الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

كيف يمكن فهم عملية التأطير لغوياً، وسوسيولساني، وإعلامياً ؟

اعداد : محمد نجاد – باحث في الإعلام والدراسات الثقافية

  • المركز الديمقراطي العربي

 

المقدمة:

“التأطير” ‘Framing’ هي ممارسة ذهنية تتعلق بوضع الأحداث التي نستقبلها من العالم الخارجي في سياق يضفي عليها معنى، لأن هذه الأحداث أساساً بلا معنى أو مغزى، وتسمى هذه العملية بنظرية التأطير. طُرح هذا المفهوم النفسي لأول مرة من قبل غريغوري باتسون عام (1972)، حينما عرّف الأطر بأنها مجموعة مكانها العقل، ومؤقتة، لمجموعة من الرسائل التفاعلية التي تعمل كشكل من أشكال الاتصال. ثم توسع هذا المفهوم ليشمل العلوم الإنسانية والإجتماعية والاجتماعية الأخرى، على يد ايرفنغ جوفمان عام 1974، الذي قام بدمج مفهومين في علم الاجتماع هما البناء الاجتماعي، الذي يدرس تطوير المفاهيم المشتركة للعالم والتي تتشكل على أساسها الافتراضات حول الواقع، من جهة. وبين التفاعل الرمزي، الذي يدرس كيفية استخدام اللغة لصنع صور ذهنية في العقل، لتستخدم لاحقاً لتخيل ما يقصده الآخرون، من جهة أخرى. وهكذا، نشأت نظرية التأطير من فكرة أن البشر لديهم قدرة ذهنية على تكوين خبرات حياتية تحرك مداركهم لاحقاً، لتحثهم على الاستجابة الصحيحة في الوقت المناسب.

واليوم، تستخدم نظرية التأطير في جميع مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية، فهي تُظهر كيف تصبح الأطر جزءاً لا يتجزأ من الفهم العام للنص، لإظهار دور الأيديولوجيات وأثرها في عملية التأطير. وتساهم النظرية أيضاً في تحليل الخطاب النقدي  لدراسة تشكيل الأطر المضمنة في الخطاب، والمساعدة على فهم سياقاتها.

ولفهم نظرية التأطير بشكل أوسع، تسعى هذه الورقة إلى تحليل نقدي لثلاثة من أهم النقاشات المتعلقة بموضوع “نظرية التأطير”، وهي علاقة التأطير بـاللغة، و علاقة التأطير بـالسياق الإجتماعي، وأخيراً، علاقة التأطير بـالإعلام مع طرح أمثلة لتوضيح المعنى.

علاقة التأطير بـاللغة: الاختيار والبروز

عملية التأطير تتم عن طريق اللعب على عاملين أساسيين هما: الأختيار، أي اختيار شيء محدد من النص من بين خيارات متعددة، وجعله محور التواصل، بطريقة تعزز فهم موضوع معين. والعامل الآخر هو البروز أي إظهار بعض جوانب الموضوع، عمداً بقصد التركيز عليها، واغفال جوانب أخرى قد تكون ذات أهمية، وهي بهذا المفهوم نوع من الأيديولوجيا. فالأطُر هي تجريدات تعمل على تنظيم أو صياغة معنى الرسالة، وتستخدم غالباً في النصوص السياسية والإخبارية، حيث يتم تشكيل الإطار من خلال إدخال معلومة في سياق محدد وضيق، وتصميمها بحيث تخدم أيدلوجية منتجها، أو لتحسين الفهم، أو أحياناً يتم استخدامها كاختصارات معرفية لربط القصاصات الصغيرة بالصورة الأكبر. وقد تكون الأطر على شكل كلمات مفتاحية، ومفاهيم، وأوصاف مجازية، وصور مرئية، ورموز، يتم التركيز عليها في النص. وتعمل هذه الآلية من خلال التكرار، إبراز جوانب معينة واستبعاد أخرى. ونتيجة لتبني أطر معينة، تؤدي هذه العملية إلى التسبب بخلق نظرة متحيزة، نظراً لافتقاد الموضوعية بعدم تقديم جميع الأطر المعنية بالموضوع الى الجمهور المستهدف.

وإذا أردنا دراسة التأطير من جانب لغوي، فبالإمكان استخدام نموذج دايترام شوفيل  والذي ناقش فيه كيفية تحليل الأطر من منظور دراسة التأثيرات الإدراكية للتأطير. وقد استند في نقاشة لهذا النموذج على الفرضية الأصلية لنظرية ترتيب الأولويات التي تم التنظير لها من قبل برنارد كوهين عام 1963، ولحقه ماكسويل مك-كومبس ودونالد شو عام 1972، وذلك في محاولتهم لبناء نموذج نظري أكثر شمولاً لتحليل الأطر.

يقوم هذا النموذج على ثلاثة مكونات رئيسية هي: المدخلات، أو تحديد المتغيرات التي ربما قد تؤثر في نتيجة التحليل، مثلاً الجهة الأيديولوجيات والاتجاهات السياسية، وغيرها. ثم البدأ بتحليل الأطر المتضمنة في النص، وبيان علاقتها بالمدخلات. وأخيراً، نقاش المخرجات التي نتجت عن الأطر كناتج للمدخلات وتفاعلها مع الأطر المتضمنة في النص. ويعتبر هذا النموذج أحد أهم نماذج تحليل الأطر المستخدمة في البحوث، لأنه يتعامل مع عملية التأطير كمنظومة متكاملة .

علاقة التأطير بـالسياق الإجتماعي: النموذج الطبيعي

وإذا فكرنا في النص أبعد من المستوى اللغوي، بل كسياق اجتماعي، فقد ذهب جوفمان إلى أن نظرية التأطير تنظر إلى السياق الاجتماعي على أنه نص. أي من يحلل الأطر الاجتماعية عليه أن يرى العالم من حوله أو المجتمع الذي يعيش فيه، كمسرح من التفاعلات الاجتماعية التي تشبه الطقوس. هذه الطقوس الخاصة بكل سياق إجتماعي، غالباً ما تكون قيم مكتسبة اجتماعياً. فنحن نتصرف في مسرح الحياة وفقاً لإملاءات نتعلمها، بطريقة واعية، مثل التعليم، أو بطريقة غير واعية، مثل التجربة. وبما أننا فيما يشبه المسرح، فيمكننا التحول من نص سيناريو الى آخر. وهكذا، فنحن في المواقف الحياتية نستدعي من الذاكرة دلالات اجتماعية لنتصرف بناء عليها. وعلى هذا المفهوم، فإن الأطر ما هي إلا مجموعة من التوقعات المسبقة التي تخلق معنى ومغزى لموقف محدد. لكن ما خطورة هذه العملية على إدراك السياق الاجتماعي في مخيلة الأفراد؟

تكمن إشكالية عملية التأطير في السياق الاجتماعي في أنها تقدم نموذج للحياة “الطبيعية”، أو ما يجب أن تكون عليه الأشياء الطبيعية في الحياة. وهذا نقاش مهم يستدعي سؤالاً محورياً في هذا السياق، وهو “من” يحدد ما هو طبيعي للمجتمع؟ هذا السؤال سيقودنا بالضرورة إلى الحديث عن “القوة”. بمعنى آخر، من يحدد للمجتمع ما هو “طبيعي”، أو مقبول، أو كما في مجتمعاتنا العربية، ما ليس عيب، أو حرام – في بعض الأمور الدينية المختلف في حكمها – وغيرها من التصنيفات، من يحددها ليس من يكون على تلك الصفات بالضرورة. لأن من يحددها هو فقط من يملك “القوة” ليفرضها على غيره ممن هم في المجتمع، قد يكون مؤسسة الدولة، أو يكونوا مجموعة من رؤوس الأموال، مشائخ دين، زعماء قبائل، وغيرهم. حيث يسعى هؤلاء إلى “تأطير” المجتمع من حولهم بما يتفق مع أيدولوجياتهم، تحت ذريعة من “الطبيعي” أن تكون الأمور على هذا المنوال. لكن ماذا لو لم ينصاع المجتمع لهذه التصنيفات؟

هنا يأتي دور الإقصاء الاجتماعي، عن طريق تصنيف مرة أخرى من يتمرد على قيم فرضت بالقوة على أنهم غير “طبيعيين”، بهدف نبذهم من المجتمع. فهي، كما ترى، علاقة مبنية في الأساس على القوة، وليس على الحالة الطبيعية كما يتوهم البعض، إن كان هناك أصلاً شيء طبيعي حقيقي. وهذا وهذه الظاهرة هي ما أسماه جوفمان “أطر الإنتهاكاتالانتهاكات”، وهي الأطر التي تصور الانحرافات عن الحياة الطبيعية، مما يؤثر على إدراك الواقع لدى المتلقي العام، ويضفي شرعية على المؤسسات المسؤولة عن النظام الطبيعي.

لذلك، فهذا النموذج “الطبيعي” موجود في الحياة الاجتماعية ويتم تطبيقه لتحليل السياقات الاجتماعية. وتستخدم نظرية التأطير غالباً لفهم السياق الاجتماعي-السياسي، ولقياس آثار الاستراتيجيات طويلة الأمد، والتمهيد لقبول قضايا شائكة. لكن يجب ألا نغفل عند تحليل الأطر في هذا المستوى أن عملية التأطير في المجتمع يقوم بها مجموعة قوية من الأفراد والمؤسسات في المجتمع، وإذا كثرت مصادر التأطير في المجتمع، فسيكون لكلاً له أيدولوجياته الخاصة، التي ربما تؤدي إلى التنازع فيما بينهم على السيطرة على المجال العام في المجتمع. وهذا الصراع الأيديولوجي في المجال العام، إما أن يكون في صالح الجمهور، وذلك لتوفر خيارات متعددة من الآراء وغياب احتكار الأيديولوجية. أو أن يدخل الجمهور في دوامة من الأيديولوجيات المتضاربة من كل صوب، فما يعد يدري ما هو “الطبيعي” ليحتذي به؟ لكن، ماذا عن التأطير في المجال الإعلامي؟

علاقة التأطير بـالإعلام: النموذج المثالي

ذكر أسبين يتربرج أن التأطير يخلق أيضاً ما أسماه بالنموذجية أو ‘Hyper-ritualization’، ومعناه أن تخلق وسائل الاعلام، عن طريق تبني أطر معينة، النموذج “المثالي” للحياة. أو بمعنى آخر، ما يجب أن يحتذى به ويسعى الآخرون للوصول إلى مستواه. فالوسائل الإعلامية هنا تخلق لنا واقع بديل، غالباً ما يكون خيالي، للفرد والمجتمع. والواقع أن هذا النوع من التأطير يوجد بكثرة في الإنتاج الإعلامي الترفيهي. فعلى سبيل المثال، تخلق المسلسلات التلفزيونية شخصية مثالية، لكنها في حقيقة الأمر خيالية، لما يجب أن تكون عليه الأسرة السعيدة في المنزل. فنرى ربة البيت في المنزل الواقعي تتطلع، وهي تشاهد التلفاز، إلى الاحتذاء بتلك المرأة العصرية والأنيقة التي في المسلسل والمتحررة من كل القيود. وما تدري ربة البيت تلك، والتي ربما كانت أمية، أن تلك المرأة التي في المسلسل ليست سوى ممثلة، تتقاضى راتباً لتكافح به الحياة من أجل لقمة العيش. فجمهور الإعلام لا يرى من حقيقة الأمور إلا ما تريد الشركات التلفزيونية، والإعلامية، والدعائية أن تريهم فقط، وهو النموذج “المثالي”.

فإذا أردنا، مثلاً، تحليل حلقة من مسلسل تلفزيوني، فمن الأفضل أن نتتبع مسار وظائف تحليل الإطار الإعلامي لروبرت إنتمان. فعند تحليل حلقة ما، فإن الباحث يتوقع أن تلك الحلقة تناقش مشكلة موجودة في المجتمع أو أي إشكالية أخرى للنقاش. وتتم عملية التحليل من خلال أربع وظائف أو مستويات لتحليل الإطار الإعلامي وهي: أولاً، أطر تحديد وتعريف المشكلة. ثانياً، الأطر المستخدمة لتشخيص أسباب المشكلة. ثالثاً، الأطر التي تحدد الأحكام الأخلاقية للمشكلة. رابعاً، تحليل الأطر التي تقترح الحلول. ويشير إنتمان في هذا السياق أيضا الى أن طريقة تحليل الأطر تتم وفق مستويين: الأول، يتم عن طريق تعريف المرجعية التي استندت إليها الأطر في عمليه تمثيل المعلومات، لاسترجاعها لاحقاً من الذاكرة. أما المستوى الثاني من التحليل، فيتم عن طريق تحديد السمات التي تمثل محور الاهتمام في النص، والتركيز على تكرارها وطريقة إبرازها.

الخاتمة:

عملية التأطير هي ممارسة تتم في العقل عندما نضفي لأحداث من حولنا معنى، بينما هي في الأساس بلا معنى أو مغزى، وذلك بهدف جعلها في سياق مقبول. وتسمى هذه العملية بنظرية التأطير التي بدأت من علم النفس على يد غريغوري باتسون، وطُورت لاحقاً إلى علم الاجتماع على يد ايرفنغ جوفمان. ونظرية التأطير تسعى أساساً إلى تحليل الأطر في عملية تسمى تحليل التأطير. وبالحديث عن التأطير، فقد ناقشت ثلاثة مستويات منها للتحليل: التأطير في مستوى اللغة، والذي يشير إلى اختيار شيء محدد من النص وجعله محور التواصل، ثم إبراز بعض جوانبه واغفال أخرى بهدف خلق معنى معين يريده المخاطب. والتأطير في مستوى السياق الاجتماعي، يشير إلى عملية تأطير السياق الاجتماعي لتقديم نموذج للحياة الطبيعية أو ما يجب أن تكون عليه الأشياء الطبيعية في الحياة. وأخيراً، التأطير في مستوى المحتوى الإعلامي، فهو يشير إلى الطريقة التي تسعى بها وسائل الإعلام، وخاصة الترفيهيه، بخلق النموذج المثالي لما يجب أن تكون عليه الحياة.

References:

Bateson, G. (2000). Steps to An Ecology of Mind: Collected Essays in Anthropology, Psychiatry, Evolution, and Epistemology, Chicago: University of Chicago Press. Available at https://goo.gl/gAH5Yy

Cohen, B. (2015). Press and Foreign Policy, Princeton: Princeton University Press.

Entman, R. (1991). Symposium Framing US Coverage of International News: Contrasts in Narratives of the KAL and Iran Air Incidents, Journal of Communication, 41(4), 6-27. Available at https://goo.gl/GKCCLM

Entman, R. (1993). Framing: Toward Clarification of a Fractured Paradigm, Journal of Communication, 43(4), 51-58. Available at https://goo.gl/NtQhcp

Gamson, W. (1989). News as Framing: Comments on Graber, American Behavioral Scientist, 33(2), 157-161. Available at https://goo.gl/GLHxzB

Goffman, E. (1974). Frame Analysis: An Essay on the Organization of Experience, Cambridge: Harvard University Press.

Goffman, E. (1979). Gender Advertisements, New York: Harper Torchbooks.

Johansson, C. (2007). Goffman’s Sociology: An Inspiring Resource for Developing Public Relations Theory, Public Relations Review, 33(3), 275-280. doi: 10.1016/j.pubrev.2007.05.006

McCombs, M. and Shaw, D. (1972). The Agenda-Setting Function of Mass Media, Public Opinion Quarterly, 36(2), 176-187. Available at https://goo.gl/oDr9Wr

Pan, Z. and Kosicki, G. (1993). Framing Analysis: An Approach to News Discourse.  Political Communication, 10(1), 55-75. Available at https://goo.gl/DoHQE5

Scheufele, D. (2000). Agenda-Setting, Priming, and Framing Revisited: Another Look at Cognitive Effects of Political Communication, Mass Communication & Society, 3(2-3), 297-316. Available at https://goo.gl/MJduMm

Severin, W. and Tankard, J. (2001). Communication Theories: Origins, Methods, and Uses in the Mass Media, London: Pearson College Division.

Ytreberg, E. (2002). Erving Goffman as a Theorist of the Mass Media, Critical Studies in Media Communication, 19(4), 481-497. doi: 10.1080/07393180216570

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى