fbpx
الدراسات البحثيةالمتخصصة

الخيارات الاستراتيجية للسياسة الخارجية العراقية اتجاه تعدي تركيا على الاراضي العراقية

اعداد  : امل الفليحاوي            – اشراف : د. محمد الغريفي الموسوي

  • المركز الديمقراطي العربي

 

المقدمة:

تبرز أهمية الموضوع قيد الدراسة والبحث من ان تفعيل الاطار السياسي الخارجي لحركة الدولة لتحديد اهدافها يجري في ضوء تصوراتها الاستراتيجية انسجاماً مع امكاناتها الداخلية وانعكاساً للمؤثرات الاقليمية والدولية.

ومن هنا فأن الاستراتيجية التركية أكدت سعيها ومنذ وقت مبكر باستغلال المتغيرات الاقليمية والدولية  لما بعد 2003 لتحقيق مصالحها الاستراتيجية بصورة أو بأخرى ، وفي مختلف الظروف وبشتى الوسائل ضمن ترتيب عناصر القوة والنفوذ حيال منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا بشكل عام والعراق بوجه خاص ، بعد ان اصبحت هذه المنطقة ( الشرق الاوسط ) بفعل المتغيرات الاقليمية والدولية  مسرحاً للصراع والتنافس الاقليمي و الدولي شغلت فيها تركيا موقعاً مهماً ضمن الاستراتيجيات الدولية لهذه القوى كما ان اهمية الموضوع تبقى تحظى بالحيوية لمساسها بالأمن الوطني العراقي وتأثيرها المباشر عليه .

اهداف البحث :

إن العلاقات بين الفاعلين الاقليميين والدوليين المتمثلة في الدولة المستقلة تحكمه عوامل ومتغيرات متعددة، وتختلف فاعلية متغير عن متغير آخر من فترة لآخري، وذلك بناء على مدى اهتمام هذه الدول بها، عليه فإن العلاقات التركية العراقية كبلدين جارين لهما حدود مشتركة، قد مرت بمد وجزر عبر التاريخ، وتأثيرات تلك العلاقة بعوامل مختلفة منها العوامل التاريخية والجغرافية والديموغرافية المتمثلة في الأثنية والدينية والمذهبية، ومنها أيضا عوامل موضوعية خارج إرادة البلدين مثل التوازنات الدولية والنظام الإقليمي                   ووجود مصالح القومي الدولية العظمى في المنطقة وتأثيرها على نمط العلاقة بين البلدين  وأن الموقع الجيو استراتيجي للعراق كان ولا يزال  بتأثيره يشكل حجر الزاوية                 في مجال العلاقات الاقليمية والدولية وان هدف الدراسة تنطلق من التركيز                     على حقيقة موضوعية مفادها  ان الخيارات الاستراتيجية للسياسة الخارجية العراقية اتجاه تعدي تركيا على الاراضي العراقية  “تتأثر بالبيئة الداخلية لتركيبة النظام السياسي العراقي بعد العام 2003 والمتغيرات الاقليمية والدولية المؤثرة فيها”.

اشكالية البحث :

تنطلق اشكالية بحثنا من الاتي :

اولا : تحكم العلاقات التركية-العراقية بعد العام 2003 مجموعة محددات منها

الحيلولة دون انفصال شمال العراق وتكوين دولة كردية مستقلة ، وعدم المساس بالأقلية التركمانية في شمال العراق ، ومحاربة حرب العمال الكردستاني ، والحيلولة دون سيطرة أكراد العراق في مدينة كركوك النفطية .

ثانيا : بعد الاحتلال الامريكي للعراق نيسان 2003  اتخذت تركيا تدابير شكلت نقطة تحول في الاستراتيجية التركية إزاء العراق في مجال التعاون العسكري والتسليحي بين تركيا والولايات المتحدة الامريكية والذي جعلها تقوم بدور فاعل لحماية المصالح الامريكية        وتهديد أمن العراق والتدخل في شؤونه الداخلية .

وبخاصة ان العراق يمتلك الخزين النفطي الهائل في الحاضر والمستقبل بحيث شكل عامل جذب للاهتمامات الاقليمية والدولية في المراحل التاريخية المختلفة ولحد الان وقد تستمر حتى في المستقبل

فرضية البحث :

تنطلق فرضية بحثنا من حقيقة مفادها :

اولا :  شكل اختلال توازن القوى بين العراق وتركيا بعد العام 2003                                 فرصة لتركيا للبحث عن دور يمكن ان تؤديه في ظل هذه المتغيرات الاقليمية                               مما جعل تركيا تتخلى عن كثير من ثوابت سياستها الخارجية التي وضعت منذ تأسيس الجمهورية سنة 1923 . واصبحت متورطة في شمال العراق وفي هذا انتهاك                           لاحد مبادئ سياستها الخارجية والتي تسير الى ((عدم التدخل في السياسة الداخلية للدول))       وقد ظهر ذلك واضحاً في سلسلة الاختراقات والضغوط التركية على العراق                              والتي تمثلت بعمليات الغزو العسكري المستمر لشمال العراق بحجة تعقب عناصر حزب العمال الكردستاني التركي وتدمير قواعده مستغلة غياب السلطة الاتحادية المركزية ببغداد

ثانيا :  ادراك تركيا لتصاعد الاهمية المستقبلية لموقع العراق الجيواستراتيجي  والاقتصادي في خارطة التنافس الاقليمي و الدولي

منهجية البحث :

تم الاعتماد في هذه الدراسة على أكثر من منهج لغرض الوصول إلى النتائج،

فلقد اعتمدنا على المنهج التاريخي لان معرفة وفهـم الماضي سوف تساعدنا في  تحليل الحاضر  وفي بقية المحاور اعتمدنا المنهج الوصفي, فضلا عن استخدام المنهج الاستشراف الاحتمالي المشروط لوضع تصور احتمالي لمستقبل العلاقات العراقية التركية .

المحور الاول :

اسباب الاجتياحات التركية للاراضي العراقية في شمال العراق

يبدو أن الحكومة التركية أدركت عقم سياساتها الخارجية ونجاح خصومها على الساحتين السورية والعراقية، كما أنها بدأت تشعر بتفاقم الخطر المحدق باستراتيجيتها الإقليمية بعد عجزها عن احتواء المعارضين الأكراد فبدأت تقلب صفحات الماضي وتستفز حكومة بغداد عبر إقامة قواعد عسكرية في عمق الأراضي العراقية.

في أواخر عام 2015 م توغلت القوات التركية في شمال العراق واستقرت بمنطقة بعشيقة التابعة لمحافظة نينوى الأمر الذي أثار ضجة إعلامية عالمياً وإقليمياً وسخطاً شعبياً في الشارع العراقي، حيث كان النواة الأولى لهذه القوات مؤلفة من 150 جندياً مدعومين بـ 25 من الدبابات والعجلات المدرعة إضافة إلى كاسحات ألغام.

الحكومة العراقية آنذاك رفضت هذا التدخل السافر ورئيس الوزراء حيدر العبادي طالب أنقرة بسحب قواتها فوراً وكذب مزاعم حكومة أردوغان بكون هذه القوات دخلت الأراضي العراقية بطلب من الحكومة العراقية حيث أصدر بياناً أكد فيه على أن حكومته وحتى حكومة نوري المالكي لم تطلب ذلك مطلقاً معتبراً أن تواجد هذه القوات يتعارض مع سيادة بلده.

وزارة الخارجية العراقية من جانبها أصدرت بياناً شجبت فيه هذا التدخل غير المبرر والذي ينقض السيادة العراقية وأكدت كذلك على أن حكومة بغداد تكذب مزاعم أنقرة في طلب استقدام قوات تركية إلى الأراضي العراقية.

وبعد هذا التوغل المفاجئ أعلن أحد المسؤولين الأتراك أن المئات من القوات التركية دخلت في المناطق المحاذية لمدينة الموصل بغية تدريب بعض الميليشيات العراقية مؤكداً على أن البلدان الأعضاء في التحالف ضد داعش على علم بهذه الخطوة.

وأما وكالة أنباء رويترز في ذكرت تصريحاً لاثنين من المسؤولين الأمريكان أكدا على أن الحكومة الأمريكية كانت علم بتوغل القوات التركية في الأراضي العراقية معتبرين هذه الخطوة بأنها تندرج ضمن العلميات والإجراءات التي يتخذها التحالف الذي تقوده واشنطن.

  • التوغل العسكري: اعتراض عراقي ورد تركي

بعد تزايد الاعتراضات على خطوة أنقرة في التعدي على سيادة العراق، وافق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على سحب بعض هذه القوات، ولكن بعد مدة خرجت هذه الحركة غير المبررة عن دائرة الضوء إثر تلك الأحداث المحتدمة والمتمثلة بانهماك القوات العراقية والسورية في محاربة تنظيم داعش الإرهابي وخوض معارك مصيرية أدت إلى كسر شوكة هذا التنظيم الإرهابي وسحب البساط من تحت قدميه في الكثير من المناطق الاستراتيجية في هذين البلدين، ولكن قبل أيام تأججت هذه الأزمة من جديد إثر تصريح بعض المسؤولين الأتراك بضرورة مشاركة هذه القوات في عمليات تحرير الموصل تزامناً مع إضافة 200 جندي إضافي إلى تلك القوات المتوغلة في عمق الأراضي العراقية.

وفي هذه المرة أيضاً ثارت موجة من الاعتراضات العراقية الساخطة ولكنها أشد وأوسع نطاقاً من تلك المواقف التي اتخذت في العام الماضي ولا سيما أن العراق يمر اليوم في أيام مصيرية في تأريخه السياسي وهو على أبواب انطلاق عمليات تحرير الموصل من زمرة داعش الإرهابية

وبعد هذا التطور في الأحداث أعلن أردوغان بأن قواته ستشارك في عمليات استعادة الموصل من داعش ولا يمكن لأحد منع بلده من المشاركة في هذه العمليات، في حين أن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي أعلن في مؤتمر صحفي عقد في العاصمة العراقية بغداد بأن تركيا ليس لها أي دور في عمليات تحرير الموصل، ودعا حكومة أنقرة سحب قواتها من الموصل فوراً كي لا يحدث اشتباك بين القوات العراقية والقوات التركية المتوغلة في محافظة نينوى كما أكد على أن تواجد هذه القوات يعرقل العمليات العسكرية المرتقبة واعتبر أن تواجد هذه القوات في الشمال العراقي هو أمر لا مبرر له.

واعتبر العبادي أن تواجد القوات الأجنبية على الأراضي العراقية يعد خطاً أحمر وحذر الجنود الأتراك بأنهم ليسوا في نزهة.

وممثل آية الله العظمى السيد علي السيستاني وإمام جمعة مدينة كربلاء دعا جميع بلدان العالم ولا سيما بلدان الجوار إلى احترام سيادة العراق ووحدة أراضيه معتبراً أن ورود أي جندي إلى الأراضي العراقية لا بد وأن يكون بطلب من الحكومة العراقية نفسها.

ورئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم فقد صرح قائلاً: قواتنا العسكرية تؤدي واجبها فهي تحارب داعش هناك، والحرب ضد داعش في العراق وسوريا لا تقتصر علينا فحسب بل إن جميع البلدان تحاربهم وكذلك الأمم المتحدة، وهناك تحالف دولي ضدهم.

وأكد يلدريم بأن قوات بلاده المتوغلة في الشمال العراقي تؤدي مهام إنسانية واعتبر تصريحات المسؤولين العراقيين المناهضين لتواجد قوات بلاده في الموصل بأنها خطيرة واستفزازية مؤكداً على أن هذه القوات كانت متواجدة هناك منذ مدة طويلة.

هذه الحرب اللفظية ما زالت متواصلة وحكومة أردوغان ترفض دعوات بغداد في سحب قواتها، في حين أن الحكومة الأمريكية أعلنت أن تحرير الموصل سيكون بقيادة ضباط عراقيين ودعت بلدان الجوار إلى احترام سيادة العراق.

  • لمحة على خلفية تواجد القوات التركية في إقليم كردستان العراق

تجدر الإشارة هنا إلى أن تواجد القوات العسكرية التركية في شمال العراق ليس أمراً جديداً، ففي عهد نظام الدكتاتور صدام حسين تم إبرام معاهدة أمنية بين بغداد وأنقرة عام 1981 م أجاز فيها دكتاتور العراق آنذاك بدخول القوات التركية إلى الأراضي العراقية بمسافة 20 كم بغية مطاردة قوات حزب العمال الكردستاني، وفي عام 2006 م بادرت الحكومة التركية إلى تأسيس قواعد عسكرية في منطقة كردستان حيث تمركز معظمها في محافظة دهوك ويبلغ عددها اليوم عشر قواعد أهمها قاعدة بامرني التي تضم 600 جندي تركي وقاعدة كاني ماسي التي يتواجد فيها 400 جندي تركي، ويدعى أن مهمة هذه القوات هي الحيلولة دون دخول قوات الـ ب ك ك إلى الأراضي التركية.

في عام 2003 م طالب برلمان كردستان العراق بخروج القوات التركية من المحافظات الكردية وفي عام 2005 م طالب مجلس النواب العراقي بشكل رسمي بهذا الأمر أيضاً إلا أن أنقرة تجاهلت كل هذه الدعوات بل وأنشأت قواعد جديدة وأرسلت المزيد من القوات سواء بطلب من حكومة الإقليم أو تلقاء نفسها.

  • الخلفية التأريخية لتواجد الأتراك في الموصل

التواجد التركي في الموصل له جذور تأريخية، حيث قال الباحث أمين بازارتشي أن الموصل التي تحدها حدود مع الأراضي التركية تحظى بأهمية بالغة بالنسبة إلى حكومة أنقرة لذا فالأتراك يعتبرون أي خطر يهدد هذه المدينة بأنه يهدد الأمن التركي، وحسب اتفاقية لوزان فإن تركيا كانت تؤمن جانباً من ميزانيتها من نفط الموصل حتى نهاية عقد الثمانينيات من القرن المنصرم، وفي عام 1926 م حينما كان العراق تحت نير الاستعمار البريطاني عقدت معاهدة أنقرة التي نصت على أن المواطنين الأتراك في الموصل يجب وأن يكونوا تحت حماية حكومة أنقرة، كما نصت هذه المعاهدة على ما يلي:

1 – توكل مدينة الموصل في العراق إلى الحكومة التركية.

2 – الحكومة التركية لها صلاحية حماية المواطنين الأتراك في الموصل.

كما أن تركيا في تلك الآونة كان لها الحق في الإشراف على مساحة تبلغ 90 كم في عمق الأراضي العراقية، أي جميع تلك المناطق التي تقطنها القومية التركمانية، كما أنها مخولة في التصدي لأي خطر تتعرض له هذه القومية والتدخل عسكرياً وبشكل مباشر.

لو أن هذه المعاهدة ما زالت سارية المفعول، فالحكومة التركية لها الحق في التدخل بالموصل كما أنها حسب الاتفاق الذي أبرمته مع المقبور صدام حسين لها الحق في التوغل في الأراضي العراقية لمواجهة قوات الـ ب ك ك، أي أن المعاهدة الأخيرة تحدد التدخل التركي في مواجهة المعارضين الأكراد فحسب ولا تشمل تنظيم داعش الإرهابي.

ومن الجدير بالذكر أن العراق حينما كان رازحاً تحت الاحتلال الأمريكي قبل سنوات، تم تدوين مسودة مشروع ينص على ضم محافظي نينوى وكركوك إلى إقليم كردستان، إلا أن تركيا تدخلت في الأمر ورفضت ذلك، وهي اليوم تفرض سيطرتها على إقليم كردستان ومناطق من الموصل أيضاً.

لذا يبدو أن أنقرة غير مستعدة للتخلي عما تعتبره حقاً مشروعاً لها وفق معاهدات أبرمتها مع أطراف عراقية وغير عراقية قديماً وحديثاً، وهذا الأمر واضح في التصريحات التي تبدر من رجب طيب أردوغان بين الفينة والأخرى، وفضلاً عن ذلك فهو يسعى لتنفيذ هذا المشروع أيضاً في الأراضي السورية، ويبدو أن الحكومة التركية أدركت عقم سياساتها الخارجية ونجاح خصومها على الساحتين السورية والعراقية، كما أنها بدأت تشعر بتفاقم الخطر المحدق باستراتيجيتها الإقليمية بعد عجزها عن احتواء المعارضين الأكراد فبدأت تقلب صفحات الماضي وتستفز حكومة بغداد عبر إقامة قواعد عسكرية في عمق الأراضي العراقية وتهدد الحكومة السورية بالتدخل العسكري بين حين وآخر.1

——————————————————————–

  • الاسباب الخفية وراء توغل الجيش التركي في شمال العراق، متوافر على الرابط الإلكتروني الآتي :

https://www.tasnimnews.com/ar/news/2016/10/10/1209494

وعندما ننظر الى التحشدات العسكرية التركية على الحدود العراقية والتوغل فيها لعدة كيلو مترات يتبادر فورا الى ذهننا وذهن كل المراقبين السياسيين الدوليين بأن هذا خرق سافر الى قواعد القانون الدولي ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة التي شرعت أساسا من أجل حفظ الأمن والسلم الدوليين، ولا توجد أية ذريعة تبرر هذا الاعتداء على السيادة الوطنية للعراق كدولة مستقلة وعضو في منظمة الأمم المتحدة.

