيجي هوية لذات يعتمد تكوينها على البنى الرمزية لعالم الحياة. وبالتالي لا يوجد بديل للفعل التواصلي من منظور عالم الحياة الذي ينتمي إليه الفرد والذي تعتمد عليه هويته. هناك ثمن باهظ يدفعه الفرد على المدى الطويل لانسحابه من هذا السياق سواء كان بالعزلة الذاتية المدمرة للفاعل الاستراتيجي القهري أو بالفصام أو الانتحار.[50] يوضح هذا المفهوم لعالم الحياة كيف أن الادعاء بأن الفعل التواصلي قبل الفعل الاستراتيجي مرتبط مباشرة بنموذج التحول من فلسفة الوعي إلى فلسفة التفاهم المشترك بين الذوات.

ولكن لا يزال من غير الواضح كيف ترتبط أولوية الفعل التواصلي بمجال السياسة. في حين أننا قد نقبل، على سبيل المثال، بما أن هويتنا الشخصية تعتمد على البنى الرمزية لعالم الحياة ويتم إعادة أنتاجها بطريقة تواصلية بالضرورة، فإن الفعل التواصلي له أولوية في مجال العلاقات الحميمة بالتأكيد، ولكن ماذا عن المسائل السياسة والإجتماعية؟ لماذا لا يكون الفعل الاستراتيجي وسيلة كافية او مناسبة لتنسيق الفعل في هذه المجالات السياسية والإجتماعية؟

لقد رأينا بالفعل أن إعادة إنتاج عالم الحياة لا يتألف فقط من التنشئة الاجتماعية للأفراد ولكن من خلال نقل وتجديد المعرفة الثقافية وعمليات الاندماج الاجتماعي وإرساء أشكال التضامن أيضًا. إن أعتماد تنظيم الفعل من خلال المؤسسات الاجتماعية والسياسية على عالم الحياة، ليس أقل من اعتماد التنشئة الاجتماعية للفرد  عالم الحياة. فبينما يلعب الفعل الاستراتيجي دورًا مهمًا في الحياة السياسية والاجتماعية، فيجب  أن تلعب مؤسساتنا السياسية والاجتماعية دورًا في خدمة الاندماج الاجتماعي وتكوين التضامن أيضًا. إلى هذا الحد لا يمكن فصل هذه المؤسسات عن مجالات الفعل المنظمة بطريقة تواصلية. إذا كانت ستبقى البنى  الرمزية لعالم الحياة على قيد الحياة من آثار تفتيت الفعل الاستراتيجي المنتشر وعقلانيته الأداتية، فيجب أن تكون الأولوية للفعل  التواصلي في عالم السياسة أيضًا.[51]

يبدو واضحاً الآن كيف يمكن اعتبار نظرية هابرماس للفعل التواصلي إعادة صياغة للنظرية الاجتماعية النقدية. ويكون الغرض منه تسهيل كل من التفسير والتقييم النقدي للأنماط المؤسسية للمجتمعات الرأسمالية المتأخرة. إن ما يشكل أكبر تهديد للبنى التواصلية للعالم الحياتي ليس الفعل الاستراتيجي في حد ذاته، بل العقل الوظيفي  المعززللنظم الاجتماعية. يصبح الانتاج المادي لعالم الحياة في المجتمعات الحديثة المعقدة، منظمًا بشكل ممنهج من خلال تطوير الأسواق الاقتصادية والبيروقراطية الحكومية. لقد توغلت هذه الأنظمة ووسائط توجيهها غير اللغوية والمال والسلطة المناظرة لها في مجالات إعادة الأنتاج  الرمزي لعالم الحياة. فقد قمع العقل الوظيفي في شكل آليات نظامية العقل التواصلي في شكل تكامل اجتماعي.[52]

لقد كان من آثار عملية الترشيد العقلاني الأحادية الجانب هذه تعزيز هدف الفعل الاستراتيجي العقلاني وموقفه التشيؤي في مجالات الحياة الاجتماعية بحيث لا يمكن لهذا النوع من التفاعل أن يؤدي المهمة المطلوبة منه، وهي مهمة اعادة انتاج  عالم الحياة.[53] يأمل هابرماس من خلال نظريته في الفعل التواصلي في تفسير “لماذا لا يمكن أن تتماسك المجتمعات الحديثة  معاً بشكل حصري أو حتى من خلال المال والسلطة”.[54]  ولنضعه بطريقة مختلفة قليلاً ، يظهر أن “المال والسلطة لا يستطيعان شراء التضامن والمعنى ولا فرضهما”.[55]ويشكل قمع العمل التواصلي أزمة، أو مرضا لعالم الحياة، أزمة يمكن تشخيصها حيث استعمار  عالم الحياة بواسطة الأنظمة.[56]

تعيد فرضية الاستعمار عند هابرماس صياغة مفهوم التشيؤ. وتهتم نظريته الاجتماعية النقدية بالتعبير عن الشروط اللازمة لمجتمع عقلاني تواصلي. ويشير إلى أننا بحاجة إلى استعادة  الفضاء العمومي لسياستنا التي استعمرتها الضرورات النظامية.[57] تشكل أولوية الفعل التواصلي أساسًا لنظرية اجتماعية نقدية وتقدم لنا دليلًا معياريًا للاحتجاج السياسي ومقاومة هيمنة التكوين الحالي للسلطة. لقد جعل هابرماس الجوانب المعيارية لهذه النظرية  جليًة واضحة من خلال تبرير أخلاق الخطاب.

لقد رأينا كيف ترتبط حجة أولوية الفعل التواصلي بمهمة إعادة البناء العقلاني، ومفهوم عالم الحياة وصياغة نظرية اجتماعية نقدية . هذه هي السمات الرئيسية للتحول في النموذج الذي يدعي هابرماس أن عمله يمثله، من فلسفة الوعي إلى فلسفة الفهم المشترك. يعطي مفهوم هابرماس للنزاهة أساسًا شاملًا للهدف في تحليله للعمليات اليومية  للوصول إلى التفاهم المتبادل من خلال الفعل التواصلي. وهذا يعني أنه لا يتعين عليه تقييد موضوع العدالة قبل إجراء تقييم عام للمبادئ المتنافسة. علاوة على ذلك، نظرًا لأن تحليل الفعل التواصلي يتم تقديمه على أنه إعادة بناء عقلانية للقدرات العالمية، فإن تفسيره لأخلاقيات الخطاب يمكن أن يتجاوز حدود التأويل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] مثل كتاب ” المعرفة والمصلحة” محاولة هابرماس الأولى لإعادة صياغة منهجية لنظرية نقدية. يبحث بلغ المشروع ذروته مع  كتاب من مجلدين ” نظرية العمل التواصلي 1984″ ثم ” الخطاب الفلسفي للحداثة 1987). أثار هابرماس في عمله منذ ذلك الحين تفسيراً في شرح أخلاقيات الخطاب ، والتي يمكن اعتبارها روايةً للعدالة تستند إلى فهمه النقدي للحداثة. في الآونة الأخيرة ، كان يحلم بآثار نظرية الخطاب على فهم القانون والمبادئ الدستورية لدولة ديمقراطية. سوف أركز على أخلاقيات الخطاب كمفهوم حواري لوجهة نظر محايدة. تبقى أفضل مقدمة عن فلسفة هابرماس هي لمكارثي:

McCarthy, Thomas. The Critical Theory of Jurgen Habermas.  Cambridge: Polity Press, 1984.

[2] أنظر على سبيل المثال:

Habermas, Jurgen. Moral Consciousness and Communicative Action. Cambridge: Polity Press, 1990.

[3] انظر تعليقاته النقدية فيما يتعلق بمحاولة راولز لتبرير مبدأيه في:

Habermas, Jurgen , Autonomy and Solidarity: Interviews with Jurgen Habermas, rev. ed., ed. Peter Dews. London: Verso, 1992.

[4] حول هذا التحول النموذجي أنظر:

Habermas, Jurgen. The Philosophical Discourse of Modernity. Cambridge: Polity Press,1987.

[5] Cooke, Maeve. “Habermas, Autonomy and the Identity of the Self.” Philosophy and Social Criticism 18 (1992): 269-92.

[6] Habermas, Jurgen. Autonomy and Solidarity: Interviews with Jurgen Habermas, rev. ed., ed. Peter Dews. London: Verso, 1992.

[7] Bernstein, Richard J. (ed.), Habermas and Modernity. Cambridge: Polity Press,

  1. 1-3.

[8] أنظر : غادامير، هانز جورج،  الحقيقة والمنهج، ، ترجمة د. حسن ناظم وهلي حاكم دار اويا، بيروت، 2007.

وأنظر، ريتشارد رورتي، الفلسفة ومرىة الطبيعة ، ترجمة ،د. حيدر اسماعيل الحاج، المنظمة العربية للترجمة ن بيروت،2009.

[9] Habermas, Jurgen. Communication and the Evolution of Society. London: Heinemann, 1979.15-20.

[10] Kenneth, Baynes, Reationak Reconstruction and social Criticisim: Habermas’s Model of Interpretative Social Science in, Kelly, Michael (ed.). Hermeneutics’ and Critical Theory in Ethics and Politics. Cambridge, Mass.: MIT Press, 1990. 122-45.

[11] Habermas Jurgen, what is universal pragmatics?”  (1979). 12.

[12] Habermas. , Jurgen.  A Reply to My Critics.” In John B. Thompson and David Held (eds.), Habermas: Critical Debates, 219-83.234.

[13] Habermas Jurgen, what is universal pragmatics?”  (1979).14

[14] Habermas, Jurgen. Interpretive Social Science vs. Hermeneuticism.” In Norma Haan et al. (eds.), Social Science as Moral Inquiry, 251-69.

[15] Habermas, Jürgen, Philosophical Discourse of Modernity,233.

[16]Rorty, Richard. Philosophy and the Mirror of Nature. Princeton: Princeton University Press, 1979.

[17] Habermas, Jurgen. Autonomy and Solidarity: Interviews with Jurgen Habermas, 129-93.

[18] Habermas, Jurgen. Moral Consciousness and Communicative Action. 2.

[19]  Habermas, Jurgen.Autonomy and Solidarity

[20] Habermas, Jurgen. Moral Consciousness and Communicative Action.17.

[21] م، ن ، 3 .

[22] أنظر:

Habermas, Jürgen, Philosophical Discourse of Modernity.

[23] Habermas, Jurgen. Post metaphysical Thinking:  Philosophical Essays.  Cambridge:  Polity Press, 1992.38.

[24] Habermas, Jurgen. Post metaphysical Thinking: Philosophical Essays.38.

[25]  Habermas, Jurgen. Moral Consciousness and Communicative Action.19.

[26] Habermas, Jurgen. . Theory and Practice. London: Heinemann, 1974.142-69.

[27] Bernstein, Richard J. (ed.), Habermas and Modernity,1985.197.

[28] Habermas, Jurgen. Interpretive Social Science vs. Hermeneuticism.” 260.

[29]

Honneth, Axel, and Hans Joas (eds.). Communicative Action: Essays on Jurgen Habermas’s “The Theory of Communicative Action.” Cambridge: Polity Press, 1991.36-48.

[30] Habermas, Jurgen. Post metaphysical Thinking:  Philosophical Essays.77.

[31] Habermas, Jurgen. “A Reply.”  In Axel Honneth and Hans Joas (eds.), Communicative Action, 214-64.

Habermas, Jurgen. The Theory of Communicative Action. Volume 1: Reason and the Rationalization of Society. Cambridge: Polity Press, 1984.287-88.

[32] Habermas, Jurgen. The Theory of Communicative Action. Volume 1: Reason and the Rationalization of Society.287

[33] Habermas, Jurgen, “A Reply.”  In Axel Honneth and Hans Joas (eds.), Communicative Action, 214-64.

[34] Habermas, Jurgen,– . “A Reply.”  241>

[35] Habermas, Jurgen. Post metaphysical Thinking:  Philosophical Essays. 81.

[36] Habermas, Jurgen”, Remarks on the Discussion.”‘ Theory. Culture and Society 7 (1990): 127-32.131.

[37] Habermas, Jurgen. Moral Consciousness and Communicative Action.94-95.

[38] Habermas, Jurgen. The Theory of Communicative Action. Volume 1:293.

[39] Habermas, Jurgen.. The Theory of Communicative Action. Volume 1:286.

[40] أنظر على سبيل المثال:

Honneth, Axel, and Hans Joas (eds.). Communicative Action: Essays on Jurgen Habermas’s “The Theory of Communicative Action.”

[41] Habermas, Jurgen. The Theory of Communicative Action. Volume 2:124.

[42] Habermas, Jurgen. The Theory of Communicative Action. Volume 2:13035.

[43] Habermas, Jurgen. The Theory of Communicative Action. Volume 2:135.

[44] Habermas, Jurgen. The Philosophical Discourse of Modernity. 361.

[45] Habermas, Jurgen. The Theory of Communicative Action. Volume 2:124.

[46] Thompson, John B., and David Held (eds.). Habermas: Critical Debates. London: Macmillan, 1982.21-41.

[47] Habermas, Jurgen. The Theory of Communicative Action. Volume 2:96-106.

[48] Habermas, Jurgen. Moral Consciousness and Communicative Action. 199.

[49] Habermas: Are play to my critics in Thompson, John B., and David Held (eds.). Habermas: Critical Debates.227.

[50]Habermas, Jurgen.Moral Consciousness and Communicative Action. 101-2.

[51] Smith, Tony. The Role of Ethics in Social Theory: Essays from a Habermasian Perspective. Albany: State University of New York Press, 1991.109-92.

[52] Misgeld, Dieter. “Critical Hermeneutics versus Neoparsonianism?” New Ger­man Critique 35 (1985): 55- 82.

Rasmussen, David. Reading Habermas.Cambridge, Mass.: Basil Blackwell, 1990.37-55.

[53] Habermas, Jurgen. “The New Obscurity: The Crisis of the Welfare State and the Exhaus­tion of Utopian Energies.” Philosophy and Social Criticism  11  (1986): 1-18.

[54] Habermas, Jurgen. Autonomy and Solidarity: Interviews with Jurgen  Habermas,227.

[55] Habermas, Jurgen. The Philosophical Discourse of Modernity. 363.

[56] Bohman, James F. “Formal Pragmatics and Social Criticism: The Philosophy of Language and the Critique of Ideology in Habermas’s Theory of Commu­ nicative Action.” Philosophy and Social Criticism 11 (1985): 331-53.

[57] Landes, Joan B. “The Public and Private Sphere: A Feminist Reconsideration.” In Johanna Meehan (ed.), Feminists Read Habennas: Gendering the Subject of Discourse, 91-116.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق