الدراسات البحثيةالمتخصصة

أطلال الحكمة : كليلة ودمنة وحكايات الرفض السياسي

اعداد :  حسن سيف الدين حسن السيد – اشراف:  د. علياء سرايا – كلية الاقتصاد والعلوم السياسية -جامعة القاهرة

  • المركز الديمقراطي العربي

 

  • الفهرست.
  1. تمهيــد………………………………………………………………………………ص 3-4.
  2. المشكة البحثيــــــــــــــة……………………………………………………………….ص 4.
  3. الأسئلــة الفرعيـــــة…………………………………………………………………….ص4.
  4. مراجعة الأدبيات السابـقـــــــــة…………………………………………………….ص 5-11.
  5. الإطار النظري…………………………………………………………………….ص 12-13.
  6. الإطار المفاهيمي………………………………………………………………….ص 13-14.
  7. منهجية الدراسة………………………………………………………………………ص 14.
  8. تقسيــــــم الدراسة………………………………………………………………………………………..ص 15.
  9. الفصل الأول: كتاب كليلة ودمنة وعبدالله بن المقفع…………………………………………………..ص 16-26.
  10. المبحث الأول: نشأة بن المقفع والعوامل التي أثرت على فكرة…………………………ص 16-19.
  11. المبحث الثاني: باعث بن المقفع لانتقاء كتاب كليلة ودمنة……………………………..ص 19-23.
  12. المبحث الثالث: السياق السياسي لكتاب كليلة ودمنة……………………………………ص 23-26.
  13. الفصل الثاني: الرفض السياسي في النص السلطاني…………………………………………………..ص 27-37.
  14. المبحث الأول: أنواع الرفض السياسي في كتاب كليلة ودمنة…………………………….ص 27-30.
  15. المبحث الثاني: أسباب الرفض السياسي في النص السلطاني…………………………….ص 30-33.
  16. المبحث الثالث: تداعيات الرفض السياسي في نص بن المقفع ومشروع الإصلاح………..ص 33-37.
  17. الفصل الثالث: صراع القيم السياسية في كتاب كليلة ودمنة…………………………………………….ص 38-47.
  18. المبحث الأول: المقاصد القيمية ودلالاتها في كليلة ودمنة………………………………..ص 38-41.
  19. المبحث الثاني: القيم المبرزة في النص ودورها في إصلاح شؤون الحكم…………………ص 41-44.
  20. المبحث الثالث: دور الرعية في المشهد السياسي وواجب الملوك تجاههم وفقا للنص…….ص 44-47
  21. الخاتمة………………………………………………………………………………………………..ص 48-51.
  22. قائمة المراجع………………………………………………………………………………………….ص52-56.

 

“القلم بريد القلب.. يخبر بالخبر وينظر بلا نظر…”   عبد الله بن المقفع

تمهيـــــــــــــــــد:

دائما كان الجدل في العلاقة بين الأديب والسلطان والرؤية الأشمل التي تطرح لنا العلاقة بين الأدب وعلم السياسة، كثير من الأدباء كانوا شوكة في حلق الملوك، منهم من استمروا في أدائهم لقوتهم أو لأسباب أخرى، غير أننا نجد من اعتصروا جهدهم الفكري في كونهم لسان الملك أو السلطان وغطائه الأيديولوجي، بازدواجية دورهم كونهم حاملي رايات الثقافة، ومرايا سياسة دولة السلطان وتصرفاته. أُدباء السلطان ينصحونه لتعضيد سلطته وتحسين أدائه، لهم لونهم وحديثهم فيما يدعى الآداب السلطانية وأعطوا من كل شيء سبباً في اصطفاف سياسي فكري هدفه الأسمى هو الحاكم وتقوية سلطانه.

في تلك الدراسة سوف نتناول كتاب الفيلسوف الهندي بيدبا المُعنون بـ “كليلة ودمنة[1]، المكتوب لسلطانه دبشليم كما ذكر بن المقفع في مقدمة الكتاب بغض الطرف من ابتدعه، بن المقفع أم بن سحوان .[2] لدينا هنا نص يمثل الأدب السلطاني، وقد ظهر في العصر العباسي (ق 2 هـ). حيث تسعى تلك الدراسة بعد معرفة كنه الأدب السلطاني وطبيعة عمل الأديب السلطاني وعلاقته بالسلطة، إلى تفنيد الكتاب المُتناول سياسياً، وخاصة الداء كان دائما في الرفض السياسي للسلطان، ونحن نعرف أن السلطان ما يعدل الا ليظلم، ولا يعف الا لينتقم، نقابله بالطاعة ويكره العصيان، حلمه جور، ونجده غور، يصلح فيفسد، ولو صلح المثال فيكون الأسد في كتاب كليلة ودمنة هو السلطان وهو يمتلك القوة ويفقد الحكمة، وله مستشارة دمنة وهو عكس الملك في صفاته، أما ما يمثل العامة هنا فهو الثور وهو قد فقد القوة والحكمة، فلم يقو على مجابهة ظلم الملك وفساد الحاشية.

وأما عن الكاتب فهو عبد الله بن المقفع “ناثر كبير وأديب خطير” كما يقولون، يرجع أصلع للفرس، وقد ولد بمدينة تدعى جور عام (724مــ/106هــ)، يدعى في الأصل روزبة ووالده داذويه، كان والده واليا لخراج فارس ويقال أنه قد اختلس بعض المال فأمر الحجاج بن يوسف بقطع يده فسمى بالمقفع، كان بن المقفع مشهور بأسلوبه البليغ وبيانه العذب، والإكثار من الحكم والأمثال حول كيفية صلاح الأخلاق وتهذيب العقول، وقد تعلم العربية وبرع فيها حتى أطلق عليه الأدباء “السهل الممتنع”، كان يعتز كثيرا بنسبه للفرس وخاصة في الأدب، وقد تمكن من النقل عن الفارسية والهندية، كما أنه كتب في علم المنطق والاجتماع وعلم أخرى، وفي اخر أيامه كان مشهور بمعارضة الوالي سفيان بن معاوية وكان يسخر منه كثيرا، فأمر بقتله بتهمة الزندقة وهو من براء، وتوفى عام (759مــ/142هــ).

اختيار “كليلة ودمنة” في موضعه، وفي سياق ما متعلق بتاريخه وقتئذ العصر العباسي الأول بدأت الثقافة الفارسية في الانتشار الواسع وذلك في أمري السياسة والعلم. وفي مضمون الأمر نقول أن الثقافة الفارسية تلك كانت أحد بل أول المناهل الأساسية لتقليد الآداب السلطانية الذي ظهر في ذلك الوقت، وتجلت تفاصيل تلك المرجعية في عدة صور منها: في أمر الحياة وظهور ما يسمى بـ قواعد الاتيكيت، أو أمر السياسة مثلاً فانتشرت أشياء كـ طرق التودد للحكام وكيفية مخالطتهم ومجالستهم، وهذا ما يثبته أن وزراء الملوك وكُتابهم في الأعم الأغلب وقتئذ العصر العباسي كانوا من الفرس، وقد ساهموا بشكل كبير في شيوع تلك الثقافة وترويجها. وتتمثل لدينا المرجعية الأخرى في كتابات أرسطو وأفلاطون تلك التي تنتمي إلى العصر اليوناني، والتي نُقلت كمثيلتها الفارسية من خلال حركة الترجمة الواسعة التي شنها العباسيون في حينهم. وأخيراً تاريخ العرب وتجربته مع الآداب السلطانية، وذلك قبل الاسلام وبعده.[3]

تسعى تلك الدراسة للوصول لعدد من الأهداف ومنها أولا متحاول الدراسة وضع خطة عامة للرفض السياسي في الكتاب وذلك من خلال استخراج الدلالات السياسية للنصوص المكتوبة، وانطلاقا من أن الهاجس الأول لأي حاكم هو انعدام شرعية هذا الحاكم وما يترتب على ذلك من أمور الرفض وخلافه، وبالتالي يكون الهدف الثاني هو السعى في بيان عدة طرق لتفادي محفزات الرفض السياسي وذلك من خلال تجنب ظلم الرعية وإصلاح أحوالهم، فليس الهدف هنا وضع تعريفات جديدة للرفض السياسي، وهذا بالشكل الأعم، لكن الحقيقة أن تلك الدراسة تسعى وبشكل دؤوب للوقوف على أسباب الرفض السياسي ومن ثم محاولة تجنب حدوثه وهذا لن يتم إلا بإصلاح الملك وصلاح الرعية.

  • المشكلــــة البحثـــــية

الأمر كله متعلق بإشكالية بسيطة وهي الجدل في العلاقة بين الأديب والسلطان، والنص السلطاني بينهما وهو ما نسميه الأدب السلطاني، فالاداب السلطانية هي كتابات تنشأ على أساس مجموعة نصائح أخلاقية وقواعد للسلوك تقدم صورة الحاكم وما يجب عليه فعله في شؤون ملكه، اختيار حاشيته، سلوكه مع أعدائه والتعامل مع رعيته، وهدفها تقوية الملك والحكم، وهذا التصور البراغماتي يعتمد بشكل كبير على التجربة ويلزم حدود واقع السلطة وشؤون السلطان فلا يتعدى ذلك إلى محاولات وضع تنظير شمولي عن السلطة السياسية.[4]

وهنا نحن بصدد قضايا عدة يعالجها سرد بن المقفع، ومنها الملك الغافل المستبد، المستشار الخائن المتصابي، والرعية المتساهلة في حقها، كل هذا يخدم القضية السياسية التي نريد عرضها وهي الرفض السياسي، وهنا تتجلى الإشكالية المتعلقة بـ الرفض السياسي كصوت الرعية الأول للتعبير عما يرونه، وصوت الحاكم في تبيان حقائق الأحداث، وما يقابل سياسات الملك وحاشيته سوى الرعية في النهاية، وهم من يقيمون الأمر، ثنائية المعادلة تتجلى الآن.

كيف يتسنى لنا أن نصلح ملك غافل متواضع الذكاء وحاشيته القابعة خلف ستائر المشهد؟ وما دروب إصلاح رعية لديها أدوات الرفض والطاعة؟ والاجابة نجدها في ثنايا الكلمات ومدارك الحروف، لبيان الغائية من اختيار قضية الرفض السياسي بالأخص لما لها من تأثير كبير على استقرار الملك وتحسن أحوال الدولة حتى تسير في طريق محدد، ومع تعدد القيم المطروحه على الساحة كالقوة والعدل والحكمة والسلام وما دار بينها من صراع ولا يزال، يكون السؤال البحثي الرئيسي الذي تسعى الدراسة للإجابة عليه هو “كيف قام بن المقفع بإبراز قضية الرفض السياسي في كتاب كليلة ودمنة؟”

  • التـــساؤلات الفرعيــــــــــــــــــــة!
  1. كيف نشأ بن المقفع؟ وكيف أثر السياق المرتبط بنشأته على فكرة؟ وما علاقة هذا بكتاب كليلة ودمنة؟
  2. ما هي أنواع الرفض السياسي التي تجلت في النص السطاني؟
  3. ما هي العوامل التي أدت للرفض السياسي وفقا لكتاب كليلة ودمنة؟
  4. ما هي تداعيات الرفض السياسي كما بينها النص؟
  5. من تنشده الأبواب الستة عشر بالنصح والتوجيه (الحاكم، العامة أم كلاهما)؟ وما ماهيتها؟
  6. كم قيمة تصلح لحاكم متزن وفقا لابن المقفع؟ وما علاقتها بالرفض السياسي؟
  7. أهناك أدوات تصلح لبقاء فاعلية الرعية في صورة المشهد السياسي وفقا للنص؟
  • مــراجعة الأدبيات السابقـــة!

فيما يلي نستعرض عدد من الدراسات التي تتناول شقي تركيزه، ومحور التركيز الأول يضم مجموعة من الدراسات التي قامت بتحليل كتاب كليلة ودمنة من خلال مناظير مختلفة، وفيها نستكشف الكيفية التي حللت هذا الكتاب، المناهج التي استخدمتها في تحليله، ونتائج التحليلات المختلفة للكتاب، أما في المحور الثاني فقد ركز على عدد من الدراسات المتعلقة بقضية الرفض السياسي، وذلك للتعرف على منابعه، استكشاف أشكاله ومحاولة استخراج تداعياته من تلك الدراسات.

  • المحور الأول… (سيـــاق النص وما يرتبط بموضوعات الكتاب)

دراسة بعنوان “كليلة ودمنة” تعود لصاحبتها نفيسة عبد الصادق [5]، فيها تتابع تأثير النص السطاني المعنون باسمه على كتابة الأدب القصصي عالميا منذ القرن السادس الميلادي وحتى الواحد والعشرين، وقد أبرزت أن كليلة ودمنة فيه من التعاليم الدينية والأساطير التي تضع فضائل عدة على ألسنة الحيوان والطير، تناولت أيضا بالتحليل القصة بشخصياتها على مدار الفصول الأربعة عشر لتستنبط أنه لا فصام بين قصص بن المقفع وباقي أدبيات العصور المتوالية. وقد نال بن المقفع من هذا السر جزءا، وقد حاكت قصتها المأساوية في كلماتها لتوضح طبيعة عصره والعلاقة السببية بينها وبين تأليف النص الكليلي، لهذا فالدراسة لا تتساءل عن ماهية النص بقدر ما تستخدمها لتعديد تأثيراته الجمة على كتابه النصوص الحكوية في العالم بأسره.

وقد ذكرت نصا استخدام المنهج التاريخي في دراسة وتتبع تاريخ تأثير كليلة ودمنة على الترجمات العالمية، هذا الدليل التاريخي قد يناسب الدراسة اذ اقترن بوجود بناء تحليلي للنص ذاته لاستخراج سر دليل كليلة ودمنة كمنهج لآخرين يستخدمونه في بناء نصوصهم الأدبية.

وقد توصلت تلك الدراسة لاستنتاج بليغ الأثر متمثل في بناء شكل بياني يوضح بعض الترجمات الرئيسة للنص الكليلي منذ القرن الثالث عشر وحتى التاسع عشر الميلادي، وأبرزت أيضا بشكل ولو بسيط كيف أن لواقع بن المقفع ومشاداته السياسيه مع الوالي حينها تأثير على هذا النص؟ ومن تلك التتبعات المختلفة والتي تتصل بأمر السياسة بشكل خاص، أوضحت كيف انتشرت قصص مثل pancatantra و Mahabtharata وغيرهما عبر ترجمات النص الكليلي، فهي قصص للأطفال والنساء، للسياسيين والعامة، لها تأثيرها اللامتناهي على الواقع الأدبي العالمي.

دراسة أخرى باللغة الفرنسية تعود لـ مكرم عباس وعنوانها “الصديق والعدو في كليلة ودمنة” – L’ami et l’ennemi dans Kalila et Dimna [6]، وهي دراسة سياسية الجوهر، كشفت فيها ثنائية اللغة بين الظاهر والخفي الباطن في نص كليلة ودمنة وحللتهما، واستطاعت من خلال تلك المعادلة  قراءة عناصر الكتاب القيمية وما تحويه من أخلاق لها نواياها ودلالاتها السياسية، ومن ثم حاولت فك رموز السلوك الاجتماعي الوجودة داخل النص لرموز الكتاب وشخصياته، واستطاعت تفسير هذا السلوك بدوافع تلك الشخصيات الحيوانية على اختلافها، وبالتالي حاولت تسليط الضوء على قضية قيمية يطرحها الكتاب وهي وجوب كون الرجل السياسي سياسي بالفعل يتحلى باخلاق السياسة ويتصرف في ضوء الأحكام السياسية، حاولت أيضا كشف حقيقة بعض القيم كالحسد والعداء ما وفر له مدخلا لتنظيم معايير الصداقة، المثابرة وأمور اللاعنف، ورغم ان بن المقفع لم يصنع الانفصال بينهما فهذه الدراسة هي محاولة لجعل هذا النص منهلا للأخلاق السياسية ومنبعا للأخلاق الفردية على حد سواء.

تلك الدراسة تحاول أن تستكشف علاقات الصديق والعدو في النص والتي تجلت مثلا في علاقة الفيلسوف بالملك وما تطرحه من مسائل تثبيت السلطة وكيفيتها، ثم تضع افتراض ديالكتيكي يطرح اقتراب مزدوج، شقيه أنها عادت لشروط تأسيس المجتمع السياسي من خلال طرح فكرة قانون الغابة، ثم انتبهت للعلاقة المذكورة في أمور السياسة الداخلية والخارجية، لتتسائل سؤال بحثي رئيسي وهو “هل يمكن انتخاب هذا المعيار التمييزي لتعريف السياسة في كتاب بن المقفع؟” على اعتبار انه لم يضع تعريفا واضحا للسياسة في النص السلطاني، لهذا فالباحث قد استخدم المنهج التحليلي من خلال تتبع نظرية الصديق والعدو في علم السياسة، ومن المحتمل انه قد استخدم أفكار النخبة والجماعة لاستعراض بعض الفصول ووضع تصنيفات الصديق والعدو، وهذا الاستنباط يشكل حالة منطقية تفسر على أساسها اللمسات السياسية في فكر بن المقفع.

توصلت دراسة مكرم عباس لبعض النتائج منها والموضوعة في اطار افتراضه، منها أن بن المقفع لم يضع تعريفا محددا للسياسة وهذا ما أوضحناه، ثم من خلال تناول نظرية الصديق والعدو علم ان تفاقم العداوة عند بن المقفع لا يؤدي بالضرورة إلى الحرب، رغم أنها تظهر التوترات والصراعات في دائرة السلطة، فزمن بن المقفع لم يكن ليطرح بعد مفاهيم تكوين جماعات معادية للسلطة، فطالما كان العداء من الداخل خاصة في مجتمعات ما قبل الحداثة، وهو العداء الشبه نموذجي عند بن المقفع، استنتجت الدراسة أيضا الكيفية التي كان كتاب كليلة ودمنة يتربص دائما حالة الفوضى السياسية الممثلة في قانون الغابة وهي الحالة الطبيعية العقلانية المفسرة للحالة، أخيرا فإن علاقات الصديق والعدو نابعة من مبدأ عدم الثقة بالأساس، فلا ثقة في الصديق ولا العدو أيضا هذا ما يطرح نسبية العلاقة في اتخاذ قرارات السياسة، لهذا فإنه في عالم يتسم بالصدفة تحدد قدرة الفعل البشري على التداول والتكيف السياسيين، فلا معايير ثابته وليس هناك مسلمات مقترحة للجدال.

دراسة هنا بعنوان “مفهوم المفارقة في حكايا كليلة ودمنة لابن المقفع” للباحث أسامة لطفي الشوربجي [7]، وهي دراسة تسعى بشكل أساسي للتعرف على اهم انواع المفارقات التي قدمها نص بن المقفع الأدبي، وذلك من خلال قراءة هذا النص الادبي التاريخي بلغة النقد الحديث، لما يشتمل عليه الكتاب من مفارقات عدة اهمها ذاك العالم الانساني الخفي وراء لغة الحيوان الشائعة بصفحاته، فلا فصام بين العالمين رغم البعد الظاهر بينهما، ذلك أن ما يقال على ألسنة تلك الحيوانات هو بالأساس حديث الناطق بها وهو الانسان، سعت أيضا الدراسة لاستكشاف أسباب شيوع تلك المفارقات الضدية في نص بن المقفع، كأنه يحكي عن الواقع عامة وواقع عصره بشكل خاص، والحياة لما لها من ممارسات متناقضة لا تتفق، ويمكن وضع ما سبق في سؤال واضح وهو “ما هو مفهوم المفارقة عند بن المقفع؟”، به تسعى الدراسة للوقوف على أنواع تلك المفاراقات وتحليلها بشكل يصنع مرجعا لها.

سايكولوجيا المفارقة منهج أساسي بأدوات متعددة استخدمته الدراسة لتفسر به وجود ضديات في نص بن المقفع، في سعيها للوصول لهدفها استعانت بمنهج تحليل الخطاب وبه قامت بتحليل بعض الحكايات في نص بن المقفع لتستخرج مفاهيم ومعاني المفارقة فيها، وأغلب الظن أن تلك المناهج قد أفادته كثيرا في الوصول لنتائج مرضية.

نتائجه صنعت أيضا المفارقة، فلقد توصلت الدراسة أن مفارقة بن المقفع نابعة بالاساس من إحساسه الداخلي بمفهوم المفارقة وطبيعته، ذلك أن الحياة مليئة بالتناقضات وتحتاج إلى منظار المفارقة هذا لتفسيرها، فابن المقفع استخدم المفارقة ليصف الواقع السياسي والاجتماعي في عصره، إلا أن انواع المفارقة في نص بن المقفع لا حصر لها، وقد تنوعت بين مفارقات الأحداث، مفارقات التنافر البسيط، مفارقات قدرية او عامة وأخيرا المفارقات الضدية، ولعل سبب شيوع سيكولوجيا المفارقه في النص هو أسلوب بن المقفع الساخر، فهو يسخر من بعض نماذج الشخصيات من خلا التعمق في صفاتها وتعرية تلك الصفات ومن ثم كشف التناقضات بداخلها، وأخيرا فإن الفجوة بين عالم الحيوان في نص كليلة ودمنة، والعالم الانساني غير موجودة بالأساس، فحيواناته ناطقة مفكرة عاقلة، تتحلى بفضائل ولديها سلبيات كالدهماء.

وهنا يجب أن تتسائل دراستنا “هل كانت التناقضات الحية الضدية هي سمة عصر بن المقفع لنراها منتشرة بهذا الكم المهول في كتابه السلطاني؟”.

دراسة أخري وعنوانها “كليلة ودمنة والسوابق التقليدية في تصنيف القيم الحديثة” للباحثين آدم بيلداج، وإليف أكطاس [8]، وفيها مجادلة عن أهمية فحص كتاب بن المقفع من خلال بعض التصنيفات الغربية للقيم، تصنيفات سبرينجر، روكيش، اليونسكو وشوارتز، والجدوى هنا في هذا أنها تلقي الضوء على الواقع الحالي رغم تاريخيتها، تتناول تلك الدراسة تحليلا سياسيا عميق للنص السلطاني من خلال تحليل شقين وهما، علاقة الأخلاق بالسياسة وتحليل القيم المذكور، فهي باختصار تتحقق من جدوى الكلاسيكيات الشرقية وفق إطار نظريات القيم الغربية، هدفهم في هذا التحقق من عالمية الكتاب كأساس علمي قيمي يطرح مفاهيم جديدة في المجالات المختلفة، ولا شك أن هذا تساؤلها الأساسي المطروح هنا، سؤال الجدوى والقيمة.

وذكرت الدراسة في منهجيتها أنها استخدمت المنهج النوعي، قامت من خلاله وبأدواته جمع البيانات من خلال مراجعة وثيقة للنصائح الأخلاقية الواردة بالنص، بجانب استخدام نظريات القيم المذكورة، ومن خلال أداة تحليل المحتوى تمكنت من إجراء فحص دقيق مفصل ومنهجي للكشف عن المعاني والاحكام المسبقة الواردة بالنص، وقد قامت بعرض القيم الواردة بالنص في شكل جداول تتمثل القيم داخلها في نسب مئوية واعطائها قيم آلية وفقا لنسبتها وذلك على مستوى تصنيفات القيم الأربعة، وهاك تصنيف روكيش مثالا لتوضيح الامر:

نستطيع أن نجد سيلا من الاستنتاجات القيمة قد ظهرت، أبرزها أن مكانة بعض القيم لم تتغير منذ قرون كالعلاقات الانسانية، السعادة، العدالة، الخير، الفضيلة والشرف، أما قيم من نوعية الحكمة والشعور بالانجاز حظت بأكبر نسبة إسناد في النص السلطاني، وعناصر من تصنيف المنطقية والطموح والفكر هي أكثر القيم الإلية في التكرار، أيضا فقد لاحظ الباحثان أن الكتاب يحتوى في غالبيته على القيم الدينية، وأن تقاليد الانجاز والسعادة هي القيم الأولى والبارزة في الكتاب الكليلي، لهذا فهما يزعمان أن الكتاب يشتمل على جميع القيم الواردة بالتصنيفات الاربعة.

وقد ذكرت الدراسة أن الكتاب يحتوى على معظم القيم الاخلاقية، الدينية، الجمالية، الوطنية والعالمية التي امتدت حتى اليوم، لهذا فالكتاب يستحق أن يكون مرجعا سياسيا لحكام العصر لتأكيده على مفاهيم العدالة، المساواة، الحكمة، الرحمة والتضحية، إلى جانب استخدامه كمرجعا تربويا للبالغين والأطفال لقيمته في التأكيد على قيم ثمينة ونصائح غالية كريمة تحت مظلة الحق، الخير، الجمال.

دراسة أخرى بعنوان:

“Dimna’s Trial and Apologia in Kashifī’s Anvār-i Suhaylī. Morality’s. Place in the Corrupt Trial of a Rhetorical and Dialectical Genius.”

للدكتور C. Van Ruymbeke [9]، وهذه الدراسة تحاول وضع إطار تحليلي للنص يستند على معادلة الاخلاق الواردة بالنص، وتبين بصورة ما ان بن المقفع يريد انتصار الأخلاق في النهاية، وهو لا يسعى سوى في سد الفراغات الاخلاقية التي لم ترد به من خلال أنه أكمل وزاد الكتاب فصولا بعد ترجمته، وفي الشق السياسي تبحث الدراسة عن قضية أخلاقية سياسية ومنتهاها كيف يلاعب الحاكم الرأي العام ويشكله لإصلاح صورته المتضررة سياسيا، ثم أنها اصطفت دمنة كشخصية سوفسطائية بارزة في النص تطرح له مفاهيم سياسية جديدة، جعلته مثلا يتعامل مع لغز التصديق الفلسفي وعلاقته بالحقيقة والقدرة على التأثير في نفوس الناس، وهذا ما بان في محاكمة دمنة، لهذا يسير أن نستشكف اتجاهات الباحث المتعددة في التحليل النثري، فهو يتسائل عن قيمة الأخلاق، يحاول اسكشاف الماهية السياسية لتلك الأخلاق، ثم يعود لسؤال فلسفي يتعلق بمعضلة التصديق، هذا كله في بوتقة تحليل فصل معنون بـ  “محاكمة دمنة” وبالتالي فهو يحاول معرفة كيف أن هذا الفصل بطبيعته السياسية تلعب في محيطه عوامل أخرى أخلاقية وفلسفية.

وقد استخدمت الدراسة المنهج التحليلي أو أداة تحليل الخطاب، وهذا في غاية الأهمية كونها مناهج قوية في استكشاف حقائق النص، وهي مناسبة لدراسة تسعى وراء إثبات حقائق أخلاقية وفلسفية واردة في باطن الحديث، وأغلب القول أنها قد استخدمت المنهج التاريخي لما قامت به من عرض تاريخي لترجمات النص وبعض تاثيراته السياسية والاجتماعية طوال القرون المتعاقبة، بالاضافة إلى تاريخ كتابة الخرافة أو القصص من نوعية كليلة ودمنة، وهي بهذا تقيس تأثيرات ما حدث عبر تاريخ من الترجمة والتأليف.

توصلت الدراسة لعدد من النتائج أهمها، أن تلك الدراسة ليست فصلا عن انتصار الأخلاق، بل إنها عن النضال اليائس الحتمي للحكام ضد الأقوياء المتلاعبين في حكمه من مستشاريه، فهي دراسة تثبت الضرورة الحتمية في انتصار الحكم السياسي نهائيا على ما يسميه دقة التفوق الخطابي، وهنا يمثل الأسد ودمنة على الترتيب أثناء المحاكمة، أما عن الأخلاق فقد كشفت الدراسة من خلال الفصل المعروض ان الحرية والأخلاق تسيران في فلك نطاق محدود مقابل العوامل السياسية المهيمنة للحاكم، لهذا تقترح أن العقل يجب أن ينفصل عن أي فضيلة سواء للأسد المتشرع أو دمنة قصير النظر الماكر وغيرهم، لهذا فهي دراسة علمية تضع أسسا فلسفية وسياسية جديدة حول قضية السلطة وامورها.

يقول طه حسين عن النص السلطاني أنه ثورة على الخليفة المنصور، وهو بحق نتاج ثورة رافضة لسياسات المنصور أطلقها بن المقفع في حكاوى الغابة تلك، وقد لاحظت دراستنا في أغلب ما قام به الباحث من مراجعة تفادي الحديث عن قضية الثورة السياسية الرافضة لسلطة الحاكم، بل كانت بوادر إشارات للأمر، بل أن الكثير ممن درسوا الجانب السياسي في كليلة ودمنة قاموا بتوظيف الاخلاق كمنهاج للتقييم، ورغم أن المكيافيلية القائلة بأن الغاية تبرر الوسيلة حتى ولو كانت غير أخلاقية إلا أن الحيادية منطق العقلاء، وفرضية الدراسة بضرورة قيام الدرس المفصل لقضية الرفض السيلسي او الثورة الرافضة من منظور المرجع ذاته، باستبعاد المثل، القيم والأخلاق من التحليل، وهذا ما شجع الباحث على مزيد من البحث المضني، فقد لاحظ الباحث في تناوله الدراسات السابقة بالمراجعة أنها تجاهلت الجانب السياسي بشكل كبير، وركزت على الجانب الأخلاقي بشكل مكثف، رغم أن هذا التناول في حد ذاته لم يبرز مغزى الأدب السلطاني، والذي يبرز في النص بشكل كبير، والمنطق فيه أن يتم ربطه بغرض الأدب السلطاني بالأساس، وهي علاقة بين حاكم ومحكوم من عامة الشعب وهو الأديب، وتلك هي الفجوة الدراسية التي ينطلق منها البحث ليذهب إلى المحور الثاني وهو يتناول قضية سياسية كبرى وهي قضية الرفض السياسي في نص كليلة ودمنة.

  • المحور الثاني… (وسط النص: الرفض السياسي، وحكاياته في كليلة ودمنة)

هناك دراسة بعنوان “الرفض السياسي في حكايات كليلة ودمنة لعبدالله بن المقفع” لصاحبها باسم ناظم سليمان [10]، وفيها حاول الباحث استكشاف موقف بن المقفع من السلطة السياسية في حينه من خلال استعراض قضية الرفض السياسي في الكتاب، ووضح ماهية الرفض وغايته في إصلاح تلك السلطة الفاسدة، هدف أيضا إلى استخراج كافة معاني الرفض التي يمثلها الحيوان بين الصفحات، وهو في ذلك يسعى لاستكشاف كافة جوانب الرفض المتاحة، ولعل سؤاله المنطقي هنا وقت التفكير في مثل تلك الدراسة كان عن ماهية العلاقة بين واقع بن المقفع الذي عاصرة وهو العيش في محراب الدولة العباسية وبين كتابة كليلة ودمنة او تأليفه كما ادعى.

وقد ذكر أن منهج الدراسة هو التحليلي، إذ به استطاع ان يسلط ذوء فكره على الجوانب السياسية العديدة في النص ويحللها شكلا ومضمونا، وهذا ما وجدناه طوال الدراسة في حديثه عن حكايات رفض السياسة الداخلية في باب الأسد والثور مثلا، أو رفض السياسة الخارجية في باب البوم والغربان وهكذا.

وقد توصلت الدراسة لما يلي، معرفة جوانب الرفض في الحكايات على وجه الدقة سواء في السياسة الداخلية او الخارجية، بل علم ان الأمر لا يتوقف على الرفض الشعبي للسلطة، فالحاكم ممكن أن يرفض مستشاره المخادع في حكاية الأسد وشتربه، أو الوزير الذي يرفض تسرع الحاكم في نفس الحكاية، بالإضافة لرفض العجلة ورفض الاستهانة بالعدو وقوته وذلك على المستوى الخارجي، فابن المقفع يعبر بشكل واضح عن الصراع بين الظالم والمظلوم، القوي والضعيف، الحاكم والرعية حتى يصل الأمر للجماعة والفرد، صياغة أدبية لها جوانب اجتماعية وسياسية جمة هدفها اصلاح ما فسد في السلطة.

ومن أبرز الدراسات التي تناولت الجوانب السياسية في الكتاب هي دراسة لـ Lahcen Boukhali وعنوانها “الخطاب السياسي في كليلة ودمنة لعبدالله بن المقفع” – “Le discours politique dans Kalila et Dimna d’Ibn al-Muqaa’” [11]، هدف الباحث هو الربط بين العوالم المختلفة، واقعين مختلفين تماما وهما البشر بمؤسساتهم وهيئاتهم السياسية علماء وسياسيين وحكام، وعالم الحيوان في السرد القصصي وحكاويهم وجدالهم المشتق من فكر سياسي واخلاقي بالأساس، وبالتالي فهو يقلل الحدود بين الجانبين من خلال التحليل السياسي والأخلاقي للنص، هو أيضا يستكشف الحقيقة وراء أن الدروس والعبر الواردة بالكتاب تصلح لكل زمان ومكان، بشرط أن يتم تكييفها، ومن ثم يطرح جدلية المكان واللامكان، بين عالم الحيوان وهو اللامكان والحديث الدائر على ألسنتهم وما يطرحه من أمور سياسية وتأثير هذا على واقع المكان وهو البشر.

يقوم الباحث بالجمع بين جدليات الطرح والنقيضة والظاهر والباطن يقوم الباحث في فصله الثالث تفسير علاقات القوة بين شخصيات الكتاب، وكيف أن العلاقات تلك ومبدأها السياسي تطرح أفكار الحرب والسلام، من مبدأ العنف المزدوج، وتحت مظلة الطرح المقدم تأتي عوامل الثورة والاحتجاجات والرفض السياسي بكافة أشكاله، فالباحث يقوم بقراءة النص قراءة سياسية، وهنا يتضح تساؤله المتعلق بسد الفجوة الفكرية التي ذكرناها، وهو سؤال عن الكيفية.

هذا الباحث قد استخدم عدة مناهج في دراسته الموسعة تلك، بداية مع المنهج التحليلي وذلك للإجابة على التساؤل الكيفي المذكور، وهذا منطقي نظرا لأن التحليل يوفر له خطوط تهذب هذه المقاربة التي يريد خلقها في دراسته، أما في مقدمته فقد استخدم المنهج التاريخي لعرض المرجعية الفكرية التي نشأ في خلالها الكتاب، وهي عصر بن المقفع وسيرته من خلال تحليل التاريخ السياسي لهذا المفكر، وأغلب الظن أنه قد استخدم اقتراب الثقافة السياسية وذلك لتفسير أسباب التحول من الشعر إلى  النثر في العصر الأسلامي والسياق الذي نشأ فيه هذا اللون خاصة في العصر العباسي.

استنتاجات عديدة منها، أن وسائل الرفض السياسي لا حصر لها ولكن لها حدودها خاصة وسيلة العنف، لأنه يرى أن الحكمة واختيار الأسلوب السلمي أكثر فاعلية وهو من مفسرات قوة الحجة، ويجادل أيضا ان الواقع يفرض مسارات أخرى غير تلك التي رسمها بن المقفع، فالأمير ليس مثالي، بل تحكمة شروط واقع السياسة وعلى أساسها يتصرف، وهنا تطرح دراستنا سؤالا يتعلق بيوتوبية الأفكار المطروحة، لكن هذا ليس ما في الأمر، وأخيرا هي الركيزة الاهم هنا “دور المرأة” وقد استحضر الكاتب دور المراة الفعال في سياسة بن المقفع، وأبرز مثال هنا هو دور اللبؤة والدة الملك في تقديم استشارة سياسية متعلقة بمحاكمة دمنة، هذا ما تطرحه مضامين العدالة، العدل بين الرجل والمرأة داخل حلبة السياسة، لا تتوقف الامور عند هذا الحد، فهي الدراسة يمكن تصنيفها داخل نهج مقارن يجمعها بما تمثله في الواقع، وهذا قد يطرح لنا مفاهيم جديدة في علم السياسة.

دراسة للباحثة Hannah Rose وعنوانها:

Effects of political ingroup/outgroup rejection on behaviour and physiology [12]

تتناول الدراسة قضية الاستبعاد بالتحديد لما لها تأثيرات قوية على الكيانات المختلفة، نتائجها كثيرة ومعظمها سلبية التأثير، فهي تشعر تلك الكيانات بانها مستبعدة من المشهد ما يولد مشاعر الرفض بشكل أساسي، لا تستبعد الدراسة أيضا العوامل النفسية الناتجة عن هذا الشعور، فقد تحدثت عن دراسات هرمون الكورتيزول وكشفت العلاقة بين ارتفاعه بسبب الشعور بالاستبعاد أو الرفض عموما وبين النتائج السلبية الناتجة عنه، كأعمال العنف او الخيانة…الخ، وعلى المستوى السياسي فقد هدفت الدراسة لمعرفة تأثير الحزبية على أعضاء المجتمع بشكل أساسي ثم استكشاف تأثيرات الاستبعاد والرفض عليهم، سؤال الدراسة قد ظهر في مضمون الإجابة عليه وهو سؤال الماهية “ما هي تأثيرات الحزبية على توليد مشاعر الرفض السياسي والاستبعاد؟ وكيف تؤثر تلك المشاعر على المجتمع كونها تربة خصبة للعنف المحتمل؟”

المنهج الاحصائي كان هو الأنسب للدراسة، فقد مكنها من جمع بيانات باستخدام اجراء الاستبيان عن خمسين مشاركا في تلك التجربة، لمعرفة ميولهم السياسية وتوجهاتهم ومن ثم تقيس مستوى الرضاء وتميزه عن مستويات الشعور بالرفض والاستبعاد، لتصل في النهاية إلى تحديد بيئات العنف المحتملة، ومن المحتمل أنها قد استخدمت نظرية المباريات لتجرى تفاعل حقيقي لتجربتها، وكان مجال بحوث العمليات خير خادم لدراستها، إلى جانب أنها استخدمت المنهج التحليلي لتتعرف على ما ورائيات النتائج الواردة بدراستها، من خلال القيام بتلك التحليلات الارتباطية تمكنت من فحص العلاقات الواردة في تلك التجربة لتصل لنتائج هامة على مستوى التحليل السياسي.

أظهرت دراسة الباحثة عدد من النتائج منها فكرة التهديد بين المجموعات، وأمور الاستبعاد من الممكن أن تطرح أفكار التحيز وتزيد من الشعور بالعزلة والرفض على المستوى النفسي ما يمثله هرمون التوتر المذكور، بل أن استبعاد مجموعات خارجية يزيد من حدة التوتر أضعاف ما يسببه الرفض الداخلي لعنصر معين، فما بالك بالمستوى السياسي وتأثيراته الغير متوقعه احيانا، هذا ما تهدف إليه الدراسة بالأساس، وهو الارتباط الوثيق بين العوامل النفسية المسببة للشعور بالرفض السياسي وما يمكن أن ينتج من امور العنف الاجتماعي، تلك التفاعلات التي تقودها حركات السياسة والتنقل بين المجموعات المختلفة، لتصل الباحثة لطرح عمومية دراستها التي قد تفسر وفقا لامور أخرى كالتراكيب السكانية والشخصيات وخلافة.

دراسة متميزة أيضا في هذا الشأن بعنوان “استراتيجية الرفض في الرواية السياسية” للباحث أحمد السماوي [13]، فيها يبحث عن معنى الرواية السياسية فيتسائل عن ماهيتها وهل هي جنس فرعي من الرواية بشكل عام أم أنها اصطفت من الموضوعات السياسي، لتثبت فرضية الانتماء الموضوعاتي انطلاقا من انتفاء البعد الاجناسي لتفردها، ويمضي الباحث في التعرف على معاني السياسة بدقة ثم مفاهيم الاستراتيجية، ثم مضى يتسائل عن معنى الرفض السياسي بشكل الخاص في الرواية السياسية، وكيف ينطبق هذا الرفض على من هم في السلطة وآخرون من السلطة فكاك، وقدم لنا معاني عدة للرفض السياسي للروائي من خلال استعراض نماذج لتلك الروايات، وهذا كله يمكن ضمه في تساؤل بارز وهو “ما هي معاني الرفض السياسي في الرواية السياسية؟”.

المنهج التحليلي وأداة تحليل الخطاب كانا الأنسب لدراسة الباحث، فقد قام من خلال أدواته بتحليل بعض النصوص الأدبية من فن الرواية السياسية تلك التي تعبر عن معاني الرفض السياسي، واستنباط مفاهيم جديدة لمفهوم الرفض يعبر عن مؤشرات ودلائل لظهوره.

نتائج عدة، منها أن معاني الرفض في الرواية السياسية لا حصر لها، ومن تلك المعاني رفض الموت مثلا وهو ما يشكل مفارقة مع ثابت النضال السياسي للشخصية السياسية في الرواية، إلا أن هذا لا ينفي رفض الحياة أصلا لكن ليس كل الحيوات، فقط تلك التي ينساب فيها الظلم والجور، ولا يكون هناك منفز، وتأثيرات القول السياسي في النص عموما لا حصر لها يكفي أنها تضع ةجدلان القارئ في قالب معين، لا فكاك منه طالما أن سيطر الكاتب على المتلقي، هذا ما يفعله الراوي بالتمام.

تلك الدراسة قد ألقت الضوء بلمحة بسيطة عن الجانب الأيدولوجي للتحليل الخاص بالرفض السياسي حينما تناولت قضية ارتفاع هرمون التوتر والمسمى بالكورتيزول، وهي من الدراسات المتميزه في هذا الشأن وأشارت إلى جانب لم يتعرض له الكثيرون تقريبا، لكنها تناست توضيح الجانب الجمعي في الأمر، فمشاعر الرفض تلك كي تقطف ثمارها يجب أن تعبر عن العقل الجمعي للمعبرين عنها، وهي في إطار التحليل لم توضه هذا الأمر.

ولعل هذا ما يتصل بموضوع الدراسة بشكل أساسي، وما أبلغ التحليل المتعلق بتحليل خطاب المتكلم والمتلقي ومعاني النواتج المنبثقة من هذا التبادل التفاعلي، فهناك نص بن المقفع، وما قاله، ولديه هو طريقته، أما عن دراستنا فلقد فلا تستخدم المنهج النوعي مثلا والذي يكيل القيم، ذلك أن تحليل القيم قد يكون ذا قيمه غير عادية، فالقيم قد تختلف من مكان لمكان، بل أنه في التحليل السياسي للقيم لا يجوز الاستعانة بالأخلاق في التحليل، ذلك لأن الواقع السياسي يفرض على من يمارسه مفاهيما تبتعد كل البعد عن مناظير القيم والأخلاق، ومن هنا ننطلق لوضع خطة متكاملة لمعاني الرفض السياسي في كتاب كليلة ودمنة، كل تلك المعاني تضع في مضامينها بعض التفسيرات التي تعكس الرؤية السياسية لابن المقفع والتي في أغلب الظن لها خلفية دينية اسلامية.

  • الإطـــار النظــــري!

أن الكتاب المتناول بالتحليل هو كتاب كليلة ودمنة لعبد الله بن المقفع، وكما أشرت في تمهيد الدراسة والمشكلة البحثية الخاصة بها أن هذا النص السلطاني يعد ضمن الاداب السلطانية والتي تحدد على أنها مجموعة من المؤلفات السلطانية الموجهة من أديب ما إلى سلطان أو ولي أمر بهدف الاسترشاد بتلك النصوص في إدارة شؤون المملكة وتدبير أحوال الرعية، والأدب السلطاني يتصل بشكل مباشر بالسلطان وهو راعي السياسة في الدولة، أما هدف البحث هو السعى نحو الوصول إلى الكيفية التي أبرز بها عبد الله بن المقفع قضية الرفض السياسي في النص السلطاني، وهي قضية تتصل مباشرة بسياسة الدولة.

هذا قاد الباحث لتوضيح المفارقة التي تتعلق بإشكالية الأدب والسياسة، وتتسائل تلك الدراسة سؤال وهو: هل الأدب ينفصل عن السياسة أم يتصل بها؟ وإذا كان يتصل بها فإلى أي درجة يكون؟ وهنا نرى رأيان الأول يقول: أن عالم السياسة عالم خالي من المشاعر الانسانية وهو ما تزخر به الكتابات الأدبية لذلك لا ارتباط بينهما، أم الرأي الثاني يرى: أن الأدب والسياسة مرتبطان بشكل كبير يؤثر كل منهما في الاخر ويؤثر فيه بشكل كبير، وبما أن الأدب أو الأديب هو من يشكل فكر الشعوب ومداركها انطلاقا من أن دوره هو النقد اللاذع والنصح المبطن فيجب أن يكون على علم بمضامين السياسة بشكل عام، هذا انطلاقا من حقيقة أن أغلب ثورات العالم لم تكن سوى نتاج بعض الأفكار البسيطة ومنها الثورة الشيوعية الروسية مثلا (البلشفية) عام 1917. [14]

في بعض الأحيان قد يشكل الأدب إزعاجا للسياسة، وهذا بافتراض أنه الوسيلة الأولى للتعبير عن الحرية والإرادة الانسانية [15]، وإلى حد كبير فقد شكل الأدب على مر العصور موضع اهتمام أصحاب السلطة والأمراء والملوك ويمكن اسكشاف هذا من خلال مثال يتعلق بموضوع دراستنا وفي صلبها وهو أنه حينما كان (عبدالله بن علي) واليا على الشام لابن أخيه (أبي جعفر المنصور) غضب عليه المنصور، وقام بمطاردته وطلبه في البصرة من أخويه سليمان وعيسى، فرفضا تسليمه إلا بشروط تكفل له الأمان، فقبل المنصور وكلفوا بن المقفع بكتابة تلك الشروط،وحينما تشدد فيها سخط المنصور، أيضا في مقدمة الكتاب يقال أن هذا النص جاء بطلب من الملك دبشليم للفيلسوف الهندي بيدبا هذا غير قصة تعريبه وما إلى ذلك، غير ذلك فنحن نجد في التاريخ أن كثير من الشخصيات السياسية كانت لها لمسات أدبية في مؤلفاتهم أمثال روزفلت وايزنهاور وهتلر وغيرهم…الخ

لهذا تنطلق تلك الدراسة من بؤرة مجموعة من المقولات النظرية التي تختصر العلاقة الثنائية وهي تأديب السياسة وتسييس الأدب، وهي باختصار مجموعة نتائج توصلت إليها دراسة بعنوان “مفهوم الأدب السياسي في ضوء العلاقات المتبادلة بين الأدب والسياسة” للباحثة رؤى حيد المومني… [16]

  1. عالم الأدب وعالم السياسة ليسا عالمين منفصلين كما يرى البعض. فهناك علاقة متبادلة بين الأدب والسياسة؛ إذ يؤثر كل منهما في الآخر ويتأثر به
  2. يؤدي الأدب، وبخاصة الأدب الملتزم، إلى التأثير في حياة الناس الاجتماعية والسياسية، ويخفف من وطأة السلطة السياسية على المجتمعات. ويلعب الأدب الملتزم دوراً طليعياً في توعية الأفراد والجماعات بحقوقهم، الأمر الذي من شأنه أن ُيحدث التغيير في حياتهم نحو الأفضل.
  3. الأدب السياسي هو الأدب الذي له علاقة بالقضايا السياسية، وهو إما أن يكون أداة ٍ بناء ٕواما أن يكون أداة هدم في
    المجتمع. فقد يعارض الأدب السياسي السلطة السياسية ويحاول تعديل سلوكها خدمة لقضايا الناس، وقد يمالئ الأدب السياسي السلطة السياسية ويسير في ركابها فيصبح بوقاً إعلامياً لها، الأمر الذي يكرس سطوتها ويتيح لها تنفيذ برامجها السياسية.
  4. السلطة السياسية في صراع مستمر مع الأدب والأدباء، لاسيما مع الملتزمين منهم. وهي في سعي دؤوب للتأثير في
    الأعمال الأدبية التي تتناول القضايا السياسية على وجه الخصوص، وتحاول على الدوام استمالة الأدباء وكسبهم إلى صفها بالترغيب والإغراء بالمال والجاه والمناصب، وتتعامل معهم بالترهيب والعنف والقمع إذا لزم الأمر لترسيخ هيمنتها وضمان استمرارها.
  5. يعد الأدب السياسي، بالإضافة إلى كونه محركاً للجماهير وعاملاً مؤثراً في الأوضاع الاجتماعية والسياسية للمجتمعات، أداة فاعلة للتأريخ للأحداث السياسية البارزة في حياة المجتمعات.
  • الإطــــار المفاهيــمي! (الرفض السياسي…)

إن دوغمائية الباحث بالتزامه حدود النص السلطاني، تجعل النص يدور في فلك الهدف المحدد، رفض أي نكران، أما سياسي فهي اسم منسوب إلي السياسة يصف الشئ، فهذا أمر سياسي أي يخص شؤون السياسة، وأما عن السوس فهو الرياسة ويسوس القوم أي يرأسهم ويقودهم، والسائس هو من يسوس الدواب ويرعاهم، وهو ما يوضح معاني كلمة سياسة في اللغة، وسياسة الرفض أي الامتناع وعدم قبول موقف سياسي معلن عنه. [17]

الرفض مقاومة إرادية من نوع ما لرفض تصديق امر ما أو فعل شئ مخالف للإرادة الذاتية، شرطية ألا يكون نابع من دوافع غريزية بحته، كي يحقق متعادلة قوة الارادة، أما  السياسة فتعني في أبسط  وأشمل تعريفاتها وهل من مزيد؟ هي “فن حكم الدول أو دراسة المبادئ التي تقوم عليها الحكومات والتي تحدد علاقتها بالمواطنين وبالدول الأخرى.” [18]، وقد ذكر احمد السماوي تجليات الرفض السياسي وبعديه في رفض جور وظلم سلطة ما وكشف سياستها القمعية، والتخلين الصمود والصبر ما يسبب خسائر لا تحمد عقباها، هذا المدار السياسي للرفض كشعور وتوجه له دوافعه، ولعلها الحقيقة! [19] ويقال عن المعارضة كجزء من الرفض السياسي أنها مرحلة من إثارة التساؤلات حول معايير السلطة السياسية، وأزيد عليها أن الاجابة على تلك التساؤلات ترتبط شرطيا بتوليد مشاعر الرفض السياسي. [20]

الرفض نتاجا للاغتراب السياسي التارك لدقائق التراكمات في نفس الرافض الناقم، فشعوره بالانفصال التام السرمدي عن السلطة الحاكم يولد مشاعر الرفض تلك، وهو يمر بمراحل العجز السياسي وانعدام المعنى، فتغيب المعايير السياسية حتى تصل الأمور للعزلة السياسية، تراكمات من نوعية المجتمع العربي مثلا تنتج لنا مشاعر الرفض ودوافعه، وهنا يتضح التناسب العكسي بين مستوى فاعلية المواطن س في سلطته السياسية ومدى ملائمتها وبين مشاعر الرفض تلك.

ماهية الرفض تتجلى عمليا مثلا في انفجار ثوري عميق أو احتجاج شعبي واسع المدى والنطاق، أعمال تخريبة ذات ارددات متفاوتة التوقيت، وغير هذا من مسارات الظهور والتعبير مما لا ينفي مرحلة التساؤلات كما أشرت، فلا يرتبط الرفض السياسي بحديث في تلفاز، أو ظهور حزب معارض مثلا، لا أصنفه ضمن الرفض طالما لم يعبر عن مصالح الدهماء، تلك التي ترتبط أكثر بتأثيرات المصلحة، فلن يعترض غيرهم على تفاوت طبقي واسع، أو تغول لمصلحة الطبقة في توزيع الثروة، بل أن يصل الأمر أحيانا إلى صراع رافض للأفكار والثقافات القائمة بوجه ما، ما رأينا إبان انهيار الأتحاد السوفيتي ورفض الاعضاء للسياسات الشيوعية، أو ثورة يناير ورفض المصريين للفكر العسكري وغير هذا والأمثلة لا تنضب منابعها، وهنا توضع معايير وضوابط لدروب الرفض السياسي، فلا يسير باعوجاج ولا ينتهى كما بدأ دون حركة أو تغيير.

وهذه الدراسة تتبني هذا التعريف بمؤشؤاته التي تمت الإشارة إليها وذلك للوصول إلى الهدف الرئيسي وهو توضيح قضية الرفض السياسي في نص كليلة ودمنة.

  • منهجية الدراسة!

تعتمد الدراسة بشكل كلي على منهج تحليل المضمون… [21]

وهو “مجموعة الخطوات المنهجية التي تسسعى إل اكتشاف المعاني الكامنة في المحتوى، والعلاقات الارتباطية لهذه المعاني من خلال البحث الموضوعي والمنظم للسمات الظاهرة في هذا المحتوى”. [22]

فهو وبشكل عام يستدعي الوصول للدوافع والأهداف التي يسعى الكاتب أو المتحدث لإيصالها، ومدى تأثير هذا المحتوى في ألإكار الناس واتجاهاتهم، فهو هدفه الوصف، يتسم بالموضوعية، ومنظم، وهو مناسب للدراسات التي تتعلق بسيكولوجيا الأدب والتي تبحث في جوانب التطور للظواهر الاجتماعية والجماهيريىة، والدراسات المتعلقة بالتفاعل الاجتماعي أيضا والتي تبحث في أنماط التفاعل الاجتماعي داخل الانساق الصغيررة كالجماعات، ومحاولة كشف اتجاه تلك التفاعلات.

من المعلوم أن شقي هذا المنهج هما الكم والذي يتعلق بتحليل القيم الأدبية في صورة أرقام ونسب لحساب التكرار الخاص بها ومن ثم التوصل للهدف وهو الخروج بتفسيرات ودلالات منطقية، والكيفي وهو ما يعتمد عللى تفسير وتحليل النتائج من خلال كشف أسبابها، خلفياتها ومقاصدها، وفي تلك الدراسة نعتمد عللى الشق الكيفي، ونستخدم هذا المنهج لتناول موضوع الرفض السياسي في كتاب كليلة ودمنة بهدف الوصول للكيفية التي تناول بها بن المقفع قضية الرفض السياسي في هذا النص، انطلاقا من عدة فرضيات منها أن قيمة الرفض السياسي ترتبط بشكل إيجابي بإحداث تغييرات مؤثرة، أيضا وجود علاقة ارتباطية بين القيم الأخلاقية والقيم السياسية في النص، وأخيرا أن زيادة الفاعلية السياسية للرعية ترتبط ارتباطا وثيقا بمساحة الممارسات السياسية التي توفرها السلطة، وهنا يجري التحليل على نصوص الكتاب والتي قيلت على ألسنة الطير والحيوان، وما فيها من رمزية سياسية لتلك الشخصيات، وقد استخدم هذا المنهج بشكل أساسي لتحليل المضمون السياسي في نص بن المقفع وخاصة موضوع الرفض السياسي.

أداة تحليل الخطاب السياسي [23]، تلك المعنية بفهم البنية المتكاملة للنص، من خلال معرفة وتفسير الحالة الكلية التي قيل فيها، والمتكلم به، ولا يمكن تقسيم هذا الخطاب إلى أجزاء منفصله أو فصله عن السياق الخارجي الذي نشأ فيه، والذي يخلق حالة تجاوز المعنى المقصود للمعنى الظاهر ووضوحه في النص، ونحن لدينا نص بن المقفع السياسي على ألسنة الحيوان والطير وهو شاغر بأساليب الخطاب السياسي، والتي من خلال تحليل سياقها ومن قالها وصفته السياسية، وسياق القول، نستطيع أن نستكشف كافة العلاقات الارتباطية بين شخصيات هذا النص، وما وراء الحديث السياسي بالأخص ما يتناول قضية الرفض السياسي، وكيف ظهرت في هذا النص، وقد استخدمت في المقام الأول لتحليل الرمزية في الكتاب.

تقسيـــــــــــم الدراســـــــــة

نضع هنا المسار الأساسي والذي من خلاله نحاول الإجابة على تساؤل تلك الدراسة المتعلق بقضية الرفض السياسي في نص بن المقفع، وقد علمنا مما تم تبيانه أن النص السلطاني الذي نحن بصدد تحليله لا يتوقف عند حدود السرد، بل يتخطاها لما هو أعمق، ويتجاوزها للحد البعيد من التحليل، وتحليلنا في الدراسة تحليلا سياسيا كيفيا يتناول سياق القضية المذكورة في إطار بن المقفع الادبي، ووضعنا لهذا التحليل منهجا، ونظرية ارتبط فيها الدليل السياسي بالمدلول الأدبي، ثم قمنا بتحديد هذا الدليل ليصبح الرفض السياسي، فموضوعنا هنا هو قضية واحدة في حقل القضايا السياسية المختلفة وهدفنا هو السعى لاستبيان مؤشراته ودلالاته بالاستعانة بنص بن المقفع وهو كتاب “كليلة ودمنة”.

وفي السعي لتحقيق هذ الهدف قمنا بتقسيم دراستنا لثلاثة فصول تسعى في مجملها ومضمونها للوصول للهدف النهائي، الفصل الأول منها تحت عنوان ” كتاب كليلة ودمنة وعبد الله بن المقفع”، وفيه نستعرض ثلاثة مباحث نستعرض فيها أهم السمات الخاصة بنشأة بن المقفع، والسياق السياسي الذي نشأ فيه، والسياق الذي برز في خضمه النص السلطاني المختار، وتلك المباحث هي أولا: نشأة بن المقفع والعوامل التي أثرت على فكرة، ثانيا: باعث بن المقفع لانتقاء كتاب كليلة ودمنة، وثالثا: السياق السياسي لكتاب كليلة ودمنة، ومن هذا الفصل ترمي الدراسة إلى وضع تمهيد للدخول في التحليل السياسي للنص الأدبي نفسه، وذلك من خلال استكشاف الدلالات السياسية المرتبطة بظهوره في الأساس.

في الفصل الثاني وعنوانه “الرفض السياسي في النص السلطاني”، فيه نحاول الاتجاه بشكل كبير نحو وضع تحليل مفصل لقضية الرفض السياسي في نص بن المقفع وذلك من خلال التعرف على أنواعه، أسبابه وتداعياته، داخل ثلاثة مباحث هي أولا: أنواع الرفض السياسي في كتاب كليلة ودمنة، ثانيا: أسباب الرفض السياسي في النص السلطاني، ثالثا: تداعيات الرفض السياسي في نص بن المقفع ومشروع الإصلاح، وهنا نحاول بشكل كبير استخلاص كافة الدلالات السياسية التي يطرحها النص الأدبي والمتعلقة بقضية الرفض السياسي كوسيلة للتغيير وآلية سياسية فعالة سواء للرعية أو للحكام، مما يساعدنا على الانتقال للأحكام القيمية الأوسع ذات الطابع السياسي والتي نتناولها في الفصل الثالث.

أما عن الفصل الثالث وهو “صراع القيم السياسية في كتاب كليلة ودمنة”، فهو الفصل الأخير والذي نتناول فيه شبكة القيم السياسية التي أبرزها بن المقفع في النص السلطاني سواء خص بها الرعية أو الحكام، وذلك للوصول للهدف الأسمى وهو صلاح شؤون الدولة والذي يكمن بالأساس في صلاح المحكومين، وذلك من خلال ثلاثة مباحث وهي، أولا: المقاصد القيمية ودلالاتها في فصول الكتاب، ثانيا: القيم المبرزة في النص ودورها في إصلاح شؤون الحكم، ثالثا: دور الرعية في المشهد السياسي وواجب الملوك تجاههم وفقا للنص، لهذا يمكن اعتبار هذا الفصل هو صمام الأمان الذي يمنح الطرح القيمي لقضية الرفض السياسي، فهذا الطرح المتكامل يساعدنا في الوصول للهدف الأساسي وهو التعرف على ماهية الرفض السياسي في كتاب “كليلة ودمنة”.

الفصل الأول: كتاب كليلة ودمنة وعبدالله بن المقفع

نركز في هذا الفصل بالأساس على ملامح مبدئية تبرز السمات الشخصية للكاتب بن المقفع، والسياق الاجتماعي والسياسي الذي نشأ فيه ومن ثم شكل فكره ووجدانه ليخرج لنا بهذا الذخر الأدبي الكبير وما يحويه من عبر، قيم ومواقف لا تقف عند حدود المجال الفلاني، لكنها تتخطى كل الحدود السياسية، الاجتماعية، الفنية الأدبية، والنفسية القيمية، وهذا باعث للدهشة ومؤثر لا ينفصل عن حدود نشأته والتي سنبرزها وننتقل منها إلى بيان مجال تركيز تلك الدراسة وهو كتاب كليلة ودمنة المنتمي لأدب بن المقفع، وموضوعها قضية الرفض السياسي، فلا شك في أن الكتاب يحتوي على الكثير من القيم السياسية والاخلاقية والتي تمتد لتشمل تقريبا حدود السياس الخارجية والداخلية للدولة.

هدفنا هنا الاجابة على سؤال هام للغاية وهو: لماذا تم وضع هذا الكتاب؟ وذلك باستيضاح الباعث على تأليفه، ويمكن أن نستبين تلك البواعث المختلفة التي دفعت بن المقفع لترجمة الكتاب أو تأليفه، الأهم في الأمر أن هذا الكتاب وراءه الكثير من الحقائق السياسية، الاجتماعية، القيمية والنفسية، الفلسفية والدينية أيضا ولا ضير أن تجتمع جملة لتفسير السبب الحقيقي لوضع سطور هذا المؤلف، أخيرا نسعى للتعرف على السياق السياسي لكتاب كليلة ودمنة وذلك من الجوانب المختلفة، سواء السياق الذي وضع فيه بن المقفع المؤلف وأحوال الدولة أو السياق الذي نشأ من أجله الكتاب أو الاطار الذي يضعه الكتاب ويحتوى على مدينة بن المقفع الفاضلة بين ثنايا حروفه، نضع إطار لتلك الجوانب ومنها ننطلق.

المبحث الأول: نشأة بن المقفع والعوامل التي أثرت على فكرة (فارسي الأصل)

هو روزبة بن داذوية ومكني بـ أبا عمرو قبل أن يسمى نفسه بـ عبدالله بن المقفع وكنيته أبي محمد، وكان مجوسيا ولد في العراق عام (106 هـ – 724 مـ)، وقد أسلم على يد عيسى بن علي والذي كان عما للخليفة السفاح والمنصور الأوائل من بني العباس،  وفي هذا حكي الهيثم بن عدي والذي كان راويا إخباريا كبيرا في العصر العباسي أن بن المقفع جاء لعيسي بن علي وقال له: “قد دخل الاسلام في قلبي، وأريد أن أسلم بين يديك” فقال له عيسى: “ليكن ذلك بمحضر من القواد ووجوه الناس فإذا كان الغد فاحضر” ولم يتركه بن المقفع يومها حتى أسلم وولي كتابة الديوان للمنصور العباسي، لا شك أن دخوله الاسلام كان المرحلة الأولى المؤثرة في تشكيل فكر بن المقفع الاسلامي والذي برز فيما بعد في معظم مؤلفاته. [24]

  • أسرته.

لم يعرف من حال أسرته شئ سوى والده وهو المقفع بتشديد الفاء وفتحها (داذوية) وكان قد تولى خراج فارس أثناء ولاية الحجاج بن يوسف الثقفي للعراق وبلاد فارس، وقيل أن والده قد مد يده واخذ من أموال الخراج فقام الحجاج بتعذيبه حتى قطعت يداه وهي الرواية الأقرب للحقيقة، وقيل عنه أنه المقفع بكسر الفاء لأنه كان يعمل بالقفاع ويبيعها، والقفاع تعني الخوص وهو أوراق النخل ولها استخدامات كثيرة، ولا شك في أن ارتباط والده بالدولة العباسية الكبرى في زهو عهدها كان له عظيم الأثر في نشأة بن المقفع بين مرامي الملوك والسلاطين، وأهدافه التي اتصلت بهم منذ تشكل إدراكه، ووعيه بالحياة، واتصاله في النهاية بالدولة العباسية والتي كانت في طور نشأتها ذاك الوقت. [25]

  • نشأته وصفاته.

وأما عن الأدب فقد نشأة بن المقفع في بني الأهتم، ويقال أن أهل فصاحة وبلاغة، ولا شك أن هذا شكل النواة الأولى والبذرة الأدبية التي أصبحت ثمرة عظيمة المذاق فيما بعد، فكما يقال أنه أدب نفسه فأحسن تأديبها، وقد قال الأصمعي: أن بن المقفع قيل له: ” من أدبك؟” فرد بن المقفع: “نفسي. إذا رأيت من غيري حسنا أتيته، وإن رأيت قبيحا أبيته”، وعرف عن بن المقفع أنه كان ذكيا واسع الأفق في العلوم، وقد أشتهر بهذا وزاد المدح فيه حتى قيل أنه لم يأتي من العجم أذكى منه، وقيل عنه أيضا أنه كان كريما محبا لصديقه، لديه من الجود والمروؤة ما يكفي، وله جملة مشهورة قالها لمحمد بن يحي كاتب الخليفة الأموي مروان بن محمد إذ قال: “أبذل لصديقك دمك ومالك”. [26] [27]

  • موته.

حمل بن المقفع وزر تهمه لم يثبتها المنطق عليه وهي الزندقة، وهي تهمة الملحدين وأصحاب البدع، ولم يصل عن بن المقفع في مؤلفاته المشهورة ما يقر بأنه زنديقا، لكن حساده قد ضاقوا به فرموه بهذع التهمة وهو منها براء، وقد قتله سفيان والي البصرة بأمر من الخليفة المنصور، وقيل لأن بن المقفع كان يغالي في شروط الأمان التي كتبها لـ عبدالله بن علي والذي كان واليا على الشام للخليفة المنصور ابن أخيه، وبعد أن طارده المنصور ولم يجده قصد البصرة وطلبه من أخويه سليمان وعيسى، فرفضوا تسليمه سوى بشروط تكفل له الأمان، وقد كلف بن المقفع بها وغالى فيها فغضب المنصور.

ومن جهة أخرى كان بن المقفع من أشد الرافضين لسياسة المنصور ومسالك الحكم التي يتبعها، وكان دائما ما يسخر من الوالي سفيان بن معاوية ويسبه، وقد قال المؤرخ الذهبي في كتابة سير أعلام النبلاء: “كانَ ابنُ المُقفَّعِ معَ سعَةِ فَضْلِه، وَفرطِ ذكائِهِ، فِيْهِ طَيشٌ، فَكانَ يقُوْلُ عَنْ سُفْيَانَ المُهلَّبيِّ: ابْنُ المُغْتَلِمَةِ مِما تَسَبّب بقتلِه”، وقد قال له الوالي سفيان في رواية المدائني: “أمي مغتلمة -أي تنقاد للشهوة-. إن لم أقتلك قتلة لم يقتل بها أحد”. وأمر بتقطيع أطرافه عضوا عضواثم مثل بجسده بعد موته ووثف ينظر إليه ميتا ويسبه، وهكذا مات الزنديق بن المقفع كما قيل في (142 هـ – 759 مـ) عن عمر يناهز ستا وثلاثين سنة. [28]

  • إبداعه ومؤلفاته.

وقد تعلم بن المقفع العربية حتى توفق فيها على أهلها، وأسلوبه أيما أسلوب، كان في الأدب رصينا حكيما لا يشوبه الخطأ، رائع لا سبيل أو درب لمحاكاته أو تقليده، وقد أطلق عليه الأدباء السهل الممتنع، وكتبه الأدبية كثيرة والتي جمع فيها بين أدب الفرس إلى أدب العرب بالأخص الادب الاسلامي، وقد عمل في دواوين كثيرة للولاة ومنها ديوان “يزيد بن عمير بن هبيرة” في كرمان، وأخيه “داود” في البصرة، وتطلع فيما بعد للعمل في ديوان الخليفة وتعرف على عيسى بن على عم الخليفة المنصور وأسلم بين يديه ثم تمكن من العمل في ديوان الخليفة، وكان يعتز كثيرا بقومه الفرس، وقد تمكن من النقل عن الفارسية والهندية إلى العربية، وفي الاسلام هو أول من عني بترجمة كتب المنطق قبل الكثير من العلماء المسلمين، بالإضافة إلى علم الاجتماعوالأخلاق اليونانية فبرز وتميز وارتفع بمجهوده الادب العربي لمكانة أعلى وأرقى مما تليه، ولابن المقفع العديد من الترجمات والمؤلفات منها: [29]

  • ترجمة كتب “أرسطاطاليس” الثلاثة في المنطق، وكتاب معروف بـ “بايساغوجي” وهو المدخل إلى علم المنطق.
  • ترجم كتاب “كليلة ودمنة” وهو موضوع الدراسة.
  • صنف أيضا كتب مثل “مزدك” و “التاج” في سيرة أنو شروان، وكتاب “جوامع كليلة ودمنة” وأخيرا كتاب “خداي نامه” في السير و “آثين نامه”.
  • أنشأ رسائل رائعة مثل “الأدب الصغير” و “الأدب الكبير” ورسالة الصحابة واليتيمة وكتاب الحماسة في الشعر.

وهنا يتضح ما نتحدث عنه من براعة فاقت ما يمكن وصفه للأديب الكبير بن المقفع، وقد استعرضنا محطات مختلفة مر بها في حياته، ويمكن وضع ترتيب دقيق لتلك المحطات ما أثر على فكره وشكل عقله المختلف، فقد ذكرنا قصة دخوله الاسلام وتوليه منصب كتابة الديوان للخليفة المنصور ما يمكن اعتباره المحطة الأولى في تشكيل العقل الادبي لابن المقفع وفقا لما هو متعارف عليه، وقد اتضحت تلك اللمسة الدينية في أغلب مؤلفاته إن لم تكن جميعها، فمنظومة القيم الدينية وما يتفرع منها من قيم سياسية وأخلاقية كان مصدرها الأول هو الدين الإسلامي، ثانيا والده واتصاله المباشر بالسلطة أثناء عمله بالخراج، فلا شك أن ارتباط بن المقفع بالدولة العباسية ورأسها بشكل مباشر جاء كنتيجة منطقية لطبيعة عمل والده، بالإضافة إلى أن والده حرص على تعليمه وتثقيفه، وقد علمه اللغة العربية التي كانت لغة العلم والأدب آنذاك.

ثالثا ما يتعلق بابن المقفع وصفاته وقد علمنا عن أدبه ما يبرهن على تفوقه منقطع النظير رغم حداثة اتصاله باللغة العربية، فهو أديب بارع شجاع لا يأبي أن يقول ما يمليه عليه لسانه في وجه كائن كان وقد ذكرنا في هذا الصدد قصته مع الوالي سفيان بن معاوية، رابعا اعتزازه بأصله حينئذ كان في العراق، وقد ولد بها إلا أنه فارسي الأصل ولم ينقطع لحظة عن أصله الكبير، والقارئ لمؤلفاته يلاحظ تلك اللمسات الجليلة ما يتداخل وثقافته الأصلية (الفارسية)، خامسا وأخيرا انتقال بن المقفع للبصرة لا شك أن هذا قد أفاده كثيرا حيث تعرف على أهل الشعر والأدب والخطابة، فتعلم اللغة العربية وعرف أسرارها وأساليبها رغم أنه فارسي الأصل، هذا ما خلق له أسلوبا فريدا استحسنة الادباء ومضوا إلى محاكاته.

  • ما عاصره بن المقفع.

ولد وعاش بن المقفع في عهد الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور (95 هـ – 185 هـ) وهو ثاني الخلفاء العباسيين بعد أن بايعه الخليفة السفاح سنة 136 هـ، وقد بدأ عصر العباسيين بعد سقوط الدولة الأموية سنة 750 مـ بعد ثورة احتشد لها النفوذ الفارسي سياسيا وحضاريا، واختلط حينها العرقين الفارسي والعربي وأصبحت اللغة العربية هي لغة السياسة والتخاطب من وسط آسيا إلى شمال إفريقيا وهذا بفضل الجيش العربي القوي والذي وصف بروح الوحدة والتعاون وقال عنهم الامبراطور قسطنطين: “إنهم أقوياء ورجال حرب”، وكان هذا العصر هو عصر الرخاء والتألق ويعود الفضل للثروة التي توفرت للخلفاء حينها ما كان سببا في التغني بشأن هذا العصر في القصص والتاريخ العربي. [30]

وكان عصر النهضة الفكرية الحقة، نهضة ويقظة فكرية أدبية لم يعرف مثلها في تاريخ الاسلام كاملا، فقد فاض بئر الأدب، ونعمت المرأة سواء في الطبقة العليا أو عامة العب بحرية التصرف والنفوذ في مختلف المجالات سواء في العلوم أو السياسة أو الأدب…الخ، وأما عن حركة الأدب فقد انتشرت التأليف والتراجم، ورأينا بن المقفع وأبو يحي البطريق (796 هـ) أوائل المترجمين للخليفة المنصور في تلك الحقبة، وقد وصلت النهضة حد علم الخليفة المنصور نفسه بمختلف العلوم مثل “الأدب، الفقه، الفلسفة والفلك”، وقد تم انشاء أول اسطرلاب[31] في الاسلام في عهد المنصور على يد الفرازي أحد علماء الفلك في تلك الفترة. [32]

وقد عرف عن المنصور اهتمامه بالعلم، الجد والتفكير وابتعاده عن اللهو والعبث، ويعتبره الكثير من المؤرخين انه أبو الخلفاء العباسيين وأفلحهم فقد اتسعت حدود دولته إلى الحيرة، العراق، أصبهان وفارس، وكان بتصف بالحزم والدهاء في تدبير شؤون مملكته، وقد ازدهرت في عهده حركة تدوين الحديث والفقه والتفسير القرآني، ومن أمثال المصنفين في عهده ابن جريح في مكة، مالك (الموطأ) بالمدينة، وأبو حنيفة النعمان وفقهه ورأيه، والأوزاعي بالشام، وسفيان الثوري في الكوفة بالعراق، وقد دونت الكثير من الكتب العربية وكتب الرأي والتاريخ والانسان، وازدهرت اللغة العربية بشكل لا يوصف في تلك المرحلة. [33]

ازدهرت أيضا حركة النقل في تلك الفترة، وهذا على أسس لغة القرآن والعرب الجاهليين والنبي محمد (ص) وهي لغة الوحي والدين (اللغة العربية)، فأصبحت لغة السياسة والحديث والعلوم ولا شك أن لهذا العصر بصمته الجلية في رفع شأن تلك اللغة في مختلف المجالات والعلوم داخل كافة أقطار العالم العربي، وكانت مدة وجود العصر العباسي طويلة نسبيا وبهذا تعتبر حركة ازدهار العلوم واللغة منطقية في تفسيرها وفقا لوجود طاقات تعرفها ومدة كافية لازدهارها، فالعصر العباسي الأول هو أبو العصور بالنسبة لعموم الأدباء والعلماء العرب، ويتم في هذا الصدد مقارنة القرن السابع عشر في أوربا وهو عصر النهضة الأوروبية بهذا العصر العباسي المذكور. [34]

يتضح هنا وبشكل كبير التأثير الكبير لنهضة العصر العباسي الاول في بدايته على روح كل من عاصروه، ومنهم أديب كبير أسمه بن المقفع والذي يمتد أصله لبلاد فارس، تلك النهضة التي دفعت الجميع حينئذ نحو تحقيق غايات العلم والأدب، ولا شك في أن هذا محفز كبير لروح الأديب ذاته، إذ أن تلك النهضة ساعدته على وضع لمسات فنه الجليل فيي تاريخ العرب، فلما كان لتفوق بن المقفع على نظرائه في أمور الترجمة والتأليف ليحدث إذ لم تهتم به الدولة وتوفر له ما يمكنه من تقديم أفضل ما لديه، ولقد حدث ورأينا هذا الاهتمام العبقري من الخليفة ذاته بكافة المجالات والعلوم وخاصة الأدب العربي الذي رسمت معالمه في تلك الحقبة، ولا شك أن تلك كان أحد المحطات الهامة في حياة بن المقفع، جعلتنا نرى أسمه بن المتميزين في مجاله الآن.

المبحث الثاني: باعث بن المقفع لانتقاء كتاب كليلة ودمنة

قبل أن نغوص في الهدف الذي وضع من أجله الكتاب يجب أولا التعرف على بعض الخصائص الفريدة التي يتمتع بها، فكليلة ودمنة نص فريد من نوعة، قصة وضعه وتأليفه غريبة للغاية لكننا ليس بصددها الآن، الموضوع هنا أن النص السلطاني لم ينل الشهرة والذيوع الكافي إلا أن خصائصه التي تميز بها وميزاته التي تفرد تجعله ينال مكانة جليلة في الأدب العربي واللغة العربية على وجة الخصوص، فقلما تجد كتبا أخرى تقدم ما يقدمه هذا الكتاب،

  • فهو يتميز بــ :
  1. اعتماده على أسلوب الحكاية أو القصة وهو بذلك أقرب لقارئه، وكل قصة في هذا الكتاب تسلم للتالية بشخصيات مختلفة أو متشابهة تختفي وتعود، ولهذا يعد البناس القصصي داخل صفحات هذا الكتاب من النوادر التي حدثت في تاريخ الأدب العربي. [35]
  2. أنه جاء على ألسنة الطير والحيوان وفي هذا كناية عن عالم الإنسان وما يحويه من مواقف لا تنتهي، ولعل هذا التوظيف اللطيف لشخصيات غير البشر هدفه الامتاع والتشويق المستمر، فهو باعث من بواعث الخيال، يستثير العقل، وهذا ما يجعل القارئ دائما في حالة تأهب لإعمال عقله بشكل ما ليرجع كل شخصية إلى ما يشبهها في واقع البشر، فالأسد مثلا هو الملك، والنمر هو الوزير، والثعلب رمز الحاشية الفاسدة الماكرة، أما الثور رمز الشعب الساذج، والحمامة رمز الإنسان الطيب وهكذا. [36]
  3. أسلوب سهل رصين بلغة ممتعة رشيقة تخلو من اللإملال، وذلك من خلال الاعتماد على أسلوب الحوار الساخر أحيانا. [37]
  4. أنه يحتوى على الكثير من العبر والحكم التي تعتبر خلاصة تجارب الشعوب والمفكرين القدامى، وهذا يساعد القارئ على أن يوظف تلك الحكم بالبحث عنها في عصره وفي مكانه، فتلك الحكم لا تختفى انعكاساتها أبدا على الحياة.
  5. تمجيد الفضائل وتذميم الرذائل، والفضائل التي يضعها الكتاب لا حصر لها ومنها: الشجاعة، الكرم، العفة، الوفاء، حب الخي…الخ، والرذائل هي الشرور وهي كل ما يناقض الفضائل المذكورة وغيرها، لهذا يمك تصنيف الكتاب كأحد وسائل تهذيب الأخلاق والتربية للنشء. [38]
  6. أنه يحوى من أمور السياسة ما لا حصر له، وهذا سوف نتناوله بالتفصيل في المبحث الثالث من هذا الفصل.
  7. طابعه الديني المغلف بلغة القرآن اللغة العربية، والتي تحتوى على الحكمة الدينية في مختلف صورها، كالرضا بالقضاء، وألفاظ تصف أحوال الدنيا والدين، والآخرة والحياة، فهذا الكتاب له طابعة الديني الذي يلامس الثقافة الإسلامية في بذرة عقيدتها ولب تعاليمها، وهذا باعث على التفكير في أمر تأليف الكتاب ونسبته للهند. [39]

لنص كليلة ودمنة العديد من الأهداف والمقاصد وهي ما وضعها بن المقفع وقد أشار إلىها في المقدمة الخاصة به، وبهذا يساعد القارئ على تحقيق أكبر استفادة من محتوياته، وكانت تلك الأسباب هي المحفز الأول لابن المقفع لاصطفاء هذا الكتاب وترجمته من بين الكتب الأخرى

  • وتلك الأسباب هي:
  1. قال بن المقفع عن هذا الكتاب ابتداءا: “هذا الكتاب كليلة ودمنة، وهو مما وضعته علماء الهند من الامثال والأحاديث التي ألهموا أن يدخلوا فيها أبلغ ما وجدوا من القول على النحو الذي أرادوا”. [40]
  2. يضع بن المقفع بذلك فحوى الكتاب ومضمونه بين أيدينا قائلا أنه يتمخض من الحكمة ليمثل الحكمة، فقال: “ولم تزل العلماء من كل ملة يلتمسون أن يعقل عنهم”، ويوضح أن الكتاب عرض على ألسنة البهائم والطير للعامة والخاصة كل سواء، ففيه من الحكمة للحكماء واللهو للسفهاء ما يجذبهم ويجدوا أنفسهم فيه، أما بالنسبة للمتعلم الناشط فإنه في صغره يتقبله سهلا ثم يدرك فيما بعد أنه يمتلك كنزا من الكنوز العظيمة بين يديه حينما يكبر ويدرك. [41]

هنا خريطة مثلى لقراءة هذا الكتاب وفيه منبع لكل سائل، كان عن الحكمة أو اللهو أو الدرس، وكل يجد فيه ما يريد ويبتغي، الطفل يجد القصة والشاب يجد التعلم والكبير يجد الحكمة كل حسب مقصده، ولا ضير في أن تتشابه المقاصد، إلى أنه تجتمع جملة فيما يدعو إليه بن المقفع في إطار توضيحه لأغراض الكتاب:

  1. فهو يدعو قارئه للتفكر في مقاصد النص، كما هو موضوع على ألسنة الطير والحيوان فيقول: “ينبغي لمن قرأ هذا الكتاب أن يعرف الوجوه التي وضعت له، وإلى أي غاية جرى مؤلفه فيه عندما نسبه إلى البهائم، وأضاف إليه غير مفصح، وغير ذلك من الأوضاع التي جعلها أمثالا، فإن قارئه متى لم يفعل ذلك، لم يدرِ ما أُريد بتلك المعاني، ولا أي ثمرة يجتني منها، ولا أي نتيجة تحصل له من مقدمات ما تضمنه الكتاب، وإنه وإن كان غايته استتمام قراءته إلى آخره، دون معرفة ما يقرأ منه، لم يَعُدْ عليه شيء يرجع إليه نفعه”. [42]
  2. ويبين بن المقفع ان ما يقصد من السطور النصية للكتاب هو مضمونها وليس شكلها، فلا ينظر القارئ بعين الفحص للشكل الحواري واطرافه بل ينظر لمضمونة وما يحويه هذا الحوار من مقاصد فيقول: “وقد ينبغي للناظر في كتابنا هذا ألا تكون غايته التصفح لتزاويقه، بل يشرف على ما يتضمن من الأمثال، حتى ينتهي منه، ويقف عند كل مَثَل وكلمة، ويعمل فيه رويته”. [43]
  3. وأخيرا يشير بن المقفع إلى أن القارئ يجب عليه أن يتشرب مقاصد الكتاب وأهدافه الأساسية ثم يسعى لتطبيقها على حياته العملية وهو بذلك يحقق الهدف الأسمى من قراءة الكتاب، فالعلم لا يتم إلا بعد أن بعمل به وتلك هي حكمة الكتاب المقصودة فيقول: “إن العاقل إذا فهِم هذا الكتاب وبلغ نهاية علمه فيه، ينبغي له أن يعمل بما علم منه لينتفع به، ويجعله مثالًا لا يحيد عنه”. [44]

وقال بن المقفع في موضع آخر: “أقل الناس عذرًا في اجتناب محمود الأفعال وارتكاب مذمومها – مَن أبصر ذلك وميَّزه، وعرف فضل بعضه على بعض، كما أنه لو أن رجلينِ أحدهما بصيرٌ والآخر أعمى، ساقهما الأجل إلى حفرة فوقعا فيها، كانا إذا صارا في قاعها بمنزلةٍ واحدةٍ، غير أن البصير أقل عذرًا عند الناس من الضرير؛ إذ كانت له عينان يبصر بهما، وذاك بما صار إليه جاهل غير عارف”[45]، وقال أيضا: “على قارئ هذا الكتاب أن يديم فيه النظر من غير ضجر، يلتمس جواهر معانيه، ولا يظن أن نتيجته الإخبار عن حيلة بهمتين أو محاورة سبع لثور، فينصرف بذلك عن الغرض المقصود”[46]، وآخر ما قاله بن المقفع: “وعلى العالم أن يبدأَ بنفسه ويؤدِّبها بعلمه، ولا تكون غايته اقتناءه العلم لمعاونة غيره، ويكون كالعينِ التي يشرب منها الناس ماءها، وليس لها في ذلك شيءٌ من المنفعة، وكدودةِ القز التي تحكم صنعته ولا تنتفع به، فينبغي لمن يطلب العلم أن يبدأ بعِظَة نفسه، ثم عليه بعد ذلك أن يقبسه”.[47]

هنا يضع لنا بن المقفع خريطة نقرأ بها كتاب كليلة ودمنة وصورة كاملة عن الكيفية العلمية لقراءة هذا النص، فوضح أنه أولا يجب أن تبتغي الحكمة من قراءتك لهذا الكتاب، ولن تجد تلك الحكمة سوى في مضمون الكلام وليس ظاهرة أو شكله، ولكل فئة حكمتها، فهو منبع للمفكر في حقيقة الأشياء، ومنهلا للتسلية بقصص على ألسنة الطير والبهائم، ومقصد لسائلي العلم أن يأخذوا منه الفكرة أو المضمون اللغوي وهو بذلك يغطي جميع الفئات القارئة أو المهتمة بالأدب، وفي جملة الموضوع يحث بن المقفع القارئ أن يعمل بما قرأة ولا يوفر جهدا للوصول للغاية المثلى وهي الحكمة، فيحدث العاقل بما رآه ويعرف الرؤية بالمقصد.

  • سبب تأليف كتاب كليلة ودمنة وقصته.

أنه في قديم الزمان كان هناك ملك من ملوك الهند يدعى دبشليم وكان شديد الظلم لرعيته، وفي يوم ما ذهب إليه أحد الفلاسفة الحكماء ويدعى بيدبا لينصحه ويرشده ولكنه كان جريئا للغاية في نصحه، فغضب الملك غضبا شديدا وأمر بحبسه بعد أن قال: “لقد تكلمت بكلام ما كنت أظن أن أحدا من مملكتي يستقبلني بمثله ولا يقدم على ما أقدمت عليه”، وبعد فترة جلس الملك يفكر فيما قاله الفيلسوف بيدبا وعلم عنه صدقه فأمر بإحضاره ليستبين حقيقة ظنه وسأله قائلا: “يا بيدبا ألست الذي قصدت إلى تقصير همتي وعجزت رأيي في سيرتي بما تكلمت به آنفا؟”، رد الفيلسوف بيدبا قائلا: “أيها الملك الناصح الشفيق الصادق الرفيق إنما نبأتك بما فيه صلاح لك ولرعيتك ودوام ملكك لك”.[48]

أمر الملك بعد أن أصبح بيدبا من خواص الحاكم أن يكتب بيدبا له كتابا يخلد فيه ذكره بين الناس، فعكف بيدبا سنة كاملة على تأليف هذا الكتاب وانتهى منه فأمره الملك بأن يقف وسط الناس ويقرأ ما فيه، وبعد سنوات ذاع سيط هذا الفيلسوف، حتى قرر طبيب أسمه برزوية أن يزور الهند بحثا عن الكتاب واستطاع في تلك الزيارة أن ينقله إلى الفارسية ومنه انتشر إلى العالم كله، وفي العصر العباسي الإسلامي قام بن المقفع بترجمة هذا الكتاب إلى العربية مما ساعد على حفظه حتى وصل إلينا. [49]

وهنا يتضح ما نريد التوصل إليه ونبرزه عن الغاية المثلى لهذا الكتاب وهي تقديم النصح والإرشاد للملك في صورة نص أدبي يبغى بشكل أو بآخر إلى تحذير السلطان من الانحراف أو الطغيان الذي قد يؤدي بالمملكة إلى الهلاك أو السقوط، وهو ما سنراه فيما بعد حيث يتجلي في النص مجموعة من الاخلاقيات السلطانية الموجهة بشكل مبدأي إلى الحاكم ثم إلى الرعية من عوام الناس، وتلك النصوص الأدبية من هذا النوع تهدف في مجملها إلى تحقيق التدبير السياسي السليم من خلال الإلمام بكافة جوانب السلطة السياسية للحاكم في حدود الواقع السياسي.

  • فيما يتعلق بعلاقة الادب بالسياسة (الأديب والسلطة في كليلة ودمنة وسبب تأليفه):

يوضح الكتاب أمور تلك العلاقة في القصة المذكورة للملك والفيلسوف الهندي، فهي علاقة متبادلة ليست جامدة أو محددة الجوانب، فبداية وبعبارة مختصرة يمكن اختزال علاقة كل من هو ليس بأمير بالأمير ذاته في الطاعة، فهذا واجب على عامة الناس جميعا ويقول هاني المغلس في كتابه “الطاعة السياسية في الفكر الإسلامي: النص والاجتهاد والممارسة” أن أغلب علماء الحديث يروون أن طاعة الحاكم أمر فرض واجب حتى لو كان جائرا أو عاص[50]، وهناك حديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): “من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني”. [51]

والاتفاق هنا أنه لا يجب الخروج على الحاكم إن ظهر من ظلمه شئ فيجب الصبر عليه، وفي إطار هذا الصبر يسعى الأديب السلطاني كما أوردنا أن يقدم النصح والإرشاد لهذا الحاكم لإعادة توجيهه للمسار الصحيح والسبيل القويم، ولعل هذا من أهم أسباب تأليف الكتاب الكتاب، ومحفز كبير جدا لإعادة التفكيرفي قضية تأليفه لما يتضح من قصة الفيلسوف بيدبا والملك دبشليم ونزعة الطاعة الموجودة في تلك القصة، تلك النزعة الإسلامية التي أوردها بن المقفع في مقدمة الكتاب، وفي خضم هذا الحديث يتجلى سبب آخر يفسر ظهور كتاب كليلة ودمنة وهو تقديم النصح والإرشاد للحاكم.

وفي جانب آخر وانطلاقا من جملة “إذا صلحت الرعية صلح الراعي… وإذا فسدت الرعية فسد الراعي”، يتضح هدف النص السلطاني وهو إصلاح الرعية من خلال إصلاح الحاكم باتباع وسيلة غائية وهي النصح للإصلاح، فالكاتب في سعيه لاصلاح الملك لا يتبع الهدف الشامل في اصلاح المجتمع وضبته حتى وان كانت غايته البعيدة، انما يقدم تلك النصائح للحاكم بهدف توطيد حكمه وسلطانه وتقويه مملكته بشكل سليم قائما على اسس اخلاقية سليمة، تلك الوسيله تتطلب من الكاتب السعي في التقرب الى الملك بشكل او باخر رغم علم الكاتب بأدواته جيدا وتمكنه منها، لهذا فان علاقته بالسلطان تستدعي في احايين كثيره التماهي به، فيضع في داخل الملك إحساس ما بانه اشد الناصحين حرصا عليه من اي شيء حتى نفسه. [52]

لا نجزم ان الكاتب السلطاني هذا يأمن الملك اذا انه الطرف الاضعف في تلك المعادلة بل اننا نعتبر حقا ان العلاقه مع الملك أحادية لانه هو الآمر الناهي، وهذا يعكسه الولاء الشديد للسلطان والرغبه فى الحفاظ على ملكه، ويظهر هذا في الاخلاقيات البراغماتيه التي يقدمها له في نصوصه والتي دائما ما يكون لها رد فعل محمود من قبل الملك مثل لحاله الدراسه حيث ان الملك دبشليم ملك الهند كانت تجمعه علاقة حميدة بالفيلسوف بيدبا الذي غامر في البدايه انطلاقا من غايته في صلاح الملك واخبار الملك بظلمه وجوره ثم بعد ذلك رضا الملك عنه بعدما عرف حقيقة رغبته في تقديم النصيحه له واصلاح مملكته حيث قال بيدبا اثناء اجتماعه بالملك: “اول ما اقول أني اسال الله تعالى بقاء الملك على الابد ودوام ملكه على الامد”، وقال في نهايه خطبته المهاجمه: “فانظر أيها الملك فيما القيت اليك ولا يثقلن عليك، فلم اتكلم بهذا ابتغاء غرض تجازيني به ولا التماس معروف تسوقه إلى، ولكن اتيتك ناصحا مشفقا عليك”، ومن هنا يتضح هدف تلك العلاقه النهائي وهو تقديم النصيحه للملك. [53]

المبحث الثالث: السياق السياسي لكتاب كليلة ودمنة.

تتعدد جوانب السياق السياق السياسي ولا تقف عند حدود العصر الذى عاش فيه بن المقفع والدوافع التي حفزته لكتابة نص كليلة ودمنة والعصر الذى نشأ فيه بن المقفع والذي قد وضعنا أحد ملامحه فيما سبق، لكن الأمر يتخطى هذا الحد لوجود إطار وضعه بن المقفع داخل السطور، وقد وضحت الدراسة من قبل كنه الآداب السلطانية ومقصدها وهي تقديم المشورة للحكام لمعاونتهم على إدارة شؤون الحكم وإصلاح أحوال الدولة والرعية كما عرفها د.عز الدين العلام في كتابه “الآداب السلطانية” بأنها كتابات تنشأ على أساس مجموعة نصائح أخلاقية وقواعد للسلوك تقدم صورة لحاكم وما يجب عليه فعله في شؤون ملكه، اختيار حاشيته، سلوكه مع أعدائه والتعامل مع رعيته، وهدفها تقوية الملك والحكم. [54]

هذا التصور البراغماتي يعتمد بشكل كبير على التجربة ويلزم حدود واقع السلطة وشؤون السلطان فلا يتعدى ذلك إلى محاولات وضع تنظير شمولي عن السلطة السياسية، وهذا مقصد الدراسة بالأساس عندما تم تحديد قضية الرفض السياسي، إلا أنه تلك القضية يزاحمها في النص قضايا أخرى ترسم صورة كاملة عن وضع السلطة السياسية الجيد من وجهة نظر بن المقفع، إلا أنه في حقيقة الامر لا يعتمد هذا الواقع المتصور على خيالات الكاتب إنما ينبع أصلا من واقع عاصره وعايشه واختبر فيه كل ما جاء به في نصه.

  • الدافع السياسي لابن المقفع لترجمة كليلة ودمنة.

الأقرب إلى الواقع الذي أشرنا إلى إرهاصته سلفا[55]، ومن باب أن ابن المقفع كان شديد العداء للوالي سفيان بن علي، فيمكن وضع الفكرة في قالبها الصحيح وبلا شك أن بن المقفع رأي من الظلم الشديد في الحياة السياسية والاجتماعية ما دفعه للاتجاه للأدب الهندي وترجمة كتاب كليلة ودمنة، وفي موضع قال طه حسين عن سبب مقتله في كتابه “من حديث الشعر والنثر”: “إن الذي سـبب قتـل ابـن المقفـع رسالة الصحابة التي كتبها صاحبنا للمنصور لأن فيهـا مـا يكـاد يكـون برنـامج ثـورة، فقد أشار فيها على الخليفة بتحسين أوضاع الجند مـن أهـل خراسـان وبوضـع كتـاب جامع للأحكام الفقهية يرجع القضاة إليه و يجنـبهم التنـاقض فـي أحكـامهم ومثـل هـذه الآراء كانت كفيلة بإغضاب القضاة وكبـار القـوم لأنهـا صـدرت عـن رجـل عـرف بشعوبيته ومشبوه في دينه”. [56]

بأي حال لا يمكن استبعاد هذا الأمر من طرح أسباب الترجمة الخاصة لهذ الكتاب، خاصة وما عرف عن بن المقفع من الشجاعة وحسن الخلق قبل إسلامه وبعده، وكان حديثه عذب وصداقته طيبه لا يهاب شيئا، وقد قال عنه الجهشياري في كتابه “الوزراء والكتاب”: “وكان ثريـا سـخيا يطعـم الطعـام ،ويوسـع علـى كـل مـن احتـاج إليه…وكان يجري على جماعة من وجوه أهـل البصـرة والكوفـة مـابين خمـس مائـة إلى ألفين في كل شهر”[57]، ولعل هذا من أبرز المحفزات التي تدفعنا للقول أن بن المقفع كان من أشد المعارضين للسلطة السياسية وكان لا يهاب في ذلك تهديدات الوالي المتكررة بل أنه كان يوبخه دائما.[58]

كليلة ودمنة يعد دليلا واضحا صريحا على رفض بن المقفع القاطع للسلطة السياسية حينها، وكما رآها استوت على أسس الطغيان والاستبداد، وهذا ما حاول بن المقفع معالجته بتقديم الكتاب لمحاولة تقديم النصح للحاكم واصلاح المملكة من ناحية، ومن جهة أخرى محاولة علاج أحوال الرعية وتقديم المشورة لهم لتحسين أمور حياتهم بكافة الأشكال، وهنا نسأل عن المختص بتلك الامور ومن له عين الواقع ليقدم للحاكم النصح والمشورة، فالأديب وخاصة المقترب بشكل ما للسلطة السياسية يكون في غاية الحذر عن تقديم تلك المشورة، وهذا يأخذنا مرة أخرى للمغزى السياسي من تأليف هذا الكتاب، ويجعلنا نتسائل عن حقيقة هذا الكتاب، هل حقا ترجمه بن المقفع كما قال في مقدمة الكتاب أم أنه ألفه وابتدع تلك القصة لمحاولة تشتييت الانتباه وعدم تحويل الأنظار إليه؟

  • السياق السياسي داخل كتاب كليلة ودمنة.

قال بن المقفع في موضع من الكتاب: “وينبغي للناظر في هـذا الكتـاب أن يعلـم أنـه ينقسـم إلى أربعة أغراض: أحدهما ما قصـد فيـه إلـى وضـعه علـى السـنة البهـائم غيـر الناطقة، من مسارعة أهل من الشـبان إلـى قراءته، فتسـتمال بـه قلـوبهم، لأن هـذا هـوالغرض بالنوادر من حيل الحيوانـات، والثـاني إظهـار خيـالات الحيوانـات بصـنوف الإصباغ و الألوان ليكون أنسا لقلوب الملوك، ويكون حرصهم عليـه أشـد للنزهـة فـي تلك الصور، والثالث أن يكون على هذه الصفة فيتخـذه الملـوك والسـوقة فيكثـر بـذلك انتساخه ولا يبطل فيخلـق علـى مـرور الأيـام، ولينتفـع بـذلك المصـور والناسـخ آبدا، والغرض الرابع و هو الأقصى مخصوص بالفيلسوف خاصة”.[59]

هذا الداعي الأول للتفكير في ماهية الكتاب السياسية، فابن المقفع قدم كتاب كليلة ودمنة من تأليفه في أربعة أبواب كاملة، ليؤكد بذلك الغاية الأساسية للكتاب وهي إعادة النظر للأمور السياسية بشكل صحيح، ليكون غرض الكتاب بذلك ليس تعليميا فحسب، وهذا بحسب ما ورد في الغرض الرابع للكتاب وقوله: “الغرض الرابع و هو الأقصى مخصوص بالفيلسوف خاصة”، وفيه هذا دعوة واضحة للمثقفين من الفلاسفة وأهل العلم، رجال الدين والحكماء، للحرص على الواجب الأدبي والتزام دورهم في مجابهة السلطات الحاكمة الفاسدة وبيان منابع الظلم والأتظمة الفاسدة المستبدة مهما كان الثمن والتضحيات.[60]

هنا نرى تلك المواجهة الغير متكافئة بين الادب والسلطة، فهي معركة بين اللسان والسيف آنذاك، وهذا ما ذكرناه سلفا أنها علاقة طاعة بالأساس[61]، وأشرنا إلى أن الأدباء يتماهون بالسلطان ويتحايلون عليه لتقديم مشورتهم في صورة لا تستوجب القتل أحيانا أو التنكيل بهم، وهذا ما فعله بن المقفع في فصول الكتاب وقد قدمها على ألسنة الطير والبهائم يأخذ مكان فارغ للنقد والتعبير، وقيل: “تحيل العلماء بصنوف الحيل”، لعل هذا ما فعله بن المقفع عندما وضع الشروط الخاصة التي يمكن من خلالها قراءة الكتاب قراءة صحيحة، تلك الشروط التي تكاد تنزلق به إلى نفق المحظور السياسي، هذا المحظور الذي أختص به الفلاسفة في الغرض الرابع من الكتاب.[62]

يعود بنا كليلة ودمنة مرة أخرى إلى موضع مقتل بن المقفع وعلاقة هذا بالغرض السياسي للكتاب ذاته، فقد وضح بن المقفع في تعليماته لقراءة الكتاب أنه ينبغي على القارئ أن يستشف حقيقة الأمر فيما يتعلق بغرض الكتاب الأساسي، هذا ما وجه انتباه القارئ للكتاب لما فيه من ظاهر غير مقصود وباطن هو ما يقصده بن المقفع، ولعل هذا هو السبب الحقيقي وراء مقتل بن المقفع، إذ أنه نبه بذلك واجتماعا مع الغرض الرابع للكتاب أن هناك أمر خفي في هذا الكتاب من يفهمه فقد وقع في خانة الأمور السياسية وهذا هو المحظور لدى السلطة السياسية بشكل أو بآخر، وهذا من كمال التماهي بالحاكم في أسلوب بن المقفع القصصي والذي أودى بحياته في النهاية.[63]

كان بن المقفع يرى أن أكثر الأمراض السياسية المنشرة تعود بشكل أساسي للملوك والسلاطين، فقرر أن يقف بشكل ما مثلما وقف بيدبا الفيلسوف من ملكه دبشليم، وتلك الاستراتيجية المقفعية التي اعتمدت على التلميح يمكن إعادتها لأسباب سياقية متعددة منها مثلا نشر روح البلاغة فيه، إلى جانب ذلك الاختباء ورائها من أجل تجنب شرور حكام العصر العباسي، وتلك الاستراتيجية فاعلة جدا لانها دائما ما توحي بأن مرسل الخطاب يسعى دائما للتملص من مسؤلية الخطاب السياسي الموجود، وهذا يجعلك قارئ النص يفكر بجدية في المعاني الكثيرة التي يحويها النص، ولا يقف عند حدود المعنى المقصود، ولعل هذا ما يجعلنا دائما نعود للسياق السياسي الخاص بالكتاب ذاته لتفسير النص ومقاصده الحقيقية.[64]

لا شك بأن بن المقفع قد أراد الهرب من ملوك هذا العصر وخاصة المنصور لتسلطهم وتجبرهم، ولا شك أيضا بأن الكتاب حاول بشكل كبير تقديم المشورة لهم لتقويم سلوكهم تجاه أنفسهم ورعيتهم، ثم انتقل الكتاب لمحاولة وضع سلوك قويم ونهج سليم يستطيعون من خلاله أن يقضون بين الناس، ومن خلاله أيضا يعرفون ما هو شر للمملكة وما هو خير لها ويتبعون الخير، وكل ما يختص بأصل العلاقة بين الرعية والراعي وما بينهم من أمور، كل هذا كان داخل ذهن بن المقفع أثناء كتابة كليلة ودمنة بلغته الإيحائية التي تتضن من المعاني السياسية والإجتماعية الكثير، تلك المعاني التي نستطيع أن نستبينها من خلال محاورة الشخصيتين المحوريتين “الفيلسوف بيدبا والملك دبشليم”، وهذا الخطاب بينهم تقنية استعملها بن المقفع كي يكون الحوار بينهما مفتوحا يعبر عن المقاصد الأساسية لابن المقفع.[65]

  • السياق السياسي لبعض أبواب الكتاب.

لو نظرنا إلى العصر العباسي الأول في النصف الأول من القرن الهجري، تلك الفترة التي كانت تتميز بالمشاحنات والمطاحنات بين الملوك والأمراء خاصة مع سقوط الدولة الأموية وقيام العباسية على أنقاضها، وكان بن المقفع كاتبا ثائرا لم يعجبه حال الملوك والأمراء والدولة كلها بعد أن عم بها الفساد السياسي، فتحولت كتاباته أو ترجماته كلها للنقد السياسي لسياسة الملوك والحكام في هذا العصر، ومن مؤلفاته “الأدب الصغير والأدب الكبير” و “رسالة الصحافة” و “رسالة الآمان” إلا أن أشهر مؤلفاته هو كتاب كليلة ودمنة والذي قوم به سلوك الأمراء والحكام في عصره بطريقة نقدية لم يسبق لها مثيل.[66]  [67]

الكتاب مقسم إلى سبعة عشر بابا كل منهم يحكي عن أمر ما يريد الملك دبشليم معرفته من الفيلسوف بيدبا، ومنهم من يتحدث عن الأمور السياسية مثل باب الأسد والثور وفيه يحكي بيدبا عن المكائد والفساد الذي يجري في بلاط الحكام وما يدور بين حاشيته، ويوضح أيضا الأخطاء المتكررة للملك وسوء اختياره لحاشيته من يحفظ سره، أيضا سوء إدارة الدولة وتبعات هذا الامر، بل أن الامر يصل إلى أموره الشخصية أحيانا، بل أن يستمع أحيانا للمحتالين بدون عقل وقلة تبصر وكأنه لا يدرك صفة الملوك وهي الفطنة والحكمة، ويشرح بن المقفع تبعات تلك الصفات وما ينتج عنها من ظلم للناس وجرائم في حقهم[68]، أما باب الفحص عن أمر دمنة فيحكي ما لقاه الواشي خادم من الملك جزاء ما فعله تطبيقا لمقوله “للباطل جولة وللحق دولة”.[69]

باب البوم والغربان يذكر ما يكفي في امور السياسة الخارجية للحكام والحروب الدائرة بين الأمم، وكيفية استطلاع أخبار الأعداء، ويشرح الكيفية التي بها تطبق الحيلة السياسة ومعاملة العدو، وكيف يمكن اللجوء إلى الحذر معه مهما كان متملقا متضرعا[70]، ويأتي باب الناسك وإبن عرس ليشرح لنا عواقب التسرع، وكيف يكون الرجل حكيما متأنيا في قراراته وعواقب تجنب التأني في اتخاذ القرارات المصيرية[71]، ثم باب الأسد وابن آوي ويشرح طبيعة الصداقة بعد العداوة وكيف أن يحسن الملك اختيار جلسائه ويكافئهم بأن يمتنع عن ظلمهم بعدما استوثق من نيتهم الصالحة في إصلاح ملكه.[72]

هناك العديد من الابواب الأخرى التي تحوي أمورا سياسية تفيد الملك وتنفعه في تدبير شؤون مملكته مثل باب الحمامة والثعلب ومالك الحزين، وباب ابن الملك وابن الشريف وابن التاجر وابن الآكار…الخ، فكافة أبواب الكتاب تتضمن عروضا كبيرة عن الكيفية التي يمكن للحاكم أن يتعامل بها مع رعيته وواجبات الرعية تجاه حاكمهم، وما يجب المحافظة عليه من أمور الصدق والعدل وغير ذلك من القيم الاجتماعية والسياسية التي لا غنى عنها في صلاح امور الملك وصلاح أحوال الدولة والناس، فكلها قيم تدور في فلك العقل والحكمة وتوضح وجوب استحكام العقل دائما بأن يتصل بالحكمة ولا ينفصل عنها أبدا، والاستعانة بالشقين في نفس الاتجاه يعني في النهاية نتائج محمودة للراعي والرعية.

في نهاية هذا الفصل نكون قد وضحنا ما يلزم تمهيدا لما سيتم عرضه في باقي الفصول عن موضوعنا الخاص بالرفض السياسي في كليلة ودمنة، عرضنا بالتفصيل لمحة عن بن المقفع، نشأته وسيرته، مؤلفاته وأسباب موته وأخيرا ما عاصره بن المقفع من أحداث سياسية دفعته لتأليف الكتاب في لباس ترجمته ليتنصل من مسؤلية محتواه إلى جانب العديد من المؤلفات الأخرى التي كانت نتاجا لعصره الملئ بالأحداث السياسية، ثم انتقلنا إلى دواخل الكتاب ذاته فعرفنا عن مميزاته من جانب كونة قيمة في تاريخ الادب العربي وأنه يعد مرجعا سياسيا ذو قيمة كبرى، وعرفنا الكثير عن أسباب تأليف هذا الكتاب والدوافع الخاصة لتأليفه والتي تتعلق أساسا بما عاصره بن المقفع من احداث سياسية.

أخيرا عرفنا عن السياق السياسي حينئذ العصر العباسي الأول وما كان فيه من فساد سياسي واجتماعي كبير رغم تقدمه، ورأي بن المقفع أن المرض الأول هو سلوك الحكام والذي عالجه بن المقفع بتقديم كتاب كليلة ودمنة والذي يحتوى بين موضوعاته مجموعة النصائح التي تعين الحاكم على تدبير شؤون مملكته، واستوضحنا أخيرا المواضع السياسية داخل الكتاب ذاته من خلال ذكر عدد من موضوعات الأبواب، وفي هذا تقديم لما يلي عرضه عن الرفض السياسي داخل النص السلطاني كليلة ودمنة لنعرف أنواعه ثم ننتقل لمؤدياته وأسبابه وأخيرا نصل لتوضيح تداعياته على الحكم وإدارة شؤون الدولة، بنصل في النهاية لصورة واضحة يمكن من خلالها تفسير قضية الرفض السياسي في كليلة ودمنة، ونرسم خريطة ذهنية لها وهذا لأهمية تلك القضية بالأساس كونها تشكل هاجسا للحكم الجيد والملك السليم.

الفصل الثاني: الرفض السياسي في النص السلطاني

الرفض السياسي في حكايات كليلة ودمنة تجسد أساسا في النصوص السياسية المتنوعة التي قصد بن المقفع توجيهها بشكل او بآخر للحاكم، وقد عبرت حكايات الرفض السياسي عن موقف بن المقفع من السلطة الحاكمة ورفضه لسياستها رغبة في إصلاحها وذلك على لسان الطير والبهائم ليستعيض عن المواجهة المباشرة بأسلوب إيحائي يعكس موقفه، فصور بن المقفع فساد السلطة وموقف المظلوم أو الضعيف ونقل مشهد حي لصراع الحكام والمحكومين، وقد علمنا عن ثورته كأديب في العصر العباسي الأول باعتباره الناقل الأول لكتب المنطق والمترجم البارز للعديد من آداب الثقافات المتنوعة كالفارسية والهندية وغيرها، لهذا موقفه ليس وليدا للصدفة انما هو نتاج ثقافة كبيرة مرت على مختلف التجارب وشتى الثقافات ليخرج لنا بدستور سياسي جديد نقله في العديد من المؤلفات وأبرزها كليلة ودمنة.

في هذا الفصل نستعرض كافة الدلالات السياسية التي يطرحها النص الأدبي والمتعلقة بقضية الرفض السياسي كوسيلة للتغيير وآلية سياسية فعالة سواء للرعية أو للحكام، وفي ضوء تلك القضية نتعرف على عدد من المحاور التي تكمل الصورة التي طرحها بن النقفع لتلك القضية، فنستوضح أولا أنواع الرفض السياسي في نص كليلة ودمنة ونعدد أشكال الرفض السياسي التي طرحها النص ثم نقوم بتحليلها لنتعرف على ماهية تلك القضية ثم ننتقل لفرع آخر ونحاول تفسير الأسباب التي تؤدي إلى الرفض سواء كان رفضا داخليا أو خارجيا، وأخيرا نحاول تحليل تداعيات الرفض السياسي وما يترتب عليه من أمور تؤثر على الحكم والدولة، لنصل في النهاية إلى الغاية المبتغاه وهي معرفة ماورائيات هذا الطرح وما يقصده من المقفع تحديدا منه.

المبحث الأول: أنواع الرفض السياسي في كتاب كليلة ودمنة

تتعدد أنماط الرفض السياسي في نص كليلة ودمنة في دواخل أنواعه، فلا يتوقف الامر عند مجردات توضيح ماهية الرفض لسياسة الحاكم الداخلية في إدارة شؤون الدولة والحكم والتعامل مع الرعية، أو السياسة الخارجية له في التعامل مع الامم الأخرى أو كيفية التصرف مع أعداء دولته، ومن صور الرفض التي أبرزها بن المقفع ودلالاتها السياسية رفض الفساد، الظلم، ورفض الحاشية المفسدة، رفض الغضب الذي يميز الحاكم ودوعته للتأني في اتخاذ قراراته والتصرف بروية، رفض التسرع والعجلة والدعوة إلى التثبت، رفض الاستهانة بأعداء الدولة ورفض قرارات الحروب المتسرعة، وقد صاغ بن المقفع كافة معاني الرفض بأسلوب سهل سلس على ألسنة الطير والحيوان وضح بها معاني الرفض وصوره.

  • رفض السياسة الداخلية للحاكم.

انها اسلوب تعامل السلطة السياسية سواء الحاكم او الحاشية من وزراء ومستشارين وولاة مع الشعب، عن طريق قياس مدى تحقيق العدل وتوفير سبل العيش الجيدة، المساواة بين الجميع وتوفير الأمن دون تهاون،  وذلك من أجل اكساب السلطة شرعيتها السياسية ، إذا فتهاون السلطة في إرضاء شعبها قد يسبب الرفض السياسي لتلك السلطة الذي يقود في أحيان كثيرة للاعتراض والثورة على الحكم … الخ، هذا انطلاقا من أن: “الشعب اليوم قوة لا يستهان بها وهو عند التحقيق معتمد الأدب ومصدر نشاطه الأغرو ومهما يكن نفوذ ذوي السلطة فيه فإن الجمهور هو الذي يغذيه، لأجله ينظم الشعراء ويكتب الكتاب وعليه تقوم الجمعيات والمعاهد والأحزاب، بل هو المرجع الأخير لكل سلطة حكومية مهما كان نوعها ومهما بلغ شأنها”.

هذا ماقام بن المقفع بمعالجته على السنة الحيوانات في امثلة عدة منها ” حكاية القنبرة والفيل ” وتلك نختصرها في أنه أثناء عبور الفيل ( يمثل الملك الجائر ) من طريق ليذهب لمكان شربه المعتاد ( يمثل هذا المكان الوطن ) قد دهس عش قبرة ( طائر كالعصفور ) فقتل ابناءها، فذهبت إليه قائلة: ” أفعلت هذا استصغار منك لأمري واحتقارا لشاني ؟ ” فكان جوابه: ” هو الذي حملني على ذلك ” أي أنه لا ينكر ظلمه هذا ، فاتفقت تلك القبرة مع جماعة الطير والضفادع ( يمثلون الرعية ) على الايقاع به ، وبالفعل نجحوا في فقأ عينيه وجعله يسقط في حفرة عميقة لتقول القبرة في النهاية: ” أيها الطاغي المغتر بقوته المحتقر لأمري ، كيف رأيت عظم حيلتي مع صغر جثت عن عظم جثتك وصغر حيلتك ؟! “. [73]

باختصار نقول أن تلك القصة تعكس رفض الرعية الخاضعة بعد ان اتحدوا وتعاونوا الحكم الجائر الظالم ، كما تعكس القصة انتصار الخير على الشر في النهاية حيث تحول خطاب القبرة من صيغة الاحترام ” أيها الملك ” إلى الاحتقار ” أيها الطاغي ” وهذا يدل على مسير الظالم ، رغم عظم جثة الفيل إلا أنها لم تغنيه عن اتحاد الرعية والقيام بثورة ضده وهنا درس مزدوج المغزى ، يحذر به بن المقفع حكام عصره من الأمويين والعباسيين بعدما رأي من جورهم وبطشهم للرعية ، لأن هذا الظلم يحمل الرعية على الخروج عن طاعة الحاكم بل ومحاولة التخلص منه ويقدم للابن المقفع عدة صور أخرى من الرفض السياسي والتي قد تنقلب على الملك فيما بعد ، فتتحول من كونها مجرد كبت في نفوس الرعية الثورة وانفجار يعم المملكة فيسقطها.

من تلك الأمثلة تحذير الرعية من الثقة في الملك وحاشيته المخادعة وذلك في “حكاية الأسد والحمار وابن آوى المكار”، فابن آوى وهو يمثل مستشار الملك المخادع قد خدع الملك وجعله يصطاد ، وخدع الحمار قبلها بإغرائه بالأتان الحسنة ، وهنا يقدم لنا بن المقفع المغزى بضرورة عدم الثقة في حاشية السلطان ولا السلطان نفسه والذين يسعون لتحقيق مصالحهم من خلال تدبير المكائد، لدينا مثال آخر ايضا في ” باب الأسد وابن آوى “ وهو الرفض الشديد لمجاورة السلطان حيث أن مجاورته عبئا شديدا لا يقوى على حملة الأشخاص العاديين، بل أن من كان مؤهلا لهذا المكان يتهرب أحيانا منه وذلك لأنه يرىمدى ثقل هذا المسؤلية، أو أنه لن يستطيع مثلا احتمال مصاعبها وهذا عائد لضمير ونية الشخص ذاته، وذلك يتضح في قول ابن اوى حيلما طلبه الاسد ليكون من حاشيته ” إن كان الملك يريد الإحسان إلى فليدعلي في هذه البرية اعيش آمنا قليل الهم … “.  [74] [75]

هناك العديد من القصص الأخرى التي تحكى في أبواب مختلفة بعض التفاصيل السياسية ومنهم “باب الأسد والثور” والتي تؤكد على ضرورة رفض الحاكم الغافل انطلاقا من فكر ثوري يرفض الطغيان والأنظمة المستبدة، التي تستعين بمستشارين يتصفون بعد الأخلاص أو التفاني في سبيل الملك، إلى جانب التأكيد على ضرورة معاقبة المفسدين وتجنب تواجدهم في الساحة السياسية [76]، وغير ذلك من الأمثلة التي يعالج بها نص كليلة وحملة قضية العلاقة بين السلطان والرعية وأخلاقيات وحدود تلك العلاقة ، فهو يقدمها في شكل نصائح للحاکم والرعية في آن واحد ليتجنب بذلك أن يجور الملك في موع ما فيخرج عنه الرعية غاضبون رافضون سياسته وحاشيته ، لهذا ندرك عبقرية النص في إيصال هذا المعنى المزدوج .

  • رفض السياسة الخارجية للدولة.

تتعلق السياسة الخارجية بكل ما يخص علاقات الدولة المتبادلة بالدول الأخرى المجاورة لها او البعيدة عنها ، وقد يتمثل الرفض السياسي في هذا الصدد في رفض سياسة الدولة الخارجية تجاه عدة اشياء ومنها ما سنتناوله مثلا رفض شن الحروب بدعوى الحفاظ على أمن وسلامة الدولة دون الاستخفاف بالعدو ، أو رفض التعاون مع دولة معادية مثلا دون أخذ الحيطة والحذر … الخ ، ويقدم لنا بن المقفع في نصه امثلة عدة ليدل على هذا النوع من الرفض، ويوضح بشكل ما أنه يمكن رفض السياسة الخارجية التي تتبعها الدولة بعدد من الأشكال والصور.

على سبيل المثال في ” باب البوم والغربان “ وتحكي عن أنه كان هناك وكر لالف من الغربان على شجرة فوق جبل يقابلها کهف ألف من البوم ، وكان بينهم عداوة شديدة ، وفي ليل يوم استغل ملك البوم وجماعته عدم وجود الغربان في اعشاشها وأغار عليهم فـ سبى الكثير وخرب ماخرب ، وعندما شقشق الصباح اجتمع الغربان مع الملك ليناقشوا هذا الأمر ويتخذوا قرار ، فاختار الملك خمسة من مستشاريه وسألهم عن رأيهم ، فاختار الأول الهرب نظرا لقوة العدو واتفق معه الثاني، فاشتد حنق الملك رافضا فكرة الهروب من الوطن مناديا بضرورة التجهيز للحرب قائلا ” ولكن نجمع امرنا ونستعد لعدونا وننكي نار الحرب فيما بيننا وبين عدونا ونحترس من الغرة إذا أقبل إلينا فتلقاه مستعدين ونقاتله قتلا غير مراجعين فيه ولا حامين عنه “، حتى يتحقق الهدف في الدفاع عن الوطن. [77]

سال المالك المستشار الثالث فكان رأيه هو ضرورة معرفة نية العدو قبل أي شيء فإذا كان يريد الصلح ام الحرب أم الفدية ، ولو كان طامعا فيخصصوا له خراج سنوي وهذا يزود عن السلطان ، وحينما سال الملك الرابع عن رأيه في أمر الصلح كان رأيه مثل الأول والثاني ، وأخيرا كان لدى الخامس اختيار ما بين الحرب ، الصلح أو الفنية ؟ فرفضها جميعا واكد على ان الحرب خراب وازهاقل للجهد والمال والنفس ، ورفض أيضا الاستهانة بالعدو واستصغاره ، وفضل أن تنفق تلك الأموال في موضعها مع قلة الانفاق واللين ، فاستحسن الملك راسه وأخذ به لحكمته. [78]

أولا ورغم الدلالات التي تحملها النص بضرورة الشورى وعدم التفرد بالرأي وفي ذلك صواب الرأي ، حيث لم يتفرد الملك برايه بل ناقش ورفض آراء الوزراء الأربعة لضعف رأيهم ثم قبل الراي الخامس لقوته وحكمته . وإن أمر الحرب ففيه يقال أنها يجب أن تكون الملك الحكيم السعيد آخر اختيار لأنها تعتبر ازهاقا للأموال والنفس فعلى الملك الحكيم أن يتريث ويستخدم الحيلة لأنها تحفظ العمل وترعى دماء جيشه ، ولو فشل أمر الحيلة فكانت الحرب ، لان اسعد الملوك من تغلب على عدوه بالحيلة ، وقال النبي محمد  ” الحرب خدعة ” وهذا يدل على ضرورة التريث والتعقل في أمر الحرب لأن القرار السريع خاصة في هذا الأمر قد يجلب الخراب للدول حتى وإن انتصرت، فقد يتأثر اقتصادها أو تعم حالة الفوضى فيها وذلك بسبب حتمية اهمال السياسة الداخلية للدولة أوقات الحروب.

في النص المذكور ما يثبت أمر من أمور السياسة الخارجية وهي الألفاظ الشائعة عن حرب ، جواسيس ، صلح وقتال، وكل هذا يصب في الراي الخامس الذي رفض امر الحرب رفضا شديدا باعتبارها اختيار مكلف ومرهق للغاية ، وفي النص ايضا دعوة لضرورة تحقيق الإصلاح الداخلي والذي به تتحسن أمور السياسة الخارجية وهو في الراي الخامس القائل بـ ” قلة الانفاق واللين ” ، وهذا أمر ضروري لتقوية المملكة القائمة على الحكمة ، ففي قلة الانفاق ركيزة اقتصادية واللين استراتيجية سياسية تدعم الدبلوماسية الرشيدة في الحكم وعدم الاندفاع دون تقدير الذات وقدراتها، وهذا عائد للحكمة التي يطرحها بن المقفع في النص والتي ترتبط بلا شك بما يطرحه من قضايا سياسية تتعلق أساسا بقضية الرفض.

لدينا في نصوص أخرى إشارات سياسية كثيرة مثل ” باب الجرذ والسنور “ والذي تتضمن قصته مغزی سیاسي ملخصه ضرورة تقدير القوة ، وعدم معاداة الأقوياء وضرورة التريث في تقدير هذا الأمر وهذا يتضح في حديث السور والجرذ، وبعد هذا التحليل نقول أن النص السلطاني ” كليلة ودمنة ” ملئ بشتى القضايا السياسية التي تتناول قضية السلطة في مواضع مختلفة إلا أن تلك قضيتنا هي الرفض لسياسة الحاكم في الداخل أو الخارج ،ويمكن القول في الأعم الأشمل أن الأمران متداخلان بشكل أو بأخر وهذا ما تم توضيحه.[79] [80]

إن شؤون السياسة الداخلية تتطلب استقرار الوضع الخارجي بشكل ما ، لأن العكس غير متاح في دولة لا تمتلك سياسة داخلية جيدة ليس لها في مختصر الأمر سياسة خارجية، وهذا يدعمه أمثلة التاريخ من الدول التي قامت سلفا ونشأت من فراغ، كالدولة الإسلامية في عهد النبي محمد والتي بدأت بوضع قوانين تحكم العمل داخل المدينة حتى استتب لها الأمر، فمضت قدما في الفتوحات وتوسيع رقعة المملكة، وهذا ما يمكن رؤيته في باقي الدول والممالك الإسلامية مثلا كالعباسية التي قامت بانقلاب فارسي على الدولة الأموية، أو العثمانية التي قامت على أنقاض المملوكية…والخ.

هنا يتضح أن بن المقفع قد ميز العيوب السياسية الخاصة بنظام الحكم وذلك لتوجيه الحكام وإرشادهم من خلال تقديم عدد من الحلول المناسبة لهذه العيوب، ولهذا أثره الموجود في الدولة حينما قام الخليفة العباسي هارون الرشيد مثلا بوضع نظام إصلاح شامل للحياة السياسية بأكملها، والتي جاءت متسقة مع أفكار بن المقفع في قالبها، وذلك لأهميتها في إصلاح شؤون الحكم للراعي ورعيته، ولا شك أن بن المقفع قد وضع بصمته اللافتة للنظر، المؤثرة على مر العصور هو وأمثاله من دعاة الإصلاح، حتى بافتراض أن تلك الإصلاحات التي مرت بها الأنظمة السياسية والإجتماعية قد اختلفت مع موضوع ما تم طرحه إلا أن قالبها له أثره الكبير ومتنها له عظيم الوجود في مشهد تلك الإصلاحات.[81]

المبحث الثاني: أسباب الرفض السياسي في النص السلطاني

ذكرنا من قبل أن بن المقفع قد قدم ضميره السياسي في كتاب كليلة ودمنة، وقدمه على ألسنة الطير والحيوان بطريقة إيحائية ليتفادى بذلك مواجهة السلطة السياسية بشكل مباشر، وقد ألف كتابه في عدد من الأبواب وضع فيها جل خبرته السياسية وملأه بالعبر والتجارب المختلفة لينتقد بذلك السلطة السياسية في عصره حينئذ العصر العباسي الأول، وليقدم مجموعة من النصائح والإرشادات للحاكم لإصلاح شؤون الحكم والمجتمع، إلا أن الكتاب يحوى بين تفاصيل موضوعاته عاقبة عدم اكتراث الحاكم لنصائح بن المقفع، وهي الحال قد يسوء في الدولة على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية…الخ، هذا ما قد يترتب عليه رفضا سياسيا للحاكم وسلوكة وحكمة في الدولة.[82]

وضحنا في السابق الكيفية التي يرى بها بن المقفع قضية الرفض السياسي والتي عرضها في أبواب مختلفة على شكل حكايات يطلبها الملك دبشليم من الفيلسوف بيدبا، وفي كل باب من الأبواب المذكورة عرض بن المقفع أنماط الرفض السياسي الداخلي والخارجي ووضح تداعيات تلك القضية بشكل عام، إلا أن الرفض السياسي لها العديد من الأسباب التي تناولها أيضا بن المقفع في زحمة الكلمات في كليلة ودمنة، وأول تلك الأسباب هو انتشار الظلم في المجتمع والاستبداد السياسي، وعموم الفساد في مختلف جوانب الحياة السياسية والاقتصادية وغيرها، ورفض الانفراد بالرأي عملا بمبدأ الشورى في الحكم، ورفض بن المقفع أيضا أنماط الفساد التي تلفظها الحاشية السيئة وغير ذلك الكثير.[83]

  • الرفض السياسي الداخلي وأسبابه في حكايات بن المقفع.

وضع بن المقفع في أبواب كتابه تشريعا كاملا لسياسة الحكام والكيفيات التي يمكن من خلالها أن يتصرف الملوك بالشكل السليم، إلا أنه وضع معها عواقب صرف الاهتمام عن الشعوب وما تشعر به، وهذا ما يقودهم لرفض سياسة السلطان، وقد عدد بن المقفع أسبابها وهذا ما سنوضحه على النحو التالي:

  1. الظلم والطغيان: الظلم هو أول وأشد الأسباب التي قد تقود الرعية بكافة أشكالها وبمختلف الفئات إلى رفض الحاكم وسياسته غير العادلة، الظلم قد يؤدي إلى صراع بين قوتي الخير والشر حتى مهما كانت الشعوب ضعيفة لا تقوى على مواجهة الحكام ورفض سياستهم، فمهما كان الضعف وجه بن المقفع رسالة للشعوب ووضح لهم الكيفية التي يثورون بها بأن يتعاونوا سلفا ويتحدوا تحت راية واحدة، وهذا ما نراه في حكاية القنبرة والفيل[84] حينما تجمعت كافة الحيوانات على النيل من الفيل بعد دهسه لعش القنبرة فلم يقاوم لأن القوة ليس بكبر حجمه إنما بعقول متعاونة تجتمع على هدف واحد. [85]

القصة ترسم صورة حية من الواقع لجزاء الظالم وعقوبته ومدى الكره الشديد له ولسياسته وسلوكه، فالجور هو أن ينصرف الحاكم عن الحق واستمرار هذا الأمر قد يخل بنظام الطاعة لدي الرعية ويبعث لديهم شعور بعدم جدوى النصح فينصبوا الغوائل والدوائر ليتخلصوا من هذا الحاكم، ولعل هذا ما استمده بن المقفع من فلسفة عصره، فمن المحقق أنه لم يتوقع هذا السلوك الشعبي الثوري في عصره إلا أنه استشف نتيجة الظلم بمتوالية استمرار الجور[86]، وقد قيل في الظلم: “أقرب الأشياء صرعة الظلوم وأنفذ السهام دعوة المظلوم”.[87]

  1. الفساد السياسي: شدد بن المقفع على تلك القضية وركز عليها كأحد مسببات الرفض السياسي لديه خاصة الفساد الذي يأتي من البطانة السيئة، وهنا تنبيه للحاكم الغافل عن حاشيته وما يدور في بلاطه بين وزراءه ومستشاريه الفاسدين والذين ينجزون الأمور بإحداث الفتنة وتدبير المكائد، وهذا فكر ثوري ينبثق عنه رفضا للأنظمة المستبدة والتي تعتمد على مستشارين يتصفون بالفساد وعد الإخلاص للدولة، وهذا توجيه آخر للعلماء والفلاسفة لقيادة الواقع والتغيير، لأن انعدام وفاء الحاشية وفسادهم من أشد أسباب انهيارالدولة والنظام السياسي بأكمله.[88]

في حكايتي الأسد والثور[89] و الفحص عن أمر دمنة[90] إشارة كبيرة للملك وتأكيد على ضرورة معاقبة المفسدين ومحوهم من المجتمع، ومهما طال فسادهم في المجتمع وانتشرت خديعتهم واحتيالهم لابد أن يعاقبوا حتى يصبحوا عبرة لغيرهم فيستقيموا، وفي هذا يسعى الملك لنشر العدل والمساواة فيحسن اختيار أعوانه ويشاورهم في تدبير الأمور في الدولة، وانطلاقا من مبدأ إذا صلحت العين صلحت سواقيها فلابد أن يكون الملك عاقلا مستقيما لا يغضب ولا يقسو، يحافظ على رعيته فلا يجوعهم ولا يظلمهم، يستعمل الشدة واللين في موضعهم الصحيح وفي هذا صلاح لشؤون الحكم.[91]

  1. رضوخ الرعية وخنوعهم: وجه بن المقفع رفضا صريحا في مواضع عديدة للرعية التي تصدق الملك الخائن وحاشيته الفاسدة أو يطيعونهم على هذا الفساد، وقد حذر ين المقفع من خطورة الثقة في الحاكم المخادع وعواقب هذا على المجتمع والدولة، فهذا قد يؤدي بالملك إلى أن يستغل سلتطه لمصلحته وحاشيته فيزداد الفساد وتتكرر الأخطاء، في هذا تحذير كبير من الانخداع والغفلة عن المحتالين وما يفعلونه من تربص ومكائد من أجل مصلتهم وخاصة من هم أقرب إلى السلطان، فنتائج هذا على النظام السياسي والمجتمع السياسي بأكمله في غاية الخطورة وقد تؤدي لانهياره بالكامل وهذا في حكاية الأسد والحمار وابن آوي المكار.[92]

قيل: “حلية الملوك وزينتهم وزراؤهم ونصحاؤهم”، وهذا منطقي للغاية لأن الملك وحدة لا يستطيع تدبير شؤون أمة بأكملها فيستعين في ذلك بمن يجاوره على حمل تلك المسؤلية، وينبغي على الملك في اختيار مستشاريه أن ينتقيهم من أهل الأمانة والمروؤة، لديهم ضمير حي وولاء للمملكة، فصورة الملك أمام شعبه هو مجرد انعكاس حي لما تفعله حاشيته في إدارة شؤون المملكة من وراءه، وعدم صلاح تلك الحاشية وفسادهم المستشري في مختلف قطاعات الدولة قد يسبب في النهاية انفجار يطول الملك وحكمه، مهما كان الشعب راضخا لا يعبر ولا يتكلم، فهو ينفجر حينما يشتد الظلم.[93]

  • الرفض السياسي الخارجي وأسبابه في كليلة ودمنة.

رفض السياسة الخارجية للحكام لا تتوقف عليه التأثيرات الخارجية فقط، فالسياسة الخارجية ترتبط ارتباطا وثيقا بالسياسة الداخلية، فلا تتم الأولى بدون استقرار الثانية ولا يتم تعزيز الثانية من غير الأولى، فهي علاقة ارتباطية لا يمكن فصلها أبدا، وقد وضح بن المقفع أسباب عدة نابعة من أنماط الرفض المختلفة لسياسة الحاكم الخارجية وهي:

  1. القرارات المتسرعة الغير مدروسة: يمكن لبعض القرارات التي يأخذها الحاكم وحاشيته أن تودي بهلاك الدولة وانحدارها لموضع متدني أو انهيارها بشكل كامل، وقد نص مثال من باب البوم والغربان على رفض القرار المتسرع للحرب دون حساب المكسب والخسارة ومعرفة حدود المواجهة، فقرار الحرب السريع مهما كانت قوة الدولة له عواقب وخيمة على الدولة والحياة السياسية والاقتصادية بالأخص، وفي هذا سبب أدعى لضرورة التريث والتفكير في أمر الحرب جيدا قبل اتخاذ القرار المناسب.[94] [95]
  2. الغضب وقلة العقل وانعدام الرحمة: يمكن أن تسبب تلك الصفات الكريهة للملك العداء الشديد مع الدول الاخرى، وهذا على قول أنها لا تجني خيرا أبدا على الدولة التي يحكمها ملكا مكروها، وقد وضح الشيرازي في كتابه المنهج المسلوك في سياسة الملوك عدد 15 صفة من الصفات المستحبة في الملك بها دوام ملكه وتقدم دولته وهي: (العدل، والعقل، والشجاعة، والسخاء، والرفق، والوفاء، والصدق، والرأفة، والصبر، والعفو، والشكر، والأناة، والحلم، والعفاف والوقار).[96] [97]
  3. الاستهتار بالأعداء: له عدة صور منها مثلا الاستخفاف بقوة العدو وإمكانياته وما يقوى عليه أو الثقة به وعدم تقدير ما يمكن فعله إذا أمن رد الفعل، أو السماح له بأخذ أسرار الدولة وعد الحذر مما يمكن أنه يفعله بتلك الأسرار، أو الكيفية التي يأخذ بها الأسرار، فالضرورة تحتم معرفة العدو وعد العدة له قبل مقارعته وإشهار سيوف الحرب في وجهه، وقد ذكرنا عاقبة اتخاذ القرار المتسرع في الحرب الذي قد يأخذ الدولة إلى منزلفات الفوضى السياسية والانهيار الاقتصادي والاجتماعي.[98] [99]
  4. رفض اتخاذ نهج العداوة ورفض محاربة الأقوياء: فالدولة التي تعلن عداوتها لجيرانها لأي سبب كان هي دولة غير رشيدة حكومتها لا تتأني ولا تستخدم الحكمة في إدارة الأمور، فمهما كانت قوة الدولة لا يجوز اتخاذ نهج معادي لا يركن للعقل والحكمة، فمن كمال سياسة الدولة عدم إبداء العداوة لدولة أخرى مهما كان الحافز لهذا، واتباع نهج مسالم لا يعتدي ولا يتعدى على الغير إلا للدفاع عن نفسه، وما يتضمنه من رفض المنطق محاربة الأقوياء لأن هذا يعد بمثابة هلاك الدولة وفناءها.[100] [101]
  5. أخيرا يقول بن المقفع في باب إيلاذ وبلاذ وإيرخت كما جاء في حوار الملك دبشليم والفيلسوف بيدبا: ” قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف: “اِضرب لي مثلا في الأشياء التي يجب على الملك أن يلزم بها نفسه، ويحفظ ملكه، ويثبت بها سلطانه، ويكـون ذلـك رأس أمره، وملاكه: الحلم، أم المروءة، أم الشجاعة، أم الجود؟”، قال بيدبا: “إن أحق ما يحفظ بـه الملك ملكه الحلم، وبه تثبت السلطنة، والحلم رأس الأمور وملاكه”، وهنا حث بن المقفع الملوك على أن يصونوا العهد فلا يخونوا ولا يقطعوا عهودا على أنفسهم ثم لا يلتزموا بها فهذا ليس من صفات الملوك.[102]

لابد من وجود أسباب أخرى للرفض السياسي والتي وضعها بن المقفع في سطوره ليكمل بها المشهد الشعبوي الثوري الرافض لأي سياسة فاسدة، وقد وضح هذا في القصص المختلفة التي عرضها على لسان بيدبا الفيلسوف، ووجهها للملك في صور نصائح تدف لتعضيد ملكه وتقويته، فتوجهت تلك المعاني الرافضة بصورة غير مباشرة قصصية لها من الإيحاء والجذب ما فسره الملك بأنها نصائح قيمة، وثابت أن القصة تحكى لعبرتها ولعل الملك كان يدرك أمر كهذا أن العبرة السياسية التي يقدمها بيدبا ليست سياسية المظهر، لكنها قوية المعنى مقصودة لها أهدافها، وهنا وجه بيدبا للملك دبشليم ما يمكن أن يشكله الشعب جراء سياساته وأسباب هذا وأنماطه وصوره، وفي هذا عبرة للملك ليتصور ما يمكن أن يحدث لو استمر الفساد في دولته، وماذا يعود عليه وكيف يمكنه التخلص من رؤوس الفساد ومكامنه ذاتها.

المبحث الثالث: تداعيات الرفض السياسي في نص بن المقفع ومشروع الإصلاح

الرفض السياسي ما هو إلا ثورة نوعية على وضع سياسي فاسد غير مستقر، فهو رفض جور وظلم سلطة ما وكشف سياستها القمعية، والتخلين الصمود والصبر ما يسبب خسائر لا تحمد عقباها، هذا المدار السياسي للرفض كشعور وتوجه له دوافعه، وفي دواخل الرفض عوامل عدة منها مادية كثورة يقوم بها الناس على الحاكم لأي سبب كان كالظلم أو عدم المساواة في توزيع الثروة ومنها معنوية تنشأ من اختلاف المفاهيم والقيم الاجتماعية وتلاقي الثقافات وتلاحمها، ومن المؤكد أن للرفض السياسي انعكاساته التي قد تودي بحياة الدولة للهلاك المحتم، وتقضي على السلطة السياسية التي تعرضت لهذا الرفض [103]، وقد أبرز بن المقفع في حكاياته عدد من النتائج ومنها:

  1. الثورة: وللثورات دورا كبيرا في تحقيق النضج الكافي للشعوب كي تنطلق وتتقدم، فمن ناحية يتحد ويتعاون أفراد المجتمع في إنجاح تلك الثورة وتظهر أنماطا جديدة من أشكال العمل المختلفة والتي تهدف جميعها إلى إعادة بناء الدولة، ومن ناحية فهي تطيح بنظام سياسي عانى منه الناس جل المعاناة حتى ثاروا عليه وأطاحوا به، لكن لا شك بأن مرحلة الفوضى التي تلي الثورات أمر حتمي فإن لم يسرع المجتمع بإعادة البناء السياسي مرة أخرى فقد ينزلق في حلقة مفرغة من الفوضى لا تنتهي.[104]

قبل الثورة يمكن أن تبدأ خطوات السعي في إصلاح الحاكم وتوطيد حكمه من خلال تقديم النصح والإرشاد إليه لكن استمرار الظلم والفساد السياسي قد يؤدي إلى إنفجار لا يمكن السيطرة عليه، وقد حذر بن المقفع الحاكم من خطر الإنحدار السياسي وصوره من انتشار الظلم، الفساد السياسي والاستبداد والغير ذلك من صور تدهور أحوال الدولة، لكن إذا قامت الثورة وأصبح الشعب مسؤلا ملتفا حول ضرورة الإطاحة بالنظام الحاكم فلا بد من الإسراع في إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح مرة أخرى من خلال التوحد تحت راية والحدة والتعاون مع رأس الثورة وقائدها لإعادة بناء الدولة.[105]

الثورة التي نقصدها هنا بالحديث عنها هي تلك الحركات الشعبية التي تهدف إلى إخراج السلطة الحاكمة من البلاد، تلك الحركات التي يدفعها الرفض السياسي أو الغضب أو رؤية المزيد من الأفضل في مستقبل البلد الخاصة بهم، ويمكن القول أن العنف السياسي هو السمة الغالبة في معظم الثورات التاريخية المعروفة كما نقل لنا التاريخ [106]، وهذا يمكن إبرازه بشكل خاص فيما أوضحه بن المقفع قبل الحديث عن المعنى المعاصر للثورة في حكاية القنبرة والفيل مثلا حينما اجتمعت كافة الحيوانات على نصرة القنبرة المظلومة ومعاقبة الفيل مستخدمة العنف بمهاجمته والتعدي عليه وذلك لقوته وعظم حجمه.[107]

إن استخدام بن المقفع لقدرته الأدبية يعد ثورة في ذاته، ثورة أدبية كبرى يمكنها تغيير ما يمكن، فلم يكن الناس أسعد حالا في عهد الدولة الأموية من الدولة العباسية، وبن المقفع عاصر هذا الأمر فقد عمل مع السلطة السياسية مبكرا وبدأ في جباية الخراج ثم اقترب أكثر وأصبح كاتبا معظم أيامه لكبار الرجال في الدولة العباسية وتنقل في المناصب فرأي المشكلات السياسية وشعر بحاجات المجتمع ورغباته فاستخم ثورته الخاصة في محاولة لإصلاح نظام الحكم السائد في الدولة من خلال إستخدام قدرته الأدبية وتوظيفها بشكل ما ليخدم هدفه المقصود بتقديم كتاب كليلة ودمنة.[108]

إن الخطاب السياسي الثوري الذي وجهته القنبرة في نهاية الحكاية يبرز أهمية عوامل الوحدة والتعاون من أجل تحقيق مثل هذا الهدف، كما أن يوضح بشكل كبير مدى تغير أسلوب الخطاب وفقا للوضع السياسي والشعور الموجه للفيل وهو يرمز إلى الملك الطاغي فقالت القنبرة: ” أيها الطاغي المغتر بقوته المحتقر لأمري ، كيف رأيت عظم حيلتي مع صغر جثتي عن عظم جثتك وصغر حيلتك ؟! “، وهذا يوضح كيف أن استخدم بن المقفع موهبته الأدبية في توصيل المعنى المرغوب، وكيف تغيرت لغة الخطاب من أيها الملك إلى أيها الطاغي؟ وكيف تم توظيف التضاد لإبراز المعنى المقصود بين مثلا (عظم حيلتي x صغر حيلتك – صغر جثتي x عظم جثتك)[109] وتلك هي دقة إيصال المعنى الثوري المقصود.[110]

  1. الشعور بالاغتراب السياسي: لقد أشار بن المقفع لتلك الحالة من الاغتراب في باب الأسد وابن آوي حينما رفض كليلة صحبة السلطان قائلا: “إذا كان الملك يريد الإحسان إلي فليدعني أعيش في هذه البرية آمنا من أن أحسد فإني قليل الهم راض بمعيشتي من الماء والحشيش وقد علمت أن صاحب السلطان يصل إليه في ساعة واحدة من الأذى والخوف ما لا يصل إلى غيره طول دهره وإن قليل الغذاء في أمن وطمأنينة خير من كثيرة في خوف ونصب”، لعل تلك الإشارة البسيطة لحالة السخط السياسي هي ما كان يقصده بن المقفع من وراء تلك الكلمات.

إن الإغتراب السياسي حالة قد يتعرض لها المواطن في المجتمع كنتيجة مباشرة لشعوره الدائم بالانفصال عنه بشكل أو بآخر، أو رفض هذا النظام بأكمله وعدم قبول السلطة السياسية فيه، وفي حالة الاغتراب السياسي يكون الحال بين أمرين، إما أن المواطن مجبورا على تلك الحالة وهو ما يسمى بالعجز السياسي وفيها يكون الشعور بالاغتراب نابعا من البيئة السياسية المحيطة بالفرد في ذاتها والمتغيرات والبدائل السياسية من حوله، إما أن يكون الفرد رافضا للسلطة السياسية فيشعر بالسخط السياسي وأنه ناقم على تلك السلطة رافضا لها، وهذا ما لمسه بن المقفع في الحكاية المذكورة.[111]

الاغتراب السياسي كارثة مجتمعية وسياسية كبير للغاية بأن يصبح المواطن شاعرا بالعجز السياسي نتيجة لوضع مفروض عليه لا يستطيع تغييره بأي حال، أو أن يفقد الفرد المعنى السياسي بأن تصبح كافة القرارات والخطوات التي تتخذها السلطة السياسية ضده في وجهة نظره بأن يراها غير واضحة أو عادلة، ومن الممكن أن يتفاقم الأمر حد فقدان المعيار السياسي وهذا حينما يلمس الفرد السمة المعطلة فيها، فيستشعر بأن كافتها تسير عكسه وتعطله فيتخلى عنها ويخرج عن السلوك الاجتماعي الصحيح بحجة أن هذا أمر شائع، أو أن يعتزل المجتمع السياسي بأكمله وتلك هي حالة السخط السياسي التي أبرزها بن المقفع وهي عكس النتيجة الثورية الأولى بل أخطر من تبعاتها.[112]

إن حالة الاغتراب السياسي وما تعبر عنه من قبول تام بالوضع الراهن حتى لو كان هذا من وجهة النظر السلطة السياسية هو أحد بل الأهم الدوافع لأن تستمر تلك السلطة في ما تفعله، فهو بمثابة هروب من المشهد السياسي يتيح الفرصة لتفاقم الأمر على غير الهوى لأن سمة التعبير عن الرفض أصبحت بحال غير موجودة أو تم كبتها فانبرى ما هو يعكس الصورة في سخط شعبي جماعي مكبوت بإرادة شعبية منفردة، فهو يرتبط بشكل ما بسلبية سياسية كبيرة لا تنم عن فاعلية شعبية موجودة على أرض الواقع يمكنها إحداث حركة أو تغير ما في السلطة السياسية أو نظام الحكم.

للاغتراب السياسي بوادر ومؤشرات عديدة منها قلة مشاركة المواطنين السياسية في الفاعليات السياسية المعتادة في المجتمع وأبرزها الانتخابات مثلا، وهذا لأن الأوضاع المستمرة من الفساد السياسي، الاقتصادي والاجتماعي قد تسبب تلك الحالة من الشعور بالغربة، ولا يمكن تجاهل هذا الشعور الذي لا تحمد عقباه دائما، فهي حالة لها نفس خطورة الثورة من حيث الوصول لمرحلة الغليان الشعبي والثورة والتي قد تصل ذروتها من جديد إذا ما توفرت لهم فرصة للوصول إلى تلك الحالة المرغوبة، وهذا ما أبرزه بن المقفع بشكل ما وحذر منها وخاصة حالة السكوت عن الظلم والرضوخ للسلطة.[113]

  1. إمكانية إصلاح السلطة السياسية: وكانت تلك هي الآلية التي وضعها بن المقفع وألزم بها نفسه غرضه من الكتاب فقال في موضع: “الغرض الرابع و هو الأقصى مخصوص بالفيلسوف خاصة”، وفيه هذا دعوة واضحة للمثقفين من الفلاسفة وأهل العلم، رجال الدين والحكماء، للحرص على الواجب الأدبي والتزام دورهم في مجابهة السلطات الحاكمة الفاسدة وبيان منابع الظلم والأتظمة الفاسدة المستبدة مهما كان الثمن والتضحيات، أملا في إصلاح السلطة السياسية ووضع حدود لفسادها السياسي من خلال الإصلاح الفوقي.[114]

كان هذا الغرض هو باعث بن المقفع لتأليف كليلة ودمنة والذي اختص به أهل العلم ممن لهم تأثير كبير في الدولة ومعروفين لدى السلطان ليؤدوا تلك المهمة بأي شكل كان أملا في إصلاح النظام السياسي وتصديقا في عدم جدوى الوصول لمرحلة الغليان الشعبي المذكورة، وقد وضع الكتاب خطوات الإصلاح السياسي تلك برسم خريطة هذا الإصلاح على ان يبدأ بتطهير السلطان ذاته ومن ثم بطانته حتشيته، ثم إصلاح المجتمع بإعادة غرس القيم السياسية والاجتماعية المرغوبة، ثم إصلاح القضاء ثم الجيش وأخيرا الشعب.[115]

قدم بن المقفع كليلة ودمنة على ألسنة الطير والحيوانات في سياق عاطفي فيه من الدفقات الوجدانية ما لا يمكن تجاهله، لأن المقولة الحكيمة الذهنية التي تولد مثارة في سياق عاطفي وجداني يحيطها المشاعر أكثر قدرة على إيصال المعنى المرغوب بشكل أو بآخر، فابن المقفع لم يرد بشكل أساسي وضع نهج شعبي يبرز من خلاله منهجا شعبيا ليقوم بإسقاط السلطة السياسية الفاسدة جملة واحدة بدون مقدمات، لكن الأمر كان مختلفا للغاية، وكان بن المقفع مدركا لخطورة مثل هذا الأمر على استقرار المجتمع والدولة على مختلف المستويات.[116]

تثبت نظرية بن خلدون في العصبية ومراحل العمران البشري عدم جدوى إسقاط نظام حكم قائم من خلال الثورة عليه والتعبير عن رفضه بشتى الطرق ومختلف السبل، فجماعة تقوم بإسقاط نظام سياسي ما، ثم تصل إلى الحكم وتستقر ويشتد عودها، ويأتي يوم عليها ثم تنهار ويأتي غيرها، فالنظام إذا ترك سوف ينهار من ذاته لأن تلك الجماعة القائمة على فكرة العصبية إذا وصلت لسدة الحكم سوف تستعمل روابط الدم والدين والتي بدورها تضعف شيئا فشيئا حتى تصل إلى حد التناحر بين لأبناء الرابطة الواحدة ومن ثم يسرع التناحر فيما بينهم من إنهيار سلتطهم تماما.[117]

لعل هذا ما يخدم الهدف المقصود من إصلاح السلطة السياسية ويدعم هدف بن المقفع وأولويته في توجيه النصح والإرشاد للحاكم بين سطور كتابه، وفي إصلاح الحاكم إصلاح لبطانته ومن ثم إستقامة سياسته لتصل الأمور إلى حسن تدبير شؤون الرعية، وفي توجيه النصح للحاكم نوعا من الإصلاح الرحيم للفاسد السياسي والذي قد يكون مستشريا في دولة ما، وإذا نجحن مقاصده سيكون أنفع للمجتمع السياسي وللشعب بكل مقضيات حياته من القيام بثورة شاملة على نظام الحكم والإطاحة به والإتيان بنظام آخر يعيد نفس الكرة، وتستمر دائرة الفساد لا تنتهي.[118]

كان الهدف دائما من خطة الإصلاح هو تجنب النتائج السيئة لقضية الرفض السياسي بشكل أساسي وهذا ما وضحناه في تحذيرات بن المقفع الكثيرة للسلطان من مختلف الأشياء، وكانت رؤية بن المقفع التي اختص بها الحكماء والفلاسفة في عصره نابعة من عدة عوامل منها تعقد الحياة الاجتماعية في عصره، وازدياد التعسف السياسي، فابن المقفع كان يرى أن الأمور من الممكن أن تزداد سوءا بين الرعية والراعي إذا قدر للدولة أن تبقى على حالتها تلك، وقد أمن عند الملك تصديقه للحكماء وأهل العلم والدين وعرفانه للفضل فيهم واعتمد على ذلك في تقديم رؤيته الشاملة الإصلاحية.

كان الأمل الأول لابن المقفع أن يسمح الملك للفلاسفة والحكماء في دولته بأن يكونوا جنبا إلى جنب معه، بأن يستمع إليهم ويقربهم منه، وإذا حزبه لأمر ما استشارهم وأخذ رأيهم، فإذا قدموا له نصيحتهم واتفقوا على استحسانها قبلها منهم واستحسنها واطمئن إلى مباشرة تنفيذها، ولهذا توجه بن المقفع بكتابه كليلة ودمنة لمباشرة مهمته الجليلة الخاصة بالحكماء والفلاسفة لكنه لم يسلم من بطش الحاكم حينئذ العصر العباسي الأول والخليفة المنصور، فلقد نال الخليفة من إرادة بن المقفع في إحداث التغيير والإصلاح وبدد ما كان يؤمن به حينما حكم عليه أن يقتل بتمهة واهية وهي الزندقة، لكن من المؤكد أن بن المقفع كان يشكل قلقا كبيرا على استقرار أمور السياسة والحكم للدولة الجديدة والخليفة فأرادوا الإطاحة به.

أخيرا وختاما لهذا الفصل نكون قد عرضنا بامتياز ما يلزم عن الخريطة السياسية التي وضعها بن المقفع لقضية الرفض السياسي لإكمال الصورة التي رسمها لإحداث التغيير، فبدأنا بالتعرف على ماهية الرفض السياسي في النص والمواضع التي حددها بن المقفع لتلك القضية، وعرفنا نمطين للرفض السياسي وهما الرفض السياسي الداخلي وهو رفض سياسة الحكم الداخلية والاعتراض على مجرياتها، والرفض السياسي الخارجي وفيه اعتراض على القرارات والسلوكيات التي يتبعها الحاكم مع الأمم الأخرى، ولقد اتخذ بن المقفع الرفض احتجاجا على الوضع السياسي والاجتماعي والأخلاقي وهدف إلى الإصلاح وتهذيب الحاكم وغرس القيم الفاضلة في المجتمع.

كان للرفض السياسي أسباب عديدة بينها بن المقفع في حكاياته ابتداءا من انتشار الظلم في البلاد مرورا بالفساد السياسي والاجتماعي والاقتصادي والذي قد يودي بالسلطة السياسية للهلاك المحتم، إلى جانب الخنوع وقبول الرعية للحاكم الفاسد خوفا منه ومما قد يفعله بهم من ظلم وتنكيل، إلى جانب هذا حذر بن المقفع الملك من خطورة التسرع في اتخاذ قرارات في الشؤون الخارجية كشن حرب أو عدمها، ونبهه أيضا إلى ضرورة أخذا الحيطة والحذر في التهامل مع الأعداء فلا يفرط في ثقته فيهم ولا يعاديهم بلا سبب، وأخيرا حث الملك على ضرورة صيانة العهود وعد مخالفتها أو تعمد تجاهل إياها لأن الثمن يكون دائما على حساب الدولة ذاتها وهي ما تلقى عواقب أفعال الملك

في النهاية وضحنا تداعيات الرفض السياسي للسلطة الحاكمة وعرفناها في ثلاثة جوانب مبرزة في النص السلطاني وهي أولا الثورة تلك هي مرحلة الغليان القصوى للشعب في رفضه للسلطة السياسية، وثانيا الشعور بالاغتراب السياسي نتيجة لرفض السلطة السياسية مع الإحساس بالسخط السياسي أو العجز أو كلاهما في آن واحد، وأخيرا إحتمالية إصلاح الحكم، وهذا احتمال وضعه بن المقفع كأولوية في خطة الإصلاح الهادفة إلى تجنب مرحلة استشراء الفساد السياسي في المجتمع وانتشاره والتي قد تودي بالسلطة السياسية للهلاك أو تسرع في نهاية الدولة فينال منها المتربصون.

الفصل الثالث: صراع القيم السياسية في كتاب كليلة ودمنة

علاقة الأدب والأخلاق والقيم لا تنتهي بل أنها علاقة ارتباطية غائية من نوع ما، فالأخلاق تمثل الهدف القويم للمقصد القيمي الذي يريد الأديب إيصاله من وراء ما يطرحه من أفكار، وفي موضع يقول أرسطو: ” مقاصــدنا الأخلاقيــة يظهـر أن غرضـها شــيء مــن الخــيرنرغب في بلوغه، هذا هو ما ً يحمل تعريفهم للخير تامـا إذ قـالوا: إنـه موضـوع جميـع الآمال”، ومن المحقق أن بن المقفع قد بدأ تقسيمه للقيم الأخلاقية متأثرا بآراء أرسطو عن الفضيلة والرذيلة، فالفضيلة عند أرسطو هي ما يصرف الأمر تلقاء اللذات والألآم فيكون السلوك أحسن ما يكون، أما الرذيلة فهي تعاكس مفهوم الفضيلة، ولا عجب في ذلك كون بن المقفع الناقل الأول لعلم المنطق من الثقافة اليونانية فلابد وأنه رأى الثقافات واستقى منها المنظومة القيمية والمقاصد الأخلاقية المختلفة والتي طرحها في كتاب كليلة ودمنة. [119]

في هذا الفصل سوف نقوم باستعراض مجموعة من الموضوعات التي تتعلق أساسا بمنظومة القيم الأخلاقية السياسية في نص كليلة ودمنة وذلك من خلال توضيح مجموعة القيم التي استعرضها بن المقفع في النص والتي تتعلق بالمجتمع والسلطة السياسية وتهدف لإحداث التغيير الجذري لإصلاح الوضع القائم، ثم ننتقل لتوضيح مجموعة القيم السياسية المبرزة في النص والتي ترتبط بالنظام السياسي في الدولة، ونحاول استخراج الموضع التوجيهي ودورها في إصلاح شؤون الحكم وتحسين حياة الرعية، وننتهي بإبراز دور الرعية في المشهد السياسي كما رآه بن المقفع ووضحه في كتب كليلة ودمنة، رغم قيمة السلطة السياسية ورأسها في إدارة شؤون الدولة، وهنا سؤال يطرح نفسه وهو: هل يتعارض الوجود الحقيقي للسلطة السياسية في المشهد السياسي مع دور الرعية؟ ونجيب عليه في دواخل الموضوعات.

المبحث الأول: المقاصد القيمية ودلالاتها في كليلة ودمنة

كان لدى بن المقفع وعي تام بالأخلاق، فهي ليست مجموعة من القيم والفضائل التي تهدف لإصلاح الأوضاع المجتمعية والسياسية فحسب، بل أنها مجموعات الفضائل والرذائل أو المحاسن والمساوئ التي تعاكس بعضها البعض فتخلق تلك الحالة شعور بالرغبة والنفور، هذا الإحساس بالتضاد القيمي يولد لدى المتلقي الرغبة في الخروج بوضع أفضل، ويقول بن المقفع في كتابه الأدب الصغير والأدب الكبير: “من الأخلاق السيئة على كل حال مغالبة الرجل على كلامه، والاعتراض فيه”[120]، وقد قسم بن المقفع الأخلاق في كتباه تقسيما منطقيا على غرار تقسيم أرسطو لها بمجموعات من الفضائل والرذائل، ولم يتوقف عند هذا الحد بل أنه شرع في وضع طريق يمكن للمتلقى أن يسلكه في ليحدد القيم الخاصة به.

في زحام الفضائل والرذائل وضع بن المقفع دربا قويما يمكن الإنسان من الوصول لمرحلة الكمال أو أن يصبح إنسانا فاضلا، فيقول في موضع آخر في الأدب الصغير والكبير: “على العاقل أن يتفقد محاسن الناس ويحفظها على نفسه، ويتعهدها بذلك مثل الذي وصفنا في إصلاح المساوئ”[121]، فليس هناك إنسان قد وصل إلى مرحلة الكمال كما يرى بن المقفع لكنه تشرب مجموعة الفضائل والرذائل كفيلة أن تجعل الإنسان يقترب من مرحلة الكمال، وابن المقفع بالأساس يتبني نهجا يمكن من خلاله تطبيق قواعد السلوك الأخلاقي، فهو يعرض مجموعة من الرذائل وصفاتها وخصائصها لتكون هناك معرفة كاملة بها وهذا يمكنه من التخلي عنها والتحلي بالفضائل.[122]

  • القيم السياسية والأخلاق في نص كليلة ودمنة.
  1. اجتمع الفيسلوف الهندي بيدبا مع تلاميذه وقال: “نحن نروض أنفسنا لمثل هذه الأمور إذا ما ظهرت من الملوك إلا لنردهم إلى فعل الخير ولزوم العدل” وهو هنا يقصد الملك دبشليم ورده عن ظلمه وجوره وإرشاده للعدل والحق ، وتلك البداية تثبت ربط النص السلطاني كليلة ودمنة بين السياسة والقيم الأخلاقية. [123]
  2. عندما اجتمع بيدبا بالملك ليصلحه ويرده عن ظلمه وقد ذكر بيدبا للملك سبب زيارته وهو تقديم النصح للملك في أمور مختلفة، ثم أوضح عدة خلال يجب أن يتصف بها الإنسان وهي: اولا يتصف الانسان عن غيره من المخلوقات بـ الحكمة والتي تتضمن العلم والأدب والروية ، ثانيا العقل وهذا يحوز صفات الحلم والصبر والوقار، ثالثا العفة وتحتوي على الحياء والكرم والصيانة والأنفة ، واخيرا العمل وهذا يحتوي على صفات الصدق والإحسان والمراقبة ، وتلك هي المحاسن التي يجب أن يتحلى بها الانسان کي يكون صالحا.[124]
  3. حكي بيدبا للملك قصتين وضح فيهما أفضل الخلل والصفات التي يجب أن يتحلى بها الانسان بشكل عام والملك بشكل خاص ومنها السكوت والتروي في إصدار الكلمة والتي تحسب على قائلها فتهلكه أو تنفعه ، هذا لأن ” السكوت عند الملوك أحسن من الهذر الذي لا يرجع منه إلى التفع ” ، أيضا على الملك تقدير قيمة العقل ، وعدم التكلم في شؤون الغير وأخيرا التسليم للمقادير.[125]
  4. ألقي بيديا بعد ذلك على مسامع الملك مقالة يصف فيها ظلم الملك دبشليم وجوره على الرعية والبلاد وتجنبه ما كان يجب أن يفعله من حسن معاملة الرعية ، والالتزام باخلاق و محاسن السابقين ، بالإضافة لضرورة الاستقامة في التصرف دون جهل واغترار ، مستعملا في هذا الكياسة والفطنة في حكمه لكن تلك المقالة اغضبت الملك فامر بحبسه ثم ندم على ذلك فامر ان ياتيه ثم عاتبه وامر بتعيينه وزيرا. [126]
  5. مضى الملك في اصلاح ملكه لما قاله بیدبا ونصحه به ، ولما استقر له الامر امر بیدبا بتاليف كتاب يحمل سيرته فوافق بيدبا بسرور وأنجزه في عام . وهنا نرى كيف أن بن المقفع في فصول كتابه كليلة ودمنة قد ربط بين أخلاق الملك والتي عددها في سلوكيات معينة كالسكوت عن الكلام الزائد ، الصبر ، الحكمة ، الكرم … الخ . وبين سياسة الملك وطريقة حكمه وتصرفه في شؤون مملكته ، وهذا ما يتجلى في سياق النص السلطاني الذي يقدم النصيحة من خلال الجمع بين خلق السلطان وسياسته ، وهذا على لسان بیدبا كما ذكرنا والذي وحد بين السلطة المتمثلة في الحاكم والانسان، فالحاكم في النهاية في اخلاقة يجب أن يكون إنسانا يجمع بين الشقين.[127]
  6. في باب البوم والغربان قيل عن الملك: “وأن يكون العالم بالأمور وفرص الأعمال ومواضع الشدة واللين والغضب والرضى والعجلة والأناة والناظر في يومه وعدة وعواقب أعماله”، وهنا ينبغى على الملك أن يحتوي الرعية في وقت الفوضى والغضب لأنه لا طاقة له بهم أبدا حينئذ، فيجب عليه التحلي بالصبر والتأني في الأمور وألا يستعجل الأمور فيلتزم العقل عند الغضب ويحفظ عهده في الحفاظ على مملكته.[128]
  7. لا يجب أن يكون الملك ذا رياء، لا يحفظ عهدا ولا يصون وعدا، لا رحمة له ولا ذمة، وهذا ما قاله بن المقفع في باب الملك والطائر فنزة لحث الملوك على ترك تلك الصفات: ” قبحا للملوك الذين لا عهد لهم ولا وفاء، ويل لمن ابتلي بصحبة الملوك الذين لا ذمـة لهم ولا حرمة ولا يحبون أحدا ولا يكرم عليهم إلاّ إذا طمعوا فيما عنده من عناء، واحتاجوا إلى ما عنده من علم فيكرمونه لذلك، فإذا ظفروا بحاجتهم منه فلا ود ولا إخاء، ولا إحسـان ولا غفـران ذنب ولا معرفة حق، هم الدين أمرهم مبني على الرياء والفجور، وهم يستصغرون ما يرتكبونه منعظيم الذنوب، ويستعظمون اليسير إذا خولفت فيه أهواؤهم”.[129]
  8. اشترط بن المقفع في باب البوم والغربان على الملوك حسن السيرة وذلك بعد أن خلف سيرة ملك الغربان كرمز للشر وضعف الرأي والخيلاء، فيجب على الملك أن يقدر نفسه لتحسن سيرته، فقيل: “إن الملوك وغيرهم من ذوي العقول، إذا تعمدوا بمعروفهم أحدا يختصونه به، ينبغـي لهم أن يضعوه موضعه، ولا يضيعوه عند من لا يحتمله ولا يقـوم بشـكره، فينبغـي للملوك ألا يصطفوا أحدا إلاّ بعد الخبرة بطرائقه، والمعرفة بوفائه ومودته وشكره…”.[130]
  9. العدل فلا ينبغي أن يظلم أحدا، والعدل من الصفات الأولى التي يجب أن تتوفر في الملك، وقيل عن صفة العدل في الملوك: “أحق الناس بإجبار نفسه على العدل في النظر والقول والفعل، والوالي الذي بعدله يعدل من دونه، والذي ما قال أو فعل كان أمرا نافذا غير مردود”، فحتى لو أن الملك سيجبر نفسه على التزام العدل وعدم ظلم الرعية أو التغول في استخدام سلطته.[131]
  10. أخيرا قيل: “أن مرجع أمراض الراعي إلى الظلم و الاِستبداد، وأن مصدر أمراض الرعية هـو الجهـل فداوى الظلم والاِستبداد في الراعي يحسن اِختيار الأعوان وحسن الاِستشارة، وإنشـاء ونظام قوامه العقل العادل، وداوى الجهل في الرعية بالتسلح بالعقـل والمعرفـة عـن طريق التفكير والمشورة والصداقة الحقة، ومحاسبة النفس، وذكر الآخرة”، فابن المقفع أوضح أنه يدرك تماما كيف يقوم بتقويم سياسة الملوك وسلوكه بمختلف الطرق، كيف يزرع فيهم حب الصفات الحميد وذم الرذائل، وهو في ذلك يداوي داء الراعي الأول وهو الظلم، وبستخدم الدواء ذاته لمداوة جهل الرعية.[132]

لعل من أهم الفصول التي تعبر عن تداخل الأخلاق والسياسة هو باب “الفحص عن أمر دمنة”، وفيه تعود الروح الأخلاقية لتبرز المشهد السياسي من جديد، ونمثل انتفاضة قيمية للحاكم على فساد حاشيته، فـ دمنة هو مساعد الملك، شخصية ميكيافيلية بها من السوء والضغينة ما يكفي لإسقاط الدولة، شخصية جدلية سفسطائية، لا تدخر حهدا لزرع الشقوق والتفريق بين الحيوانات، وقد تمت محاكمتها وفقا لما فعلته بين الملك والثور شتربة وهو الوزير المخلص من إحداث الوقيعة والتفرقة، تلك المحاكمة التي تستجيب بشكل ما لإرهصات أخلاقية صافية، وتعبر عن الروح الأخلاقية لسياسة الدولة، هذا التناقض بين القواعد السياسية التي لا تقبل النقاش أو الجدل وما أتى به بن المقفع من درس أخلاقي عبر بوضوح عن القيمة الأخلاقية لنص كليلة ودمنة.[133]

وضعت جميع أبواب الكتاب وفصوله بكنايات وترميز يوضح بشكل كبير العاية المحددة لها، فتلك الحكايات تهدف بشكل ما إلى تأديب السلطان والأمراء كي لا يستغلوا وضعهم السياسي في ظلم الرعية، هذا المنهج الأخلاقي السياسي الذي وضعه بن المقفع بجانب أنه يعبر بشكل كبير عن القيمة وغرضها في النص إلا أنها يغلب عليها الطابع البراغماتي التجريبي، كون تلك النصائح والإرشادات هي مسارات تمكن الملك من إعادة هيكلة الوضع السياسي والاجتماعي في الدولة، ففي مواضع عدة لمسنا حرص بن المقفع على إبراز السمات الشخصية لبعض الحيوانات من يمثلوا مراكز مهمة في النظام السياسي مثلا دمنة وهو الوزير المخادع والثور شتربة وهو الوزير المخلص، والملك القوي الذي يفتقر إلى شيئا من الحكمة … الخ، إلا أن هذا لا يمنع أن الكتاب وضع مسارات سياسية تجريبية يمكن من خلالها إصلاح النظام السياسي في الدولة.[134]

يعدد المضمون القيمي بعض الصفات التي يتميز بها الحاكم كالعقل والحكمة والرفق واللين والعدل، وصفات أخرى لا يجوز أن يتصف بها الحاكم كالجبن وسرعة الغضب والكذب والبخل والعنف، إلا أن تلك الصفات لها دلالة قيمية لا ينكرها بن المقفع في النص حيث أنها تمثل ما يعرف بالكمال الأخلاقي الذي يسعى إليه الإنسان، وهذا يدل على صدق بن المقفع في تقديم النصيحة والمشورة للحاكم بعرض الرؤية الكاملة دون إنقاص، فالفضائل والرذائل تكمل المشهد القيمي كما أسلفنا، إلا أنه في الجانب التجريبي لهذه القيم ظهر تناقض له دلالة مختلفة بين ما دعى إليه بن المقفع من ضرورة طاعة السلطان وهو من كمال واجبات الرعية تجاه سلطانهم، وبين ما جاء في باب الأسد وابن آوي مثلا وقتئذ رفض كليلة صحبة السلطان باعتبارها تمثل خطرا على حياته الهادئة وسلامه النفسي.[135]

التناقضات تلك تشكل نزعة أبرزها بن المقفع بالتأكيد على ضرورة التروي في إصدار الأحكام المتسرعة، فقيمة الطاعة جاءت في موضع مغاير لقضية رفض السلطان، وبالتالي يكون لدينا تناقضا مثمر فريد من نوعة بين صفحات كتاب كليلة ودمنة، وهنا نؤكد على أهمية المضمون وفهم الحيلة التي تم تركيب النص بها، فالمضمون هو مقصد الفلاسفة كما ذكر في الغرض الرابع للكتاب، أما الشكل الذي تم تركيب النص به ما هو إلا وسيلة جذب للفت انتباه عوام الناس وحثهم على قراءة الكتاب، وتلك المقاصد القيمية المبرزة والتي وردت في ثنايا السطور لها من الغنى والتنوع ما يكفي لضمان الحكمة التي يريد بن المقفع الوصول إليها، فلا يتعجب قارئ الكتاب من المضمون السياسي والأخلاقي الثري الذي خطه بن المقفع قبل مآت السنين ولازال يخرج أفضل ما فيه ما يناسب العصور المتعاقبة.

المبحث الثاني: القيم المبرزة في النص ودورها في إصلاح شؤون الحكم

أوجد بن المقفع في كتاب كليلة ودمنة تشريعا كاملا سعى فيه لتأديب الملوك وإصلاح شؤون حكمهم، وتوضيح الكيفية التي يعملون بها من أجل قيادة الرعية والحفاظ على الشرعية السياسية للسلطة بينهم من خلال ضمان تأييدهم له، وغير ذلك من الأمور التي وضعها الكاتب ليستطيع بها أن يقدم لهم النصائح في صورة متكاملة في الأمور المختلفة، فمثلا في باب الأسد وابن آوى نجد دستورا سياسيا كاملا يخص كافة الشؤون السياسية وما يجب على الملوك فعله في الدولة كما أبرزنا، إلى جانب هذا يقدم الكاتب بعض السمات الشخصية للملوك وقد تعمق فيها، وفدم العديد من القيم الأخلاقية البحتة التي تخص الرعية بشكل أو بآخر كما سنوضح فيما يلي: [136]

  • قيمة التعقل وترويض النفس.

وضع بن المقفع العقل في مكانة القائد الأول الذي يفصل بين الأمور الجيدة والأمور السيئة المشينة، والارتكان للعقل سمة الكتاب الأساسية التي يوضحها ويبرزها المضمون الخارجي في النص، فبدءا نجد أن من يحكي القصص للملك دبشليم هو فيلسوف له من الحكمة والحنكة ما يكفي لأن يكون عارفا بشتى الأمور ومختلف الأشياء، وقد كان الملك دبشليم يسأله في أمور مختلفة فيجيب بيدبا بتعقل وحكمة لا متناهية تبرز تلك القيمة وأهمية اللجوء إليها في مختلف المواقف، فمثلا في باب الجرذ والسنور يحكي بيدبا قصة توضح قيمة حسن التدبر العقل واستخدامه في التعامل مع العدو بحيلة ومهارة تفوق القوة غالبا، حتى في التعامل مع الأعداء فيقول بن المقفع: ” ولا تمنح ذا العقل عداوة، كانت في نفسه لعدوه من مقاربتـه والاِستنجاد به، على دفع مرهوب، أو جر مرغوب، ومن عمل في ذلـك بـالحزم ظفـر بحاجته”، فالعقل يضبط نفسه في مختلف الأحوال والأمور.[137] [138]

تبرز صفة أخرى للتعقل هنا وهي الحذر فيقول في باب الملك والطائر فنزة: ” وقد كان يقال: إن العاقل يعد أبويه أصدقاء والإخوة رفقـاء والأزواج ألفاء، والبنين ذكرا، والبنات خصماء، والأقارب عزماء، ويعد نفسـه فريـدا وحيدا”، فهنا يؤكد بن المقفع على ضرورة أخذ الحذر والحيطة حتى من أقرب الأقربين فلا يعطي لجوانب الحياة ما تستحقه من النصيب في التعقل بل يزيدها حذر وحيطة لسلامة صاحبه، وفي هذا إبراز لفلسفة بن المقفع التي تعتمد على حسن التدبر والحكمة، فالكتاب يعد فلسفة لحكم ورأي وتدبير أمور الحياة بمختلف أشكالها، واللين في استخدام العقل قد يحقق ما لا تقوى القوة ذاتها على تحقيقه في شتى الأحوال.[139] [140]

أعد بن المقفع الباب الأول في كليلة ودمنة ليكون بمثابة مقدمة الكتاب وخاتمته، ثم يبدأ بيدبا رحلته في الأبواب التالية من أول باب الأسد والثور اعتاد أن يفتتح الباب بجملة تقريرية ويختمه بحكمة يكون فيها مغزى الباب كاملا، وفي هذا حكمة كبيرة يوضحها لنا بن المقفع حتى في الأسلوب الذي اتبعه بيدبا مع الملك ليحفز ذهنه على انتظار المزيد فلا يمل الاستماع للنصائح في لباسها الإيحائي، فالخطاب بين بيدبا والملك دبشليم طوال فصول الكتاب هو خطاب قوة فيه صيغة الأمر الموجهة من الملك إلى بيدبا قائلا: “حدثني… اخبرني… اضرب لي مثلا” وهكذا ليصل بن المقفع لتبريرات لوجود الحكاية، فلا حكاية بدون خطاب وحديث، ولن يكون للحكمة والعقل موضعا إذا لم تتوافر القصة.[141]

  • قيمة الصداقة.

خصص بن المقفع بابا كاملا يتحدث فيه عن قيمة الصداقة واعتبرها من القيم السامية العليا في منظومة القيم التي وضعها، ففي باب الحمامة المطوقة تحدث بن المقفع عن أهمية الصداقة باعتبارها من أكبر مسببات السعادة في الحياة وقيل: “لاشئ من سرور الدنيا يعدل صحبة الأخوان، ولا غم فيها يعدل ابعد عنهم”، فعند بن المقفع الحياة لا تهنأ أو تستقيم لمن فقد إخوانه وأصدقاءه، وقيل أيضا: “فالناس عند البلاء، وذو الأمانة عند الأخذ والعطـاء والأهل والولد عند الفاقة، والإخوة عند النوائب”، وهنا يوضح قيمة الصديق وهو أنك تجده وقت الشدائد، صديقا يساعد ولا يخون، فالإنسان كائن اجتماعي بطبعه لا يستطيع العيش في عزلة عن بني جنسه ولهذا يتخذ من أصدقاء يخاللونه ويألفهم، وقيل في موضع آخر: ” الإنسان الذي أعطي العقل والفهم، وألهم الخير والشـر ومنح التمييز والمعرفة، أولى وأحرى بالتواصل والتعاضد”، وهنا يوضح من هو أولى بالصداقة ويقول أنه الإنسان الوفي الصادق من لديه عقل وحكمة.[142] [143]

الصداقة في كليلة ودمنة نوعان أولها معنوي وتلك علاقة متبادلة يسودها الإخلاص والصفاء، وصداقة مادية تشبه الإحسان إلى حد ما من خلال تبادل المعروف والخير، ويقول بن المقفع أن الصداقة الأولى أفضل وأقيم من الثانية وذلك لأنها صادقة دائمة ويقول: ” أهـل الـدنيا يتعاطون بينهم أمرين، ويتواصلون عليهما وهما: ذات النفس وذات اليـد، فالمتبـادلون ذات النفس هم الأصفياء، وأما المتبادلون ذات اليد فهم المتعاونون، الـذين يلتمسـون بعضهم الاِنتفاع ببعض، ومن كان يصنع المعروف لبعض وإلقائه الحب للطير، لا يريـد بذلك نفع الطير، وإنما يريد نفع نفسه، فتعاطي ذات النفس أفضل من تعاطي ذات اليد”، وهنا يقول بن المقفع أن الصداقة الحقيقية هي أن يتفانى الصديق ببذل كل ما يمكن في سبيل صديقه، فيؤثره على نفسه ويقدمه على ذاته في كل شئ.[144]

كما وجدت الصداقة تولد العداوة لأن هذه هي الطبيعة البشرية أن يكتسب الإنسان أصدقاء وأعداء ويكون مضطرا للتعامل معهم، وفي تلك الحالة عليه بالتدبر والتفكير والحرص من شرهم ومكرهم كما يحافظ على أصدقائه، وقد أبرز بن المقفع تلك الفئة وخصص لها بابا كاملا وهو باب الجرذ والسنور وفيه وضح أهمية التدبر من أجل تقليل عدد الأعداء في المجتمع وتجنبهم قدر الإمكان، وقال الملك دبشليم في موضع للفيلسوف بيدبا: ” اِضرب لـي مثلا رجل كثر أعداؤه، وأحدقوا به، من جانب فأشرف معهم على الهلاك، فاِلتمس النجاة المتخرج بموالاة بعض أعدائه ومصالحتهم، فسلم من الخوف وأمن، ثم وفي لمن صالحة منهم”.[145]

أجابه بيدبا في كلمات وضع بها ما يشبه الشريعة الأساسية لصفات الأعداء وكيفية التعامل معهم فأجاب: ” إن المـودة والعداوة لا تثبتان على حالة أبدا، وربما حالت المودة إلى العداوة، وصـارت العـداوة ولاية وصداقة، ولهذا حوادث وعلل وتجارب، وذو الرأي يحدث لكل ما يحدث من ذلـك رأيا جديدا، أما من قبل العدو فبالبأس، وأما من قبل الصديق فبالاِستئناس، ولا تمنـع ذا العقل عداوة كانت في نفسه لعدوه من مقاربته، والاِستنجاد به، على دفع مرهـوب، أو جر مرغوب، ومن عمل في ذلك بالحزم ظفر بحاجته”، وبهذا يكون بن المقفع وضع وجهة نظره الكاملة في هذا الأمور موضحا أن الأخيار يصادقون بعضهم، والأشرار لبعضهم أيضا، وقد نجد شريرا يصاحب خيرا ويكون ذلك لنية ينويها في نفسه وهي لرهبة أو رغبة، أما صداقة الأخيار تكون دائما لرغبة في ذلك.[146]

وضع بن المقفع العديد من القيم السياسية والأخلاقية والتي لا شك في أنها قد مرت جميعها بالعقل البشري فأجازها ونقلها عقل بن المقفع لنا في صورتها المطروحة كمشروع فكري قيمي كبير، فهو يذم الخيانة ويرفض العجلة، يعارض الشراسة ونقد العهد وقلة الشكر أو البر أو الوفاء ما يعرف بالجحود، يسلط الضوء على المنتفع بأذى الناس فيعرض هؤلاء في أقبح صورهم، ويهاجم التسرع لعواقبة الوخيمة على كافة جوانب الحياة، يقدس العلم والعمل به، ولا شك أن كافة تلك القيم وغيرها من الفضائل ما يكون منظومة القيم التي يسعى الإنسان من خلالها للوصول إلى مرحلة الكمال تتداخل مع القيم السياسية الأخرى في تناسق من المحقق أنه يعبر عن المقصد  الغائي لابن المقفع في التأثير على عقول المتلقين كي يبدأوا الإصلاح فور سماعم النصيحة التي قدمها لهم بن المقفع في كليلة ودمنة.

أغلب تلك القيم المذكورة لها نزعة دينية بارزة لا يمكن صرف النظر عنها وذلك في حكاية الجاهل المحظوظ والحكيم البائس مثلا بالتأكيد على أن لا شئ يصعب على الله، وأن أمره نافذ، لعل في ذلك دعم حقيقي لإثبات جدوى تلك القيم في المشروع الإصلاحي، فحينئذ العصر العباسي الأول والذي بدأ بعد هجرة الرسول (ص) بحوالي 132 عاما، وقتئذ المسلمون الأوائل فلا شك أن القيم الدينية كانت تشكل المرجعية الأولى لكل قاصد صلاح في نفسه أو في مجتمعة، وهذا ما يفسر اعتماد بن المقفع على المقاصد الشرعية للدين الإسلامي والقيم المطروحة فيه سواء القيم السياسية أو المجتمعية من قبيل رفض الظلم والتماس الرحمة واللين والصبر والإيمان بالقضاء والقدر … الخ، وهذا الداعم الأكبر للمشروع الإصلاحي الذي طرحه بن المقفع وقد أشرنا من قبل لتأثيراته على الأجيال المتعاقبة من الخلفاء كالخليفة هارون الرشيد الذي وضع نظاما سياسيا شاملا يعتمد بشكل كبير على ما قدمه بن المقفع في كليلة ودمنة وغيره من الفلاسفة.[147]

أطروحات النزاهة السياسية تفرض نفسها على السياق استنادا إلى أن الإصلاح السياسي المرغوب عند بن المقفع لا ينفصل بأي حال عن القيم المطروحة، فقد قدم بن المقفع ما يشبه مدونات قواعد السلوك التي نراها الآن في كافة المؤسسات السياسية وغيرها والتي تضمن ممارسة الأعمال بشكل يرتكن إلى الأخلاق كمرجعية توجيهية في مختلف الأمور، وفيها أبرز بن المقفع القيم العقلية عائدا للنزعة الدينية التي تبرز تفوق الإنسان عن الحيوان بالحكمة والعقل، ثم يرجع مرة أخرى إلى الشكل الظاهري للنص فيجذب الاهتمام أكثر فأكثر إلى القيم الواردة فيه والاستقاء منها لما فيه صلاح شامل للمجتمع السياسي والسلطة السياسية ورؤوسها من الملك إلى الحاشية ثم انتقالا إلى النظام السياسي المتبع.[148]

لابد أن جوانب الأطروحات القيمية في كليلة ودمنة قد ظهرت الآن، فبرغم كونها ثقافة سياسية تراكمية إنسانية متعاقبة على مر العصور لها جوانبها الأبدولوجية التي تتعلق بثقافة بن المقفع ونشأته الدينية والاجتماعية وغير ذلك، وهذا الفقه السياسي الوضع يحمل الواقع ما لا يطيق، لأن المجتمعات ترتبط بشكل ما بالقيم الأخلاقية السياسية السائدة فيها والمجتمعات هنا لا تتشابه، ويمكن أن يشكل هذا الأمر قصور في التطبيق الشامل لمقاصد بن المقفع القيمية رغم أهيمتها في مشروع الإصلاح، لكن قبل هذا لابد والعودة إلى الجانب الإجرائي في تلك المنظومة الذي يخلو من الحمولات على الواقع، لأنه ومهما اختلفت المبادئ السياسية سيبقى العديد منها لا ينتفي ولا يتنافى وموضعها المرجعي الديني أو غيره مثل مبدأ الشوري وتداول السلطة، مبدأ فصل السلطات، وكيفيية قيام الأنظمة الانتخابية … الخ، مما يدفعنا إلى التمسك بتلك القيم لإعادة إصلاح المجتمع السياسي وبناءه من جديد.[149]

المبحث الثالث: دور الرعية في المشهد السياسي وواجب الملوك تجاههم وفقا للنص

لم يترك بن المقفع أي جانب من الجوانب السياسية في نص كليلة ودمنة إلا وأبرزها ووضحها بشكل ما، فقد وضع في فصول الكتاب تشريعا سياسيا كاملا تناول فيه كافة جوانب الحياة السياسية دون إخلال، فقد وضحنا أنه قد وضع العديد من القيم السياسية في النص وأوصلها في صورة حكايات متفرقة يطلبها الملك فيحكيها له الفيلسوف بيدبا، ثم وضعنا أيدينا على مجموعة من القيم الخلقية التي وجهها بن المقفع للرعية وتعرفنا على الدلالات السياسية الخاصة بها، وبعد أن أبرز هو دور السلطة السياسية ورسم له دستورا يتضمن الحقوق والواجبات فتبقى لنا أن نتسائل عن الرعية ومكانهم في المشهد السياسي كما يرى النص، نظرا لأنهم مقصد السياسية وغياتها من التطبيق في النهاية.

عن الرفض السياسي رأينا كيف أسس بن المقفع لدور الرعية في المشهد السياسي بكل وضوح، فبداية مثلا من حثه على مجابهة الظلم دائما ومحاربته بشتى الطرق حتى لو وصل الأمر إلى الثورة الشاملة الرافضة، انتقالا إلى دعوته الصريحة لهم بالاتحاد والتعاون والوحدة تحت راية واحدة في بناء الدولة خاصة بعد الإطاحة بالسلطات الفاسدة واقتلاع جذورها من الدولة، ثم وجه بن المقفع نصائحه بالتشديد على ضرورات منها عدم تصديق السلطان وحاشيته الفاسدة وعدم الارتياح لنياتهم وما قد يفعلونه، ونادى بضرورة عدم قبول الخضوع والذل والقبول بصراع الخير والشر طالما كان الرعية في الجانب الخير، وفي نصائحه للرعية تحذيرات للحاكم بضرورة احترام رغبتهم وتجليل إرادتهم.[150]

في باب الأسد والثور مثلت الحكاية ترميزا لحاكم مخدوع يفقد الحكمة، وحاشية فاسدة تستخدم الحيلة لتسيير مصالحها الشخصية وثور ساذج لا يأخذ الحذر أو الحيطة ممن حوله وهو يمثل الرعية التي ترمي بسهام الأمان والخضوع دون تحري الحقيقة ومكامنها، فالأصل في الأمور هو الحرص على الحذر دائما خاصة في دائرة السلطة لأنها مسرح تدبير المكائد، وهنا يبرز بن المقفع دور الرعية بما تعكسه الدلالات المطروحه بأن الرعية يجب أن ترفض الذل والخضوع وفي سعيها للتخلص منه يجب أن تتحلى بالشجاعة والحذر وذلك للوصول إلى المبتغى المراد بأقل الخسائر الممكنة دون تكبد عناء الدخول في صراعات مباشرة مع السلطة السياسية.[151]

طرح بن المقفع جدلية سياسية لها شقان أولهما أن النص يبرز في العديد من حكاياته قضية الطاعة كأهم القضايا المطروحة فيه، ويؤكد على ضرورة طاعة الرعية للحاكم في أوامره والصبر عليه إذا فسد وتقديم النصح والمشورة حتى تصلح الأمور مرة أخرى، إلا أن ثاني تلك الأمور ما أكد عليه بن المقفع في حكاية الأسد وابن آوى من استحسان رفض مصاحبة السلطان وذلك لأن هذا أكثر أمنا من المكائد والمصائب وأكثر راحة للنفس من كافة الشواغل السياسية، إلا أن هذا يعزز الدور السياسي للرعية في المشهد من خلال تسليط الضوء على مكامن الفساد في المجتمع للتخلص منها، فحوار كليلة مع الملك ورفضه لصحبته له غاية كبرى وهي إكمال الخريطة السياسية التي يرسمها بن النقفع، فمن المحقق أن رفض صحبة السلطان هنا ليس لذاته إنما للتأكيد على ضرورة مكافحة الفساد في السلطة السياسية.[152] [153]

يخرج من الرعية من يؤدون وظيفة تقديم النصيحة والمشورة للملك وهم في ذلك مستعدون لتقديم كافة التضحيات الممكنة لإصلاح الوضع السياسي من جديد، وقد خص بن المقفع تلك المهمة لأصحاب الحكمة من الفلاسفة والحكماء وذلك في الغرض الرابع للكتاب، فهي مسؤلية متبادلة بين الحاكم والرعية، فالفيلسوف لديه رؤية عثلية حكيمة يريد أن يوصلها للحاكم والتي من شأنها إصلاح ما فسد في الحياة السياسية وإعادة هيكلته من جديد، وللملك حرية الاختيار إما أن يستمع لما فيه صلاح لشؤون الدولة والرعية ويعمل بتلك النصائح بعد الاطمئنان إلى جدواها، أو يرفض الملك من يقدم له النصيحة ويردها عليه فيبتعد ذو الحكمة ويفترق عنها ويشعر بالاغتراب السياسي عنها.

في قضية تقديم النصح إلى الملك فيجب على من يقدم النصيحة أن يتأكد من أن نصيحته تلك سوف يعمل بها، فلا خير في أن يتم تقديم النصيحة وبعد التأكد من صحتها يكون العزوف عنها هو الاستجابة الأولى لها، فهذا بذل للنصح في اتجاه لا يستحق بذل النصح فيه، ولا يجب بأي حال من الأحوال الاعتماد على أمر كهذا، فمثلا في باب الأسد والثور يوجه الثور شتربة كلامه إلى دمنة بعد أن حمله على الملك وأثار الضغينة بداخله تجاهه بأن الثور قدم نصيحة للملك ولم يعمل بها قائلا: ” من بذل نصيحته واجتهاده لمن لا يشكر له، فهو كمن بذر بذرة في السباخ، أو أشار على الميت”، وهنا تأكيد على ضرورة بذلك كل نفيس في تأدية الرسالة النبيلة المطلوبة وهي محاولة إصلاح السلطة السياسية من خلال تقديم مجموعة من النصائج للملك يرغب صاحبها في أن يعمل بها.[154]

يعد الشعب دائما المقوم الاول لسياسة الحاكم وذلك من خلال التواجد على الساحة السياسية في كافة الأوقات، أما إذا أصابهم الفتور فتكون تلك هي الفرصة الأولى للسلطة السياسية أن تتغول في استخدام صلاحياتها السياسية في فعل ما تريد طالما غاب المراجع الأساسي لسسلوكهم وتصرفاتهم، وتلك قضية يبرزها النص في حكايات مختلفة توضح ضرورة التواجد الشعبي على الساحة السياسية ليس لأهميته فقط بل لأنه أساس السلطة السياسية ومحركها لهذا لا ينبغي أن يبتعد عنها ويتجاهل أمورها مهما كانت مصدر قلق وهاجس كبير لأمن الفرد وسلامه النفسي، فينبغى أن يكون الإصلاح هو الهدف الأول الذي يسعون من خلاله لتقديم تضحياتهم.

يدعو النص أيضا إلى ضرورة الإنقلاب على الملك بإبراز قيمة الطاعة في غير موضعها الصحيح، تلك سمة من سمات أسلوب بن المقفع أن يبرز الفضائل بذكر الرذائل ليترك للعقل مساحة كافية من التفكير والتخيل، أم عن الأمر المذكور ففي باب البوم والغربان فهو عن عدم جدوى الطاعة في بعض الحالات، فقد حكىى بيدبا عن وجود عداوة بين ملك البوم وملك الغربان تسببت في إغارة ملك البوم على أعشاش وأوكار الغربان وتدميرها بالكامل، هذا قرار متسرع ليس فيه تقدير للعواقب وما يمكن أن يحدث جراء ما اتخذه ملك البوم من قرار الحرب المفاجئ هذا، أمر كهذا أحث بن المقفع الرعية على ضرورة معارضة الملك وعدم معاونته على تنفيذ قرارات متسرعة غير مدروسة عواقبها.[155]

إن الشخص الذي يمارس السياسة يمتلك من النفوذ والقوة ما يمكنه من تنفيذ أوامره متى أراد هذا أما الفيلسوف او الحكيم من يستخدم عقله في ترجيح الأمور لا يمتلك غير قدرته على رؤية بواطن الأمور من خلال عقله، والمثقف دائما يجب أن يكون حريصا على ان يلقي ما لديه للسلطة السياسية فلا يخشى ما تخشاه أبدا، فهو يرى أن هذا من واجباته تجاه نفسه أن يقدم النصح للسلطة السياسسية لإعادة هيكلة الأمور وتجنب المفاسد السياسية وحل الأزمات، وبالقدر الذي يسعى به الفيلسوف لتقديم النصح والإرشاد للسلطة السياسية يسعى رأسها لتقوية ملكه ماديا وبشريا، وإذا استمر الفساد فلن يكون أمام الرعية سوى خيارين فإما أن يدخلوا تحت جناح السلطة السياسية وبريقها الزائف أو يقاوموا هذا الفساد بكل الطرق ليحققوا الهدف المرجو من المشروع الإصلاحي.

للرعية وظيفة تم إبراز بعض جوانبها وهي وظيفة سامية ودورها محفوظ بشكل كبير في المشهد السياسي، إلا أن هذا الدور لا يتم ولا يجني ثماره المرجوة إلا أن يصبح مشروع أمة بأكملها، فـ هدف دمنة مثلا من تقربة من السلطان في تحقيق غايات شخصية لا تمت لصلاح أحوال الدولة بأي صلة من الصلات مشروع فردي ينم عن أنانية دمنة وشحصنة الهدف السياسي الكبير واختصاره في استغلال الوضع الراهن للوصول إلى بعض المكاسب الشخصية، وهذا ما يناقضه مشروع بيدبا مثلا للملك دبشليم حينما قدم له النصح كي يسير على خطى آباءه وأجداده ويتجنب ظلم الرعية فقال لتلامذته حينما اجتمع معهم: ” اعلموا أني أطلت الفكر في دبشليم، وما هو عليه من الخروج عن العدل ولزوم الشر ورداءة السيرة وسوء العشرة مع الرعية، ونحن ما نروض أنفسنا لمثل هذه الأمور، إذا ظهرت من الملوك إلا لنردهم إلى فعل الخير، ولزوم العدل”.[156]

في المشروع الاصلاحي أيضا إشارة هامة إلى ضرورة حتمية تتعلق بالمشورة، فلا يتوقف الأمر عند مجرد تقديم مجموعة من النصائح للحاكم يعمل بها أو لا، لكن يجب على الحاكم أن يلتمس المشورة دائما في أهل العلم والعقل والحكمة، فالاستشارة لها العديد من الفوائد حتى لو كان المستشير أفضل فيما يسأل فيه فهذا الأمر يزيد من بصيرته ويفتح ذهنه على أشياء لم يلق لها بالا، فجاء في موضع في باب البوم والغربان ما جاء عن المستشار وقيل: ” فإن الملك الُمشاور الُمؤامر، يصيب في مؤامرته ذوي العقول من نصحائه من الظفر، ما لا يصيبه بالجنود والزحف وكثرة العدد. فالملك الحازم يزداد بالمؤامرة والمشاورة وأري الوزارء ال َحَزمة، كما يزداد البحر بمواّده من الأنهار”.[157] [158]

أخيرا نشير إلى موضع هام وهو ما يتعلق بمشورة عامة الناس حينما لا يجد الملك من حوله من الحكماء من يستطيع أن يرتكن إليه في الحصول على النصيحو والإرشاد فقد قال أحد الوزراء للملك: ” وإنما ضربت لك هذا المثل لتعلم أن ما ُيتوارث ويسري في الجنس صعب الزوال؛ ولكن سبيل الإنسان إذا أ ارد أن يباشر أمرا من الأمور، وكان بالقرب منه رجل حكيم، أن يسأله ويشاوره ويأخذ رأيه فيه. وإن لم يكن بالقرب منه، فسبيله أن يشاور العوام فيه ويطلب البحث معهم والتفتيش، فإنه بهذا يمكنه أن يعلم ما في عاقبة هذا الأمر من الخير أو الشر عندما يْمعن الفحص والتنقيب” [159]، بل أن بن المقفع يرى إمكانية مشاورة العدو ذاته إذا لمس فيه الحكمة والفطنة فمن الممكن أن يكون ذا فائدة كبير للدولة.

هنا يمكن تخيل هذا الوضع وتلك العلاقة التي تخيلها بن المقفع في كتابه كليلة ودمنة علاقة الحاكم بالمحكوم، وأركانها من ضرورة الطاعة الشرطية ليست في كل الأحوال مع الحرص على تقويم سلوك الملك وإصلاح أحوال المملكه، مع إصرار الملك على مشاورة رعيته وحاشيته في مختلف الأمور والقرارات التي يتخذها كي يظهرهم في المشهد السياسي فتتكامل الرؤية السياسية لدسه، وهذا الجدل في علاقة الحاكم بالمحكوم يطرح لدينا رؤى جديدة في سياسة تلك العلاقة ومنها ما يتعلق بالمشروطية السياسية لأمور الطاعة مثلا، فلا تجوز طاعة الحاكم على ظلم ما بل يمكن هجر مجاورته إذ اشتد ظلمه وجوره بعد تقديم النصح والإرشاد له، وذلك لمعرفة مصيره ومآل حكمه وهو إلى فناء وهلاك.

ختاما لهذا الفصل نقول أنه يحتوى على شرح مفصل لكل ما يتعلق بالأحكام القيمية في كتاب كليلة ودمنة فلا يرتبط فقط بالقيم السياسية التي اختصت بها السلطة الحاكمة بل أيضا القيم الأخلاقية التي تخص جميع الفئات في المجتمع، فقد بدأنا الحديث عن المقاصد القيمية السياسية التي أبرزها بن المقفع وقلنا أن من تلك القيم ما يتعلق بالسلطة السياسية وتهم فئة الحكام وما يعاونهم من باطنة تتكون من وزراء ومستشارين وغيرهم، وعرضنا دلالات تلك القيم السياسية والأخلاقية في النص ووضحنا كيف ترتبط بالمشروع الإصلاحي الذي قدمه بن المقفع لإصلاح المنظومة الأخلاقية للحكام ليس فقط من خلال عرض النهج القيمي التجريبي فيه بل أيضا من خلال تحديد السمات الشخصية للحكام، ووصلنا في النهاية إلى إبراز دور الرعية في هذا المشروع الإصلاحي ووضحنا جوانبه المختلفة وما يمكن أن برتبط به من دلالات بينها بن المقفع في النص السلطاني، وما تشير إليه تلك الأدوار المختلفة من خطة تطور هذا الدور والذي يبدأ إصلاحيا بناءا وينتهي ثوريا مجددا، وفي هذا محطات منطقية على درب تصعب فيه العواقب شيئا فشيئا.

إن المقاصد القيمية والأحكام التي أطلقها بمن المقفع في فصول الكتاب لا ترد خيالا ولا ترتد إلى التخيل، إنما قصدت لذاتها تعبيرا عن الروح الأخلاقية الممتزجة بالسياسة الحاكمة لدولة ما، وفي تلك الدولة ما يخصها من القيم بأمور تجريبية وتراكم تاريخي لا يرتبط بأي حال بالأحكام الفقهية الوضعية التي بينها بن المقفع كدستور إصلاحي في دولة السلطان، فقيم بن المقفع المطروحة هي نهج تجريبي يمكن الالتزام بحدوده ومعالمه، يمكن الارتباط به والتوحد معه أيضا فلا ينصرف إلى واقع غير موجود مثلا، أو طرح غير مقصود إنما يلامس الحقيقة في أساسها وهو الغائية القيمية من وراء هذا الطرح، وكانت غاية بن المقفع ما اختص به الفلاسفة من مهمة الإصلاح من خلال تقديم المشورة والنصح، وهو الغرض الذي وضع من أجله الكتاب يكون بمثابة التعاليم الأساسية لمن يمتلكون الحكمة في سعيهم المحاط بالمخاطر وفيه بذل النفس أمر نبيل وتقديم التضحيات شئ عظيم.

الخـــــاتمـــــــــــــــــــــــــة:

محطات مختلفة مر بها البحث للوصول إلى نهايته، محطات على درب رغم طوله تميز بالمنطقية، تتابعت تلك المحطات لتصل الرحلة إلى خط النهاية وقد وفت غرضها وأتمت مقصدها، لقد عرض البحث كافة التجليات السياسية المقصودة في نص كليلة ودمنة، فمهد لها بالتعريف بصاحب هذا المؤلف، وعرض شريط مصور لحياته، نشأته، عصره، صفاته، موته وآثاره ما خلفه من بعده، ثم انتقل البحث للمحطة التي تليها في تتباع مقصود فمضي يضع أسس البحث من الكتاب المختار ذاته، وذلك بعرض الباعث الأساسي على تأليف كليلة ودمنة وذلك من خلال استعراض مميزات هذا الكتاب والأسباب التي حفزت بن المقفع لتأليفه أو ترجمته وهنا أبرز البحث السبب الرئيس لتأليف النص وقولبه في مقدمته لكليلة ودمنة في حوار دار بين شخصيتين وهما الملك دبشليم والفيلسوف الهندي بيدبا.

عن وضع فكر بن المقفع السياسي خاصة في قضية الرفض السياسي داخل النص، أنتهج البحث نهج التمهيد بعرض السياق السياسي الذي ظهر فيه الكتاب سواء ظروف العصر حينئذ الدولة العباسية في طورها، والسياق السياسي داخل النص ذاته والتي تمثلت في قشور القضايا السياسية التي لمح لها بن المقفع في فصول الكتاب المختلفة، لتكون محطتنا الكبرى التالية هي استعراض مفصل لقضية الرفض السياسي داخل النص، وفي هذا الجزء من البحث عرفنا عن انماط الرفض السياسي أنه يتمثل في شقي السياسة الأساسيين وهما السياسة الخارجية والسياسة الداخلية للدولة وداخل تلك الأنماط عرض البحث العديد من الأنواع والعوامل التي تولد تلك القضية وتجعلها مطروحة على الساحة السياسية في الدولة، واعتمد البحث في ذلك على التحليل الكيفي لعناصر الكتاب من خلال استخلاص المعاني الباطنة المقصودة في أبواب الكتاب.

وضع البحث مشروع بن المقفع لإصلاح تلك القضية التي تعد خللا غير مرغوب في المجتمع من خلال معرفة الأسباب والتحذير من التداعيات الخاصة بتلك القضية، ثم وفي تسلسل منطقي يعتمد على السببية انتقل البحث لثالث المحطات الكبرى في دربه وهو العرض السياسي القيمي في نص بن المقفع، وفي تلك المحطة حاول البحث الوقوف على معالجات لقضية الرفض السياسي من خلال استعراض القيم السياسية المختلفة ومحاولة استكشاف دلالاتها في النص، وكان العرض تجريبيت كفاية ليوضح إماكنية التطبيف العملي لتلك القيم، ثم وضح البحث الأهمية البراغماتية لمجموعة القيم الاجتماعية التي أبرزها الكتاب وأخص بها تقويم سلوك الرعية وتحسين أمور حياتهم ووجد البحث الصلة والثيقة بين تلك القيم وبين الوضع السياسي في المجتمع، ليصل في النهاية بعدما نظر للدور السياسي المفهوم للسلطة السياسية إلى الحديث عن الدور السياسي المتكامل للرعية في إصلاح شؤون الحكم داخل الدولة.

لقد توصل البحث في هذا السياق لمجموعة من النتائج المستقاة من عرض الموضوعات المذكورة والتي لا تقل أهميتها عن العرض ذاته وتكشف عما هو مسكوت عنه داخل النص وهي ما يأتي:

  1. لقد أثرت نشأة بن المقفع وما عاصره من أحداث سياسية بالإضافة لقربة من السلطة السياسية بشكل كبير على حياته العملية والأدبية، فرحلته من المجوسية الفارسية إلى العرب المحيط العربي الإسلايم قد ترك في نفسه شعورا بالتكامل المعنوي وقتئذ الدولة العباسية والثورة التي قامت من الأراضي الفارسية ضد الدولة الأموية، لا شك أن هذا شكل وجدان وعقل فريد من نوعه متنور بشكل ما قادر على الإبداع والتمييز، هذا وقد كان بن المقفع مضطلعا واسع المعرفة بمختلف الثقافات وترجم من العديد من اللغات كالهندية والفارسية، وطالع مختلف الكتب وقرأ في شتى العلوم بل أن عصره كان عصر الثورة العلمية والأدبية الكبري في التاريخ الإسلايم بأكمله، فلا عجب أن يشكل هذا كله عقلية فريدة مبدعة كابن المقفع.
  2. اتهم بن المقفع بالزندقة فقتل على أثر الاتهام الواهي، لكن المدقق في سيرته وصفاته ومؤلفاته يعرف أن بن المقفع بشجاعته وقلمه الحر كان خطرا كبيرا يتفاقم يوما بعد يوم ويهدد سلامة الدولة إلى حد كبير، فقد كان من أشد المعارضين السياسين في عصره وكان يجهر بذلك للعامة ولا يأبي تنكيلا أو بطشا يناله وهو منه سالم، كان يجهر بسخريته من سياسة الوالي سفيان بن معاوية ويجهر بالتنديد بسلوك الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور، ولعل هذا كان السبب الأول بل يكاد يكون الأوحد في قتل بن المقفع بإيعاز من الوالي سفيان بن معاوية للخليفة المنصور.
  3. يتفرد كتاب كليلة ودمنة بالعديد من المميزات التي تضعه في أوائل الكتب في مجاله، ومنها اعتماده على السرد القصصي والترابط المنطقي بين تلك القصص، وقد جاء على ألسنة الطير والحيوان وفي ذلك هدفين الأول يتعلق بالامتاع الادبي والثاني سياسي بحت وفيه تنصل من مسؤلية هذا الكتاب، وقد جاء بلغة سهلة وأسلوب رصين فيه من العبلا والأمثال ما يكفي لوضع تشريعا سياسي واجتماعي متكامل لأي مجتمع وفقا لبراغماتية الكتاب وطابع قيمه التجريبية، وقد تعرض الكتاب لما يسمى بالكمال الأخلاقي متأثرا بموضوع الأخلاق عند أرسطو والثقافة اليونانية وقد أبرز أن الكمال لا فضائل فقط بل رذائل أيضا يتم تجنبها وأخيرا للكتاب طابع ديني يميزه.
  4. كليلة ودمنة ينتمي لابن المقفع بشكل أو بآخر وهذا لعدة أسباب منها الطابع الديني الشائع في القيم التي يعرضها الكتاب، إلى جانب إحتمالية توظيف الصياغة على ألسنة الطير والحيوان والتي كانت شائعه في تلك الفترة للهروب من المواجهة المباشرة مع السلطة السياسية في وقته والتي كانت تتصف بالظلم الشديد للرعية والبطش والجور.
  5. للكتاب أربع غايات مذكورة إلا ان الغرض الرابع والذي خص فيه الفلاسفة بشكل مبهم هو المحور الذي يدور حوله الكتاب بشكل أو بآخر، فهو ليس ذلك الغرض بإمتاع القارئ وتسليته وذلك عائد لحقيقة لا يمكن تجاهلها عن النص باعتباره مرجعا سياسيا وأخلاقيا يقوم سياسة الدولة ويحاول تقديم حلول لإصلاح الوضع السياسي القائم، ولعل هذا هو السبب الأول في صياعة الكتاب ووضعه بتلك الطريقة، فمن خلال النظر لعلاقة القوة بين السلطان والفيلسوف فيمكن فهم أن الفيلسوف أمام معادة صفرية لا يقو على مواجهة الملك فيستخدم حكمته في إيصال غرضه، وبالتالي كان كليلة ودمنة دليلا بارزا على رفض بن المقفع السلطة السياسية العباسية المستبدة في عصره.
  6. ظهرت تجليات الرفض السياسي في النص السلطاني داخل الحكايات المختلفة للنص من خلال شقين وهما رفض السياسة الداخلية للحاكم ورفض سياسته الخارجية، وفد وظف بن المقفه تلك القضية للتعبير عن الصراع بين القوي والضعيف، الحرب الشديدة بين الظالم والمظلوم صاحب الحق، الجاهل والعاقل، الرعية والحاكم، الجماعات والأفراد…الخ، وهدف في ذلك إلى تقديم تحذير للخليفة العباسي المنصور من خطر الظلم والجور على استقرار الدولة وسلامة الرعية والسلطة السياسية.
  7. وظف بن المقفع مجموعة من الحكايات داخل أبواب الكتاب لينقل من خلالها رؤيته النقدية لقضية الرفض السياسي والتي تمثلت في ضرورة الالتفات لمقصد الفيلسوف والغرض الرابع من الكتاب والذي يقوم أساسا على الحكمة والعقل في تنفيذ خطوات المشروع الاصلاحي لابن المقفع، لذلك كان غرض العرض هو تقديم النصح والإرشاد بلهجة التحذير من عواقب هذا الأمر على استقرار الدولة واستتباب الوضع للسلطة السياسية في المجتمع.
  8. الفكر الثوري في حكايات الرفض السياسي لابن المقفع رافض للطغيان والأنظمة المستبدة والتي تولد من رحم فساد الحاشية أو غفلة الملك مثلا، صمت الرعية أو الابتعاد المتعمد عن المشهد السياسي خوفا من تغول السلطة السياسية أو فقدان للأمل في إصلاحها.
  9. مجموعة النصائح التي قدمها عرض قضية الرفض السياسي ومنها ضرورة عدم الظلم والاتصاف بالعدل في إدارة شؤون البلاد، الحفاظ على نظام الشورى وعدم تجاهل الرعية عن قصد أو عن غير قصد، ضرورة الاتصاف بالحكمة والحفاظ على قيمة العقل ودوره في إدارة شؤون البلاد السياسية، الاقتراب من الرعية والاهتمام بمطالبهم، الحلم واللين والتأني في أخذ القرارات وإصدار الأحكام حتى لا يفتح مجالا للخطأ ولو بسيط، التأكيد على أهمية تقدير حجم قوة الأعداء وقدراتهم وعدم الارتياح التام لهم أو العداء الشديد أيضا، كل هذا يصب في مصلحة الدولة ولا يتعارض مع الغرض الإصلاحي للحاكم والذي يجب أن يكون أحرص الناس على هذا الغرض.
  10. كانت للنصائح السياسية التي قدمها بن المقفع خاصة ما بتعلق بقضية الرفض السياسي عظيم الأثر في إصلاح نظام الحكم في الدولة العباسية والذي قام به مثلا الخليفة هارون الرشيد حينما قام بوضع نظام شاملا متكامل للحياة السياسية والتي جاء متسق مع النظام الذي نظر له بن المقفع وهدف من خلاله لإصلاح شؤون الرعية والراعي.
  11. الإيحاء القصصي الذي استعمله الفيلسوف الهندي بيدبا كان له تأثيره الكبير على الملك دبشليم، حتى أن الأمر يكاد يصل لتنافي غرض المضمون مع مظهره، فالملك في بعض المواضع كاد لا يدرك أن العبرة السياسية في مضمون الحديث بينما في شكله الخارجي، انطلاقا من أن العبرة السياسية ليست سياسية المظهر، وبهذا تمكن بيدبا من تقديم ما يمكن للشعب أن يفعله جراء سياسات الملك وظلمه وجوره على الرعية، وهذا في حالة استمرار الفساد السياسي في الدولة والذي يمتد إلى مختلف جوانب الحياة.
  12. استمرار الرفض السياسي له تبعاته الغير متوقعة دائما فإما بصل لمرحلة لا تطاق من الغليان الشعبي ويساعد في هذا سياسات السلطة التي تستفز الشعوب فيقوم الشعب بثورة على الحكام ينال فيها من السلطة السياسية بأكملها، أو عكس هذا يعود لطبيعة الشعب ذاته أن يصل الشعب إلى مرحلة الاغتراب السياسي فيختفي من المشهد السياسي تماما، أو ان تنجح السياسة الاستباقية التي وضعها بن المقفع من خلال قيام محاولات الفلاسفة لإصلاح الوضع السياسي القائم.
  13. الكمال الأخلاقي عند بن المقفع هو مزيج مترابط بين مجموعة من الفضائل والرذائل، الصفات الحسنة والصفات السيئة، وقد تأثر بن المقفع في هذا بالفكر الأرسطي وتصنيفه للأخلاق، ولا يمكن الوصول لمرحلة الكمال الأخلاقي إلا أن مزيج الفضائل والرذائل هذا كفيل بأن يجعل الإنسان يقترب إلى مرحلة الكمال.
  14. هناك العديد من القيم التي يمكن أن يتصف بها الملك والتي تساعد في إصلاح الوضع بشكل ما ومنها التزام العدل والحق، الحكمة والعقل والعفة والعمل، الهدوء والتروي والإيمان بالقدر، السكوت عن الكلام الزائد، الصبر، الكرم، ليس منافق ولا يكون ذا رياء يقطع العهود، يجب أن يكون رحيما طيب القلب، حسن السيرة يضع الالصبر في موضعه والعنف في موضعه، كافة تلك الصفات كفيلة بأن تساعد على التسريع من عملية الإصلاح السياسي في المجتمع.
  15. لعل من أهم الفصول التي تعبر عن تداخل الأخلاق والسياسة هو باب “الفحص عن أمر دمنة”، وفيه تعود الروح الأخلاقية لتبرز المشهد السياسي من جديد، ونمثل انتفاضة قيمية للحاكم على فساد حاشيته، فـ دمنة هو مساعد الملك، شخصية ميكيافيلية بها من السوء والضغينة ما يكفي لإسقاط الدولة، شخصية جدلية سفسطائية، لا تدخر حهدا لزرع الشقوق والتفريق بين الحيوانات، وقد تمت محاكمتها وفقا لما فعلته بين الملك والثور شتربة وهو الوزير المخلص من إحداث الوقيعة والتفرقة، تلك المحاكمة التي تستجيب بشكل ما لإرهصات أخلاقية صافية، وتعبر عن الروح الأخلاقية لسياسة الدولة، هذا التناقض بين القواعد السياسية التي لا تقبل النقاش أو الجدل وما أتى به بن المقفع من درس أخلاقي عبر بوضوح عن القيمة الأخلاقية لنص كليلة ودمنة.
  16. استخدم بن المقفع ثنائية أبرز فيها الطابع التجريبي للقيم السياسية والخلقية والذي يمكن تطبيقه في المجتمع السياسي، والسمات الشخصية للحاكم والتي يختص بها هو فقط، وبين الطابع الفقهي النقلي الذي يتسم أحيانا بالجمود الفكري فلا يراعي التغيرات السياسية وتبدل الأحوال وتطور المجتمعات وقد راعى بن المقفع هذا الأمر فجاءت القيم التي أبرزها على شكل دستورا عبر فيه عن كل ما يمكن للحاكم أن يعمله من خلال قيمه السياسية.
  17. يعبر المضمون القيمي عن صدق بن المقفع في تقديم النصيحة والمشورة للحاكم بعرض الرؤية الكاملة دون إنقاص، فالفضائل والرذائل تكمل المشهد القيمي كما استنتجنا، إلا أنه في الجانب التجريبي لهذه القيم ظهر تناقض له دلالة مختلفة بين ما دعى إليه بن المقفع من ضرورة طاعة السلطان وهو من كمال واجبات الرعية تجاه سلطانهم، وبين ما جاء في باب الأسد وابن آوي مثلا وقتئذ رفض كليلة صحبة السلطان باعتبارها تمثل خطرا على حياته الهادئة وسلامه النفسي.
  18. التناقضات تلك تشكل نزعة أبرزها بن المقفع بالتأكيد على ضرورة التروي في إصدار الأحكام المتسرعة، فقيمة الطاعة جاءت في موضع مغاير لقضية رفض السلطان، وبالتالي يكون لدينا تناقضا مثمر فريد من نوعة بين صفحات كتاب كليلة ودمنة، وهنا نؤكد على أهمية المضمون وفهم الحيلة التي تم تركيب النص بها، فالمضمون هو مقصد الفلاسفة كما ذكر في الغرض الرابع للكتاب، أما الشكل الذي تم تركيب النص به ما هو إلا وسيلة جذب للفت انتباه عوام الناس وحثهم على قراءة الكتاب.
  19. أبرز بن المقفع عدد من القيم السياسية التي يشترك الرعية في مسؤلية التحلي بها ومنها التعقل وتهذيب النفس، ثيانة العهود، الحفاظ على الصداقات والتعامل بحكمة مع الاعداء، والإيمان بالقضاء والقدر…الخ، تلك القيم تؤكد على الدور الكبير الذي تلعبه الرعية في المشهد السياسي بأكمله.
  20. حث بن المقفع الرعية على لعب دورهم الأساسي كونهم المحرك الأساسي لنظام الحكم في الدولة، وذلك من خلال الدعوة لمجابهة الظلم عن طريق الثورة الشاملة الرافضة، انتقالا إلى دعوة صريحة لهم بالاتحاد والتعاون والوحدة، ثم التشديد على ضرورات منها عدم تصديق السلطان وحاشيته الفاسدة وعدم الارتياح لنياتهم وما قد يفعلونه، ونادى بضرورة عدم قبول الخضوع والذل والقبول بصراع الخير والشر طالما كان الرعية في الجانب الخير، وفي نصائحه للرعية تحذيرات للحاكم بضرورة احترام رغبتهم وتجليل إرادتهم.

أخيرا الشعب عند بن المقفع هو المقوم الأول لسياسة الحاكم من خلال قضية الرفض السياسي، فهو الذي يحارب على الساحة السياسية في مختلف الأوقات، وغيابهم يمثل الفرصة الذهبية للحاكم الفاسد للتغول في استخدام سلطاته وصلاحياته للمزيد من الفساد، لهذا يجب أن يكون مشروعهم هو مشروع أمة بأكملها فلا يدخروا جهدا في محاربة الفساد وإعادة الأمور لنصابها الصحيح، قال بن المقفع: “إن الإرتفاع الى المنزلة الشريفة شديد، والانحطاط منها هين، كالحجر الثقيل: رفعه من الأرض إلى العاتق عسر، ووضعه على الأرض هين”، لهذا يجب أن يضع الناس الارتفاع إلى القمة نصب أعينهم فيكونوا في منزلة عليا، وفي نص بن المقفع تشريعا سياسيا وأخلاقيا كاملا يؤسس بامتياز لدولة متكاملة الأركان، قوية وقادرة على وضع قوتها تلك في المكان الصحيح…

قال أرسطو:الدولة الصالحة هي التي يكون فيها هو السيد الأعلى، ويكون لها دستور يسير على مبادئه الحاكم

قائمة المراجع:

عبد الله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، (بيروت: لبنان، دار المعرفة، 2004).

الكــــــتــب:

  1. أبو أحمد، حامد، “قراءات في أدب إسبانيا وأمريكا اللاتينية”، دراسات أدبية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، جمهورية مصر العربية، 1993.
  2. أرسطوطاليس، “علم الأخلاق إلى نيقوماخوس”، الطبعة الأولى، ترجمة أحمد لطفي السيد، (القاهرة: مصر، دار الكتب المصرية، 1924)، ص 168، ص 235.

https://www.noor-book.com/

  1. ابن المقفع، عبدالله، “الأدب الصغير والأدب الكبير”، تحقيق إنعام فوال، الطبعة الثالثة، بيروت: لبنان، دار الكتاب العربي، 1420هـ، 1999، ص5 -13.

https://foulabook.com/ar/book/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AF%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%BA%D9%8A%D8%B1-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AF%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A8%D9%8A%D8%B1-pdf

  1. ابن خلكان، أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر، “وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان”، المجلد الثالث، تحقيق إحسان عباس، نشر دار صادر، بيروت: لبنان، 2017، ص151 – 153.
  • ابن طباطبا، محمد بن علي، “الفخر في الآداب السلطانية والدول الاسلامية”، (بيروت: لبنان، دار صادر، 2007).

https://www.noor-book.com/

  1. ابن عمر اليمني، أبي عبد الله محمد بن حسين، “مضاهاة أمثال كتاب كليلة ودمنة بما أشبهها من أشعار العرب”، الجزء الأول، تحقيق محمد يوسف نجم، الطبعة الأولى (بيروت: لبنان، دار الثقافة، 1961).

https://catalog.shjlib.gov.ae/ar/full-record/new_solr%5Esearch_api_solr%3A%3A89027

  1. يقطين، سعيد، “الكلام والخبر، مقدمة للسرد العربي”، (الدار البيضاء: المغرب، بيروت: لبنان، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 1997) ص 201.

https://ketabpedia.com/

  1. ابن فنية، مر، “الرؤية الفكرية في الحاكم والرعية لدى ابن المقفع وابن العنابي والكواكبي”، الطبعة الأولى، (الأردن، دار أسامة للنشر، 2000)، ص40.

https://www.noor-book.com/

  • البحراني، عماد، “أبو جعفر المنصور: المؤسس الحقيق للدولة العباسية”، مجلة كان التاريخية، العدد الخامس، 2009، ص 54 – 58.

http://www.historicalkan.co.nr/

  • الجابري، محمد عابد ، “تكوين العقل العربي”، الطبعة العاشرة، (بيروت: لبنان، مركز دراسات الوحدة العربية، 2009)، ص 353-360.

https://foulabook.com/ar/book/%D8%AA%D9%83%D9%88%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A-pdf#google_vignette

  1. الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب بن فزارة الليثي الكناني البصري، “التاج في أخلاق الملوك”، المجلد الأول، تحقيق أحمد ذكي باشا، (مكتبة لسان العرب، الطبعة بتاريخ 1914)، ص 244.

https://www.pinterest.com/pin/589408669982601503/

  1. الجهشياري، أبي عبدالله محمد بن عبدوس، “كتاب الوزاء والكتاب”، الجزء الأول، تحقيق مصطفى السقا و إبراهيم الإبياري و عبد الحفيظ شلبي، الطبعة الأولى، (القاهرة، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، 1983)، ص 105-109.

https://www.noor-book.com/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B2%D8%B1%D8%A7%D8%A1-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-pdf

  1. الحنبلي، الضياء القدسي أبي عبدالله محمد بن عبد الواحد وآخرون، “صحاح الاحاديث فيما اتفق عليه أهل الحديث”، (بيروت: لبنان، دار الكتب العلمية، 1971)، ص 43.
  • الرفاعي، محمد خليل واخرون، “أساليب تحليل النصوص”، الجامعة الافتراضية السورية، الجمهورية العربية السورية، 2020، ص167-176.
  • الشوربجي، أسامة لطفي، “مفهوم المفارقة في حكايات كليلة ودمنة لابن المقفع”، (مجلة سياقات اللغة والدراسات البينية: المجلد الأول، العدد الرابع، ديسمبر 2016).

http://www.isci-academy.com/download.asp?ArtcID=68

 

  • الشيرازي، محمد بن المهدي الحسيني، “المنهج المسلوك في سياسة الملوك”، المجلد الأول، تحقيق علي عبدالله الموسى، (الزرقاء: الأردن، مكتبة المنار، الطبعة الأولى، 1987)، ص360.

https://www.noor-book.com/

  1. الطباع، عمر، “كليلة ودمنة لابن المقفع: دراسة ونصوص”، دارد المفيد، 1982، ص 68.
  • العلام، عز الدين، “الآداب السلطانية”، (الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآدب، 2006)، ص 8-9.

https://iqra.ahlamontada.com/t3161-topic

  • المغلس، هاني عبادي محمد سيف، “الطاعة السياسية في الفكر الإسلامي: النص والاجتهاد والممارسة”، (الولايات المتحدة الامريكية، المعهد العال للفكر الاسلامي، 2014)

https://books.google.com.eg/books/about/%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%A7%D8%B9%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9_%D9%81%D9%8A_%D8%A7%D9%84.html?id=5MWJrgEACAAJ&redir_esc=y

  • الفاخوري، حنا، “الجامع في تاريخ الأدب العربي”، الطبعة الأولى، (بيروت: لبنان، دار الجيل، 1986)، ص464.

https://www.noor-book.com/

  • الماوردي، علي محمد بن حبيب، “نصيحة الملوك”، المجلد 1، تحقيق خضر محمد خضر، (الكويت، مكتبة الفلاح، الطبعة الأولى، 1983)، ص 53.

https://waqfeya.net/book.php?bid=1544

  1. أمين، أحمد، “ضحى الإسلام”، مؤسسة هندداوي، 2012. ص 1-219.

https://www.hindawi.org/books/30536269/

  • عطوات، محمد، “عبدالله بن المقفع شخصيته لغته اراؤه الحكيمة”، الطبعة الأولى، (بيروت: لبنان، دار ميرزا، مكتبة الشعراوي)، 1998، ص 288-289.

https://www.noor-book.com/tag/%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%B9%D8%B7%D9%8A%D8%A9

  • غريب، جورج، “العصر العباسي: نماذج نثرية محللة”، الطبعة الأولى، (بيروت: لبنان، دار الثقافة، 1970)، ص29-30.

https://www.nli.org.il/ar/books/NNL_ALEPH990023054760205171/NLI

  • شمس الدين، عبد الأمير، “الفكر التربوي عند بن المقفع”، الطبعة الأولى، (بيروت: لبنان، الشركة العالمية للكتاب، 1991)، ص130.

https://www.noor-book.com/

الرسائــــل العلميــــــة:

  1. جمال، معتـوق، “إسهامات ابن المقفع في الفكر السياسي الإسلامي”، جامعة سعد دحلب البليدة.

https://www.asjp.cerist.dz/en/article/62913

  1. حكيمة، حبي، السياق التداولي في كليلة ودمنة لابن المقفع”، رسالة ماجستير، (كلية الآداب والعلوم الإنسانية: جامعة مولود معمري، 2009).

https://ketabpedia.co

  • عطالله، شيرين، “العصبية عند بن خلدون”، رسالة ماجستير، (كلية العلوم الإنسانية والإجتماعية: جامعة محمد بوضياف السلية، 2017-20 ).

http://dspace.univ-msila.dz:8080/

  1. قلاتي، إسحاق، “البنية السردية في حكايات كليلة ودمنة لابن المقفع”، دراسة، (كلية الآداب والعلوم الاجتماعية والإنسانية: جامعة العربي بن مهيدي –أم البواقي-)، 2013.

http://bib.univ-oeb.dz:8080/jspui/bitstream/

  1. المؤمني، رؤى حيدر، “مفهوم الأدب السياسي في ضوء العلاقة بين الأدب والسياسة”، رسالة دكتوراه (كلية الأمير حسين بن عبد االله الثاني للدراسات الدولية والعلوم السياسية: جامعة الأردن) 2018.

https://journals.ju.edu.jo/DirasatHum/article/download/101421/10399

الدوريــــات العلميـــــة :

  1. السماوي، أحمد، “إستراتيجية الرفض في الرواية السياسية”، (الهيئة المصرية العامة للكتاب: المجلد والعدد 82 و 81، 2012).

https://www.ekb.eg/

  • بسيوني، عبد الفتاح فيود، “دراسة تاريخية وفنية لأصول البلاغة ومسائل البديع”، الطبعة الرابعة، (القاهرة: مصر، مؤسسة المختار للنشر والتوزيع، 2015)، ص 136.

https://www.noor-book.com/

  • بسمة عروس، “التفاعل في الإجناس الأدبية: مشروع قراءة لنماذج من الأجناس النثرية القديمة من القرن الثالث إلى القرن السادس”، (كلية الآداب والفنون والإنسانيات، منوبة، تونس، 2005)، ص 190.
  1. حسين، مهدي عبد الحميد، “الخليفة أبو جعفر المنصور ودوره في بناء بغداد”، مجلة آداب الفراهيدي، العدد رقم 15، حيزران 2013.

https://www.researchgate.net/publication/338885394

  1. حسين، طه، “من حديث الشعر والنثر”، (مؤسسة هنداوي، القاهرة: مصر، 2013)، ص 46.

https://www.hindawi.org/books/86392413/

  1. خليل، أحمد خليل، “رموز الوعي السياسي في كليلة ودمنة”، مجلة دراسات عربية، ع 18-1، دار الطليعـة، بيـروت، ص 11، 1981.
  • دراسات في الصفحة العربية: مجموعة بحوت، بيروت، الطبعة الأولى، 1986.

http://www.credif.org.tn/PORT/doc/SYRACUSE/

  • سليمان، باسم ناظم، “الرفض السياسي في حكايات كليلة ودمنة لعبدالله بن المقفع”، (مجلة جامعة كركوك للدراسات الإنسانية: المجلد السابع، العدد الأول، 2012).

https://www.ekb.eg/

  • سامية، بوتقرابت و كهينة، عبدون، “السرد السياسي في كليلة ودمنة لابن المقفع”، (مذكرة: جامعة عبد الرحمن ميرة –بجاية- ، كلية الآداب واللغات، 2017/2018).

http://www.univ-bejaia.dz/jspui/handle/123456789/12803

  1. الابشيهي، شهاب الدين محمد بن احمد ابي الفتح، و نبيل السمان، “المستطرف في كل فن مستظرف”، مجلة نهج الإسلام: وزارة الأوقاف مج 6, ع 21 (1985): ص 104.

http://search.mandumah.com/Record/375027

معاجـــــــــــــم:

  1. معجم المعاني الجامع

https://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A/

  1. معجم المصطلحات السياسية، معهد البحرين للتنمية السياسية، 2014.

https://www.bipd.org/publications/InstituteBooks/decvocpol.aspx

أفلام مصـــورة :

شمس الدين، مجدي محمد، قناة Ten TV، (13-يناير 2020)، ستاذ الادب الشعبي: طه حسين رأى أن “كليلة ودمنة” كان برنامج ثورة على الخليفة المنصور”، رأي.

https://www.youtube.com/watch?v=NNRixijNzmw

المراجع باللغـــــة الإنجليزية:

  1. Abbès, Makram, “L’ami et l’ennemi dans Kalila et Dimna, Bulletin d’études orientales [En ligne], Tome LVII | Janvier 2008, mis en ligne le 12 novembre 2009, consulté le 29 janvier 2021. URL: http://journals.openedition.org/beo/120 ; DOI : https://doi.org/10.4000/beo.120
  2. Abdelsadek, Nafisa. “Kalila & Dimna”. University of Birmingham. Module 14 – part 4. January 2010 https://www.researchgate.net/publication/252931524_Kalila_Dimna
  3. Beldag, Adem & Aktas, Elif. “Kalila and Dimna as One of the Traditional Antecedents of Modern Classifications of Values”. Canadian Center of Science and Education. International Education Studies; Vol. 10, No. 3; 2017. DOI: 10.5539/ies.v10n3p46 https://www.researchgate.net/publication/314134999_Kalila_and_Dimna_as_One_of_the_Traditional_Antecedents_of_Modern_Classifications_of_Values
  4. BLECUA, CACHO. Manuel, Juan y DUCAY, LACARRA. Jesús, María. Introducción, ed. lit. de Calila e Dimna. Madrid, Castalia (Clásicos Castalia, 133), 1984, págs. 9-70. ISBN 84-7039-429 https://books.google.com.eg/books?id=ZSdlRpnXaigC&lpg=PP1&pg=PA9&redir_esc=y#v=onepage&q&f=false
  5. Boukhali, Lahcen. “Le discours politique dans Kalila et Dimna d’Ibn al-Muqaa’”. (thèse de doctorat: Littératures. l’Université de Lyon, l’École Normale Supérieure de Lyon, ICAR). 09/12/2011.  Français. ⟨NNT : 2011ENSL0680⟩⟨tel-00682596⟩. https://tel.archives-ouvertes.fr/tel-00682596
  6. C, VAN RUYMBEKE. “Dimna’s Trial and Apologia in Kashifī’s Anvār-i Suhaylī. Morality’s Place in the Corrupt Trial of a Rhetorical and Dialectical Genius”. Journal of the Royal Asiatic Society. Volume 26, Issue 4, October 2016, pp. 549 – 583. DOI: https://doi.org/10.1017/S1356186314000844
  7. C. van-Ruymbeke. “Dimna’s Trial and Apologia in Kashifī’s Anvār-i Suhaylī. Morality’s Place in the Corrupt Trial of a Rhetorical and Dialectical Genius”. Columbia University Institute for Scholars, Reid Hall in Paris. 2012.https://core.ac.uk/download/pdf/77411969.pdf
  8. coccia, Mario. “Theories of Revolution”. CNR – National Research Council of Italy. Yale University, New Haven, CT, USA. 2019. https://www.researchgate.net/publication/333578294
  9. E. Olsen, Marvin. “Two Categories of Political Alienation”. Social Forces, Volume 47, Issue 3, March 1969, Pages 288–299: https://doi.org/10.2307/2575027
  10. Finifter, Ada W. “Political science: the state of the discipline”. Washington, D.C.: American Political Science Association. (Vol. 64, no. 2. PP 389-410). 1983. https://archive.org/details/politicalscience00hodo/page/n1/mode/2u
  11. Fox, S. Political alienation and referendums: how political alienation was related to support for Brexit. Br Polit 16, 16–35 (2021). https://doi.org/10.1057/s41293-020-00134-8
  12. Krönung, Bettina. “He Wisdom of the Beasts: The Arabic Book of Kalīla and Dimna and the Byzantine Book of Stephanites and Ichnelates”. Fictional Storytelling in the Medieval Eastern Mediterranean and Beyond. Ch, 427–461 https://brill.com/view/book/edcoll/9789004307728/B9789004307728_019.xml
  13. Lane, Andrew J. “Review: Gregor Schoeler’s Écrire et transmettre dans les débuts de l’islam
  14. . Cambridge: mit.edu.2003. http://web.mit.edu/CIS/www/mitejmes/issues/200310/br_lane.ht
  15. Lentfer, Hannah Rose. “Effects of political ingroup/outgroup rejection on behavior and physiology”. University of Northern Iowa. Honors Program Theses. 370. 2019 https://scholarworks.uni.edu/hpt/370
  16. London, Jennifer. “HOW TO DO THINGS WITH FABLES: IBN AL-MUQAFFA`’S FRANK SPEECH IN STORIES FROM ‘KALĪLA WA DIMNA.’”. History of Political Thought, vol. 29, no. 2, 2008, pp. 189–212. JSTOR, www.jstor.org/stable/26224002. Accessed 8 July 2021.
  17. Lunde, Paul. “Kalila wa-Dimna”. Foundation for science Technology and Civilization. Muslim Heritage. vol. 23, N° 4, July/August 1972, pp. 18-21.
  18. Mohamad, Walat. “Ibn al-Muqaffa’s Introduction to Kalilah and Dimna: The Levels of the Reader”. Journal of Faculty of Letters. Seljuk University. Number: 32. Page: 127-142. 2014. https://dergipark.org.tr/tr/download/article-file/151565
  19. V.M, Abdul Azeez. “HISTORY OF ARABIC LITERATURE”. School of Distance Education. UNIVERSITY OF CALICUT. 2015

http://www.universityofcalicut.info/syl/HistoryofArabicLiterature296.pdf

  1. Wood, Ramsay. [The Aouthers show]. (Jul 6, 2020).  “Kalila and Dimna Vol 1 — Fables of Friendship and Betrayal”.

https://www.youtube.com/watch?v=kN4315GeBfE

  1. https://www.cambridge.org/
  2. https://rdcu.be/cnU4P
  3. https://muslimheritage.com/kalila-wa-dimna/
  4. https://academic.oup.com/sf/article-abstract/47/3/288/2228473

[1] عبد الله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، (بيروت: لبنان، دار المعرفة، 2004).

[2] قال عبد الله بن المقفع في مقدمة الكتاب نصاً: “قدمها بهنود بن سحوان ويُعرف بعلي بن الشاه الفارسي، ذكر فيها السبب الذي من أجله عمل بيدبا الفيلسوف الهندي رأس البراهمة لدبشليم ملك الهند كتابه الذي أسماه “كليلة ودمنة” وجعله على ألسنة البهائم والطير صيانة لغرض فيه من العوام، وضناً بما ضمَّنه عن الطغام، وتنزيهاً للحكمة وفنونها، ومحاسنها وعيونها، إذ هي للفيلسوف مندوحة ولخاطره مفتوحة، ولمحبيها تثقيف، ولطالبيها تشريف، وذكر السبب الذي من أجله أنفذ كسرى أنو شروان بن قباذ ابن فيروز ملك الفرس برزويه رأس أطباء فارس إلى بلاد الهند لأجل كتاب “كليلة ودمنة”.

[3] عز الدين العلام، “الآداب السلطانية“، (الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآدب، 2006)، ص 8-9.

[4] عز الدين العلام، “الآداب السلطانية“، (الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآدب، 2006)، ص 8-9.

https://iqra.ahlamontada.com/t3161-topic

[5] Abdelsadek, Nafisa. “Kalila & Dimna”. University of Birmingham. Module 14 – part 4. January 2010.

https://www.researchgate.net/publication/252931524_Kalila_Dimna

[6] Makram Abbès,  L’ami et l’ennemi dans Kalila et Dimna, Bulletin d’études orientales [En ligne], Tome LVII | Janvier 2008, mis en ligne le 12 novembre 2009, consulté le 29 janvier 2021. URL : http://journals.openedition.org/beo/120 ; DOI : https://doi.org/10.4000/beo.120

[7] أسامة لطفي الشوربجي، “مفهوم المفارقة في حكايات كليلة ودمنة لابن المقفع”، (مجلة سياقات اللغة والدراسات البينية: المجلد الأول، العدد الرابع، ديسمبر 2016).

http://www.isci-academy.com/download.asp?ArtcID=68

[8] Beldag, Adem & Aktas, Elif. “Kalila and Dimna as One of the Traditional Antecedents of Modern Classifications of Values”. Canadian Center of Science and Education. International Education Studies; Vol. 10, No. 3; 2017. DOI: 10.5539/ies.v10n3p46

https://www.researchgate.net/publication/314134999_Kalila_and_Dimna_as_One_of_the_Traditional_Antecedents_of_Modern_Classifications_of_Values

[9] VAN RUYMBEKE, C. “Dimna’s Trial and Apologia in Kashifī’s Anvār-i Suhaylī. Morality’s Place in the Corrupt Trial of a Rhetorical and Dialectical Genius”. Journal of the Royal Asiatic Society. Volume 26, Issue 4, October 2016, pp. 549 – 583. DOI: https://doi.org/10.1017/S1356186314000844

https://www.cambridge.org/

[10] باسم ناظم سليمان، “الرفض السياسي في حكايات كليلة ودمنة لعبدالله بن المقفع”، (مجلة جامعة كركوك للدراسات الإنسانية: المجلد السابع، العدد الأول، 2012).

https://www.ekb.eg/

[11] Boukhali, Lahcen. “Le discours politique dans Kalila et Dimna d’Ibn al-Muqaa’”. (thèse de doctorat: Littératures. l’Université de Lyon, l’École Normale Supérieure de Lyon, ICAR). 09/12/2011.  Français. ⟨NNT : 2011ENSL0680⟩⟨tel-00682596⟩.

https://tel.archives-ouvertes.fr/tel-00682596

[12] Lentfer, Hannah Rose. “Effects of political ingroup/outgroup rejection on behavior and physiology”. University of Northern Iowa. Honors Program Theses. 370. 2019

https://scholarworks.uni.edu/hpt/370

[13] أحمد السماوي، “إستراتيجية الرفض في الرواية السياسية”، (الهيئة المصرية العامة للكتاب: المجلد والعدد 82 و 81، 2012).

https://www.ekb.eg/

[14] حامد أبو أحمد، “قراءات في أدب إسبانيا وأمريكا اللاتينية”، دراسات أدبية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، جمهورية مصر العربية، 1993.

[15] يقال أن حلم تغيير حياة أصحاب البشرة السمراء في أمريكا بدأ بكلمة قالها “مارتن لوثر كينج” وهي ” لدي حلم”.

[16] رؤى حيدر المومني، “مفهوم الأدب السياسي في ضوء العلاقة بين الأدب والسياسة”، رسالة دكتوراه (كلية الأمير حسين بن عبد االله الثاني للدراسات الدولية والعلوم السياسية: جامعة الأردن) 2018.

https://journals.ju.edu.jo/DirasatHum/article/download/101421/10399

[17] معجم المعاني الجامع

https://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A/

[18] باسم ناظم سليمان، “الرفض السياسي في حكايات كليلة ودمنة لعبدالله بن المقفع”، (مجلة جامعة كركوك للدراسات الإنسانية: المجلد السابع، العدد الأول، 2012).

https://www.ekb.eg/

[19] أحمد السماوي، “إستراتيجية الرفض في الرواية السياسية”، (الهيئة المصرية العامة للكتاب: المجلد والعدد 82 و 81، 2012).

https://www.ekb.eg/

[20] معجم المصطلحات السياسية، معهد البحرين للتنمية السياسية، 2014.

https://www.bipd.org/publications/InstituteBooks/decvocpol.aspx

[21] محمد خليل الرفاعي واخرون، “أساليب تحليل النصوص”، الجامعة الافتراضية السورية، الجمهورية العربية السورية، 2020، ص167-176

[22] (محمد عبد الحميد – 2000)

[23] بوتقرابت سامية و عبدون كهينة، “السرد السياسي في كليلة ودمنة لابن المقفع”، (مذكرة: جامعة عبد الرحمن ميرة –بجاية- ، كلية الآداب واللغات، 2017/2018).

http://www.univ-bejaia.dz/jspui/handle/123456789/12803

[24]  عبدالله بن المقفع، “الأدب الصغير والأدب الكبير”، تحقيق إنعام فوال، الطبعة الثالثة، بيروت: لبنان، دار الكتاب العربي، 1420هـ، 1999، ص5 -13.

https://foulabook.com/ar/book/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AF%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%BA%D9%8A%D8%B1-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AF%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A8%D9%8A%D8%B1-pdf

[25]  عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1.

[26]  عبدالله بن المقفع، “الأدب الصغير والأدب الكبير”، مرجع سابق، رقم 24.

[27] Lane, Andrew J. “Review: Gregor Schoeler’s Écrire et transmettre dans les débuts de l’islam”. Cambridge: mit.edu.2003.

http://web.mit.edu/CIS/www/mitejmes/issues/200310/br_lane.htm

[28]أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر ابن خلكان ، “وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان”، المجلد الثالث، تحقيق إحسان عباس، نشر دار صادر، بيروت: لبنان، 2017، ص151 – 153.

[29]  عبدالله بن المقفع، “الأدب الصغير والأدب الكبير”، مرجع سابق، رقم 24.

[30]  عماد البحراني، “أبو جعفر المنصور: المؤسس الحقيق للدولة العباسية”، مجلة كان التاريخية، العدد الخامس، 2009، ص 54 – 58.

http://www.historicalkan.co.nr/

[31] هو آلة قديمة لرصد مواقع الكواكب والنجوم ومعرفة ساعات الليل والنهار والتعرف على مختلف القضايا الفلكية، وتعود تلك الآلة للعصر اليوناني.

[32]  عبدالله بن المقفع، “الأدب الصغير والأدب الكبير”، مرجع سابق، رقم 24.

[33] مهدي عبد الحميد حسين، “الخليفة أبو جعفر المنصور ودوره في بناء بغداد”، مجلة آداب الفراهيدي، العدد رقم 15، حيزران 2013.

https://www.researchgate.net/publication/338885394

[34] عبدالله بن المقفع، “الأدب الصغير والأدب الكبير”، مرجع سابق، رقم 24.

[35] إسحاق قلاتي، “البنية السردية في حكايات كليلة ودمنة لابن المقفع”، دراسة، (كلية الآداب والعلوم الاجتماعية والإنسانية: جامعة العربي بن مهيدي –أم البواقي-)، 2013.

http://bib.univ-oeb.dz:8080/jspui/bitstream/

[36]عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 45.

[37] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1.

[38] عبد الله بن المقفع، كليلة ودمنة، شرح سامي الخوري، دار الجيل، الطبعة الثالثة، 2006.

[39] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 285.

[40] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 45.

[41] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 45.

[42] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 45-46.

[43] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 53.

[44] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 47.

[45] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 48.

[46] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 54.

[47] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 69.

[48] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 11-28.

[49] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 28-43.

[50]هاني عبادي محمد سيف المغلس، “الطاعة السياسية في الفكر الإسلامي: النص والاجتهاد والممارسة”، (الولايات المتحدة الامريكية، المعهد العال للفكر الاسلامي، 2014)

https://books.google.com.eg/books/about/%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%A7%D8%B9%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9_%D9%81%D9%8A_%D8%A7%D9%84.html?id=5MWJrgEACAAJ&redir_esc=y

[51] الضياء القدسي أبي عبدالله محمد بن عبد الواحد الحنبلي وآخرون، “صحاح الاحاديث فيما اتفق عليه أهل الحديث”، (بيروت: لبنان، دار الكتب العلمية، 1971)، ص 43.

[52] محمد بن علي بن طبابا، “الفخر في الآداب السلطانية والدول الاسلامية، (بيروت: لبنان، دار صادر، 2007).

https://www.noor-book.com/

[53] محمد بن علي بن طبابا، “الفخر في الآداب السلطانية والدول الاسلامية، مرجع سابق، رقم 50.

[54] عز الدين العلام، “الآداب السلطانية“، (الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآدب، ،2006)، ص .9-8

https://iqra.ahlamontada.com/t3161-topic

[55] أنظر ص 18-19.

[56] طه حسين، “من حديث الشعر والنثر”، (مؤسسة هنداوي، القاهرة: مصر، 2013)، ص 46.

https://www.hindawi.org/books/86392413/

[57] أبي عبدالله محمد بن عبدوس الجهشياري، “كتاب الوزاء والكتاب”، الجزء الأول، تحقيق مصطفى السقا و إبراهيم الإبياري و عبد الحفيظ شلبي، الطبعة الأولى، (القاهرة، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، 1983)، ص 105-109.

https://www.noor-book.com/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B2%D8%B1%D8%A7%D8%A1-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-pdf

[58] عبدالله بن المقفع، “الأدب الصغير والأدب الكبير”، مرجع سابق، رقم 24.

[59] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 25.

[60] أبي عبد الله محمد بن حسين بن عمر اليمني، مضاهاة أمثال كتاب كليلة ودمنة بما أشبهها من أشعار العرب”، الجزء الأول، تحقيق محمد يوسف نجم، الطبيعة الأولى (بيروت: لبنان، دار الثقافة، 1961).

https://catalog.shjlib.gov.ae/ar/full-record/new_solr%5Esearch_api_solr%3A%3A89027

[61] أنظر ص 22.

[62] أنظر ص 20-21.

[63] خليل أحمد خليل، “رموز الوعي السياسي في كليلة ودمنة”، مجلة دراسات عربية، ع 18-1، دار الطليعـة، بيـروت، ص 11، 1981.

[64] حبي حكيمة، السياق التداولي في كليلة ودمنة لابن المقفع”، رسالة ماجستير، (كلية الآداب والعلوم الإنسانية: جامعة مولود معمري، 2009).

https://ketabpedia.com

[65] Walat Mohamad. “Ibn al-Muqaffa’s Introduction to Kalilah and Dimna: The Levels of the Reader”. Journal of Faculty of Letters. Seljuk University. Number: 32. Page: 127-142. 2014.

https://dergipark.org.tr/tr/download/article-file/151565

[66] أنظر ص 23-24.

[67] Abdul Azeez.V.M. “HISTORY OF ARABIC LITERATURE”. School of Distance Education. UNIVERSITY OF CALICUT. 2015

http://www.universityofcalicut.info/syl/HistoryofArabicLiterature296.pdf

[68] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص  71.

[69] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 111.

[70] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 143.

[71] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 169.

[72]عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 185.

[73] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 13.

[74] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 185.

[75] شهاب الدين محمد بن احمد ابي الفتح الابشيهي، و نبيل السمان، “المستطرف في كل فن مستظرف”، مجلة نهج الإسلام: وزارة الأوقاف مج 6, ع 21 (1985): ص 104.

http://search.mandumah.com/Record/375027

[76] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 71.

[77] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 143.

[78] الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب بن فزارة الليثي الكناني البصري، “التاج في أخلاق الملوك”، المجلد الأول، تحقيق أحمد ذكي باشا، (مكتبة لسان العرب، الطبعة بتاريخ 1914)، ص 244.

https://www.pinterest.com/pin/589408669982601503/

[79] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 173-179.

[80] عمر الطباع، “كليلة ودمنة لابن المقفع: دراسة ونصوص”، دارد المفيد، 1982، ص 68.

[81] محمد عطوات، “عبدالله بن المقفع شخصيته لغته اراؤه الحكيمة”، الطبعة الأولى، (بيروت: لبنان، دار ميرزا، مكتبة الشعراوي)، 1998، ص 288-289.

https://www.noor-book.com/tag/%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%B9%D8%B7%D9%8A%D8%A9

[82] أنظر ص 19-23.

[83] أنظر ص 27-30.

[84] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 13.

[85] محمد عطوات، “عبدالله بن المقفع شخصيته لغته اراؤه الحكيمة”، مرجع سابق، رقم 81، ص 242.

[86] أحمد أمين، “ضحى الإسلام”، مؤسسة هندداوي، 2012. ص 1-219.

https://www.hindawi.org/books/30536269/

[87] الشيرازي، محمد بن المهدي الحسيني، “المنهج المسلوك في سياسة الملوك”، المجلد الأول، تحقيق علي عبدالله الموسى، (الزرقاء: الأردن، مكتبة المنار، الطبعة الأولى، 1987)، ص360.

https://www.noor-book.com/

[88] جورج غريب، “العصر العباسي: نماذج نثرية محللة”، الطبعة الأولى، (بيروت: لبنان، دار الثقافة، 1970)، ص29-30.

https://www.nli.org.il/ar/books/NNL_ALEPH990023054760205171/NLI

[89] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 71.

[90] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 111.

[91] حنا الفاخوري، “الجامع في تاريخ الأدب العربي”، الطبعة الأولى، (بيروت: لبنان، دار الجيل، 1986)، ص464.

https://www.noor-book.com/

[92] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 166.

[93] الجاحظ، عبد الأمير شمس الدين، “الفكر التربوي عند بن المقفع”، الطبعة الأولى، (بيروت: لبنان، الشركة العالمية للكتاب، 1991)، ص130.

https://www.noor-book.com/

[94] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 143-156.

[95] علي محمد بن حبيب الماوردي، “نصيحة الملوك”، المجلد 1، تحقيق خضر محمد خضر، (الكويت، مكتبة الفلاح، الطبعة الأولى، 1983)، ص 53.

https://waqfeya.net/book.php?bid=1544

[96] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 143-156.

[97] مر بن قينة، “الرؤية الفكرية في الحاكم والرعية لدى ابن المقفع وابن العنابي والكواكبي”، الطبعة الأولى، (الأردن، دار أسامة للنشر، 2000)، ص40.

https://www.noor-book.com/

[98] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 143-156.

[99] محمد عطوات، “عبدالله بن المقفع شخصيته لغته اراؤه الحكيمة”، مرجع سابق، رقم 81، ص 213.

[100] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 173-179.

[101] عمر الطباع، “كليلة ودمنة لابن المقفع: دراسة ونصوص”، مرجع سابق، رقم 80، ص 68.

[102] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 197.

[103] أحمد السماوي، “إستراتيجية الرفض في الرواية السياسية”، (الهيئة المصرية العامة للكتاب: المجلد والعدد 82 و 81، 2012).

https://www.ekb.eg/

[104] Mario coccia. “Theories of Revolution”. CNR – National Research Council of Italy. Yale University, New Haven, CT, USA. 2019.

https://www.researchgate.net/publication/333578294

[105] مجدي محمد شمس الدين، قناة Ten TV، (13-يناير 2020)، ستاذ الادب الشعبي: طه حسين رأى أن “كليلة ودمنة” كان برنامج ثورة على الخليفة المنصور”، رأي.

https://www.youtube.com/watch?v=NNRixijNzmw

[106] Mario coccia. “Theories of Revolution”. Same ref. 104.

[107] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 13.

[108] دراسات في الصفحة العربية: مجموعة بحوت، بيروت، الطبعة الأولى، 1986.

[109] عبد الفتاح فيود، بسيوني، “دراسة تاريخية وفنية لأصول البلاغة ومسائل البديع”، الطبعة الرابعة، (القاهرة: مصر، مؤسسة المختار للنشر والتوزيع، 2015)، ص 136.

https://www.noor-book.com/

[110] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 13.

[111] Marvin E. Olsen. “Two Categories of Political Alienation”. Social Forces, Volume 47, Issue 3, March 1969, Pages 288–299: https://doi.org/10.2307/2575027

https://academic.oup.com/sf/article-abstract/47/3/288/2228473

[112] Finifter, Ada W. “Political science: the state of the discipline”. Washington, D.C.: American Political Science Association. (Vol. 64, no. 2. PP 389-410). 1983.

https://archive.org/details/politicalscience00hodo/page/n1/mode/2up

[113] Fox, S. “Political alienation and referendums: how political alienation was related to support for Brexit. Br Polit 16, 16–35 (2021). https://doi.org/10.1057/s41293-020-00134-8

https://rdcu.be/cnU4P

[114] أبي عبد الله محمد بن حسين بن عمر اليمني، مضاهاة أمثال كتاب كليلة ودمنة بما أشبهها من أشعار العرب”، الجزء الأول، تحقيق محمد يوسف نجم، الطبيعة الأولى (بيروت: لبنان، دار الثقافة، 1961).

https://catalog.shjlib.gov.ae/ar/full-record/new_solr%5Esearch_api_solr%3A%3A89027

[115] عبد الله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، (بيروت: لبنان، دار المعرفة، 2004).

[116] [116] إسحاق قلاتي، “البنية السردية في حكايات كليلة ودمنة لابن المقفع”، دراسة، (كلية الآداب والعلوم الاجتماعية والإنسانية: جامعة العربي بن مهيدي –أم البواقي-)، 2013.

http://bib.univ-oeb.dz:8080/jspui/bitstream/

[117] شيرين عطاء الله، “العصبية عند بن خلدون”، رسالة ماجستير، (كلية العلوم الإنسانية والإجتماعية: جامعة محمد بوضياف السلية، 2017-2018).

http://dspace.univ-msila.dz:8080/

[118] معتـوق جمـال، “إسهامات ابن المقفع في الفكر السياسي الإسلامي”، جامعة سعد دحلب البليدة.

https://www.asjp.cerist.dz/en/article/62913

[119] أرسطوطاليس، “علم الأخلاق إلى نيقوماخوس”، الطبعة الأولى، ترجمة أحمد لطفي السيد، (القاهرة: مصر، دار الكتب المصرية، 1924)، ص 168، ص 235.

https://www.noor-book.com/

[120] عبدالله بن المقفع، “الأدب الصغير والأدب الكبير”، مرجع سابق، رقم ، ص 131.

[121] عبدالله بن المقفع، “الأدب الصغير والأدب الكبير”، مرجع سابق، رقم ، ص 20.

[122] عبدالله بن المقفع، “الأدب الصغير والأدب الكبير”، مرجع سابق، رقم ، ص 57.

[123] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 11-13.

[124] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 15-20.

[125] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 17.

[126] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 18.

[127] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 19-20.

[128] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 143-146.

[129] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 179-185.

[130] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 143-146.

[131] الجاحظ، عبد الأمير شمس الدين، “الفكر التربوي عند بن المقفع”، مرجع سابق، رقم 105، ص 129.

[132] حنا الفاخوري، “الجامع في تاريخ الأدب العربي”، مرجع سابق، رقم 91، ص 464.

[133]Elif Aktaş & Adem Beldağ. “Kalila and Dimna as One of the Traditional Antecedents of Modern Classifications of Values”. Canadian Center of Science and Education. International Education Studies; Vol. 10, No. 3; 2017: https://doi.org/10.5539/ies.v10n3p46

https://www.researchgate.net/publication/314134999

[134] C. van-Ruymbeke. “Dimna’s Trial and Apologia in Kashifī’s Anvār-i Suhaylī. Morality’s Place in the Corrupt Trial of a Rhetorical and Dialectical Genius”. Columbia University Institute for Scholars, Reid Hall in Paris. 2012.

https://core.ac.uk/download/pdf/77411969.pdf

[135] محمد عابد الجابري، “تكوين العقل العربي”، الطبعة العاشرة، (بيروت: لبنان، مركز دراسات الوحدة العربية، 2009)، ص 353-360.

https://foulabook.com/ar/book/%D8%AA%D9%83%D9%88%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A-pdf#google_vignette

[136] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 185-193.

[137] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 173-179.

[138] Abdelsadek, Nafisa. “Kalila & Dimna”. University of Birmingham. Module 14 – part 4. January 2010.

https://www.researchgate.net/publication/252931524_Kalila_Dimna

[139] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 179-185.

[140] Bettina Krönung. “He Wisdom of the Beasts: The Arabic Book of Kalīla and Dimna and the Byzantine Book of Stephanites and Ichnelates”. Fictional Storytelling in the Medieval Eastern Mediterranean and Beyond. Ch, 427–461.

https://brill.com/view/book/edcoll/9789004307728/B9789004307728_019.xml

[141] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1.

[142] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 129-143.

[143] Ramsay Wood. [The Aouthers show]. (Jul 6, 2020).  “Kalila and Dimna Vol 1 — Fables of Friendship and Betrayal”.

https://www.youtube.com/watch?v=kN4315GeBfE

[144] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 131.

[145] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 173-179.

[146] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 173-179.

[147] سعيد يقطين، “الكلام والخبر، مقدمة للسرد العربي”، (الدار البيضاء: المغرب، بيروت: لبنان، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 1997) ص 201.

https://ketabpedia.com/

[148] London, Jennifer. “HOW TO DO THINGS WITH FABLES: IBN AL-MUQAFFA`’S FRANK SPEECH IN STORIES FROM ‘KALĪLA WA DIMNA.’”. History of Political Thought, vol. 29, no. 2, 2008, pp. 189–212. JSTOR, www.jstor.org/stable/26224002. Accessed 8 July 2021.

[149] CACHO BLECUA, Juan Manuel y LACARRA DUCAY, María Jesús, “Introducción, ed. lit. de Calila e Dimna“. Madrid, Castalia (Clásicos Castalia, 133), 1984, págs. 9-70. ISBN 84-7039-429-0

https://books.google.com.eg/books?id=ZSdlRpnXaigC&lpg=PP1&pg=PA9&redir_esc=y#v=onepage&q&f=false

[150] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 13-14.

[151] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 71.

[152] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 185.

[153] Paul Lunde. “Kalila wa-Dimna”. Foundation for science Technology and Civilization. Muslim Heritage. vol. 23, N° 4, July/August 1972, pp. 18-21.

https://muslimheritage.com/kalila-wa-dimna/

[154] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 185.

[155] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 143.

[156] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 22.

[157] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 143،…

[158] بسمة عروس، “التفاعل في الإجناس الأدبية: مشروع قراءة لنماذج من الأجناس النثرية القديمة من القرن الثالث إلى القرن السادس”، (كلية الآداب والفنون والإنسانيات، منوبة، تونس، 2005)، ص 190.

http://www.credif.org.tn/PORT/doc/SYRACUSE/

[159] عبدالله بن المقفع، “كليلة ودمنة”، مرجع سابق، رقم 1، ص 225.

5/5 - (4 أصوات)