فيما يتعلق بالتداعيات التي رافقت هذا الخرق غير القانوني، في الوقت الذي العراق يدافع عن أمنه الداخلي من خلال مواجهة قواته المسلحة البطلة وأبناء الحشد الشعبي الغيارى ضد التنظيم الإرهابي “داعش”، حيث ادعت الحكومة التركية إن هذا ليس تدخلا في شؤون العراق الداخلية ولا انتهاكا للسيادة الوطنية للدولة العراقية بل هو كما جاء على لسان رئيس الوزراء التركي احمد داود أوغلو (انه يريد زيارة بغداد بأسرع وقت ممكن، كما أضاف إن القوات التركية توجهت للعراق للحماية من هجوم محتمل من داعش وإن من فسروا وجودها بشكل مختلف ضالعون في استفزاز متعمد، على حد قوله)، من جانب آخر صرح في مؤتمر صحفي، معلقاً على استبدال بلاده لجنودها في معسكر بعشيقة قرب الموصل العراقية، “هذه المسألة لا تثيرها تركيا أو العراق، إنما أطراف تسعى لصرف الأنظار عن وجودها العسكري في العراق وتدخلها في شؤونه، ويوجد في العراق قرابة 20 فعالية تدريب تعود لدول معظمها لا تجاور العراق، واذا كانت هذه الدول لا تضر بالسيادة التركية، فهي لا تضر بالسيادة العراقية أيضاً”.

وأشار داود أوغلو إلى دعم بلاده لبغداد وأربيل عبر إرسال عدة طائرات محملة بالمعدات إليهم، مضيفاً: إن تركيا قدمت الدعم للعراق منذ بدئها في محاربة تنظيم داعش الإرهابي، وعندما أصبح التنظيم عنصر تهديد أجرينا اتصالات حثيثة مع الحكومة المركزية العراقية وإدارة إقليم شمال العراق، وأجرينا مباحثات في هذا الشأن خلال زيارة السيد العبادي إلى أنقرة وخلال زيارتي إلى بغداد

وأكد أن وحدة العراق من أكثر العناصر أساسية وأهمية بالنسبة لتركيا، مشدداً أن بلاده أكثر دولة تحترم سيادة العراق ووحدة ترابه، لو استطاعت الحكومة المركزية فرض سيادتها على كامل العراق لما استطاعت المنظمات الإرهابية كداعش وبي كا كا أي حزب العمال الكردستاني من أن تنشط في أرض العراق وتشكل تهديداً على دول الجوار والعالم.

كما قال للأسف تنظيم داعش ومنظمة حزب العمال الكردستاني الإرهابيتين يهددان أمننا جميعاً، لذا قدمت تركيا للعراق دعماً من البداية، ونحن ننظر إلى الحكومة العراقية بشكل مختلف عن النظام السوري الذي أعلن حرباً على شعبه. وأضاف داود أوغلو، دربنا أكثر من ألفي عراقي من قوات الحرس الوطني في الموصل، وهؤلاء سيدافعون عن أمن العراق، كما أن وزارة الدفاع العراقية زارت معسكر التدريب، وإن نشر قناعة أن تركيا تجري أنشطة سرية هناك أمر غير صحيح نهائياً.

في الوقت الذي صرح المتحدث باسم الخارجية التركية تانجو بلجيج قوله إن (وزير الخارجية مولود تشاووش أوغلو أبلغ نظيره العراقي إبراهيم الجعفري خلال مكالمة هاتفية أجريت بينهما أن تركيا أوقفت إرسال القوات إلا أنها لن تسحب الجنود الموجودين هناك بالفعل)، وهذا يعني ان تركيا تؤكد على إصرارها في السعي نحو تنفيذ أمر معين يوضح دورها الإقليمي القوي في المنطقة على حساب حرمة وسيادة جارتها جمهورية العراق.

ومن جانب آخر تسعى لتلبية مصالح لأطراف دولية وإقليمية وداخلية سنتحدث عنها لاحقا، وهذا طبعا يتعارض مع تبجحها في عملية انتهاج سياسة جديدة تجاه دوائرها الإقليمية الخمسة المعروفة والتي حددها الرئيس التركي الأسبق (سليمان ديمريل) وهي دائرة البلقان التي كانت مسرحا للحروب الصربية الدموية ودائرة القوقاز وأواسط آسيا التي كانت مسرح صراع على النفوذ بين تركيا وإيران ودائرة شرقي البحر المتوسط التي أسفرت لاحقا عن تعاون عسكري إسرائيلي ــ تركي ودائرة الشرق الأوسط التي تتمثل بالصراع العربي ــ الإسرائيلي والدائرة الإسلامية التي تعتبر تركيا نفسها بمثابة الجسر بينها وبين العالم العربي

هذه الدوائر الخمسة سابقة التحديد أسس عليها حزب العدالة والتنمية التركي الذي وصل الى سدة الحكم في العام 2002 السياسة الخارجية التركية الجديدة وإدارة دفة المقود السياسي باتجاهها، على يد مهندس سياستها احمد داود أوغلو رئيس الحكومة الحالي وتلخصت بستة مبادئ، أولها هو التوازن السليم بين الحرية والأمن، والثاني يعتمد على تصفير المشكلات مع دول الجوار، والمبدأ الثالث يقوم على التأثير في الأقاليم الداخلية والخارجية، والمبدأ الرابع هو السياسة الخارجية متعددة الأبعاد، والمبدأ الخامس هو مبدأ الدبلوماسية المتناغمة، أما المبدأ السادس هو إتباع أسلوب دبلوماسي جديد.

فيما يتعلق بتداعيات الطرف الثاني من المشكلة وهو الدولة العراقية تلخصت باستنكار حاد وقوي لما أقدمت عليه الجارة تركيا من توغل في حدودها الجغرافية من خلال البيان الذي صدر عن مجلس الوزراء العراقي والذي جاء فيه: (إن السيادة الوطنية وحدود البلاد الجغرافية خط احمر لا يسمح بالنيل منها وتجاوزها على الإطلاق، لاسيما وان الحكومة العراقية لم توقع اتفاقا، أو تسمح للجارة تركيا بتجاوز حدود بلدنا تحت أية ذريعة)، وهذا يفند ما أدعته الحكومة التركية إنها وقعت اتفاقية مع حكومة السيد نوري المالكي في العام 2012 التي تنص على السماح لها بإدخال قواتها العسكرية لمساعدة العراق بمواجهته ضد التنظيم الإرهابي داعش وتدريب أفراد الجيش العراقي، فضلا عن مجلس الوزراء الذي خول السيد حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي حسب ما جاء في البيان الصحفي الذي صدر عن مكتبه (إن مجلس الوزراء ناقش في جلسته التي عقدت على خلفية الحدث موضوع دخول القوات التركية في الأراضي العراقية لافتا إلى أن المجلس خول رئيس الوزراء اتخاذ الخطوات والإجراءات التي يراها مناسبة بشأن تجاوز القوات التركية على الحدود العراقية وخرقها للسيادة الوطنية مع دعمه الكامل للقرارات التي اتخذها مجلس الأمن الوطني بشأن الموضوع ومتابعة تنفيذها).

إضافة الى تهديد الدكتور إبراهيم الجعفري وزير الخارجية العراقي نظيره التركي خلال المكالمة الهاتفية التي تمت بينهما في حالة عدم سحبهم لقواتهم:

(بتقديم شكوى رسمية لمجلس الأمن والتحرك نحو المجتمع الدولي في حال عدم سحب القوات قبل انقضاء المهلة)، فضلا عن (ان مجلس النواب قرر تضييف وزيري الخارجية والدفاع لمناقشة الموضوع بحسب بيان لنائب رئيس المجلس همام حمودي أوضح ان التضييف يهدف الى بيان ملابسات وتفاصيل العدوان التركي على الأراضي العراقية والإجراءات الحكومية المتخذة إزاء ذلك، مؤكداً على تشكيل لجنة برلمانية مختصة لمتابعة قضية شراء تركيا للنفط العراقي من داعش).

كما شملت التداعيات العراقية بشأن هذا الاعتداء الغاشم على حدود العراق رفض واستنكار الرأي العراقي العام بكافة أطيافه من أحزاب سياسية ومنظمات مجتمع مدني إضافة الى الاستنكار الإقليمي لهذا التجاوز التركي على سيادة العراق حيث أعلن رئيس البرلمان الإيراني السيد علي لاريجاني الأحد 6 ديسمبر/كانون الأول في كلمة أمام النواب الإيرانيين، إن التدخلات غير الشرعية في الصراعات بالشرق الأوسط ليس من شأنها سوى أن تساعد على انتشار الإرهاب في المنطقة، وحذر لاريجاني من خطورة نشر قوات أجنبية في المنطقة من أجل تحقيق أهداف بعيدة عن الهدف المعلن الذي هو محاربة الإرهاب، وقال إن “الهدف الوحيد للتدخل التركي في العراق والذي حصل على الرغم من معارضة الحكومة العراقية هو تبرير ممارسات الإرهابيين في الموصل ولن تكون له تبعات أخرى سوى تصاعد التوتر في المنطقة، كل هذه التداعيات التي أفرزها هذا التدخل العسكري التركي من طرفي المشكلة نتج عنها التساؤل التالي: هل ستحدث مواجهة عسكرية بين العراق وتركيا؟؟.

أما فيما يخص المحور الثاني من مقالنا وهو يتضمن الأهداف وتعدد المصالح الحقيقية التي تسعى إليها تركيا من وراء هذا التدخل السافر، وهذا واضح وضوح الشمس ولا يصعب على المحللين والمراقبين الدوليين كثيرا في وضع النقاط على الحروف في ضوء التحديات التي واجهة السياسة الخارجية التركية التي انتهجها حزب العدالة والتنمية ومنها تحديات داخلية تبنتها النخب السياسية الجديدة في تركيا بعد ان تراجعت السياسة الخارجية التركية الجديدة مضطرة عن الخطاب السياسي التقليدي للنخب البيروقراطية الاتاتوركية، مع ذلك اعتبرت احتلال العراق في العام 2003 تحديا مباشرا لأوليات سياستها الخارجية الإقليمية التي تشكلت في ظل مبدأ سياسة المشاكل الصفرية، إضافة الى التحديات الإقليمية التي تمثلت بأحداث الربيع العربي التي انطلقت في العام 2011 والتي شكلت تحديا حقيقيا لاستراتيجية السياسة الخارجية التركية في الوقت الذي كانت تسعى فيه تركيا لتكثيف علاقاتها مع دول الجوار العربي في محاولة منها لتحقيق نموذج التكامل الإقليمي وعمدت الى إلغاء تأشيرة الدخول مع عدد من الدول العربية، فضلا عن الانتقادات المستمرة التي يوجهها الغرب الى تركيا بسبب تغيير بوصلة سياستها

وبعد تجلي هذه التحديات الداخلية والخارجية والإقليمية وصلت تركيا الى مفترق حرج وهو هل ستستجيب الى هذه التحديات ام تواصل السعي الى أقصى مدى لفرض قوتها في الشرق الأوسط؟ وهذا ما يجعل تركيا تسعى بسرعة أكبر مما كانت عليه لتحقيق أهدافها وتطبيع سياستها الخارجية الجديدة وحسب رؤيتها ان العراق هو الأرض الخصبة التي تتحمل برنامجها في احتلال سياسة المكان الإقليمي، خاصة وإنها تعتبر مشكلتها على الحدود مع العراق لم تنتهي خصوصا ما يتعلق بمدينة الموصل التي كانت تعتبرها ضمن حدودها قبل انهيار الإمبراطورية العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى حتى استطاعت ان تنتزعها بريطانيا من الأتراك بعد ان حصلت على إعلان رسمي من قبل عصبة الأمم المتحدة والذي نص على ان مدينة الموصل هي من ضمن أراضي الجمهورية العراقية في العام 1925، وهذا طبعا منذ ذلك الحين جعل تركيا في حالة عدم استقرار في علاقتها مع العراق رغم التبادل الاقتصادي والتجاري الذي ساهم بشكل فاعل بانتعاش اقتصادها، إذن ما وراء تحركها العسكري الذي شمل عدة فرق عسكرية من النخبة وعشرات الدبابات والسلاح الثقيل بكافة أنواعه عدة مصالح وأهداف أولها تحريك قضية الحدود مع الموصل، إضافة الى دعم قوات البيشمركة الكردية في مواجهتها مع فرسان الحشد الشعبي ومطاردة حزب العمال الكردستاني في الموصل الذي تعتبره عدوها الأول وربما تساهم في ضرب التنظيم الإرهابي داعش ولكن دون تحديد مستوى هذا المساهمة

وتناقلت التسريبات أخبار حول الرواية التركية الرسمية التي تفيد بأن هذه التعزيزات العسكرية تأتي في إطار تبديل مناوبات للجنود والمدربين الأتراك في معسكر الزليقان شمال بعشيقة في الوقت الذي نقلت صحيفة حرييت” التركية المعارضة، بأن التحركات العسكرية التركية في محافظة نينوى تأتي ضمن اتفاق بين أربيل وأنقرة على منح تركيا قاعدة عسكرية دائمة في منطقة بعشيقة التي تبعد 30 كم عن مدينة الموصل وتتبع لها، حيث تم توقيع الاتفاق بين كل من البرزاني ووزير الخارجية التركي السابق، المسؤول الحالي عن ملف الشرق الأوسط والتحالف الدولي ضد التنظيم في الخارجية التركية، فريدون سينيرلي أوغلو، خلال زيارة قام بها المسؤول التركي إلى أربيل في الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

وهذا ما يؤكد النوايا السيئة التي تضمرها تركيا لوحدة العراق والتي كانت تنادي مرارا وتكرارا بان وحدة وتماسك نسيج الشعب العراقي وسيادته الوطنية يهمها بالدرجة الأولى لكن سرعان ما كشفت هذه النوايا أمام الرأي العام الشعبي والرسمي العراقي والإقليمي على حد سواء من جراء هذا التدخل الذي سرعان ما شجبته واستنكرته الحكومة العراقية والشعب العراقي بكامل أطيافه.1

———————————————————————-

  • خالد علي عبود، التدخل التركي.. وتعدد المصالح على حساب العراق، متوافر على الرابط الإلكتروني الآتي:

https://annabaa.org/arabic/authorsarticles/4531

ان الاعتداءات التركية المتكررة دفعت عضو في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب العراقي، مثنى أمين، لدعوة الحكومة العراقية، إلى اتخاذ موقف حازم من الهجمات التركية على إقليم كردستان، التي اعتبرها تهديداً وخطراً جديدين على الأمن والتعايش في المنطقة.

وقال إن «اللجنة أصدرت بياناً ثمّنت فيه موقف وزارة الخارجية العراقية، ودعتها إلى استدعاء سفير تركيا لدى بغداد رسمياً للمساءلة ولإبلاغه برفض الحكومة العراقية الشديد على ما اعتادت عليه تركيا من انتهاك مستمر لسيادة العراق واستهداف مواطنينا في عمق الأراضي العراقية، ما أدى في كثير من الأحيان إلى سقوط ضحايا مدنيين».

مشيراً إلى أن ذلك بات يمثل مانعاً حقيقياً يعرقل إعادة إعمار القرى الحدودية، كما هو مخالف لقواعد الجيرة التي ينبغي أن تكون بين تركيا والعراق، ومناقض لالتزامات تركيا المتعلقة بالحفاظ على سيادة أرض العراق وأمنه وأمانه.

وبحسب معلومات أوردتها تقارير إعلامية كردية، فإن اعتداءات أنقرة على الإقليم تحصل من خلال عدد من القواعد العسكرية والأمنية الموجودة في مناطق أربيل ودهوك، ويبلغ عددها 19 قاعدة، 15 منها عسكرية، و4 مخابراتية، وهي تقع في كانی ماسي، وبامرني، وسیری، وكلي سرزير، وكوبك، وقمري، وكوخ سبي، وسینك، وكريبي، وهلي زاخو، وباتیفا، وشیرت، ودهري، وزيلكان باشیك، وجبل باشیك، ومراكز لجهاز المخابرات التركي «ميت» في آميدي وباتیفا وزاخو ودهوك.

تدخّل قديم

ويذكر أن تركيا بدأت عملياتها في شمال العراق منذ سنة 1982، حيث بدأت القوات العسكرية بالدخول إلى داخل الأراضي العراقية من حدودها الشمالية بعمق 30 كم، وذلك بحجة ملاحقة مسلحين «يساريين»، علماً بأن حزب العمال في تلك السنة لم يكن موجوداً، إذ تأسس في سنة 1984، وبعد ذلك شنت تركيا هجمات متلاحقة، في السنوات 92 و93 و94 و95 و96 و97، وخلال هذه السنوات وبعدها بدأت أنقرة بإقامة مراكز وقواعد عسكرية وأمنية في زاخو والعمادية وبارزان وميركسور وشيروان، وبعد السنوات 2017 و2018 في سيدكان وحصاروست وبرادوست

———————————————————————

  • امجد عرار، تدخلات تركيا.. انتهاك السيادة الوطنية ومخالفة القانون الدولي، متوافر على الرابط الإلكتروني الآتي :

https://www.albayan.ae/one-world/overseas/2019-02-11-1.3484450

وكانت وزارة الدفاع التركية قد أعلنت في 16/ حزيران الماضي أطلاق عملية عسكرية جديدة شمال العراق. وكانت أخر العمليات العسكرية التركية قد تمت في 28/ حزيران الماضي عندما تعرضت منطقة ” كونه ماسي” السياحية في محافظة السليمانية في الإقليم لقصف الطائرات العسكرية التركية. ورغم استدعاء وزارة الخارجية العراقية للسفير التركي في بغداد يوم 18- حزيران وتسليمه مذكرة احتجاج تستنكر فيها الانتهاكات التركية للسيادة العراقية فأن القوات الخاصة التركية في شمال العراق تستمر في الانتشار بدعم نشط من القوات الجوية فكانت القوات العسكرية التركية قد توغلت في الأرض العراقية في يوم كانون 3 كانون الأول / ديسمبر 2015 الى عمق 110 كيلومترات في الأرض العراقية بدون موافقة السلطات الاتحادية العراقية وقد طلب رئيس الوزراء العراقية الأسبق الدكتور حيدر العبادي السحب الفوري لهذه القوات من العراق وأعتبر توغلها خرق خطير للسيادة العراقية   كما طلب من وزارة الخارجية تقديم شكوى رسمية الى مجلس الامن وبالفعل قدم الممثل العراقي الدائم لدى الأمم المتحدة د. محمد علي الحكيم في 14/ كانون الأول 2015 مذكرة الى مجلس الامن يطلب فيها من المجلس/ أن يأمر تركيا بسحب قواتها وبدون أية شروط الى الحدود الدولية المعترف بها دولياً بين الدولتين وعدم تكرار خرقها للسيادة العراقية لان مثل هذه الاعمال تشكل تهديداً كبيراً للسلم الإقليمي والدولي . وفي المناقشات التي جرت في مجلس الامن لفت ممثل العراق الدائم لدى مجلس الأمم المتحدة أنظار أعضاء المجلس بأن التوغل العسكري التركي يشكل خرقاً خطيراً لسيادة العراق ومبادى القانون الدولي الخاصة بحسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول كما جاء في المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة ويجب سحب هذه القوات فوراً وبدون شروط الى الحدود الدولية. وكان العراق قد حصل على تأييد الجامعة العربية وبناءً على طلب العراق فقد اصدر مجلس وزراء خارجية الدول العربية تأييداً صريحا للسيادة العراقية واستنكرت التوغلات العسكرية التركية في الأرضي العراقية معتبراً إياه خرقاً واضحاً للقانون الدولي وعدواناً على السيادة العراقية.

تتلخص وجهة النظر التركية بأن فصائل pkk المتواجدة داخل العراق وعلى طول الحدود العراقية – التركية تؤلف خطراً مباشراً على الامن القومي التركي وأنها تقوم باستمرار بشن غارات على الأراضي التركية انطلاقاً من جبال العراق الحدودية والحكومة التركية تعتبر pkk وداعش منظمات إرهابية تستمران بتشكيل تهديد كبير لسلامة وأمن تركيا من مناطق عراقية لا تستطيع الحكومة العراقية الوصول اليها وكما قال ممثل تركيا الدائم لدى الأمم المتحدة في مجلس الامن عام 2015 أن لتركية الحق في الدفاع عن النفس

وقد لخص البروفسور سامي شبر ان التوغل العسكري التركي في الأرض العراقية عام 2015 والذي لا يزال قائماً يفتقر إلى إي أساس قانوني في القانون الدولي اذ انه حصل بدون موافقة العراق او دعوته للقوات العسكرية التركية وقد رفضت تركيا طلب رئيس الوزراء العراقي الأسبق سحب قواتها. والذي أدى إلى شكوى العراق إمام مجلس الأمن الدولي وهكذا فأن تركيا قد انتهكت السيادة الإقليمية للعراق وخرقت القانون الدولي. وأشار البروفيسور سامي شبر الى مسؤولية مجلس الأمن الذي لا يزال يناقش الموضوع منذ كانون الأول / ديسمبر 2015 ولا تزال القضية في المجلس والمرجو من المجلس ممارسة سلطاته وفق ميثاق الأمم المتحدة ويطلب إيقاف التدخلات التركية وسحب قواتها من العراق وأكد ان تدخل مجلس الأمن في هذا الصدد سيزيل تهديداً كبيراً للأمن والسلم الإقليمي والدولي وخرقاً للقانون الدولي وأكد كذلك ان الظروف الحالية في الشرق الأوسط والعراق في المجال العسكري والسياسي والاجتماعي تتطلب في عملاً سريعاً من مجلس الأمن.

——————————————————————

  • سامي شبر، توغل القوات العسكرية التركية داخل الاراضي العراقية، الموقف في القانون الدولي، مجلة دراسات سياسية واستراتيجية، بيت الحكمة، بغداد، العدد٣٤، ٢٠١٧،ص ١٧.

المحور الثاني :

                  حرب المياه بين العراق وتركيا

نشير الى مواقف الدول الثلاث من الخلاف المائي

عند التحدث عن الخلاف المائي وجذوره لابد من معرفة موافقة الدول المرتبطة بهذا الخلاف ومعرفة وجهات نظر كل منها ليتسنى لنا رسم تصور الملامح الاستراتيجية للسياسة التركية في استغلال المياه ويمكن ان نوجز ذلك بمايلي:

اولاً. الموقف السوري

يعتمد الموقف السوري من الازمة الى اساس قانوني وواقعي تركز على حقوق دول الحوض المنخفضة وترى انه لابد من توزيع مياه نهر الفرات بناءً على تقدير المنشآت المائية القائمة او التي هي قيد التنفيذ او المخطط لتنفيذها في البلدان الثلاثة مع اعطاء كل دولة الحق في استثمار حقها من المياه بما يتفق مع حاجاتها الوطنية وترفض سوريا ادعاءات الحكومة التركية بأن نهر الفرات نهر عابر للحدود وليس نهراً دولياً ولا تعده نهراً مختلفاً من نهر النيل والسند والدانوب . وتعد سوريا لن المياه موارد مشتركة وانها في تنقب وحركة دائمة بغض النظر عن الحدود لذلك فأن ما تردده الاوساط التركية المسؤولة من ان مياه نهري دجلة والفرات مورد طبيعي عائد لتركيا مثله مثل النفط الذي تمتلكه الدول الاخرى ولاسيما العربية انما هو ادعاء مرفوض من جانب سوريا . كما انها ترى بان حوضي الفرات ودجلة لا يشكلان حوضاً واحداً بل حوضين دوليين منفصلين وفقاً للقواعد الدولية المستقرة في هذا المجال لذلك ترفض سوريا اقتراح تركيا بالتعامل مع النهرين كوحدة واحدة باعتبارهما (حوض نهر واحد).

ثانياً. الموقف العراقي

يمكن ايجاز الجوانب الاساسية لموقف العراق بمايلي:

أ- ان نهري دجلة والفرات نهرن دوليان طبقاً الى تعريف النهر الدولي المتفق عليه دولياً اي (المجرى المائي الذي تقع اجزاء منه في دول مختلفة) ولذلك فهما يخضعان الى قواعد القانون الدولي في هذا المجال.

ب- ان حوض دجلة مستقل عن حوض الفرات من خلال حدود هيدرولوجية واضحة وكون النهرين يصبان في شط العرب الذي يشكل امتداداً للخليج العربي لا يجعل فهما حوضاً واحداً .

ج- ان الهدف من اللجنة الفنية المشتركة يتلخص في تحديد الحصة المناسبة والمعقولة التي يحتاجها كل بلد من البلدان الثلاث المشتركة في نهري دجلة والفرات .

د- ضرورة عقد اتفاق ثلاثي لتحديد الحصص العادلة والمعقول من المياه لكل دولة من خلال الالتزام بأسس قسمة المياه والانتفاع المنصف والمعقول التي تستند الى القانون والعرف الدوليين وبما يضمن الحقوق المكتسبة للمشاريع القائمة .

هـ- ضرورة الالتزام بالقواعد والاجراءات التي تتطلبها مستلزمات الحفاظ على البيئة النهرية وما يتبع ذلك من وجوب اتخاذ اجراءات لمنع ومكافحة تلوث مياه النهرين جراء المشاريع الاروائية والزراعية التي تقام عليهما.

الموقـف التركـي

أسند الموقف التركي على مجموعة افكار رئيسة وكمايأتي:

أ- السيادة المطلقة إذ تدعي تركيا انها تمتلك حق السيادة المطلقة على مياه دجلة والفرات داخل اراضيها وطبقاً لذلك فأنها تبيح لنفسها للتصرف بمياه النهرين دون مراعاة لحقوق الدول المتشابكة بالأنهار معها (العراق وسوريا) .

ب- عدم الاعتراف بالصفة الدولية للنهرين إذ ترى تركيا ان نهري دجلة والفرات ليسا نهرين دوليين بحيث تنطبق عليهما قواعد القانون الدولي وتطلق عليهما وصف المياه العابرة للحدود (Trans, Boundary Rivers) .1

————————————————————————

  • الثوابت وأثرها في الاستراتيجية التركية حيال العراق , الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية والاستراتيجية

نود ان نبين مايلي :

 اولا : الخلاف القانوني حول المياه بين تركيا والعراق :

تعتقد تركيا أن نهري دجلة والفرات عباران للحدود ولا يخضان للقانون الدولي                          حول الأنهار الدولية. وعلى خلافه جاء في تقرير لجنة القانون الدولي االتابعة للأمم المتحدة للعام 1993  ما يلي :

لا يوجد أي خلاف جوهري حول مفهوم الأنهار الدولية والأنهار العابرة للحدود           وشمولها بالقانون الدولي حول الأنهار الدولية. إضافة إلى إسقاط تعابير قانونية لا تتفق والطبيعة الجغرافية لنهر الفرات، ولا المعايير الدولية كمفهوم (( الأنهار العابرة للحدود))      بدلاً من (( الأنهار الدولية )) و (( الاستخدام الأمثل)) و ((التوزيع المنصف والمعقول))                بدلاً من (( توزيع الحصص)) وهذا التلاعب بالمفاهيم القانونية                                                لا يشكل حجَّة قانونية مقنعة في الفقه القانوي الدولي.  تعتبر كلاً من سوريا والعراق :                      ” بأن نهري دجلة والفرات نهران دوليان. وتبعاً لذلك، تطالبان بحصة من مياههما.                       ومن الناحية الأخرى، فتركيا لا تقَّر بالطبيعة الدولية لهذين النهرين وتتحدث فقط عن انتفاع عقلاني وأمثل للحوض النهري العبر حدودي الوحيد والفريد، أو عن المياه عبر حدودية              أو المياه العابرة للحدود. زد على ذلك، أن تركيا ترى أن الاستخدام اللامحدود لهذه المياه طبقاً  لا احتياجاتها هو حقها الطبيعي الأكبر

ثانيا: الخلافات الفنية – المائية بين تركيا والعراق :

1 – عدم استجابة تركيا لنداءات العراق المتكررة، بشأن زيادة حصته من مياه الفرات                    والتي لا تتناسب وحجم التطور التنموي والديمغرافي، وقد أخفقت جميع المحاولات، التي قام بها لعقد اتفاقات منفردة مع تركيا حيثُ تحاشت الأخيرة عقد مثل هذه الاتفاقيات، حتى                  لا تضطر لمثيلتها مع الجانب السوري، أو لوجوب مرورها عبر البوابة السورية                              لتأخذ طريقها للتنفيذ، وحينها لابد من دفع ضريبة المرور ( حينها ستطالب سوريا                        بزيادة حصتها أو تقاسم حصة العراق ).

وعوضاً عن ذلك طالبت تركيا العراق بجدولة مياه نهري دجلة والفرات في حساب الحصص               وهي الطريقة ذاتها التي اعتمدتها مع سوريا خاصةً أن العراق يمتلك قناة الثرثار                        القادرة على تعويض النقص بمياه الفرات عبر مياه دجلة                                                ( يعتقد بعض خبراء المياه أن قيام العراق بحفر قناة بين نهري دجلة والفرات                                قد مهد الطريق للمطالبة التركية بجدولة مياه النهرين واعتبارهما حوضا واحداً ).                       ولأن العراق كان ولا يزال بحاجة ماسة لتلك القناة، ويمكن دحض الحجَّة التركية                             ( بشأن اعتبار نهري دجلة والفرات حوضاً واحداً، نتيجة وجود قناة فيما بينهما )                            من خلال النقاط أدناه:

* إن هذه القناة تقوم فقط بخدمة الجزء الثاني من حوض الفرات في العراق، أما المسافة الممتدة (الجزء الأول) بين الحدود السورية وسد القادسية الذي يقع على نهر الفرات والبالغة 120 كم فإنها لن تستفيد من عملية التحويل.

* إن مياه بحيرة الثرثار الواقعة على نهر دجلة ذات ملوحة عالية وقد تسبب الإساءة لنوعية المياه في نهر الفرات خاصةً أن الترب الزراعية العراقية ترب طينية كتيمة، مما يؤدي إلى تملح الأراضي الزراعية وخروجها من حيز الإنتاج.

* استغل سكان وادي الرافدين الخاصية الطبيعة الجغرافية لنهري دجلة والفرات                           وهي ارتفاع وادي الفرات عن وادي دجلة تارة وبالعكس تارة أخرى: “أن نهر دجلة                        في قسمه العلوي، يجري بمناسيب تعلو على مجرى نهر الفرات، وحين يصل                          إلى بغداد ينخفض عن نهر الفرات بسبعة أمتار تقريباً، ثم إذا سرنا جنوباً يعود فيصبح                     بالقرب من الكوت أعلى من نهر الفرات من جديد.   وهنا ينحدر شط الغراف الذي                         يأخذ من الضفة اليمنى لنهر دجلة وينتهي إلى نهر الفرات عند الناصرية، وهذه الخصائص تساعد على تأمين الري من النهر الواحد والصرف إلى النهر الأخر بالتناوب                             بحيث يمكن شق جداول عديدة بين النهرين تمتد بصورة موازية لجريانها بالنسبة للنهرين وهذا يتوقف على المنطقة التي تقع فيها هذه الجداول”. شق سكان وادي الرافدين                        أنهاراً عظمى من نهر الفرات إلى نهر دجلة ( وبالعكس ) كانت تروي أراضي واسعة                         ، وقد استفاد العباسيون من بعضها بعد تطهيرها، على سبيل المثال النهر القديم                           الذي سموه بنهر عيسى، وكان اسمه في زمن البابليين ( قنال انليل ) أو ( باني انليل )                     ولا تزال آثاره ماثلة قرب خرائب ( عقرقوف ).

يرفض العراق المطالبة التركية ويعتبرها تدخلاً فضاً في سيادته الإقليمية، وإن مشاريع الري داخل العراق تعد شأناً داخلياً وغير قابل للمساومة، وهذا ينسجم مع ما أقرته                                لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة في 17 / 6 / 1994 في مادتها الخامسة                             التي تنص على : حق دول المجرى المائي بأن تنتفع كل في إقليمها بالمجرى المائي الدولي بطريقة منصفة ومعقولة ويتوجب عليها التعاون في حمايته وتنميته.                                             وبما أن العراق يقع في أسفل المجرى المائي فإن إجراءه لا يؤثر على دول المجرى                      ويتفق ومضمون تلك المادة. بالإضافة إلى ذلك فإن العراق لم يغير من مجرى النهرين                       وأنما عمل على إعادة مجاري القنوات القديمة (الحضارات القديمة) بين النهرين،                      وبالتالي فإن الحجّة التركية ليس لها ما يبررها أو يسندها على المستوى القانوني.

2 ـ باشرت تركيا بإقامة منشآتها المائية على نهر دجلة ( يقدر عددها بـ 8 منشآت )                    وهذه السدود ستعمل على تخفيض كمية المياه المتدفقة تجاه العراق إلى حدود 50%                         كما قامت إيران بتشيد سدود مماثلة على روافد دجلة التي تجري من أراضيها                                   مما قلل من إجمالي إيراد النهر بنسبة 60 ـ 70% من المياه الواردة من الأراضي الإيرانية تجاه الأراضي العراقية. في حين أن ما تبقى من إيرادات النهر ترفد عبر الأراضي العراقية، وتسبب هذا الوضع الخطير الضرر بالزراعة والسكان في العراق. وبالرغم                                  من أن العراق يمتلك عدداً لا بأس من الخزانات المائية والسدود على نهر دجلة                             فإنها غير قادرة على تعويض النقص على المدى البعيد مما أخل بالموازنة المائية التي اتبعها العراق بشأن تعويض نقص المياه في نهر الفرات خاصةً أنه لم يستكمل مشاريعه المائية الستراتيجية على نهر دجلة وبشكل خاص مشروعي سدي بخمة وبادوش حيث انتهت المرحلة الأولى لسد بخمة في أوائل 1990 لكن العمل بالمشروع توقف بعد الحرب الخليجية الثانية. وكان من المفترض أن يزيد من الطاقة التخزينية المائية للعراق في حال استكماله لنحو 130 مليار م3.

3 ـ تلوث مياه الفرات: منذ أن باشرت تركيا بمشروعها الكاب المتضمن إقامة 21 سدا و 19 محطة كهرومائية لاستصلاح 1.9 مليون هكتار، تسببت الإضرار بنوعية المياه الجارية                 إلى كل من سوريا والعراق، والمتضرر الأكبر العراق باعتباره دولة المصب. ويرى العراق، أن المنشآت التركية أثرت سلباً على 1.3 مليون هكتار من الأراضي الزراعية                                ( أي 40% من الأراضي الصالحة للزراعة ) واجبر  العراق على إغلاق (4)                                       مجمعات لتوليد الطاقة الكهرومائية تنتج 40% من الطاقة الكهربائية.

الاستنتاجات

اولا :  ان توغل القوات العسكرية التركية في العراق لكي يكتسب الشرعية الدولية                          يجب ان يتم ذلك بموافقة الحكومة العراقية وبالتالي فإن الموقف التركي غير قانوني                      لعدم وجود اي إطار قانوني او مسوغ يعطي شرعية لتواجد تلك القوات العسكرية                      في العراق، وعلى الرغم من الاحتجاجات العراقية الرسمية على التدخل العسكري التركي في شمال العراق، فإن الاتراك مستمرين بتجاهل كل الدعوات السلمية التي اطلقها المسؤولين العراقيين، بل وصل الأمر الى إنشاء منفذ لعبور قواتهم العسكرية                                      دون إبلاغ الحكومة العراقية وهو منفذ سرزير، وإنشات قاعدة مؤقتة لإدارة العمليات العسكرية من هناك.

وعليه نرى بان التدخل العسكري التركي في شمال العراق يعد خرقاً للقانون الدولي                    وللسيادة الإقليمية ويشكل تهديداً مباشراً للسلم والأمن الدولي، ولأيمكن لتركيا                               ان تعتمد على ما جاء بالمادة ٥١ من ميثاق الأمم المتحدة، إذ لم يكن هناك اي هجوم عسكري او تهديد للأراضي التركية او قواتها العسكرية المتواجدة في العراق.

ومن الضروري الإشارة هنا بقى الاشكال الرئيس والذي يعرقل أي جهود عراقية لترميم علاقاته الخارجية ضمن استراتيجية المحافظة على الاستقلال ، هو عدم القدرة على فرض سلطة الدولة على كامل إقليمها، ومن دون تجاوز هذا الاشكال لن يتم تبني اي سياسة خارجية جدية وفق مدارك ومعطيات هويته وتعزيز مصالحه في المجال الإقليمي أو في تنفيذ أي سياسات اقتصادية وهي بتعبير بسيط امتداد لأهداف سياسة العراق الخارجي، إضافة إلى ذلك وجود.

ثانيا : ضعف في البنية الداخلية للدولة من الفساد وغيرها قد يوهن متطلبات الاستقرار الداخلي ويقلل من جهود امتلاك أوراق ضغط حقيقية لدى المفاوض العراقي في علاقات العراق الخارجية مع البلدان الأخرى أو استغلال المكاسب التي قد تحقق من جهود السياسة الخارجية، فالعراق مثلاً في ملف المياه فإنه رغم كسبه لبعض الوقت من خلال الضغط                  على تركيا لتأجيل تخفيض تدفق المياه لكنه لم يستغل الأمر سابقًا ولا حاليًا لتنظيم                      موضوع المياه داخليًا لكي لا يكون ضعيفًا جدًا أمام أي تهديد بخفض مستوى تدفق المياه لأرضه وبالتالي اتباع سياسة خارجية أكثر انهماكاً في المنطقة مع ذلك يبقى سلوك العراق الخارجي غامضا بالنسبة للعديد من دول الجوار الجغرافي ذات الأولويات الاستراتيجية بالنسبة للعراق على المنحى الاقتصادي وذلك بسبب حالة التناقض والتوجهات المختلفة للطبقة السياسية ونزعاتها السلطوية على المستوى المحلي والتي تعتمد في علاقاتها وانتماءاتها على الولاءات الشخصية بعيداً عن الإطار المؤسسي للدولة العراقية وبالتالي                 لا تحظى توجهات السياسة الخارجية بالأجماع وتجد سنداً في تنفيذ أهدافها الخارجية .

ثالثا : أن السياسة الخارجية هي مجمل الأفعال والأقوال المتعلقة بقرارات الدولة                             التي تبني عليها تصوراتها تجاه الوحدات الدولية ، فمن خلال ذلك  ينبغي.

أولاً: من أجل إنجاح السياسة الخارجية اختيار الوسائل استنادا للأهداف.

ثانيًا: أن تتناسب هذه الوسائل مع الأهداف لأن فائدة الوسائل المختلفة وفاعليتها للسياسة الخارجية الدبلوماسية والقوة النظامية والثروات الاقتصادية والأدوات الثقافية الإعلامية                   في الموضوعات المتباينة والمختلفة منوطة بقيام الدول إلى جانب الإفادة من الوسائل المختلفة من خلال خلق تناغم وانسجام في ما بينها بضمن طبيعة الدائرة الموضوعية والظروف الدولية سيما وأن الوسائل غير المتناسبة مع الأهداف الوطنية                             ومن دون الأخذ بطبيعة الموضوعات وحوار القوة سيحول من دون تحقيق الأهداف وبمزيد من العقبات والمتاعب .

 رابع : إن الفترة القادمة ينبغي أن تركز الدبلوماسية العراقية في الاعتماد على قوة خطاب الأطر الواقعية في تحديد منافع العراق، خصوصاً مع الأوضاع التي نتجت عن أزمة                    وباء كورونا في العالم، في إطار التوجهات الجديدة للسياسة الخارجية العراقية من أهمية التنوع لإقامة علاقات مع غيرها من الفواعل الاقليمين والدوليين، بما يتناسب مع مصالحها وقدراتها، والتي تتطلب تحليل التفاعلات الدولية وديناميكيتها وفي مستويات عدة ،وان يكتسب فعاليته من خلال سعية لتحقيق السلام في المنطقة لكي توصف سياسته بانها سلمية، وهذا ما يولد في الوقت ذاته رغبة قوية معاييرها التخلص من قيد التقوقع                                 في علاقاته والبحث عن مرجعيات جديدة تمنح بناء علاقات ملموسة تجمع بين عناصر الجغرافية وامكانات الانفتاح العالمي، سواء باتجاه العلاقات الإقليمية ليكون محور التوزان في المنطقة أو على صعيد العلاقات الدولية القائمة على التعددية في ضوء المصالح المشتركة ” ويكون ذلك مقرونا بأفعال موازية  .

خامسا :  تلعب المحددات الاقتصادية دوراً أساسياً في تحيد النشاط الخارجي العراقي                    وهي تعكس توجهاً جديداً في رسم سياسته الخارجية هدفها تعزيز علاقات عراقية شاملة                مع المحيط الإقليمي ولاسيما العلاقات مع دول مجلس التعاون الخليجي كانت من الأسباب الكفيلة بعودته على المسرح الإقليمي، إذ تتضمن مضامين تلك العلاقات الاقتصادية                ثلاثة محاور أساسية هي  :

أولاً: التعاون في مجال الطاقة والتواصل حول أسعار النفط العالمية لاستقرار السوق البترولية كدول منتجة كبيرة في منظمة البلدان المصدرة للنفط (اوبك).

ثانياً :تشجيع الاستثمار الخليجية في العراق في القطاع النفطي وباقي القطاعات لأهميتها              في توفير فرص العمل وتطوير البنية التحتية وتطوير دور القطاع الخاص العراقي                وزيادة مساهمته في الناتج المحلي الاجمالي.

ثالثاً: تنشيط العلاقات التجارية، ولابد من عدم تكرار تجربة العلاقات التجارية مع إيران التي كانت قائمة على أساس الإغراق السلعي للسوق العراقية وتدمير النشاط الانتاجي                        وهذا مارسته بعض الدول العربية أيضاً ومنها السعودية والكويت.

من جانب أخر ليس من المستغرب في ظل هذه الظروف أن يقوم العراق بإعادة النظر هندسة سياسته الخارجية في البحث عن تحقيق المزيد من الاستقلالية في سياسته الخارجية من أجل استعادة الثقة بنفسه من ناحية، ومن جهة أخرى إضفاء طابع المرونة من الناحية الجيوسياسية ،في إطار المؤشرات والضغوط الناشئة من البيئة الخارجية ،تكون                                   فيها معايير التوازن بين الولايات المتحدة وإيران من خلال إبراز هويته الخاصة                            في ما يتعلق بعلاقاته الخارجية وأيضاً على المستوى المحلى، في سعيه                                 نحو إعادة احياء نظام حكم مستقر ومستدام ويزيد من فعالياته كدولة مهمة وحيوية في المنطقة، إذا احسن العراق إدارة هذه اللعبة بصورة أفضل، فضلاً عن الابتعاد عن الخيارات ذات المحاور التي قد تصبح وسيلة لخلق الخلافات والانزلاقات الخطيرة التي                              قد تأخذ منحى سيئاً جداً والأضرار في دينامية علاقاته بفضاءاته الخارجية .

سادسا : في إطار التفكير الاستراتيجي اعتمدت السياسة الخارجية العراقية أسلوب المرونة القصوى لإعادة النظر في العلاقات العراقية-الأمريكية ،كما ذهب إلى ذلك وزير الخارجية العراقي السابق (محمد علي الحكيم) في تصريحات له متزامنة مع الإعداد للحوار الاستراتيجي العراقي- الأمريكي، قائلا: “أن النظرة لأن هناك عملية تفاوض غير دقيقة وإنما هناك حوار متعدد الملفات بالنظر لطبيعة العلاقات الاستراتيجية بين البلدين ومصالحهما المشتركة “.

من هنا فإن هذه التحولات في سياسة العراق الخارجية تأتي في إطار استراتيجية الانفتاح الخارجي بتوسيع افاق التعاون على مستوى محيط العراق القريب والبعيد                                   والتي أشار اليها وزير الخارجية العراقي( فؤاد حسين) خلال اجتماعه مع سفراء دول الاتحاد الأوروبي في بغداد في حزيران/ يونيو عام(2020)                                                 عن حرص العراق في اثبات نفسه كفاعل مستقل في سياق التطورات التي تجري على الساحة الدولية، وإعادة إقامة روابط علاقات متوازنة مع القوى الإقليمية والدولية                       لضمان فرص جديدة للاقتصاد العراقي، والاستثمار في السوق العراقية، لما تمثله من بيئة خصبة، فضلاً عن ذلك رفع الضغوط عن العراق بفعل التداعيات السلبية لتفشي جائحة وباء كورونا والحصول على امتيازات عبر المساهمة في دعم المؤسسات الصحية العراقية بالتكنولوجيا والأجهزة الحديثة والمستلزمات الطبية.

سابعا : أن حركية الفواعل في النظام الدولي فضلاً عن التحولات الجيوسياسية في العالم والاتجاه نحو عالم متعدد الأقطاب قيد التشكيل بفعل جائحة وباء كورونا )،بمثابة اختبار بالنسبة للعراق في تقييم علاقاته مع الولايات المتحدة بطريقة تحمل على عاتقه                       مسؤولية التعبير عن ذاته، بمعنى التحرر من منطق الانحياز الأعمى لأي طرف                      إقليمي أو دولي، ولا يمكن أن يستوعب أية وصاية عليه ،

ثامنا :  الانفتاح الجغرافي غالبا ما يدفع الدول تطوير استراتيجية سياسة ودفاعية معاً ،وهكذا تتجلى ببناء خطط حديثة لتطوير إمكانيات القدرات الدفاعية للجيش العراقي                 بمختلف صنوفها وتأهيله لأن يكون مكتفياً ذاتياً، وقادراً على حماية البلد، والمشاركة في عمليات التحالف الدولي ،وبالتالي ستكون خيارات العراق أكثر تحرراً من التأثيرات الدولية أو دول التماس الجغرافي، ويأخذ في الحسبان مبدا تعددية الاقطاب في تأمين                        مصالحة القومية هذا الوعي خلق شعوراً عاطفياً لدى صانع القرار العراقي برفض                         أي شكل من اشكال التبعية أو الهيمنة وتجسيدها في خندق واحد لجهة خارجية ،وتأكيده من حيث الرؤية في الحفاظ على استقلاليه العراق في رسم سياسة خارجية                                    فعالة بتجاوز مخاف الانقياد لأي طرف.

——————————————————————————————————-

  • حرب المياه بين العراق وتركيا( الدوافع والأسباب ), الباحث والخبير بشؤون المياه في الشرق الأوسط , صاحب الربيعي, http://www.watersexpert.se/

الخاتمة:

أصبحت العلاقات العراقية مع أطراف دول المحيط الجغرافي  على الدوام غير مستقرة ،كما هي عليه دول الجوار التي لديها مداركها وسياساتها تختلف فيما بينها اختلافاً كبيراً من حيث الحجم والقدرة والانتماء والأهداف والطموحات خاصة في علاقاتها مع العراق، من ولكل من هذه الدول خصوصية في التعامل مع العراق وأهداف تسعى الى تحقيقها وهذا يعني ان تحديات السياسة الخارجية العراقية تأتي دول الأطراف الإقليمي، مما جعل العلاقات بينها وبين العراق غير مستقرة وفي حركة دائمة فضلا عن ذلك فان تلك الدول تشاطر العراق في معظم ظروفه وتوجهاته وفي علاقاتها مع بعضها البعض ومع الولايات المتحدة

المصادر : 

1-الاسباب الخفية وراء توغل الجيش التركي في شمال العراق، متوافر على الرابط الإلكتروني الآتي : https://www.tasnimnews.com/ar/news/2016/10/10/1209494

  • خالد علي عبود، التدخل التركي.. وتعدد المصالح على حساب العراق، متوافر على الرابط الإلكتروني الآتي: https://annabaa.org/arabic/authorsarticles/4531
  • امجد عرار، تدخلات تركيا.. انتهاك السيادة الوطنية ومخالفة القانون الدولي، متوافر على الرابط الإلكتروني الآتي : https://www.albayan.ae/one-world/overseas/2019-02-11-1.3484450
  • سامي شبر، توغل القوات العسكرية التركية داخل الاراضي العراقية، الموقف في القانون الدولي، مجلة دراسات سياسية واستراتيجية، بيت الحكمة، بغداد، العدد٣٤، ٢٠١٧،ص ١٧.
  • الثوابت وأثرها في الاستراتيجية التركية حيال العراق , الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية والاستراتيجية
  • حرب المياه بين العراق وتركيا( الدوافع والأسباب ), الباحث والخبير بشؤون المياه في الشرق الأوسط , صاحب الربيعي, http://www.watersexpert.se

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى