الدراسات البحثيةالمتخصصة

مفهوم الإصلاح في إطار مرجعية القرآن الكريم

اعداد : : مُنى عطية عبد المولى درغام – إشراف : د. محمد صفار ( جامعة القاهرة – كلية الاقتصاد والعلوم السياسية )

  • المركز الديمقراطي العربي

 

المقدمة:

الإصلاح من أكثر المفاهيم تداولاً وإلحاحاً في مجالات مختلفة ، وفي حقل العلوم السياسية هو يمثل مفهوماٌ محورياً ورئيسياً ، ولكن هذه الدراسة تقوم بتشريح  هذا المفهوم من خلال المنظور الإسلامي ولكن ليس في إطار التراث الإسلامي أو كتابات العلماء المسلمين السابقين وإنما في إطار مرجعية القرآن الكريم عن طريق اختيار مجموعة من النماذج القرآنية ، أي أنه سيتم التعامل مع القرآن الكريم على أنه نص علمي وليس مجرد كتاب روحي مقدس لكي نستخرج منه تصور كامل عن مفهوم الإصلاح السياسي  وعليه هذا يضفي حيوية على القرآن بطرحنا موضوع سياسي عليه .

إن هذه محاولة للتمعن في آيات القرآن الكريم والكيفية التي تناولت بها عمليات الاصلاح خاصة وانه ذكر بأكثر من لفظ ودلالة في القران وفي أكثر من موضع حيث قال تعالى ” إن أريد إلا الاصلاح ما استطعت “[1] وأيضاً في قوله تعالي ” ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها”[2] ، وبما أننا نتعامل مع نص مقدس فإنه يتسم بسمات معينة  ، حيث أنه يتسم بالوحدة الموضوعية فهو كالنسيج لا تفهم آياته بشكل منفصل و إنما عن طريق تكوين رؤية كلية عن موضع الآيات المراد تفسيرها .

ومن ثم يكون الإطار المرجعي للتعامل مع القرآن الكريم يشتمل علي أربعة دعامات أساسية جميعهم مترابطين ببعضهم البعض ، حيث الدعامة الأولي و الرئيسية هي عقيدة التوحيد ؛ وهي الجذع الأساسي التي بها ينبني بقية الدعامات ، وتكون الدعامة الثانية هي الاستخلاف والتي هي بداية تكوين الوجود الانساني و من ثم تكون الدعامة الثالثة هي العمران ، ومن ثم نكون إزاء الدعامة الأخيرة التي بها يكتمل الإطار المرجعي و هي العدل .[3]

وبناءً علي تلك الركائز التي تم ذكرها سابقًا هذا يتيح للباحث أن يطرح عدة تساؤلات عن موضوع الدراسة ومن خلال هذه التساؤلات تبرز أهمية الدراسة حيث تكمن الأهمية العلمية في التثقيف الذاتي في مجال العلوم الدينية والشرعية و اكتساب مهارة التنظير السياسي من خلال النصوص المقدسة والقدرة علي التفكر والتدبر في آيات الله ، وبالنسبة للأهمية العملية تتمثل في التوصل إلي إجابات علي التساؤل الرئيسي و التساؤلات الفرعية محل الدراسة ومن ثم معرفة كيفية الممارسة لعملية الإصلاح السياسي بحيث لا تتعارض مع الشريعة الإسلامية ولا تتعدي علي حقوق وحريات الآخرين.

الإشكالية البحثية

هناك جدال نظري حول أولويات الإصلاح وشكل التغيير الذي يندرج تحت راية الإصلاح ، فالاقتصاد السياسي كحقل فرعي من العلوم السياسية يعرض إشكاليات وتصورات مختلفة عن الإصلاح السياسي حيث أنه يبحث عن ماهية الثروة وكيفية الاستفادة منها وتوزيعها على أحسن وجه مع التأكيد على دور الدولة كفاعل سياسي في تسيير الاقتصاد[4] ، وأيضاً تأتي النظريات العلمانية لتؤكد على فصل الدين عن السياسة ويظل الدين فقط منظم لعلاقة الإنسان بربه أي أن يكون المحدد الرئيسي للإصلاح هو الفرد بتوجهاته الثقافية وما يقدمه من إنجازات [5]

وأما فيما يخص المفكرين الإسلاميين فكان الكواكبي يدعو إلى الإصلاح السياسي ولذلك كان ينتقد بشدة الاستبداد ، كذلك محمد عبده الذي أكد على الإصلاح التربوي والديني دون السياسي وضرورة تهيئة الشعب نحو الإصلاح السياسي ، أيضاً جمال الدين الأفغاني ودعوته لإقامة دولة إسلامية نموذجية تلتزم بالقرآن والسنة والشورى والمبادئ الدستورية ، إذاً هناك أيدولوجيات كثيرة ومختلفة تستند عليها توجهات الإصلاح كالاشتراكية ، العلمانية ، الديمقراطية ، الرأسمالية ، الإسلامية[6] …,إلخ

ومن خلال تتبع الأدبيات التي تحدثت عن الإصلاح وبناءاً على الإطار المرجعي الرئيسي للبحث وهو المنظور الإسلامي ولكن بالعودة إلى المصدر الأساسي فيه ألا وهو القرآن الكريم والاعتماد على النماذج القرآنية في التنظير  ، فإن الجدال النظري يكمن عن ماهية العلاقة بين الدين الإسلامي  والإصلاح  ورؤيته له وأولويات تنفيذه ، كذلك ماهية العلاقة بين الدين الإسلامي والتغيير وشكل التغيير الذي يصحب الإصلاح

وبالتالي يصبح التساؤل الرئيسي للدراسة ” كيف يمكن أن يقدم القرآن الكريم تنظيراً سياسياً لمفهوم الإصلاح ؟ “

التساؤلات الفرعية :

  • ما العلاقة بين المعنى اللغوي لمفهوم الإصلاح بشكل عام والمعنى الإصطلاحي لمفهوم الإصلاح السياسي والورود اللفظي لمشتقات الإصلاح في القرآن ؟
  • ما العلاقة بين النماذج القرآنية والتنظير السياسي لمفهوم الإصلاح ؟
  • كيف يمكن أن تقدم النماذج القرآنية الإشكاليات المختلفة التي يثيرها مفهوم الإصلاح وأبعاده ؟
  • كيف يمكن أن تقدم النماذج القرآنية تصوراً كاملاً عن مفهوم الإصلاح السياسي ؟

الأطروحة

مفهوم الإصلاح السياسي مفهوم يكتنفه الغموض بسبب أنه يتداخل مع مفاهيم غربية أخرى كالتنمية السياسية والتحديث والتغيير السياسي والتحول وغيره ،  ومن ثم فهو يحتاج إلى تفسير دقيق ، كذلك إن الإصلاح السياسي لا يتحقق دفعة واحدة وبدون إحداث إصلاح على المستوى الأخلاقي والاقتصادي ، وعليه فإن أطروحة البحث تتعلق بأنه كيف يمكن للنماذج القرآنية أن تفسر ذلك الغموض الذي يكتنف مفهوم الإصلاح وأن توضح رؤية متكاملة عن الإصلاح مبنية على كلاً من المجال الاقتصادي والأخلاقي والسياسي .

والتي تبينت أن الإصلاح السياسي ومترابطة  وفق ما تم استنباطه من القرآن الكريم عملية متكاملة  تتحق بالانضباط الأخلاقي مع الانضباط العقيدي مع معالجة الأمر الشائع في الشعوب ثم التطرق لمعالجة الأمور الأخرى ، وهي تتحق بشكل تدريجي وعلى مدار فترة زمنية طويلة حتى يتم جني ثمارها .

الاقتراب

إن القرآن الكريم مثل النسيج الواحد من حيث التأليف الفني واللغوي والمنطقي فهوي يحتوى على سور مدنية ومكية وكلاهما متكاملان لا يوجد فصل جامد بينهما ، حيث أن الأسس الجوهرية للقرآن موجودة في السور المكية ويغلب عليها طابع التعرض للأصول بينما السور المدنية يغلب عليها طابع التعرض للتشريع والأحكام التفصيلية.

حيث أنه يوجد أساليب مختلفة في التفسير القرآني فهناك تفسير يهتم بالجانب اللفظي والبلاغي للنص ، وآخر بالمحتوى والمضمون ، وتفسير يكون العقل هو أداته أو الأحاديث عن السابقين والصحابة ، أو تفسير متحيز ذو منهجية سابقة ويحاول أن يطبق النص القرآني على أساسها ، وأخيراً تفسير غير متحيز الذي يحاول أن يستنطق القرآن ويطبق القرآن على الرأي لا الرأي على القرآن .

وفي هذا التفسير الغير متحيز نجد اتجاهان في تفسير القرآن الكريم الاتجاه التجزيئي والاتجاه الموضوعي التوحيدي ، وكلمة الموضوعي هنا لا تعني بالحيادية بل هي تعني أنه استنبط موضوعاً معيناً من موضوعات الحياة الاجتماعية المختلفة ، والتوحيدي بمعنى أنه يوحد بين الحياة البشرية ومدلولات الآيات في القرآن ضمن مركب نظري واحد وذلك لاستخراج المفهوم القرآني الذي يحدد موقف الإسلام تجاه تلك المقولة التي تقر بأن الإسلام غير معني بعملية الإصلاح السياسي .

فالاتجاه التجزيئي يعني الشرح التفصيلي للقرآن الكريم بداية من سورة الفاتحة إلى سورة الناس آية أية وعلى حدة وحيث يكون المفسر دون أي خلفية أو مرجعية سابقة هو فقط يكون بمثابة المستمع للقرآن الكريم ويتلقى منه فقط كم هائل من المعلومات ، حيث يتم تتبع الآيات وتفسيرها إما بالأحاديث والروايات أو ملاحظة الآيات الأخرى المشتركة مع الآية المراد تفسيرها في مفهوم أو مصطلح مع الأخذ في الاعتبار السياق ، أي فهم مدلول المصطلح بكل الوسائل الممكنة ، كما أنه يقوم بتفسير لفظي للمفردات وشرح بعض المستجدات من القرآن ، بالإضافة إلى أنه يعرِّف المفسر أسباب نزول الآيات ، أي أنه المحصلة النهائية منه هو الاستيعاب الشامل للقرآن الكريم بطريقية تجزيئية دون الحصول على نظرية قرآنية مترابطة بين هذه الآيات التي تم تفسيرها ، ومن ثم هذا ما يعالجه الاتجاه الموضوعي التوحيدي فهو يقوم بطرح موضوعاً من مواضيع الحياة ويكون هدفه الأساسي

تحديد موقف نظري للقرآن ومن ثم الإسلام تجاه هذا الموضوع وتكون بالأخير المحصلة النهائية لهذا الاتجاه هي الحصول على نظرية قرآنية شاملة تجاه ذلك الموضوع ، ومن ثم يكون دور المفسر هنا ليس مجرد مستمع بقدر ما يكون هو المحاور مع القرآن وذو أطروحات ذهنية مسبقة ونظريات عن موضوعه ينفصل عنها أثناء حواره مع القرآن ويستلهم الموقف القرآني للموضوع واستنباط النظرية القرآنية ومن ثم مقارنة هذه النظرية القرآنية بالحصيلة البشرية عن الموضوع المطروح من أفكار واتجاهات ، ومن ثم تكون هناك أهمية ملحة للتطرق إلى النظريات الإسلامية والغربية عن عملية الإصلاح السياسي حتي يتكون لدينا مناخ عام نتمكن من خلاله فهم الأجزاء التفصيلية والشرائع الخاصة بموضوع الدراسة ، وبالتالى فإن الاتجاهين يتكاملان مع بعضهما البعض ولا يوجد فصل حدي بينهما رغم ما يحدثه الاتجاه التجزيئي من جمود للنص القرآني ، بل إن الاتجاه الموضوعي يحتاج إلى التجزيئي حتي نستطيع فهم مدلولات الآيات ونتمكن من تصنيفها في الموضوع المناسب الخاص بها من موضوعات الحياة وبعد ذلك استقراء الترابط ما بين هذه الآيات لتكوين نظرية قرآنية شاملة للموضوع . [7]

   وبناءاً على المنهجين السابقين ومسلماتهم  سوف تكون المنهاجية الأساسية التي سوف تسير عليها الدارسة تجمع ما بين الاتجاه الموضوعي والتجزيئي والتي سوف تكون كالتالي :

أولاً :

سوف يتم شرح المعنى اللغوي والاصطلاحي لمفهوم الإصلاح وما يقابله من مفاهيم باللغات الأخري كالإنجليزية والفرنسية ، واشتقاق الآيات التي ورد فيها مصطلحات الفساد والإصلاح من القرآن الكريم في السور الأربع المختارة (الأعراف ، القصص ، طه ، يوسف) واستخدام تفسير الشعراوي لفهمها .

ثانياً:

استخدام النماذج القرآنية أي القصص القرآني. وتم اختيار القصص القرآني كوسيلة للتنظير لسببان : السبب الأول أن القصة في القرآن محور من محاور وركائز القرآن الخمسة فهي تمثل خمس القرآن أي أن خمس مقاصد القرآن فيها ومن ثم فهي محور أكيد كمحور التوحيد والعبادات والمعاملات والأمثال،

السبب الثاني فكرة المحاكاة وأن القصص القرآني يمكن أن نحاكي به الواقع خاصة وأنه يقال عنها أنه مضى عليها الدهر ولا يمكن للإشكاليات التي أثارتها تلك القصص أن تحدث مرة أخرى في واقعنا المعاصر .

ثالثاً:

اختيار على قصة سيدنا لوط للتنظير عن الإصلاح الأخلاقي ، وقصة سيدنا شعيب للتنظير عن الإصلاح الاقتصادي ، وقصة سيدنا يوسف وسيدنا موسى للتنظير عن الإصلاح السياسي .

وسوف يتم تناول القصص الأربعة من خلال السور التالية :

سورة الأعراف ، وسورة ويوسف ، وسورة طه ، وسورة القصص .

حيث سوف يتم تناول قصة سيدنا شعيب وسيدنا لوط من خلال سورة الأعراف ، وتناول قصة سيدنا يوسف من خلال سورة يوسف ، وتناول قصة سيدنا موسي من خلال سورتي القصص وطه ، وفهمها باستخدام  أحد كتب التفاسير وكتب العلماء الأخرين عن القصص النبوى كالشيخ الشعراوي والدكتور عمر عبد الكافي والدكتور راغب السرجاني وتفسير القرطبي ومختصر تفسير ابن كثير .

وأيضاً من أجل فهم طبيعة النص القرآني سوف يتم الاستعانة بكتاب المبادئ الأساسية لفهم القرآن للكاتب أبو الأعلى المودودي  .

وبالنسبة لقصة سيدنا موسى فإنه تم اختيار سورتي القصص وطه لأن قصة سيدنا موسى عريضة وتم تناولها في القرآن 166 مرة في 36 سورة ، ولكن سورة القصص تتناول بداية القصة منذ مولده وسورة طه تتناول منذ بداية الرسالة ، وتم اختيار الأنبياء السابقين الأربعة بسبب التقارب في التسلسل الزمني بينهم فسيدنا لوط جاء بعده سيدنا شعيب بزمن قريب ، وسيدنا موسي جاء بعد سيدنا يوسف بثلاثة قرون

تقسيم الدراسة

القسم الأول : الإطار المفاهيمي والنظري المرتبط بالإصلاح  

حيث يشمل هذا القسم الـتأصيل النظري والمفاهيمي بمعني أنه يتناول مفهوم الإصلاح اللغوي والاصطلاحي ومشتقات الإصلاح والفساد في السور المختارة للبحث .

القسم الثاني : التنظير عن الإصلاح الاقتصادي والأخلاقي في القرآن الكريم  

ويشتمل هذا القسم على قصتي سيدنا لوط وسيدنا شعيب للتنظير للبعد الأخلاقي والاقتصادي .

القسم الثالث : التنظير عن الإصلاح السياسي في القرآن الكريم

ويشتمل هذا القسم على النظرية القرآنية الشاملة لعملية الإصلاح السياسي وذلك من خلال قصتي سيدنا يوسف وسيدنا موسى .

الفصل الأول (الإطار المفاهيمي )

يتناول هذا الفصل في البداية المعنى اللغوي والاصطلاحي لمفهوم الإصلاح ومعناه في الفكر الإسلامي ، بالإضافة إلى الورود اللفظي للمفهوم بمشتقاته وكذلك المفهوم المضاد له وهو الفساد بمشتقاته في السور الأربعة (طه ، القصص ، يوسف ، الأعراف ) حيث تلك السور هي التي سوف نسير عليها طوال بحثنا هذا من أجل التنظير السياسي لمفهوم الإصلاح ، حيث وردت مشتقات لفظ الإصلاح في مائة وتسعة وسبعين موضعاً ، ولكن في تلك السور في أربعة عشر موضع ، أما مشتقات الفساد فقد وردت في تلك السور الأربعة في ثمانية مواضع فقط ، وسيتم التطرق إلى كل تلك الآيات التي وردت فيها مشتقات اللفظين أي الإصلاح والفساد في السور الأربعة .

  • المعنى اللغوي لمفهوم الإصلاح :-

نجد أن مصطلح الإصلاح مشتق من مصدر الفعل (ص ل ح) وهوا دائماً ما يأتي في معاجم اللغة العربية مضاد الإفساد فهما مصطلحين متلازمين ، فالإصلاح يعني إزالة الضرر أو التلف أي الفساد عن شئ ما وجعله ذو منفعة وإعادة السلامة إليه ، ومن ثم فإن المقصود به لغوياً هو التغيير والانتقال إلى وضع أفضل وأرقى لإزالة العيوب والتحسين والتطوير .[8]

أما بالنسبة لبعض اللغات الأجنبية نجد أن مفهوم الإصلاح يقابله في اللغة الإنجليزية مصطلح “Reform” والثاني “Repair” ، وبالنظر في أحد قواميس اللغة الإنجليزية وهو Cambridge dictionary  نجد أن المصطلح “Reform”  يعني التحسن في سلوك شخص أو بنية شئ ما وجعله أفضل عن طريق إجراء أي تصحيحات أو إزالة أي أخطاء ، كذلك هو مجموعة من التحسينات التي أدخلت على نظام أو قانون أو منظمة وما إلى ذلك لجعلها أكثر حداثة وفعالية . أما بالنسبة للمصطلح “Repair” فهو يعني فعل الإصلاح لشئ تالف أو مكسور ولا يعمل بشكل صحيح من أجل أن يعمل مرة أخرى ويكون بحالة جيدة ، أو فعل شئ ما لتحسين الموقف السئ .[9]

أما بالنسبة للغة الفرنسية فهو يعني “Reforme”و”Reparation” حيث معنى كل مصطلح منهم في أحد القواميس الفرنسية الشهيرة وهو Le Robert نجد تعريفات كلا المصطلحين كالآتي :

بالنسبة لمصطلح “Reforme” فهو يحمل أكثر من معنى بحسب المجال المستخدم فيه المصطلح فهو يعني تطوير حاصل فالمجال الأدبي والاجتماعي ، إعادة القانون البدائي لتنظيم ديني ، تعديل عميق في شكل مؤسسة من أجل تطويرها والحصول على نتائج أفضل ، تطوير جزئي ومتنام للوضع الاجتماعي ضد الثورة ، طرح من دائرة الاستعمال لشئ أصبح غير صالح ، وضع جندي معفي من التجنيد لعذر صحي أو عقلي ، هذه كلها معاني لذلك المصطلح ، أما بالنسبة لمصطلح  ”Reparation” فهو يعني إعادة شئ ما أصابه العطل والخلل إلى وضع جيد ، إزالة آثار التفسخ والتآكل لشئ ما ، الحذف أو التعويض من جراء حدث أو خطأ .[10]

وبعد الإطلاع على معنى هذا المفهوم بشكل عام في أكثر من لغة حيث يمكن القول بشكل مبسط أنه يعني التغيير والتحسين إلى الأفضل بإزالة ما حدث من فساد ، ومن ثم يمكن التعرف على معنى المفهوم في مجال محدد وبالتالي سيتم التطرق للمعنى الاصطلاحي للإصلاح السياسي .

  • المعنى الاصطلاحي لمفهوم الإصلاح السياسي :

إن حاجة الدول للإصلاح السياسي وشكله يختلف دون غيرها وبحسب متطلبات كل دولة ومكان تواجد القصور والخلل الذي يتطلب الإصلاح فهناك دول تكون أكثر إلحاحاً وحاجة للإصلاح السياسي أكثر من غيرها وهناك دول تتمكن من تحقيق هذا الإصلاح وأخرى منغلقة تحدد نمط معين للإصلاح ، إذاً معنى كلمة إصلاح سياسي تختلف بحسب كل دولة من وجهة نظرها وثقافتها السياسية فيما هو حقاُ إصلاح والمتطلبات والمتغيرات الموجودة سواء فالبيئة الخارجية أو فالنظام الداخلي للدولة .

فمثلاً مع انهيار ثورات شرق أوربا وانهيار الاتحاد السوفييتي تم تعريف هذا المفهوم أنه الانتقال من نظم سياسية تسلطية إلى نظم سياسية تأخذ بالأشكال المؤسسية للديمقراطية الليبرالية ، أيضاً معنى الإصلاح السياسي المطروح بعد الحرب الباردة الانتقال من نظم سياسية إلى نظم أخرى تقوم على مرتكزات أساسية تتمثل في سيادة الدستور والقانون والمواطنة القائمة على المساواة والانتخابات الحرة النزيهة والتعددية الحزبية والحرية السياسية واستقلال القضاء وحماية الحريات العامة[11].

ولكن بشكل عام يمكن تعريف الإصلاح السياسي على أنه مجموع العمليات التي تتم على مستوى النظام السياسي بهدف التعديل التدرجي في القوانين والتشريعات ، المؤسسات والأبنية ، الثقافة السياسية السائدة ، الأداء والآليات، بهدف مواكبة التغيرات الحاصلة في البيئة الداخلية والخارجية والاستجابة للتحديات التي يواجهها النظام بشكل يضمن تحقيق المزيد من المشاركة السياسية للمواطنين والكفاءة والفعالية لمؤسسات الدولة مع حماية الحريات والحقوق الأساسية ومن ثم فهو عملية متعددة الأبعاد .[12]  إذاً هو أي تدبير يكون من شأنه دعم الشرعية السياسية وتطوير الإطار المؤسسي ودعم الاستقرار السياسي في مجتمع ما .

ونجد أنه في الفكر الإسلامي يستند الإصلاح السياسي فيه إلى مقاربات مختلفة ومنها المقاربة الثقافية والتي تستند على أولوية المسألة الثقافية ، الإصلاح الديني ، الثقافة الاجتماعية ، الحالة الحضارية ، قيم العمل والإنتاج ، الإصلاح المعرفي والفكري ، التنوير الديني والثقافي وذلك من أجل تحقيق الإصلاح السياسي ومن رواد هذه المقاربة محمد عبده ورشيد رضا ، أيضاً هناك المقاربة الدستورية والمؤسسية والتي ترتكز على أن الإصلاح السياسي يأتي من خلال بنية السلطة نفسها ووجود أشخاص ذات نزعة إصلاحية ومن روادها خير الدين التونسي ، كذلك المقاربة السياسية والتي تستند على الوحدة الإسلامية ومواجهة العامل الخارجي وأولويتها عن العامل الثقافي من أجل تحقيق الإصلاح السياسي المنشود ومن روادها منير شفيق ، وأخيراً مقاربة الحركة الإسلامية والتي تقوم على وجود جماعات وأحزاب لهم أفكار من أجل الوصول إلى السلطة وتحقيق الإصلاح السياسي مع اختلاف الوسيلة المستخدمة من أجل تحقيق ذلك سواء بالإنقلاب العسكري أو التغيير الجذري العنيف بالثورة او بالطرق السلمية مثل الديمقراطية ومن روادها حسن البنا وسيد قطب والإخوان المسلمون وحزبهم والحزب الإسلامي العراقي .[13]

وبعد التطرق للمعنى اللغوي للإصلاح ، والمعنى الإصطلاحي للإصلاح السياسي واتضح اختلاف معناه استجابة للمتغيرات والمتطلبات والتحديات التي تواجه كل دولة ، واختلاف معناه في الفكر الإسلامي باختلاف المقاربات التي يتم تبنيها لتعريفه ، سوف يتم التدليل على تلك المعاني المختلفة للإصلاح من خلال القرآن الكريم ضمنياً من خلال قصص بعض الأنبياء وهذا ما سوف يتم تناوله فالفصلين الثاني والثالث ولفظياً من خلال التطرق لمشتقات الإصلاح والإفساد في السور طه ، القصص ، يوسف ، الأعراف .

  • الورود اللفظي لمصطلح الإصلاح في السور ( الأعراف ، يوسف ، طه ، القصص ) :
  • أولاً في سورة الأعراف :

وردت مشتقات الإصلاح في 11 موضع في هذه السورة ، ولكن هناك خمسة آيات كان الاشتقاق فيها بمعنى اسم علم وهو النبي صالح عليه السلام ومن ثم لن يتم التطرق للخمسة آيات التي ورد فيها اسم النبي وسيتم تناول الستة آيات الباقية.

في هذه الآيات سوف يتم استخراج مدلول الإصلاح في كل آية على حدة من خلال تفسيرها ومعرفة وتحليل السياق العام للآية .

حيث الستة آيات هي :

  • يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ “
  • وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ “
  • ” وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ
  • ” وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ “
  • ” وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ “
  • ” إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ “

__________

  • الآية الأولى ” يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ “

بعدما أخرج الله بني آدم من الجنة يخاطبهم بأنه سوف يرسل أنبياؤه منكم أنتم بمعنى أن الرسول الذي سيأتي إليكم سوف يكون من قومكم لديكم سابق معرفة به وعن تاريخه وأعماله لن يكون رسول ملائكي الخير به متأصل لا بل إنه إنسان مثلكم قد يقوم بالعمل الصالح والغير صالح ، وهذا من حكمة وبه منطقية أكثر حتى  يتمكن الناس من تقبل دعوته ورسالته ويجب عليهم استقبال هؤلاء الرسل بكل لهفة وتشوق لا لأنهم رسل بقدر لأنهم يدعون إلى منهج صلاح حياتهم وإدارة أمورهم ومعه دلائل صدقه لذلك يستجيب أهل الفطرة السليمة للرسل أي أنه يمكن القول أن الرسول هنا بمثابة الطبيب الذي يداوي المجتمع بعدما تفشى به من فساد .

كما أن هؤلاء الرسل يدعون إلى التقوى والعمل الصالح والتقوى تعنى الوقاية مما يضر وذلك باتباع ما حرم الله من الشرك والكبائر والفاحشة والإثم والبغي وأصلح بمعنى عدم الإفساد فإذا كان هناك شئ لايعمل أو يؤدي غرضه على أكمل وجه إما إصلاحه وتطويره أو تركه على حاله حتى لا يزداد الأمر سوء وضرر وفعل الطاعات أيضاً ، فالنهاية تكون المحصلة بعد الاستجابة لدعوة الرسل وما هم آتين به منهج الله عدم الخوف والحزن حيث إذا ما انتفى الخوف والحزن التام تحققت السعادة والفلاح الأبدي .[14]

أي أن مدلول الإصلاح في هذه الآية اتباع الرسل وما آتو به وسيكون الجزاء الأمن والإطمئنان والسعادة .

  • الآية الثانية وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ “

هنا يذكر الله جزاء المطيعين لأمره حيث طاعتهم هنا لشِرعة الله بالقلب والجوارح في إيمانهم بالله وفي عملهم بجوارحهم أوامره ونواهيه ومن ثم ستكون الأفعال مناسبة مع العقيدة ويكون فعلها أسهل ، وهناك تنبيه من الله سبحانه أن تكاليفه على الإنسان من طاعات ونواهي وحبس بعض من شهواته هي في قدر استطاعة الإنسان وتحمله فالله هو المُشرِّع ويضع التكليف في وسع المكلَّف وأما من يحاول التهرب من أحكام الله وإطلاق بعض من شهواته بحرية تامة فهذا لأنه يرغب في تشكيل أحكام الله كيفما يريد خاصةً وأن هناك أشخاص آخرون قادرون على فعل هذا الحكم كالإمتناع عن شرب الخمر مثلاً إذا فالمشكلة هنا تكمن في رغبة الإنسان نفسه فالتطبيق وليس فالقدرة ، كما أنه إذا كانت قدراته لا تتحمل بعض الواجبات فإنها تسقط عليه فلا واجب مع عجز ولا هناك محرم مع ضرورة ملحة ، وستكون المحصلة النهائية من الإيمان بالله بالقلب والجوارح جزاؤهم الجنة التي يكون فيها الجزاء مستدام وليس متغيراً ومتقلباً كما هو الحال في الدنيا .[15]

أي أن مدلول الإصلاح هنا يكمن فالقلب والجوارح لكي يكون فعل الإصلاح مؤثر ، ويمكن أن نتخذ من هذه الآية منهجاً لصناعة التشريع في الدول بأن يكون تطبيقه في قدر استطاعة المواطنين وأن تسقط عليهم بعض التشريعات والقوانين في حالة العجز أو الضرورة وأن يفعل هؤلاء المواطنين تلك التشريعات بالقلب والجوارح بمعنى أن يكون لديهم اقتناع تام بأن تطبيق ذلك التشريع هو في مصلحتهم وسيحقق لهم الرخاء وماهو أفضل لهم .

  • الآية الثالثة ” وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ

يقول الله تعالى ممتناً على بني إسرائيل بالهداية والنجاة من فرعون وجنوده بأنه سيكلم موسى عليه السلام ويرسل إليه التوراه التي فيها أحكامهم وتنظم شؤون حياتهم ، وكان ميقات موسى عليه السلام لكي يكلم ربه أربعين ليلة لذلك طلب من أخيه هارون أن يكون خليفته في قومه ويأمره بالإصلاح ويبقي ماهو صالح على حاله ولا يفسده أو يستزيده إصلاحاً ولأنه أعلم بأخيه بأنه صالحاً ولن يفسد خاصةً وأنه طرف في دعوته ورسالته كان النهي بعدم اتباع طريق الفاسدين وكأن موسى عليه السلام كان لديه تنبؤ بحدوث الفساد ، وما توقعه كان صحيحاً فحدثت الفتنة وعبدو العجل من صنع شخص يدعى السامري ، ولكن هارون عليه السلام نهاهم كثيراً عن عدم عبادته ونصحهم ولكن هذا العجل اختبار وابتلاء من الله ليتبين الخبيث من الطيب .[16]

ويمكن القول أن دلالة الإصلاح هنا ليس فقط بأن يكون الشخص نفسه صالحاً ولا يفسد مطلقاً ولكن أيضاً بألا يسلك طرق الفاسدين ويتبعها .

  • الآية الرابعة ” وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ “

هنا يتحدث الله سبحانه عن بني إسرائيل وسوف نتطرق بتفصيل أكثر عن هؤلاء القوم  في قصة سيدنا موسى عليه السلام في الفصل الثالث ويذكر الله أنه فرقهم في الأرض وهنا يأتي سبب ذكر كلمة قطعناهم بمعنى أنه جعلهم كالقطعة المتماسكة تعيش على بقعة من الأرض لا تتفرق ولا تندمج مع من حولها لأن انتشارهم واندمجاهم سوف يفسد الأرض لذلك هم ليس لهم موطن موحد بالأساس يجمعهم بل متفرقين في أماكن مختلفة( اليهود الآن) ، ولكن الله ذكر أن منهم الصالحين ومنهم المفسدين حتي أن الله يبتلهيم بالنعم تارة أو بالضيق تارة أخرى حتى يتبين صدق الصالحين منهم بالفعل ولعل أحدهم من المفسدين يعود إلى الله .[17]

في هذه الآية دلالة الإصلاح هو أن القوم المفسدين ليس بالضرورة أن يكون جميعهم فاسدين تماماً بل قد يتواجد من بينهم الصالحين ولكن يتطلب الاختبار لهم حتى يتبين صدقهم وهذا الاختبار لا يكون فقط لصالحين وسط مفسدين بل لأي إنسان حيث يكون هذا الاختبار بمثابة شهادة وتأكيد على صدق أقواله وأفعاله ونواياه .

  • الآية الخامسة ” وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ “

إن بني إسرائيل قد ورثوا الكتاب فمنهم من نظر إليه بشكل سطحي ولم يزنوا الأمور بعقولهم ورغبة فالتحرر من قيود افعل كذا ولاتفعل والسير على أهوائهم فلم يتمسكوا بالكتاب ومنهم من تمسك به ولم يقولوا على الله إلا قول الحق ، وذكر الله بمادة الفعل مسّك تدل على المبالغة في التمسك بذلك الكتاب وبأحكامه والولاء لله لذلك ذكر الله بعدها إقامة الصلاة واختصها الله بالذكر على حدة لأنها عماد الدين والحكم الوحيد الذي نزل مباشرة ليس بالوحي كبيقية الأحكام كما أنها الركن الوحيد من أركان الإسلام الخمسة الذي لا يسقط ، ثم يذكر الله بعدها أنه لا يضيع أجر المصلحين أي أن المصلح لن يأتي إلا بعد استمساكه بكتاب الله ومنهجه وإقامته للصلاة لأن إقامتها هيا بمثابة شهادة للتعبير عن الالتزام بالاستمساك بمنهج الإيمان .[18]

فدلالة الإصلاح هنا أن أي مجتمع يتحقق به الإصلاح يكون بالاعتماد على هؤلاء الناس الذين استدامت صلتهم بخالق المجتمع والذي أنزل المنهج القويم المنظم للبشرية .

  • الآية السادسة ” إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ “

إن الله سبحانه أنزل كتابه على رسوله بالحق الذي سوف يبلغه للناس كافة ، وقوله وليي فالذي يختار ولي له يجب أن يكون الأكثر قرباً للنفس والقلب وهذا يتحقق بأن يكون نفعه أكثر من النفع الذي يريده الإنسان وأكثر علماً وقوة منه ، فقول الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله هوا الذي سيتولاه ، وأن هذه الولاية من الله ليس حكراً على رسوله فقط بل أيضاً لجميع المصلحين الذين جعلهم الله خلفاؤه ليصلحوا فالكون وأول مراتب الإصلاح أن يبقى الصالح على صلاحه أو أن يزيده إصلاحاً إن أمكن .[19]

إذا دلالة الإصلاح هنا هي تشخيص لماهية المصلحين حيث هم أولئك البشر الذين اختاروا أن وليهم الله وحده

  • ثانياً في سورة يوسف :

ورد اشتقاق الإصلاح فيها في آية واحدة فقط وهي :

  • رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ “

هذا دعاء لسيدنا يوسف عليه السلام والتي سوف نتطرق لقصته بشكل أكثر تفصيلاً في الفصل الثالث ، حيث يقول هذا الدعاء بعد أن أعطاه الله نعماً كثيرة منها إعطاؤه المُلك والتي تعني أنه يملك من لديه مِلك ، وأعطاه مهارة تأويل الأحلام وتفسيرها والتي كانت سبباً في وصوله للمُلك ، وأنه يعلم أن الله هو خالق الإنسان وكذلك السماوات والأرض وكما أن الله وليه فالدنيا بما أعطاه من نعم فإنه يرجوه بأن يكون وليه فالآخرة ويطلب منه الموت ولكن وهو مسلماً وأن تكون هذه نهايته ولاحقاً ما سبقه من أنبياء ورسل ماتوا مسلمين صالحين .[20]

  • ثالثاً في سورة طه :

وردت مشتقات الإصلاح فيها في ثلاث آيات وهي :

  • وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى “
  • ” إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى “
  • ” وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا ”

___________

  • الآية الأولى ” وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى “

هذه الآية توضح جزاء المصلحين فالآخرة وهي الدرجات العليا فالجنة بمعنى أن ليس كل عمل صالح له نفس الدرجة فالجنة بل الفارق هو هنا يكون عامل الإخلاص والإحسان فالعمل ، كذلك هي ليست جزاء أي مصلح وإنما المصلح بالإيمان فالقلب ومن ثم يتأتى العمل معه فكلاهما مطلوبين فلا فائدة من الإيمان بشئ وهو غير مقترن بعمل .[21]

وهذه الآية تبين أن العمل الإصلاحي والمؤثر له درجات وعلى هذا الأساس يتحدد الثواب حتي نجد أن هذا مطبق على مستوى المجتمعات وفي أي وظيفة نجد المسؤول يعطي ترقيات وحوافز لمن يتقن عمله أكثر .

  • الآية الثانية ” إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى “

كلمة غفّار هيا صيغة مبالغة من الفعل غفر وهي تعني أن الله كثير المغفرة أي أنه يغفر لعدد كبير من البشر ، وهذا من رحمة الله أن يفتح باب المغفرة والتوبة أمام العباد لحماية وحفظ المجتمع من شر أفعال الناس ، فالمجرم إذا أيقن أنه لا توجد مغفرة لديه سوف يستمر في فعلته بل من الممكن أن يستزيدها ، ومن هنا جاءت التوبة بالندم على العمل الفاسد ومن ثم الإيمان بالله لأن ذلك الإيمان بالقلب هو ينبوع الأعمال الصالحة بالجوارح بعد ذلك ، ومن ثم يهتدي الإنسان أي يستمر على توبته ولا يعود على ما كان عليه من عمل فاسد .[22]

ومن الممكن أن نستفيد من هذه الآية بأن يكون التعامل مع المخطئ أو المجرم ليس بأن ينبذه المجتمع وينفر منه كما يحدث في السجون وإنما تكون هذه السجون هي بمثابة فرصة للتوبة والعودة وأن يعفو عنك المجتمع ويغفر لك عما فعلت ، وهذا يتم بإعادة تأهيله نفسياً ولو بأبسط الإمكانيات بالقراءة مثلاً وكلما قرأ كتاباً سوف تخف مدة عقوبته وما إلى ذلك من أفكار لإحتواء المخطئ .

  • الآية الثالثة ” وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا “

عمل الصالحات هنا هو ذلك الذي يعود على نفسك وعلى غيرك بالنفع وأضعف الأعمال الصالحة هي ترك الشئ على صلاحه بلا مفسدة ، ويذكر الله تعالى حرف الجر مِن وهي للتبعيض أي أن يفعل الإنسان بعض من الأعمال الصالحة لأنه ليس في مقدور أحد أن يصل إلى الكمال ويفعل كل ماهو خير بل كل إنسان به خصال الخير فإذا فعل الجميع أعمالهم بالخصال الخيرة سيصل المجتمع إلى الكمال ، ويذكر الله أن يكون مؤمن بقلبه لأنه سبق وذكرنا هذا ينبوع العمل الصالح ، ومن ثم هذا الشخص المصلح يطمئن ولا يخاف من الظلم وأن يؤكل جزاؤه في عمل ما أو أن يتم محاسبته على سيئة لم يفعلها أو أن ينقص ثوابه .[23]

ونستدل من هذه الآية أن الإصلاح الأمثل لا يأتي دفعة واحدة أو من شخص لديه البرنامج الانتخابي الكامل الذي سيحقق الرخاء للجميع لا بل يقوم على الترابط وأن يشارك الجميع في هذه العملية الإصلاحية بما يستطيع من قدراته وإمكانياته .

  • رابعاً سورة القصص :

وردت مشتقات الإصلاح فيها في ثلاث آيات وهي :

  • ” فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ “
  • قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ 
  • ” فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ “
  • الآية الأولى ” فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ “

هذه الآية تشرح جزء من قصة سيدنا موسى عليه السلام سنتطرق لها أكثر في الفصل الثالث ، ولكن هذه الآية توضح بأن أشد أنواع الإفساد هي قتل النفس بغير الحق ، ولكن في قصة سيدنا موسى كان قتله بالخطأ وعندما شاع الخبر في المدينة التي يعيش فيها أصبح خائفاً لأن عقابه سوف يكون شديد حتي أتى رجلاً علم بما أجمع عليه فرعون وحاشيته بشأن وأنهم سوف يقتلون موسى وأخبره بأن يفر من هذه البلد .[24]

  • الآية الثانية قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ

أيضاً هذه الآية جزء من قصة سيدنا موسى عليه السلام ، في هذه الآية يعرض سيدنا شعيب عليه السلام إحدى ابنتيه للزواج بعدما رأى فيه من حسن خلق وأمانة وقوة وكان مهر ابنته أن يعمل لديه لمدة ثمان سنوات فإن استزاد فهذا من عنده ولا يرغب أن يشق عليه فالعمل أو أن يتعبه هوا يطلب منه أبسط الأعمال بالنسبة إلى سيدنا موسى وقوته ولكن هوا يرغبه فالعمل لحسن خلقه وليس لقوته وكفاءته . [25]

ويمكن أن نستفيد من هذه الآية أنه عند الاختيار لسوق العمل يجب أن يكون المعيار الأول هو حسن الخلق أو ما يقال عليه الآن شرف المهنة وأخلاقها ، أيضاً أن يكون العمل المطلوب في حدود الإمكانيات والقدرة للعامل وليس فوق طاقته أو حتى أن يستنزف طاقته والتعامل معه كأنه آلة ، أيضاً فكرة أن الأب يعرض ابنته للزواج من شاب به حسن خلق يمكن أن نستلهمها من هذه الآية بدلاً من عادة المجتمع التي ترى أن هذا يقلل من شأن الفتاة والتيسير في إجراءات الزواج حيث كان المهر المطلوب في حدود إمكانياته فحسن الخلق فوق كل شئ .

  • الآية الثالثة ” فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ “

هذه الآية كما سبق القول توضح أن العمل الصالح يأتي بعد التوبة والندم على فعل الشر والفساد ومن ثم الإيمان بالقلب بالله لكي يستمر ينبوع الأعمال الصالحة ، وقوله عسى هو رجاء للتحقيق وذلك لأن المتكلم الله الذي في يده تنفيذ المرجو أي يرجو الله أن يستمر ذلك المهتدي في هدايته لكي يدوم الفلاح له .[26]

  • الورود اللفظي لمصطلح الفساد في السور ( الأعراف ، يوسف ، طه ، القصص ) :
  • أولاً في سورة الأعراف :

وردت مشتقات الفساد في هذه السورة في خمسة آيات وهي :

  • وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ “
  • ” وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ “
  • ” وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ “
  • ” وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ “
  • ” وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ “

_____________________

  • الآية الأولى وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ “

الأرض هيا مكان الخليفة وهو الإنسان والأرض بسماواتها وأرضها مسخرة له بتوفير الاحتياجات الأساسية من أجل استبقاء الحياة من ماء وهواء وغذاء ، وهي كلها أشياء لا يملك التحكم فيها فلا يملك التحكم في الكون ومجراته وإشراق الشمس من المغرب وما إلى ذلك ، إذا فالنهي هنا عن الفساد هي فالأشياء التي يملك الإنسان الاختيار فيها ولو ترك حراً دول منهج يبين له إفعل كذا ولا تفعل كذا لفسدت الأرض وهذا المنهج هوا القرآن خاصةً ذلك الفساد الذي يأتي بعد الإصلاح يكون أثره أسوأ وأكثر ضرراً ، وحتي يتجنب ذلك الإفساد عليه بالطاعات واجتناب المعاصي لأنها جميعها تفسد الأرزاق والأعمال فالطبع مثلاً الامتناع عن الرشوة سوف تحقق إصلاحاً على الجميع والكل سيأخذ حقه وغيره من الطاعات ، وهنا يتجسد أسلوب فالدعاء لله كخوف من عظمته وجبروته وطمعاً في مغفرته وكرمه ، وأن الإنسان هو الذي يحدد اقترابه من رحمة ربه بالإحسان في عمله .[27]

  • الآية الثانية ” وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ “

هذه الآية هي تذكير وتنبيه من الله سبحانه حيث يذكر الله قوم صالح عليه السلام بالنعم من أنه جعله خليفة ويسر الجبال والسهول ليبني فيها البيوت وينبههم من عدم الإفساد في الأرض لأن العاقبة تكون الهلاك ويذكرهم بتهلكة قوم عاد لأنهم هم الأقرب لهم فالزمن ، وهذه دعوة عامة إلى كل البشرية بعدم الإفساد والإفراط فيه ونتعظ من التهلكة الجماعية التي تحدث لمن سبقونا من آلاف السنين فالزمن يعيد نفسه بكل أخطائه وأفعال الإنسان .[28]

  • الآية الثالثة ” وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ “

هذه الآية جزء من قصة سيدنا شعيب التي سيتم التطرق لها فالفصل الثاني ، ولكن ينهى الله هنا قوم مدين من قطع الطريق الحسي والمعنوي للهداية التي جاء بها سيدنا شعيب بأمر من ربه فطريق الهداية واحد فقط ومستقيم ولكن طرق الإغواء والفساد متعددة بالمال أو بالسلطة وغيرهم وهم يفعلون كل هذا لأنهم يرغبون بأن يكون طريق الله معوج غير مستقيم أو يصفونه بعدم الاستقامة لينفروا الناس منه وهذا المشهد حاضر لنا من وصف الناس أن شرب الخمر مثلاً يضيع السعادة والسرور وكيف أن طريق الله متحكم وضد الإنسانية في حين أن جرائمه من قتل وسرقة لا تعد ولا تحصى ، ثم يجمع الله بين أسلوب الترغيب في تذكيرهم بالنعم وكيف أنهم كانوا قلة مستضعفين فأصبحوا أغنيا وأقوياء إذاً من فعل بكم ولكم هذا يستحق الطاعة والولاء وأسلوب الترهيب بالتذكير بالهلاك بما حدث من الأقوام السابقين منهم من غرق ومنهم من انقلبت الأرض بهم وذلك لأنهم كانوا مفسدين بابتعادهم عن شرعة الله ومنهجه .[29]

  • الآية الرابعة ” وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ “

في هذه الآية ترويج للحق بأنه هو الفساد بعينه ، فحاشية فرعون لخوفهم على مناصبهم وارتباط نفوذهم بنفوذ فرعون فذهبوا يحذرون فرعون من موسى وفرعون متيقن تماماً أن ادعاء الوهيته كذب وأن موسى على حق لذا هو يخشى منهم ويخاف أن يؤذيه يفاجئه مرة ثانية بعد المرة الأولى عندما تحولت عصا سيدنا موسى إلى ثعبان ، ولكن فرعون كانت وسيلته هي نفس الوسيلة التي استخدمها من قبل هي قتل الرجال واستحياء الناس حتى لا يتكاثر بنو إسرائيل .[30]

  • الآية الخامسة ” وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ “

سبق شرحها في الورود اللفظي لمشتقات الإصلاح (الآية الثالثة 142) ، حيث دلالة المفسدين هنا هم بنو إسرائيل عندما بدأوا يتركو عبادة الله ويعبدوا العجل الذي صنعه أحدهم .

  • ثانياً في سورة يوسف :

ورد اشتقاق الفساد في آية واحدة وهي :

  • ” قَالُواْ تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ “

إن هذه الآية تعبر عن قسم لإخوة يوسف عليه السلام من اندهاشهم باتهامهم بالسرقة فالجميع يعلم أنهم لم يأتوا بغرض السرقة أو الإفساد والكل تحقق بما لهم من سيرة حسنة، حيث أن السرقة هي من أكبر أنواع الإفساد .[31]

  • ثالثاً في سورة القصص :

وردت المشتقات في آيتين فقط وهما :

  • إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ “
  • ” تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ

______________________

  • الآية الأولى ” إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ “

في هذه الآية يوضح الله مدى جبروت فرعون حيث أنه استعلى في كل شئ على وزارئه وشعبه بل والإله أيضاً وادعى الألوهية حتي أنه جعل شعبه في شكل طوائف متفرقة يبث فيهم الخلافات ليظلوا في صراع مع بعضهم البعض ومن ثم ينشغلوا عنه وعن ملكه وحكمه فيستمر هو فالسلطة ، حتى أن الجبروت وصل به اضطهاد واستضعاف طائفة بني إسرائيل وذلك لأنه أثناء وجود الهكسوس في مصر كانوا موالين لهم وبعد طردهم من مصر على يد الفراعنة جاء الاضطهاد لهم من الأقباط .

فكان فرعون يقتل الرجال حتي لا يستمر تكاثرهم ولأنه       كان يخشى أن يخرج رجل منهم يضعف سلطانه ويبقي النساء أحياء وبالطبع يستعبدهم ويستذلهم ، وهذه المواصفات يمكن إسقاطها على أي حاكم مستبد يضطهد طائفة ما أو يستعلى بحكمه فإنه من المفسدين كما وصف الله فرعون .[32]

  • الآية الثانية ” تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ

يوعد الله أن الدار الآخرة ونعيمها الذي لا يزول جعلها لعباده المؤمنين المتواضعين الذين لا يرغبون العلو والتجبر والاستكبار في الأرض أو الإفساد وعمل المعاصي  أي النقيض المعاكس تماماً للفرعون .[33]

إذاً نجد من خلال هذا التتبع البسيط لآيات الإصلاح والفساد ، أن الإصلاح يقوم على العلو بعقيدة الإنسان إلى الله والوعد له بالجزاء الدنيوي إذا ما اتبع تشريعات الله والجزاء في الآخرة ، كما أن النهي عن الفساد تعددت أساليب عرضه ما بين الفساد الذي قام به فرعون وبني إسرائيل بعدما تركهم سيدنا موسى وشكل الفساد الذي كان يقوم به قوم مدين والفساد الكاذب الذي يدعيه فرعون أن سيدنا موسى وأتباعه يفعلونه ، أما آيات الإصلاح فهي ما دائماً بها أسلوب الترغيب وذلك بالوعيد الطيب للإنسان في حياته وفي الآخرة .

الفصل الثاني ( أبعاد الإصلاح )

في هذا الفصل سيتم تناول البعد الأخلاقي والاقتصادي من مفهوم الإصلاح وذلك من خلال قصة سيدنا لوط للإصلاح الأخلاقي وقصة سيدنا شعيب للإصلاح الاقتصادي في سورة الأعراف ، حيث سيتم سرد القصة النبوية وطبيعة القضايا التي تعالجها وتحليل هذه القصة بربط مع الواقع .

المبحث الأول : الإصلاح الأخلاقي ( قصة سيدنا لوط عليه السلام )

سيتم تناول هذه القصة من خلال سورة الأعراف حيث هي وردت في الآيات من الآية 80 إلى الآية 84 .

  • أولاً : سرد القصة النبوية :

وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (84)

بعث سيدنا لوط إلى أهل سدوم وما حولها من القرى وهو كان ليس منهم ولكنه استقر معهم فترة وعاش واختلط بهم ، حيث تبدأ الرسالة بسؤال استنكاري من سيدنا لوط لقومه لقيامهم بفعل الشذوذ وهذا بغرض إحراجهم فلم يبدأ بقول إن الله ينهاكم عن كذا بل بسؤال يستنكر به هذه الفعلة المستقذرة لأنها مخالفة لفطرة البشر الطبيعية خاصة بتأكيده أنهم أوائل الناس الذين وضعوا بذرتها فجميع الأقوام الذين سبقوهم لم يفعلوها وهذه البلاغة القرآنية توضح مدى فظاعة وبغض هذا الفعل حتى أنه وُصف بكلمة الفحشاء والتي تعني الزيادة في القبح لم يأتي الوصف مثلاّ بكلمة ذنب أو منكر .

وقوله تعالى مسرفين تعني أنهم تجاوزا الحد في ذنبهم حيث أن الله جعل لهم منفذاً طبيعياً لشهوتهم بالتزاوج والإنجاب يحافظ على استمرار البشرية لأن أساس وجود الإنسان هو أنه الخليفة في الأرض وضمان الاستخلاف لا يأتي إلا بالإنجاب فكونهم يشبعوا شهوتهم دون إنجاب هذا يعد تجاوز للحدود خاصة أنه يوجد بديل لهذا الفعل ، ثم يأتي رد قوم لوط على رسالته بالطرد له لأنه يفسد عليهم سعادتهم واصفين له بأنه يريد التطهير وهذا التطهير سوف يعكر صفو راحتهم فهذا يبين مدى وصولهم للقاع من هذه الفعلة وأنه أصبح كالوباء، ثم بدلاً من أن يكون الخروج لسيدنا لوط أتى الخروج إلى قومه بالعذاب وزوجته وذلك لأنها لم تؤمن به وتعارضه في أنه يفسد سعادة قومه وكانت النجاة من حظ سيدنا لوط ومن آمن معه .[34]

  • ثانياً : تحليل البعد الأخلاقي للإصلاح من القصة النبوية

إن جانب الأخلاق في الإنسان هو الضابط الأساسي في أي عمل يقوم به الإنسان لذلك كان أول ما يجب التطرق إليه قبل استنباط نظرية الإصلاح السياسي هو بُعد الأخلاق لأنها هي التي سيترتب عليها كل أشكال الإصلاح التي سوف يقوم بها الإنسان سواء إن كان حاكماً أو موظف في شركة أو أي مسؤول على القطاع في منظومة الحكم وإلى آخره .

الغرض من عرض قصة سيدنا لوط في تحليل البعد الأخلاقي هي أنها تجسد تفشي الفساد والوصول إلى أقصى مراحله خاصة وأنه يركز على قضية هي منافية للفطرة الإنسانية إذا هذا يوضح لنا أن الفساد ليس بالضرورة أن يأتي من أفعال معروف أنها مشينة كالسرقة أو الرشوة أو القتل ويكون جزاءها موجود في التشريع كالقانون الجنائي مثلاً ولكنه قد يأتي في أشياء منافية لأصل الإنسان وفطرته الطبعية ويكون جزاءها النفور الاجتماعي ومن ثم وضع جزاء لها في التشريع ، ومن ثم يجب الحذر من مثل هذا النوع من الفساد المنافي للفطرة الإنسانية حيث أنه ينبني بالأساس على انتكاس في العقل ومن ثم فالقلب ومن ثم فالجسد وجوارحه ، فعليه تكون آثاره جديدة وظهورها مفاجئ .

فمثلاً إذا طبقنا المثلية كنوع من الفساد المنافي للفطرة نجد آثارها في ظهور أمراض لم نكن نسمع عنها من قبل كمرض نقص المناعة البشرية (الإيدز) والذي أخذ في ضحيته ملايين البشر حول العالم ، وكيف أن هناك بعض الدول التي تقنن المثلية تعاني من الشيخوخة ونقص فالمورد البشري وتضطر إلى استيراد العمالة من الخارج بالإضافة إلى الأمراض النفسية المختلفة وارتفاع حالات الانتحار وبالتالي هذا له أثره على المجتمع ككل .

وإذا تفكرنا في قصة سيدنا لوط نحاول أن نستنبط منها التدرج في الكيفية التي ينتشر بها الفساد ويصبح كالوباء ويتحول من فعل مكروه ومنبوذ إلى عادة مقبولة مجتمعياً وفي بعض الأحيان مقننة بل ومن يحاول إصلاحها وتغييرها يتم مقابلته بالرفض وأنه مدعي مثالية يعكر صفو السعادة ومعارض للحريات وحقوق الإنسان ، فأي فعل فاسد يبدأ في بادئ الأمر في الخفاء مع بعض المبررات كمبرر الغاية تبرر الوسيلة مثلاً ، أي محاولة بث تغيير في تصور العقل عنه والتلاعب بمسميات نبيلة لتبرير ذلك المكروه كالتلاعب بالحرية أو حقوق الإنسان لتبرير فعل المثلية والذي هو محرم في جميع الأديان السماوية ومجرد تغيير تصور العقل هذا يجعل من لا يفعل حتي هذا الفعل المكروه يقبله مجتمعياً بل ومن الممكن الدفاع عنه ، لذلك لا نتعجب من كثرة أتباع الباطل .

إن الصراط المستقيم هو لسعادة البشر وليس لشقاءها فإذا تفكرنا من الحكمة والغاية للتحريم الشديد من الله تعالى للمثلية وكيف كان عذاب قومها شديد فالأرض انقلبت بهم وأمطر الله عليهم بحجارة مسومةٍ مكتوب عليها اسم كل واحد منهم تصيبه ، حتى أنه دعوة سيدنا لوط للنهي كانت مختلفة عن بقية الأنبياء فمنهم من كان بأسلوب يجمع بين الترغيب والترهيب كدعوة سيدنا شعيب وغيرهم ، إلا دعوة سيدنا لوط كانت بشكل استنكاري وتعجبي .

فالمجتمعات أساس استمرارها وبقاءها يكمن في منظومة الزواج هذه المنظومة ليس غرضها فقط التكاثر أو إشباع الشهوة فالشهوة هي مجرد طُعم فقط للزواج  ولكن غرضه أيضاً التربية وإخراج أقوام صالحين من أجل عمارة الأرض ليكونوا حكام أو محكومين ، ونجد أن أفلاطون قد قسم النفس البشرية إلى ثلاثة مستويات الأول مستوى العقل والحكمة والثاني مستوى الغضبية والشجاعة والثالث مستوى الشهوة ، ولكي تكون مؤسسة الزواج مجدية ونافعة يكون فاعليها يسيطر عليهم مستوى العقل والحكمة لأنه سوف يسيطر على المستويين الثانيين ، أي أنه يكون فعل الزواج قائم بالأساس على العقل والحكمة ليس مجرد إشباع شهوة أو غريزة وإنما الشهوة هي الطُعم فقط .

وإذا طبقنا هذه الأسس على قضية المثلية خاصة وأن بعض الدول تقننها وتشرعها بإمكانية تزاوجهم ، نجد أن في منظومة تزاوج المثليين يتم فيها إعلاء النفس الشهوانية على العقل والحكمة ومن ثم فساد منظومة التزاوج ككل والذي بدوره يؤدي إلى فساد المجتمع لأن أفراده ما يحركهم شهواتهم فقط ، فنجد موظف يحركه شهوة المال ومن ثم يقبل الرشاوي ، وحاكم تحركه شهوة حب السلطة فيستبد ويظلم وهكذا .

مثلما تفشى قبح فعلة قوم لوط بشكل تدرجي ووصلت إلى ذروتها فالانتشار وفي درجة فسادها الأخلاقي فإن أي شكل من أشكال الفساد الأخلاقي يصل لذروته ويتفشى في مجتمعاتنا بنفس الطريقة والتي هي تغيير في تصور العقل من حيث معتقداته المتأصلة ومدركاته أو التبرير له أو التلاعب بالشعارات والألفاظ مثل أنت حر ما لم تضر أو الغاية تبرر الوسيلة وبالمحصلة إما القبول المجتمعي للفساد الأخلاقي عن اقتناع أو فساد أخلاق البشر نفسهم، ومن ثم فإن الإصلاح الأخلاقي أيضاً لا يأتي على دفعة واحدة في مثل هذه المجتمعات ذات التفشي في الفساد ، فالأمر يبدأ من فهم الحكمة والغرض من النواهي والأوامر الأخلاقية التي ذكرها الله تعالى في كتابه ، فنحن هنا مثلاً وضحنا الحكمة من تحريم المثلية ، أيضاً محاولة إعلاء جانب العقل عن الشهوة ذلك بتغذيته بالقراءة والتفكر والتـأمل والتدبر ، كذلك ألا يفكر الفرد قبل قيامه بأي فعل بشكل فردي وإنما يفكر أنه جزء مجتمع وأن سلوكه مؤثر كل هذا وإن تم تطبيقه على الأقل على النشء سيتحقق الإصلاح الأخلاقي بالتدريج عالمجتمع .

المبحث الثاني : الإصلاح الاقتصادي ( قصة سيدنا شعيب عليه السلام )

سيتم تناول هذه القصة من خلال سورة الأعراف حيث وردت فالآيات من 85 : 91 .

  • أولاً : سرد القصة النبوية :

وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85) وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86) وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (87) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89) وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (90) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (91)

بُعث سيدنا شعيب عليه السلام إلى قوم مدين حيث موقعها الآن من طور سيناء إلى الفرات وتم تسميتهم بقوم مدين ذلم لأن مدين الذي هو ابن من أبناء سيدنا إبراهيم استقر في ذلك المكان وتزوج من ابنة سيدنا لوط إلى أن تكاثروا وشكّلوا قوماً ، وكان أول ما أمرهم به سيدنا شعيب هو عبادة الله وحده أي إصلاح عقيدتهم أولاً وتثبيت عقيدة العبادة لله وحده وذلك لأن الأوامر والنواهي بعد ذلك ستأتي من الآمر وهو الله سبحانه فيجب أن يكون المأمور ذو عقيدة مثبتة عن الله سبحانه بألوهيته حتي ينفذ أوامره ويجتنب نواهيه باقتناع وهو مدرك أن الله يرد له الخير دائماً .

لذلك أمرهم بعدم الاختلاس في المكيال والميزان وعدم أخذ الأشياء من الناس كلها بالسرقة أو بالرشوة أو بالغصب حيث هذا الأمر هو الشي كان شائعاً بينهم والمشكلة الأكثر تفاقماً لذلك وجب معالجتها أولاً ثم معالجة بقية المسائل الفرعية ، ثم ينهاهم الله على لسان سيدنا شعيب عن الفساد في الأرض بأعمالهم من رشوة وسرقة وغيره ، حيث كل هذا هو الأفضل لهم في الدنيا أولاً ثم الآخرة ، وينهاهم بألا ينشروا فسادهم على الجميع أي أنهم لا يروجوا لأعمالهم الفاسدة من سرقة ورشوة وغيره حيث أنه لكل إغواء طريق بالمال أو الجاه وغيره كما ينهاهم من تنفير الناس من شريعة الله وأنهم يريدون أن يجعلوها معوجة مناسبة لأهوائهم ويذكرهم الله بفضله عليهم عندما كانوا قليلين فكثرهم وجعلهم قبيلة وكيف كانت عاقبة الأقوام الذين سبقوهم وما لحقهم من عذاب الله عندما استكبروا وكذبوا برسالات الأنبياء حيث كان قبلهم قوم لوط وهود وصالح ونوح وهذا أسلوب يجمع بين الترغيب والترهيب .

ويأمر الله بالصبر لكلا الفريقين المؤمنين مع سيدنا شعيب والذين لم يؤمنوا حيث الصبر هنا بمثابة أُنس للمؤمنين وبمثابة تهديد لغير المؤمنين لأن الحكم بالأخير لله سبحانه فهو أفضل الحاكمين لأن الجميع لديه سواء ، ثم يأتي قول السادة والأعيان لسيدنا شعيب والمؤمنين معه بتخييرهم بين أن يخرجوا من البلدة التي كانوا فيها أو أن يعودوا إلى ملتهم القديمة ويخرجوا عن ملة الله سبحانه .

ثم يأتي الرد من سيدنا شعيب والمؤمنين معه بأن قولهم ذلك افتراءاً كذباً لا يحدث على الحقيقة لأن عودتهم إلى الملة القديمة لن تحدث إلا إذا شاء الله أمراً يجعلهم يعودوا لها فالأمر كله بيده ولديه كل العلم فهم متوكلون عليه ثم يدعوا بأن يفصل الله بينهم بالحق ، فيأتي قول من الأعيان والسادة بعد كثرة أتباع سيدنا شعيب إلى من تبقى منهم من لم يؤمنوا بأنه من يتبعه سوف يكون هو الخاسر ولن يتمكن من الاختلاس في المكيال والميزان كما يشاء ، ولكن يأتي الخيار الثالث الذي لم يكن في حسبان السادة والأعيان بأن الله هز بهم الأرض هم والذين لم يؤمنوا هزة عنيفة التي ترج الإنسان رجاً غير اختياري جعلتهم ميتين وهم في هيئة الذلة .[35]

  • تحليل البعد الاقتصادي للإصلاح من القصة النبوية :

المشكلة الأساسية التي تطرحها هذه القصة النبوية وتحاول علاجها هي الغش التجاري والاختلاس والتلاعب في المكاييل والموازين ، فكرة التلاعب في المكيال والميزان في بادئ الأمر تبدو أن أثرها بسيط ولا يمكن أن يكون له تأثير واسع على المستوى الجمعي ولكن الحياة الاجتماعية تقوم على التفاعل مع الآخرين فإنقضاء المصالح لا يقوم على الإنسان بمفرده وإنما بترابطه مع الآخرين إذاً الأمر يكمن في ألا يفكر الانسان فقط في مصلحته وإنما بشكل جمعي فالله عندما حرم الغش هذا أيضاً لحماية الإنسان من أن يغشه الآخرين في معاملاته المختلفة سواء تجارية اجتماعية وغيره من مجالات الحياة .

إذا تكمن القواعد الحاكمة هنا بقضية العقيدة أولاً لله حيث تشريعات الله هي تشريعات ثابتة لا يمكن أن تتغير بتغير الزمان والمكان في عندما يؤمن الإنسان بها ويسير عليها بها يتحقق الصلاح بدلاً من أن تكون الشِرعة هنا اتباع ما يمليه البشر من قواعد وقوانين ، فتشريع الله هنا في هذه الآيات هو تحريم الغش في المعاملات التجارية وعدم السرقة من الناس واستغلال حوائجهم في سبيل زيادة أربحاهم .

حيث من خلال هذه الآيات نحاول أن نوضح بها أن السلوك الاقتصادي للفرد في الإنتاج وتخصيص الموارد يرتبط بالحاجة الحقيقية للمجتمع ، وليس لمصالح الأفراد وحدهم كالتجار و الصناع وتحقيق الثروات لهم فحسب، وبالتالي فإن الإنتاج مرتبط بإشباع الحاجات الحقيقية للمجتمع وليس بالربح الفردي، ولذلك فهو يميل الى تحقيق المصلحة الجماعية العامة على المصلحة الفردية .

فالاقتصاد قائم بالأساس على أربعة عناصر أساسية المال ، والموارد الطبيعية ، والعمل ( الانتاج ) ، وضبط الانتاج ، وعندما نسقط هذه الأربع عناصر الأساسية على قصة سيدنا شعيب نجد أن عنصر المال هو الغاية والهدف الأساسي من العمل وتعظيم الأرباح بأكبر قدر ممكن فيتحول المال من مجرد وسيلة إلى إشباع حاجات الفرد والمجتمع إلى هدف في حد ذاته أي أنه تم إعلاء مستوى الشهوة أي لذة الغنى والربح عن مستوى العقل والحكمة أي الأخذ في الاعتبار غايات الأفراد الآخرين والمجتمع ككل فقوم مدين عندما قاموا بالغش في المكيال والميزان هم لم يأخذوا في الاعتبار حق الآخرين عليهم فالأمانة والعدالة فالذي يشتري منه هو استأمنه على ماله في مقابل أن يأخذ منه المكيال الصحيح ولكن البائع لدى قوم مدين هنا تغافل عن أي اعتبارات أخلاقية ومجتمعية وأخذ في الاعتبار الاعتبارات الشخصية فقط وتحقيق أقصى قدر من الربح حتى لو أن تحقيق هذا الربح سيأتي بطريقة غير مشروعة .

فنجد أن هذا البائع الفاسد لم يكتفي بأن يكون هو فقط الذي يختلس ويغش بل يقف أمام كل من يحاول أن يستقيم في عمله وذلك لأن ذلك البائع الذي لا يغش في عمله سيأتي إليه الناس أكثر ومن ثم سيتأثر عمل البائع الفاسد بالخسارة ويقل ربحه لأن الناس ستنفر منه بعد اكتشاف غشه وتذهب إلى ذلك البائع الصالح ، ولم يكتفى بذلك بل هو يحاول التلاعب بالشريعة والقانون من أجل تحقيق مصلحته حيث قوله تعالى : (وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا)

ومن ثم نجد منظومة الاقتصاد أصبح بها خلل المال أصبح غاية والموارد الطبيعية سيتم استغلالها بطريقة مفسدة ذلك لأنه سيسعي البعض إلى الاحتكار بها في ملكيتها لأن سمة الموارد الطبيعية المعروفة أنها تتميز بالندرة النسبية ، والعمل سيكون بلا ضابط أخلاقي لأنه أصبح في خدمة غاية شخصية واحدة فقط وهي تعظيم المال بأين كانت الوسيلة مشروعة أو غير مشروعة وعليه سيكون الإنتاج الناتج عن هذه الطريقة من العمل غير مجدي ونافع للمجتمع ، أما عنصر ضبط الإنتاج والذي يأتي عن طريق التشريع والقوانين فإنه سيتم التلاعب به وتحريفه خاصة لو أن المشرع نفسه هو ذلك التاجر الذي يغش كما كان الحال في قوم مدين .

وإذا نزلنا إلى مستوى الواقع الاقتصادي الآن نجد أن هذا ما يحدث العالم ينقسم إلى دول تحتكر الموارد الطبيعية بالمعاملات الجائرة ولقد شهد التاريخ على صراعات عديدة من أجل الحصول على الثروات والمعادن الطبيعية فالأرض من بترول وغاز طبيعي ..إلخ ، وما إن وصلت هذه الدول إلى احتكار تلك الموارد نجدها تتصرف فيها بطريقة احتكارية لتحقيق مصلحتها وتضع لها الإطار القانوني الذي يخدم مصلحتها هي فقط دوناً عن غيرها ، فما كان محصلة كل هذا إلا أن العالم انقسم إلى دول متقدمة ودول العالم الثالث ودول غنية ودول فقيرة وتلاشت العدالة في توزيع الموارد .

فالأصل أن الله خلق الموارد متوزعة على مساحات مختلفة من الأرض وتمتاز بالندرة النسبية ومن خلال تشريعات الله من أوامر ونواهي مفادها تكاتف المجتمع من أجل الاستفادة العادلة من هذه الموارد وتحقيق العدالة الاجتماعية ، فالطبيعي أن هناك فروق اجتماعية بين البشر في امتلاكهم للمال ولا تتحد قيمتهم بكمية المال لديهم كما كان يفعل قوم بني إسرائيل حيث قال تعالى : (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) ، بل إن قيمة الإنسان عند الله تتحد بمدى التقوى لديه والتقرب إلى الله بتطبيق شرائعه كما قال تعالى : (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) ، وعليه فإنه في سبيل تحقيق تلك العدالة الاجتماعية والأخذ في الاعتبار إلى الفوارق الاجتماعية يشرع الله الزكاة والتي هي أخذ جزء من المال من الأغنياء إلى الفقراء كما هي أيضاً ركن من أركان الإسلام الخمسة ، ولكن ما يحدث في الواقع هو الرغبة في جعل شِرعة الله معوجة فالضرائب الجائرة التي تفرضها بعض الدول ماهي إلا اقتطاع من ما يملكه الفقراء لزيادة ثروة الأغنياء .

ولكن بسبب الفساد والظلم والسرقة من الناس تحدث تلك الفوارق الاجتماعية الحادة ، فالإصلاح على الجانب الاقتصادي هنا لا نكتفي فيه برفع شعاراته والوسطية فالتصرف فالمال وعدم التبذير والإسراف أو ضرورة التكاتف المجتمعي فالتصرف فالثروات من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية وإنما من خلال تحويل تلك الضوابط الأخلاقية والقيم إلى تشريعات وقوانين ملزمة ، كما أنه لاينبغي السكوت عن أخطاء الفاسدين السابقة من قيامهم بالسرقة ونهب الأموال بمجرد إعلانهم التوبة فقط أمام الجميع ولكن يجب أن تقترن نية التوبة هذه بالعمل الذي يثبت صحتها وذلك من خلال إرجاع الحقوق إلى أصحابها ، ويجب على الدول عندما تسير على خطى الإصلاح الاقتصادي عندما تقوم بمحاسبة الفاسدين أن تسعى في أن ترجع الحقوق والأموال لأصحابها سواء إرجاع هذه الحقوق في صورة منح وإعانات أو مشاريع إلى تلك الدول التي نهبت منها ، أو لو كان رجال الأعمال هما السارقين أن تعود تلك الأموال المتبقية لديهم إلى الجمعيات الأهلية والخيرية أو التصرف في ممتلكاتهم بما يخدم أصحاب الحقوق من فقراء وغيرهم وفي ذلك الصدد نجد آيات الله تقول : (فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) .

الفصل الثالث ( الإصلاح السياسي)

في هذا الفصل سيتم فيه استعراض البعد السياسي من الإصلاح وذلك من خلال سرد قصتي سيدنا يوسف وسيدنا موسى ، وتحليل هاتين القصتين بربط مع الواقع وبالأخير في نهاية الفصل نحاول أن نستخلص أطروحة البحث والنظرية القرآنية للإصلاح السياسي .

المبحث الأول ( قصة سيدنا يوسف عليه السلام )

  • وفي هذا المبحث لن يتم تفسير السورة بكل آياتها على حدة وإنما سيتم أخذ بعض الآيات التي تسرد الأحداث المهمة والرئيسية وسيتم الاستعانة في التفسير بالقرطبي والشعراوي .[36]
  • أولاً : سرد القصة النبوية :

قصة سيدنا يوسف هي القصة الوحيدة التي لم تتكرر في القرآن الكريم فهذه القصة وردت بشكل كامل في سورة واحدة وهي سورة يوسف والتي يبلغ عدد آياتها 111 آية ، هذه القصة من أكثر القصص القرآني التي توضح النفس الإنسانية بعيوبها ومحاسنها فهي تعظم المحاسن وتصلح العيوب لتبرز لنا الإنسان على طبيعته ، هذه القصة ليس كالقصتين السابقتين سيدنا لوط وسيدنا شعيب تدور أحداثهما حول نبي بُعث إلى قوم ما ويدعوهم إلى الله والإصلاح ، وإنما هذه القصة تدور حول شخص سيدنا يوسف وأحداث دارت حوله من رؤيا له في بداية القصة وانتهاءاً بتأويلها مع مروره بالمحن المختلفة ، وأحداث دار حولها أشخاص من إخوته وماذا فعل الحقد بهم ، وكيد إمراة العزيز له ، وأبوه كيف واجه فقدانه ، والصراع حول السلطة والنفوذ ، هذا الطابع المتفرد فالقصص القرآني بأن ترد كاملةً في سورة واحدة تميزت فقط به قصة سيدنا يوسف .

كما أن عظمة هذه القصة تناولها أطوار النفس البشرية في مختلف المراحل الطفولة والشباب والشيخوخة بأداء بلاغي وبياني لا يقدر عليه أسلوب البشر ، كما أنها تناولت أحوال الإنسان المختلفة حينما يكون مغلوب على أمره ومظلوم وحينما يكون قوياً ومسيطر ولديه سلطة .

تدور أحداث هذه القصة حول ستة مشاهد حيث يبدأ المشهد الأول بأنه الابن الأقرب والمفضل لأبيه يعقوب عليه السلام وهو ابن لأم متوفيه وهو وأخوه بنيامين ، أما بقية اخوته الأحد عشر كانوا اخواته من أم أخرى ، ثم يأتي المشهد الثاني بتأمر إخوته عليه وتدبير مكيدة للتخلص منه للأبد ، ثم يأتي المشهد الثالث بأن يصبح سيدنا يوسف كالعبد يباع ويشترى إلى أن يصل إلى بيت العزيز ( حاكم مصر وقتها كان يطلق عليه العزيز ) ويعيش فيه ، ويأتي المشهد الرابع بسجن سيدنا يوسف ظلماً بسبب مكيدة من زوجة العزيز ، والمشهد الخامس هو تواجد سيدنا يوسف في السجن والذي مر به ، والمشهد السادس والأخير خروجه من السجن وتصبح السلطة في يده .

يبدأ المشهد الأول برؤيا سيدنا يوسف وهو في سن الطفولة والتي فيها كان يسجد له الشمس والقمر وأحد عشر كوكباً آخرين ، ثم يحكي سيدنا يوسف هذه الرؤية على أبيه سيدنا يعقوب ، فأخبره سيدنا يعقوب بألا يحكي هذه الرؤيا على إخوته حتى لا يحقدوا عليه ويدبروا له مكيدة ، وذلك لأن سيدنا يعقوب علم تأويل هذه الرؤيا وأن أحداثها سوف تقع فالمستقبل وسوف تكون في صالح سيدنا يوسف وسوف يكون لها شأن كبير لأبيه وإخوته ، وهذه القدرة على التأويل هي بمنحة وهبة من الله لسيدنا يعقوب فالقدرة على التأويل هي بعلم غزير علّمه الله له ، كما أنه سيدنا يعقوب يعلم أن إخوته سوف يستطيعون تأويل الرؤيا وهي سجودهم وسجود الأب والأم لسيدنا يوسف ، فخشى سيدنا يعقوب بسبب هذه الرؤيا عندما يحكيها لإخوته يزداد غيظهم وغيرتهم منه خاصة وأنه من دون أي شئ لديهم غيرة لسيدنا يوسف بسبب أنه الابن الأقرب والمفضل لسيدنا يعقوب ، كما أنه فالآيات تم استخدام كلمة “يا بُنيّ” وليس  يا ابني وهذا للدلالة على القرب من القلب والتحنين فكلمة “بُنيّ” هي تصغير من كلمة “ابن” .

         والمشهد الثاني يأتي بتدبير المكيدة لسيدنا يوسف وذلك لأنهم تيقنوا من محبة أبيهم لسيدنا يوسف وأخوه بنيامين أكثر منهم ولكن هذا الحب الزائد عاطفة طبيعية لأن والدتهما توفت وهما صغيران فأراد أن يعوضهم حنان الأم ، ولكن أباهم لم يظلمهم بالرغم من هذا القدر من الحب الكثير فهو قد ترك لهم إدارة أمور العائلة لأنه تقاعد خاصة وأنهم عصبة وعددهم كثير لذلك ذهب الحب بشكل أزيد للولدين اللذين ليسا عصبة وفقدوا الأم يوسف وبنيامين ، لذلك وصفوا أباهم بالضلال وأنه يسلك طريق الباطل عمداً وهذه نتيجة ووصف خاطئ وذلك بسبب سوء تقديرهم للأسباب ومن ثم وصلتهم لنتيجة خاطئة عن وصف أبيهم ، والكيد تعني تدبير الشر فالخفاء وهي حيلة يلجأ إليها الضعفاء لعدم قدرتهم على المجابهة ومن ثم كان أول ما فكروا به القتل ثم تناقصت حدة الشر إلى إبعاده في أرض بعيده ثم تناقصت إلى إلقائه فالبئر لعل أحد المارة يأخذوه وهذا ما استقروا أن يفعلوه .

وبهذه المكيدة اعتقدوا أن ذلك سيحقق لهم الصلاح بأن يهتم أبيهم أكثر بهم وهذا أيضاً سوء تقدير منهم لمعنى ومفهوم الصلاح بالنسبة لديهم فأصبح مقترناً فقط بمصلحتهم ، وقاموا بتنفيذ الحيلة عن طريق أنهم طلبوا من أبيهم بأن يأخذوا أخيهم الصغير يوسف لكي يجري ويلعب ويطمئنوه بأنهم سوف يرعوه ويحافظوا عليه ، فكان جواب والده سيدنا يعقوب أنه خائف بضياعه منه ولا يعود ويخشى من أن يأكله الذئب وهم غير منتبهين له ، فكان جواب الأخوة طمئنة لأبيهم بأنه لو ضاع وهو في رعايتهم خاصة وأنهم عصبة وكثيرين فهذا إهانةً لهم ، فما كان جواب والدهم إلا أنه وافق خاصة وأن اللعب شئ محبب للطفل ، وتم تنفيذ مكيدتهم بعد تشاور بينهم ورد وجواب حتى ألقوه فالبئر .

وعادوا إلى أبيهم وهم يتظاهرون بالبكاء وقالوا له كذبة أبوهم هو الذي ألهمها لهم بأن الذئب أكل يوسف عندما ذهبوا للسباق وتركوا يوسف عند أغراضهم ليحرسها وكان دليلهم المُستخدم حتى يصدقهم أبيهم منقوص كشف حيلتهم ، حيث كان القميص الذي كان يرتديه يوسف عليه بقع دماء ولكنه ليس ممزق ، فكشف أبوهم كذبهم هذا ورد عليهم بأن هذه الحادثة بتيسيير وتدبير منهم ومن ثم فإن هذا الأمر يفوق أسباب الإنسان فكيف سيتصرف معه فهؤلاء أيضاً أبناؤه فما كان الحل إلى أن يصبر ويشكو إلى الله .

وننتقل إلى المشهد الثالث والتي فيه أتت قافلة تجارية وأرسلت أحداً من أفرادها ليجلب لهم الماء من البئر فعندما أنزل الدلو لإحضار الماء  تشبّث سيدنا يوسف بالدلو ، فكان هذا بمثابة البشارة للقافلة لأن الدلو لما يُحضر الماء فقط وإنما أحضر أيضاً غلاماً ، وعاملوه كالبضاعة أي عبداً يباع ويشترى وباعوه بثمن قليل لا يعبر عن قيمته وذلك خشيةً بظنهم أنه عبداً هارباً من مالكه فأرادوا التخلص منه بأسرع وقت وبأي ثمن فأين كان الربح الذي سيأتي من ورائه هو مكسب لهم فهم لم يبذلو أي جهد في إحضاره ، ثم ذلك المشتري أخذ يوسف إلى بيت العزيز ليكون خادماً لإمرأته التي كانت لا تنجب وتحسن رعايته لعله يكون بمثابة الإبن للعزيز ، ومن هنا سيبدأ  التمكين  لسيدنا يوسف بوصوله إلى بيت العزيز وهِبةُ الله له في القدرة على تأويل الرؤى والأحلام .

في المشهد الرابع بعد أن تربى سيدنا يوسف في بيت العزيز حتى كبر فيه ، نأتي إلى أول موقف تعرض له وهو في سن المراهقة من مروادة إمرأة العزيز له ورفضه لذلك وقوله بأن الله أحسن مكانته بعد أن كيد إخوته له وفضل الله عليه من العلم والحكمة بالإضافة إلى حسن رعاية العزيز له فالإقامة عنده فهل يجوز أن يقابل كل هذا الإحسان الذي نزل إليه بالمعصية لله والخيانة لمالكه عزيز مصر ؟ بالطبع لا .. وهذا بالضبط ما فعله يوسف رغم تصاعد محاولات إمراة العزيز للمراودة من مجرد كلام ثم إلى التصريح المباشر ثم إلى أفعال تجبره على الاستجابة ، وعَلِم العزيز بما حدث وتبينت براءة يوسف إلى العزيز من أن المروادة بدأت من إمرأته فما كان رد فعل العزيز إلى التكتيم على ماحدث ، ولكن الخبر انتشر فالمدينة فهذا أثار غيظ إمرأة العزيز فما كان رد فعلها إلا إثارة الشائعات حول يوسف وقلب الحقائق حتى سُجن ظلماً .

ومن السجن يبدأ المشهد الخامس في قصة سيدنا يوسف حيث كان برفقته الساقي والخباز في السجن ويلزمانه معظم سنين السجن التي قضاها ، والسجينان كلاهما رأى من سيدنا يوسف الإحسان في تصرفاته معهم فطلبوا منه أن يأول رؤيتهم ، فكان تأويل رؤية الساقي أنه سينجو ويسقى سيده الخمر والخباز أنه سيصلب وتكون رأسه طعاماً للطير ، وأخبر سيدنا يوسف الساقي بالأخص وهو على يقين منه أنه الناجي بحسب تأويل الرؤيا بأن يذكر العزيز بأمره ولكن الساقي نسى هذا الأمر عندما خرج ، فائدة هذا المشهد بأنه سيكون هو المفتاح لخروج سيدنا يوسف من السجن وبداية التمكين والمُلك .

حيث يتأتى المشهد السادس والذي فيه خرج سيدنا يوسف من السجن وذلك من خلال أن الملك ( حاكم مصر ) كان يريد من يأول رؤياه وعندما سأل حاشيته لم يجد من يستطيع أن يجيبه بتأويل الرؤيا ، فتذكر الساقي الذي خرج من السجن سيدنا يوسف صاحبه وكيف أنه تمكن من تأويل الرؤية ، ومن ثم دل الساقي ملك مصر على يوسف ولكن يوسف رفض أن يخرج من السجن إلى أن تثبت براءته للملك ولكنه أخبر رسول الملك بتأويل الرؤيا والتي كان معناها أنه ستأتي سبع سنوات تعاني فيها مصر من الجفاف في الزراعة لذلك تحسباً لهذه السنوات يزرعوا سبع سنين باجتهاد وأن يأكلوا ما يكفيهم فقط ويحتفظوا بالمتبقي كما هو وأضاف أيضاً وهذا خارج تأويل الرؤيا أنه سيأتي عام يكون فيه الازدهار من الثمار التي يمكن تُعصر، ولأن سيدنا يوسف اشترط الخروج بإثبات براءته فإن الملك استدعى نساء المدينة وإمرأة العزيز واعترفت إمرأة العزيز بما فعلته .

ومن ثم خرج سيدنا يوسف من السجن والملك استحسن سيدنا يوسف وارتاح له بعدما تحدث معه فوجد فيه صفات العلم وضبط النفس فهو سيطر على أشد الغرائز التي تحدث للإنسان وغيره من الصفات التي أُعجب الملك بها ومن ثم قرر أن يجعله مستشاراً له ، ولكن سيدنا يوسف من ثقته بنفسه وفي علمه طلب من الملك أن يوليه الأمور الاقتصادية وذلك ليضع سياسة اقتصادية محكمة وذلك بناءاً على الرؤيا التي أولها للملك .

ثم تنتهي أحداث القصة بأن اخوته سوف يأتوا ليأخذوا مكيالهم منه سيدنا يوسف وهم لا يعلمون أنه أخوهم ولكن سيدنا يوسف يدبر مكيدة السرقة حتى يظل أخوه بنيامين معه لأنه اشتاق لهم ويعلم جيداً كيف أن بقيه إخوته لا يحسنوا معاملته فأراد أن يستبقيه معه فدبر مكيدة السرقة بأنه وضع مكيال الملك والذي يشرب فيه في الأمتعة التي فوق بعير أخوه بنيامين وكان في شرع آل يعقوب وقتها أن الذي يسرق يبقى مع الذي سرقه في خدمته لذا هو طبق الحكم الذي هم يسترضونه ، إلى أن عادوا إلى أبيهم وأخبروه بضياع بنيامين بعدما أخذوا منه عهداً بالحفاظ عليه وأخبروه أن هذه المرة ليس بحيلة منهم وإنما بفعلة قامت وليتحقق من ذلك ليسأل القوافل التي كانت موجودة حين وقوع الحادثة ، وعندما عادوا مرة أخرى ليوسف ليكتالوا وكانت بضاعتهم ليست عليها القيمة كشف لهم عن هويته وطلب منهم أن يأتي أبيهم ومعه زوجة أبيه .

  • تحليل البعد السياسي للإصلاح من القصة النبوية :

إذا تأملنا كيف حدث التمكين السياسي في منظومة الحكم لسيدنا يوسف سوف نجد أنه كان سجيناً بظلم بسبب أن أحد أفراد منظومة الحكم هذه استغل سلطته وروج عنه الإشاعات وقلب موازين الحقيقة من أجل سجنه أي أن هذا من أشد أنواع الإفساد وهو الظلم ، فمن الممكن أن يتصور البعض بأن سيدنا يوسف عندما يحدث له التمكين أن ينتقم من إمرأة العزيز التي سجنته ويذيقها مرارة السجن بظلم كما هي فعلت به ، ولكن هذا يعد معالجة فساد بفساد آخر فما له أن تكون نتيجته توسيع دائرة الإفساد بدلاً من الحد منها ، ولكن سيدنا يوسف ارتقى تصرفه إلى مستوى الحكمة فعندما حدث له التمكين هو غرضه الإصلاح وأن الذي فقط يهدئ من مرارة الظلم الذي حدث له هو أن يثبت للملك والجميع أنه برئ أما غريزة الانتقام والتذوق من نفس الكأس ماهي إلا إحياء لمثيرات الفساد والدخول في دائرتها التي لا تنتهي فهي مثلها مثل دائرة الأخذ بالثأر .

أما طريقة التمكين نفسها نجد أنها ذهبت لمن يستحق وهي تتضح باللذي لديه العلم والخبرة والمعرفة وذو أمانة مع المحكومين وكذلك أن يكون محل الثقة لدى الحاكم فإذا تم الاكتفاء بإحداهما وإهمال الأخرى يختل ميزان العدل ، فلا يقوم الحاكم مثلاً باختيار من هم أهل ثقة فقط ويعرفهم ولكن تنقصهم الخبرة والمعرفة فالمجال الذي تم تعيينهم فيه ، وأهل ثقة بمعنى أن لهم تاريخ يشهد على قدرتهم في تحملهم المسؤوليات الصعبة وثبت كفاءتهم فيها فمثلاً إذا طبقنا على قصة سيدنا يوسف نجد أن ملك مصر وجد في سيدنا يوسف أنه أهل بالثقة فهو تحمل سنين السجن ومرارتها ولم يرغب فالخروج إلا أن تثبت براءته واستطاع أن يسيطر على نفسه ويضبطها عندما وُضع في موقف خُيّر فيه بين فعل الباطل أو السجن والتعرض للظلم ومع ذلك اختار ما تمليه عليه الحكمة والعقل وليس الشهوة والغريزة ، فالحكمة هنا في ذلك الموقف تقتضي ألا يخون سيده الذي أكرمه في بيته .

ومثل هذا الموقف الصغير الذي لا يبدو أنه سيكون له أثر كبير لا يتوقع أحد منا أنه التصرف فيه بحكمة سوف يكون هو السبب للخير الكثير الذي سيأتي بعد ذلك من التمكين ولم شمل عائلته ، فالسجن لسيدنا يوسف بقدر ما هو سئ ولكن كان هو السبيل للفرج فربّ ضارةٍ نافعة ، وهذا يبين لنا أن الباطل والظلم مهما كان منتشراً وهو الأكثر قوة فإن وقت استمراره ليس كبيراً وإنما هو مؤقت وله نهاية وينتصر فيه الحق ، فصراع الحق والباطل هو صراع دائم تعيش فيه البشرية منذ بداية الخلق لا ينتهي بين عشية وضحاها وإنما عند التمسك بالحق .

فإذا أسقطنا هذا على الواقع نجد أن اختيار الأشخاص في المناصب على مختلف مؤسسات نظام الحكم أو المؤسسات الصغيرة يأتي عن طريق المحسوبية أو الرشوة أو الظلم فكل هذا بالتأكيد سوف يؤثر على منظومة الحكم برمتها فما بُني على باطل فهو باطل ، والجميل في قصة سيدنا يوسف أنه كما تركز على النفس البشرية بأطوارها المختلفة سواء وقت الضعف حينما يكون الإنسان مغلوب على أمره أو وقت القوة والتمكن وتؤكد على قيم أخلاقية وتربوية ، هي أيضاً تطرقت لموضوع مهم في الإصلاح السياسي ألا وهو تقدير قيمة العمل وكيفية التخطيط ووضع استراتيجيات محكمة في الاقتصاد والذي بدوره عندما يكون سليم تكون الممارسة السياسية أفضل.

حيث عملية التخطيط التي وضعها سيدنا يوسف هي ذات علاقة بمفهوم الاقتصاد السياسي والذي يعني الندرة فالموارد والتي خلقت الحاجة إلى الاقتصاد مع التأكيد على دور الدولة كفاعل سياسي مهم في تسيير عملية الاقتصاد [37] .

في ثلاث آيات فقط وضع القرآن لنا في سورة يوسف الاستراتيجية الاقتصادية التي يسير عليها أي مجتمع وهو في طريقه إلى الإصلاح السياسي ، حيث قال تعالى : ” قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49) ” كما سبق وضحنا أن هذه الآيات تأويل لرؤيا الملك ومن الواضح أنه هذا كان الشائع في مصر وقتها من تأويل الرؤى والاهتمام بما تؤول إليه حيث كانت الرؤية في قوله تعالى :  يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46) “

هذه الآيات بمثابة تطبيق لأول خطة اقتصادية طويلة المدى حيث سيدنا يوسف من خلال هذه الرؤية تنبأ أن مصر سوف تدخل على أزمة اقتصادية وكان النشاط الأساسي للاقتصاد وقتها هو الزراعة ، حبث كانت الخطة الزراعة بشكل مستمر وبجد واجتهاد لمدة سبع سنوات على أن يكون الاستهلاك بقدر الكفاية والشبع أي استهلاك يخلو من الوصول لدرجة الرفاهية لأن العمل الآن هو عمل من أجل الاستعداد لأزمة ، ومن ثم بعد مرور السبع سنوات الخاصة بالعمل من أجل التخزين تأتي السبعة أعوام المقبلة ذات الأزمة في النشاط الزراعي من هنا سيتم الاستهلاك مما تم تخزينه سابقاً ، ومن ثم بعد أن تمر سنوات الأزمة وتنتهي بسلام يأتي عام الرفاهة فالمقصود بقوله وفيه يعصرون أي أن كل ما يمكن عصره من ثمار أو منتجات ألبان من المواشي سوف تكون بوفرة وغزيرة أي أنه سيتواجد فائض ، من هنا يمكن تحقيق الرفاهية فنجد أن الرفاهية لا يصح أن تكون مطلوبة في سنين العمل والاستعداد للأزمة لذلك يقول الله تعالى” قليلاً مما تأكلون ” .

ولكن آيات القرآن لم تكتفي فقط بعرض خطة الاستراتيجية إلى هذا الحد بل أوضحت كيفية إدارة الفائض من السلع الزراعية ، حيث نجد أن سيدنا يوسف أقر بأن توزيع الفائض من السلع الغذائية سواسية على الجميع ، وأخذ هو ينظم هذه المسألة بنفسه ويقوم بها حيث أنه بدأ يستقبل كافة الوفود الآتية من مصر التي ترغب في أخذ الطعام ولكن حددت الكمية بقدر بعير واحد فقط ، حتى أن إخوته عندما أرادوا أخذ طعام بعير أخيهم بنيامين لم يوافق سيدنا يوسف وطلب منهم أن يحضروه قوله تعالى : ” وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (59) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (60) “

حيث كان ينتهج مبدأ المقايضة أي البضاعة التي يحضرونها من بلدتهم وبقدر جودتها يحصلون في مقابلها على الطعام .[38]

ويتضح لنا هنا حسن الإدارة والعدالة في التوزيع وخُلق التواضع فكان سيدنا يوسف هو بنفسه الذي يستقبل الوفود ويكيل لهم ويشرف هو على الأمر برمته بنفسه فمثلاً لم ينتابه داء حب السلطة والكبر وأنه ذو منصب عالي فهو وزير المالية بمُسمّى الوقت الحالي ولا يليق بمكانته التعامل المباشر مع عامة الشعب ، فكان من الممكن أن يوكل من يقوم بوضع المكيال للناس بدلاً من التعامل مباشرة مع الناس ولكن سيدنا يوسف لم يفعل ذلك لأنه يثق بحُسن فعله وأنه لا يظلم أحداً فلا ينتاب شعور الجبن والخوف من التعامل المباشر مع الشعوب سوى الظالمين .

ومن الخطة الاقتصادية التي تم شرحها في سورة يوسف يتضح لنا أيضاً أن تحقيق الإصلاح السياسي والاكتفاء الذاتي لا يتم بواسطة كفاءة الحكام فقط ولكن هذه الكفاءة لتثبت فعاليتها من يقوم بتنفيذها هو الشعوب فلا فائدة من خطة محكمة بحذافيرها والشعوب غير متعلمة وفوضوية ، فنجد أن الطبيعة السائدة في مصر وقتها هو تأويل الرؤى وكان يهتم بها الشعب المصري حينها إذاً فكانت لغة الخطاب هي نفس اللغة التي يتحدث بها الشعب ويفهمها ، لذلك فيجب على واضعي الخطط الاستراتيجية الاقتصادية أن يكونوا متحليين بالبلاغة في الكلام وحسن اختيار الألفاظ ولديهم قدرة على إقناع الناس بالأدلة العقلية والعلمية بأسهل الألفاظ وأعذبها .

ومن هنا تتجلى عظمة القرآن أنه ليس مخاطباً للفرد المسلم فقط ويأمره وينهاه وإنما هو كتاب إصلاح للبشرية عموماً تطرق لأبعد الأفكار وأعمقها ، حيث أن سيدنا يوسف راغب فالإصلاح وهذا اتضح في قوله تعالى : ”   قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) ” ويطلب ذلك المنصب ليس طمعاً فيه وحباً للسلطة وإنما رغبة منه في تحقيق الإصلاح بعدما تنبأ بالمستقبل ووجد نفسه أنه الأكثر جدراة واستحقاقاً وعلماً لتولي المنصب وإدارة هذه الأزمة فبادر سريعاً بتقديم نفسه للعمل والخوض في هذه العملية بنفسه إذاً الأمر جاء بدافع نفسي بداخله متطلعاً فيه للإحسان ، كان من الممكن أن يسهل الأمر كله على نفسه بدعوة منه لله بأن يجعل هذا البلد رخاءاً بصفته أنه نبيّ ودعاءه مستجاب ولكن الله شاء أن يضع هذه الآيات ويضع سيدنا يوسف في هذا المنصب لكي تستفيد البشرية الآن من عظة وعبرة هذه القصة .

وتطبيق هذه العبرة أصبح الآن أسهل كثيراً فالتقدم العلمي والتطور التنولوجي وتعدد الأنشطة الاقتصادية وتواجد المؤشرات المختلفة سهلت على واضعي الخطط التنبؤ بما سيحدث في المستقبل من أزمات أو ثغرات أو مشكلات قد تؤثر على الإنتاج الزراعي أو الصناعي أو التجاري ، ومن هنا الاستفادة من قصة سيدنا يوسف أن دائماً الوضع الاقتصادي غير مستقر لذلك لابد من تواجد المخزون والاحتياطي ، كذلك تعديل ثقافة الاستهلاك وأن تعي الشعوب متى تطلب احتياجاتها فالأوقات المناسبة فعندما تكون الدولة في بداية طريق النمو ليس من المنطقي أن تطالب الشعوب بالرفاهية القصوى وهم ليس لديهم ما يكفي احتياجاتهم الأساسية الأمر يأتي بالتدريج وبإدراك الجميع قيمة العمل سواء اليد العاملة أو العقل المدبر .

المبحث الثاني ( قصة سيدنا موسى عليه السلام )

  • أولاً : سرد القصة النبوية :

إن قصة سيدنا موسى مقمسة إلى ثلاثة مراحل :

–  المرحلة الأولى وهي مولده ونشأته .

–  المرحلة الثانية المواجهة مع فرعون ومناظرته .

–  المرحلة الثالثة نجاة سيدنا موسى مع بني إسرائيل وهروبهم من مصر ومواقفهم معه .

  • المرحلة الأولى ( المولد والنشأة ) :

كما وضحنا سابقاً في قصة سيدنا يوسف أن تأويل الرؤى كان هو السائد في مصر في هذه الفترة ، وبناءاً على رؤية تأويلها زوال ملك فرعون على يد طفل من بني إسرائيل ، فإن فرعون بدأ في قتل جميع الأطفال الذكور من بني إسرائيل ويبقي النساء أحياء ناهيك عن الاضطهاد الذي كان يحصل ضدهم واستضعافهم ، ثم اقترح على فرعون أحد من حاشيته بأن يقوم بالذبح للأطفال عام ويترك عام ، وُلد سيدنا موسى في عام الذبح وأخيه هارون في العام الذي ليس فيه الذبح ، ومن ثم أتي وحي الله لأم موسى بأن تضعه في صندوق وتلقيه  فالبحر ،  إلى أن وصل الصندوق إلى قصر فرعون ولأن إمرأته كانت لا تنجب فتبنت هذا الطفل وربته وقذف الله في قلبها حبه حتى أنه أصبح المعروف بين المصريين موسى ابن فرعون .

كبر سيدنا موسى في قصر فرعون حتى أصبح يافعاً وموسى من بني إسرائيل ودائماً كان يرفض ما يفعله فرعون ضد بني إسرائيل ولم يشعر أبداً تجاهه بالحب والألفة كما كان يشعر من إمرأته “آسيا” ، حيث كان سيدنا موسى يتمشى في مصر ووجد رجل من بني إسرائيل يتعارك مع رجل مصري ولأن موسى يأسف على الاضطهاد الذي يحدث لبني إسرائيل فذهب لنصرة الرجل الذي من بني إسرائيل أي الرجل الضعيف ، ولأن سيدنا موسى كان قوي مجرد فقط إبعاده للرجل المصري سقط قتيلاً ، خاف سيدنا موسى مما حدث وأدرك الذنب الكبير الذي فعله فهو لم يقصد القتل إطلاقاً ، فهرب خائفاً من مصر إلى مدين خاصة بعد أن جاءه رجل يخبره بأن فرعون وحاشيته علموا بفعلته ويدبروا له القتل .

هرب موسى إلى أن وصل إلى بيت رجلاً صالحاً وتزوج من إحدى ابنتيه بعد أن قام بموقف رجولي معهم وبه شهامة ، وظل عند ذلك الرجل الصالح عشر سنوات يعمل عنده ، إلى أن اشتاق إلى أهله سواء أمه الحقيقية التي ولدته أو التي ربته وأخته وأخيه ، فقرر العودة إلى مصر وفي الطريق جاء إليه وحي الله بأن يذهب إلى فرعون لينقذ بني إسرائيل ويعطيهم منهج الله ، ودرّبه الله على السحر أو بمعنى أصح المعجزات التي يواجه بها حاشية فرعون والذين كانوا سحرة لتبدأ المرحلة الثانية من القصة .[39]

  • المرحلة الثانية المناظرة مع فرعون ومواجهته :

إن سيدنا موسى يعلم مدى صعوبة المهمة التي هو ذاهب لها ، فهو ذاهب لمجابهة فرعون يعلم مدى طغيانه واستبداده بالإضافة إلى أنه تربى في منزله وأيضاً أنه قتل ، كما أن لسانه ثقيل فالكلام لذلك طلب من الله أن يرسل معه أخيه في هذه المهمة وأن يكون ذلك بتكليف رباني حتى لايشعر بأن موسى يمن عليه قوله تعالى : (وَأَخِى هَٰرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّى لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِىَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِىٓ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ) .

ثم بدأت المناظرة العقلية بالحجج بين موسى وفرعون ، كان قول فرعون هو تعديد لفضائله على موسى بأنه تربى في بيته ويذكره بفعلته وهي قتل المصري والهروب إلى مدين ، فما كان رد موسى إلا أنه أقر بفعلته وأنه كان جاهلاً بما سيترتب على هذه العملية من الموت وأنه لا توجد مقارنة بين ما يفعله فرعون مع موسى ويعدها عليه كفضائل بما يفعله فرعون من اضطهاد لنبي إسرائيل .

ثم بدأ يتساءل فرعون عن ماهية ربّ العالمين التي يدعو لها موسى فأخبره بأن رب السماوات والأرض وكل شئ مخلوق فالكون موجود من قبل وجود فرعون فمدعي الألوهية هذه وهو فرعون لم يزد على الكون من شئ ، عندما وجد فرعون نفسه لا يستطيع الرد بالحجة والمنطق لجأ إلى أساليب القهر بوصفه أنه مجنون وتهديده بالسجن كما أنه بدأ يحول الحديث عن القضية الجوهرية إلى قضية أخرى هامشية بسؤاله عن ما مصير القرون السابقة فما كانت إجابة سيدنا موسى إلا بأن العلم عند الله بجزائها سواء إن كانت كافرة أو مؤمنة قوله تعالى : ( قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي )

وعندما وجد فرعون نفسه فشل في المناظرة بالحجج تم اللجوء إلى المناظرة بالسحر وجمع فرعون أمهر السحرة من كل مكان في مصر ووعدهم بأجر وأنهم سيصبحوا من حاشيته المقربة إذا غلبوا سيدنا موسى ، واختار سيدنا  موسى يوم الزينة وهو كان بمثابة عيد يحتفي فيه المصريين وقتها لكي يكون الجميع حاضرين في هذه المناظرة وبدأت حاشية فرعون المناظرة وألقوا حبالهم فسحروا أعين الناس بأنها ثعابين وعندما ألقى موسى عصاه فإذا هي تأكل ما ألقوه فآمن السحره بالله مع موسى ذلك لأنهم درسوا السحر جيداً فهم يرون حقيقة حبالهم وخيّلوا فقط للناس بأنها ثعابين ولكن عندما رأوا عصا موسى ثعباناً هم علموا يقيناً أنه ليس من يستطيع فعل هذا وأن هناك رب أعلى من البشر قام بهذا ، فما كان رد فرعون بعد هزيمته إلا أنه سيقتل جميع السحرة المؤمنين وهذا ما حدث ، وكان رد فرعون بعد هزيمته بأن موسى يحاول الإفساد في الأرض ويريد أن يخرج أهل مصر منها ، ووصف موسى بأنه هو أستاذ السحرة وعلمهم السحر لذلك هم آمنوا معه .

وظل موسى سنوات في مصر بعد مناظرة يوم الزينة ويرسل الله لفرعون آيات مختلفة منها سنوات جدب وقحط وغيرها حيث قوله تعالى : (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ) ، وكل آية منها بعدما ينجي الله فرعون منها بدعوة من سيدنا موسى يظل فرعون مستكبراً إلى أن حل الله العذاب بفرعون وجنوده أثناء هروب موسى بقوم بني إسرائيل بمعجزة انشقاق البحر .[40]

  • المرحلة الثالثة هروب سيدنا موسى مع بني إسرائيل ومواقفه معهم :

بعد أن نجا سيدنا موسى مع بني إسرائيل ترك عليهم أخيه هارون حتى لا يتفرقوا لأنه سيذهب إلى جبل الطور حتى يتلقى التشريعات من الله ، وأخبرهم بأنه سيعود بعد ثلاثين ليلة ، ولكن يأتي الابتلاء من الله لبني إسرائيل بأن سيدنا موسى سيتأخر عليهم عشر ليالٍ إضافية ،  فحدثت الفتنة من السامري الذي صنع عجلاً من ذهب وبسبب رمال مباركة أخذها أثناء أحد المعجزات التي حدثت لسيدنا موسى نفخت الروح في ذلك العجل فظنوا أنه الإله وعبدوه .

وعندما عاد موسى إلى قوم بني إسرائيل غضب منهم غضباً شديداً للدرجة التي جعلته يشد لحية أخيه ويسأله لماذا تركهم يعبدون العجل فأجابه بأنه كان يخشى أن يحدث الفراق بينهم ويتعاركوا مع بعضهم وأنه نصحهم كثيراً قوله تعالى : (قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي ۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِ) ، ثم أخذ سيدنا موسى هذا العجل وأحرقه وبدأ يقرأ عليهم الألواح التي فيها تشريعات الله .

كما أنهم طلبوا من سيدنا موسى رؤية الله فأنزل الله عليهم صاعقة أماتتهم ولكن الله أحياهم مرة أخرى رحمة بهم وأنزل عليهم اللحم والخبز ، ولكنهم طلبوا من سيدنا موسى طعاماً آخر كالحبوب والبقليات فضرب بعصاه الأرض لتخرج منها اثنى عشرة عيناً يكون لكل قوم عين يأكلوا منها حتى لا يتعاركوا .

وعندما اقترب سيدنا موسى من أرض فلسطين وعلم بأن بها قوماً جبارين يعبدون الأصنام وطلب منهم سيدنا موسى أن يدخلوا معه فرفضوا وطلبوا منه أن يذهب هو وأخيه ، فما كان جزاؤهم إلا أنهم يتيهون فالأرض لمدة أربعين سنة ، حتي هبت العواصف والرياح التي فرقت بينهم في الصحراء الواسعة وتاهوا في جبالها ورمالها. [41]

  • ثانياً: تحليل البعد السياسي للإصلاح من القصة النبوية :

تكمن أهم قضية في قصة سيدنا موسى هي ادعاء الألوهية من فرعون والصراع الطويل بين الحق والباطل وإنقاذ مني إسرائيل من اضطهاد فرعون ، إن فرعون هو أول من ابتدع الطائفية في تاريخ البشري هذا مصري وهذا من بني إسرائيل ومن ثم يختلق الصراع بينهم لينشغلوا به فيتشتت تركيزهم عن الحاكم الطاغية فرعون وقوله تعالى : (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)

الطغيان هو مجاوزة الحد والتعدي على حقوق الآخرين ولكن فرعون لم يتعدى فقط على حقوق بشر مثله وإنما تعدى على حقوق الله بادعائه الألوهية ، ولكن هذا الطاغوت لا يصبح هكذا إلا بسبب أنه يوجد من يعينه على ذلك ويساعده في أن يطغى هؤلاء الناس يتمثلوا في حاشية فرعون من كهنة وسحرة ، فهم يروجوا لفساده بأنه الصلاح ويقدموا له التبريرات يشجعهوه على الظلم ، فبناءاً على رؤية فقط من أحد كهنة فرعون تم ذبح وقتل آلاف الأطفال وتحولت الدولة إلى دولة بوليسية أي مخبر لكل مواطن ، فكل فرد من بني إسرائيل له مراقب من حاشية فرعون مجرد مولد ذكر جديد يتم الذبح ، بالإضافة إلى استخدامهم في أعمال السخرة وخدمة المصريين .

فمثل هذه الدولة التي بناها فرعون لا تقوم على قوة العمل فيها من أهلها وهم المصريين وإنما تقوم على استخدام بني إسرائيل في الخدمة في إنجاز الأعمال البسيطة التي يستكبر المصريين عن عملها ، ومثل هذه الدولة لو لم يتواجد هؤلاء الذين يعملون لخدمتها الذين هم بني إسرائيل في حالة دولة فرعون فإنها سوف تتعطل مصالحها  وتبدأ في الانهيار تدريجياً لذلك من وجهة نظري هذا ما جعل فرعون يخفف الذبح للذكور بدلاً من أن يصبح كل عام صار يترك عام ويذبح عام لكي تتواجد العمالة .

وهذا ما نراه كثيراً في الدول التي تعتمد على العمالة الخارجية في أغلب نشاطاتها مثل بعض الدول الأوربية أو دول الخليج التي تستورد العمالة من الدول الأفريقية أو الدول النامية ، ومثل هذه الدول تكون هشة لأن السمة الأساسية للكون التغيير فمن الممكن أن تحدث أي متغيرات خارجية خارج الحسبان تجعل هذه الدول تستغني عن العمالة الخاصة بها ومن ثم سيكون البديل أن يقوم أهلها هم بالأعمال وهذا يتطلب وقتاً طويلاً وجهداً كبيراً لتأهليهم لأنهم لم يتعودوا سابقاً على مدار سنين طويلة على الأعمال الشاقة .

على الرغم من أن سيدنا موسى تربى في قصر الفرعون وأحبته إمرأته وشاع بين الناس أنه ابن فرعون إلا أنه لم يمتص منه بذور الفساد والاستبداد بل كان هو مصدر الحق الذي تصارع معه بعد ذلك ، كما أنه لم يستغل كونه ابن فرعون المُتبنى ليطغى على الناس بل مجرد أن قام بفعل القتل الغير مقصود شعر بالذنب وفر هارباً من القتل الذي سيلاحقه من فرعون الظالم ، إذاً عندما يتيقن الإنسان بشدة الاضطهاد الذي يحدث له والظلم ولديه المقدرة على ترك هذه البلاد فإن هذا السلوك من التشريع الإلهي كما فعل سيدنا موسى وفي قوله تعالى : (قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ) .

      وهذا يبين لنا أن صاحب الحق ليس من الضروري أن يكون نشأ في بيئة المُثل والقيم العليا بل أنه قد يكون من داخل منظومة الفساد نفسها ، ولكن الفكرة كلها تكمن في الإيمان بالحق والتمسك به مهما كانت البيئة المحاطة به مليئة بالفساد .

      إن طبيعة الحكومات ثلاثة الملكية والتي فيها يرث الحاكم السلطة مما سبقهم ، والجمهورية والتي فيها يختار الشعب ممثليه في السلطة مع وجود ألية عزلهم ومحاسبتهم ، والديكتاتورية أو المستبدة والتي فيها يرجع الحكم للحاكم وحده دون ضوابط قانونية وعادة مايثبت أركان دولته بالإرهاب والظلم وكتمان أفواه الاعتراض .[42]

ومن ثم نجد أن الشرف أو الفضيلة ليس مبدأ الحكومة المستبدة مطلقاً فمبادئ المستبد وحدها هي مبدأ الحكومة وأن الجميع متساوون في كونهم عبيد لدى الحاكم ، وأن أهم شئ في منظومة الحكم هو استمراريته فيها وكل ما يهدد هذه الاستمرارية يتم التخلص منه حتى لو كانت حاشيته ، فبقاء الحاكم فوق أي اعتبارات أخلاقية أو إنسانية فهو القانون والإله المقدس الذي يعد الخروج عليه جريمة .[43]

ودولة فرعون كانت خير مثال للدولة الطاغية المستبدة فكان فرعون هو الإله يضفي على نفسه القادسية وهو القانون الذي يتغير بحسب هواه ، وخير دليل على استبداده اللجوء إلى أساليب القهر في مواجهة معارضيه فكان سيدنا موسى عندما ناظره في ألوهيته بالحجة والعقل لم يستطع فرعون الرد بنفس حجته ولجأ إلى أساليب التهديد كالسجن أو قلب الدفة عليه بوصفه بالجنون وأنه مفسد جاء ليخرج المصريين من أرضهم أو محاولة تغيير مجرى الحديث إلى مواضيع هامشية بعيدة عن جوهر المناظرة الأصلى والذي هو قضية ادعاء الألوهية .

والذي يبين أن الحاكم المستبد ليس لديه أي قيم أو فضائل والمبدأ الأساسي هو بقاء ملكه ، أن حاشية فرعون وهم السحرة الذين جاءوا لنصرته مجرد أن اتبعوا الحق فوراً تخلص منهم بأبشع أنواع القتل لأنه أيقن بأن هذا سيهدد ملكه ويزيله وقد يتبع بقية الشعب طريق الحق مع سيدنا موسى فالتشهير بقتلهم سيبعث الخوف في نفوسهم من سلوك الحق وإن كان بعضهم سيسلكه فالخفاء ولكن أن يجرأ أحد على النطق به ، أي أنه يقوم بكتم أفواه الحق أو المعارضة لسلطانه بأين كانت الوسائل .

لذلك هذا يجعلنا نتعرف على طبيعة الشعوب المستعبدة على مدار سنوات طويلة  ، فهي تتسلل لها أفكار العبودية بطريقة لا إرادية من حاشية المستبد كما أنه يتم إلغاء الحرية العقلية فالتفكير والنقد الذاتي المستمر ، والقوة المطلقة بلا قيود ، وبسبب غياب النقد الذاتي تتعاظم صفة الكبر ، حيث تتحول منظومة الحكم إلى مستكبرين ومستضعفين الحاكم يستبد بحاشيته ، والحاشية تستبد بالشعب ، والشعب يستبد بعضه البعض سواء على مستوى الطائفية أو حتى على مستوى أنفسهم بينهم وبين بعض ، فنرى المدير يستبد بموظفينه والأب يستبد بأسرته وهكذا إلى أن تنتشر جراثيم الاستبداد في المجتمع بأكمله .

وهذا ما نجده في نظام الحكم لدى فرعون الشعب يستعبد بعضه فالطائفة المصرية تستضعف طائفة بني إسرائيل وطبيعة الشعوب التي تربت على الاستبداد والقهر لفترة طويلة تخاف أن تنطق بكلمة الحق ويتم سحرهم بأن فرعون أو الحاكم المستبد هو الحق المطلق فالسحر هنا هو تغيير حقيقة الشئ ، ما نسميه الآن باللغة المعاصرة غسل الأدمغة ، حيث قوله تعالى : (  فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) وقوله تعالى : (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي) ، لذلك كان ليس من الغريب عندما نجى سيدنا موسى قوم بني إسرائيل من ظلم فرعون بألا يدخلوا معه إلى الأرض المقدسة لخوفهم من القوم الجبارين ولأنهم لم يتبعوا دين سيدنا موسى الذي يدعوا إلى العبودية لله وحده والتحرر من أي عبودية بشرية  .[44]

إن الطريقة التي كان يدعو بها سيدنا موسى إلى الحق هي محور الاهتمام في هذا الصدد حيث أنه لم يقوم بها مرتين أو اثنين بل على مدار سنوات ، فهو فر هارباً في بادئ الأمر من القتل والطغيان ثم بعد عشر سنوات عاد إلى الدعوة إلى الحق وظل يدعو إلى الحق مراراً وتكراراً لعدة سنوات ويرسل الله الآيات المختلفة من الطوفان وانتشار الجراد والقمل فالمحاصيل الزراعية والضفادع بين الناس وتحويل السوائل التي يشربها الناس إلى دماء هذه الآيات لم تحدث كلها مرة واحدة مع بعضها وإنما الله يرسلها على مرات متفرقة لعل أحداً يتعظ من فرعون وجنوده ولكن هذا لم يحدث إلى أن حل بهم العذاب بسبب الكبر الشديد الذي اتسم به فرعون وتعاليه بأنه الحق المطلق الذي لا يخطئ قوله تعالى : (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي)

وبسبب تواجد صفة النقد الذاتي لسيدنا موسى لنفسه فهو اعترف بالقصور الذي لديه في الكلام وعدم فصاحته لذلك طلب من ربه أن يرسل معه أخاه هارون فهو مدرك حمل هذه المهمة وثقلها وقام بحسبان كل الأشياء من فعلته فالقتل ومن أنه تربى في قصر الفرعون ، حتى إقباله على المهمة وألا ينقبض قلبه كان يطلبها من الله قوله تعالى : (رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي* وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي* وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي)

         إذا نتعلم من قصة سيدنا موسى أن آلية الإصلاح السياسي تحتاج إلى صبر وإصرار على التمسك بالحق مهما عظمت قوة الباطل ، وليس هناك مواصفات محددة لقائد الإصلاح فسيدنا موسى كان هارباً وتربى في قصر الفرعون ولم يكن فصيح اللسان وإنما خير دليل على القائد المصلح هي أفعاله ، كما أن لكل حاكم مستبد حاشيته التي تدافع عنه وتبرر فساده حيث فرعون كان الكهنة والسحرة بعض الحكام المستبدين الآن الأجهزة الإعلامية أو العسكريين ..إلخ ، لذلك كان سر اهتزاز فرعون وقرب هلاكه هو أن سيدنا موسى بثّ أثره على حاشية فرعون وجعلهم مؤمنين فبدأ انهيار فرعون وازدياد قمعه وقتله .

كما أن أسلوب المواجهة يجب أن يكون نفس أسلوب حاشية المستبد فكما كان حاشية فرعون يستخدموا السحر أتى إليهم سيدنا موسى بسحر أعظم ، لذلك فلو كان حاشية المستبد الأجهزة الإعلامية فالأولى إصلاح الإعلام وأجهزته ، كما أنه لا يجب الاستعجال على ثمار الإصلاح كما كان يفعل قوم بني إسرائيل وعندما تأخر سيدنا موسى عليهم عشر ليال لكي يحضر الألواح التي بها شرائع الله سرعان ما تخلو عنه وبدأو بعبادة العجل الذي كان سبب التيه لهم في صحراء سيناء بين جبالها لمدة أربعين سنة .

الخاتمة

بعد أن تطرقنا لعمليات الإصلاح المختلفة من القصص النبوي وتباين طبيعة كل قوم في كل قصة ، حيث قصة سيدنا لوط كان مبعوثاً إلى قوم لديهم انحلال أخلاقي ، وقصة سيدنا شعيب مبعوثاً إلى قوم لصوص وسارقين ، وقصة سيدنا يوسف قصة متداخلة عن النفس الإنسانية وعلم الاقتصاد السياسي والإدارة ، وقصة سيدنا موسى الذي بُعث لنصرة مستضعفين ومواجهة طاغية .

إذا آلية الإصلاح السياسي تجمع مابين كل هذه الأبعاد وتترابط ما بين المحكومين والحاكم فالأمر لا يكمن في إزالة رأس الحاكم وتظل الجذور كما هي بل يجب أن تكون العملية شاملة كافة الأبعاد من أبسط الأمور إلى أعقدها .

وليس هناك أولية للبدء في إصلاح بُعد وترك البُعد الآخر بل يجب أن تكون العملية شاملة الأبعاد مع بعضها بشكل متزامن ، وقبل كل هذا إصلاح العقيدة وضبطها بالإيمان بالله اولاً وبالحق ثانياً وأن الذي سينتصر بالأخير مهما طال الوقت هو الحق فهذه سنة الكون الدائمة الصراع بين الحق والباطل ، ومن ثم إصلاح  ومعالجة الأمر الشائع بين الناس وبعدها التطرق للأمور الأخرى ومعالجتها .

ومن قصص الأنبياء وطبيعة الأقوام المختلفة يمكن أن نستنبط طبيعة الشعب الراغب في الإصلاح ، فليس هناك وتيرة واحدة تسير عليها عمليات الإصلاح في كافة الدول ، فهناك دول تبدأ بالإصلاح الأخلاقي لأن شعبها منحل أخلاقياً ،  وأخرى تبدأ بإصلاح الاقتصاد لأنه هو الأكثر انهياراً ، ودول أخرى تبدأ بمعالجة قضية سياسية معينة أين كانت عنصرية ضد طائفة معينة أو التخلص من محتل وما إلى ذلك ، أو دولة تبدأ بضبط منظومة القانون والشرائع وطريقة التزام شعبها خاصة لو أن شعبها غير فوضوي لا يلتزم بأية قوانين وضوابط سواء من الالتزام الذاتي أو من الضابط الخارجي وهو الدولة .

ويجب أن تكون لهجة الإصلاح هي التي يتحدث بها الشعب والتي تصل إليه بسرعة فإذا كان لهجته تتأثر من الإعلام فيأتي الحديث عن الإصلاح من خلالها ، أو تتأثر من العسكريين ، أو من الرموز الدينية والاجتماعية ، وهكذا كل شعب له لهجته ، كما كان يحدث في القصص النبوي سيدنا موسى بالسحر سيدنا يوسف بتأويل الرؤى ، سيدنا شعيب وسيدنا لوط بالنصح .

وأخيراً  من الأفضل ألا يتم الاستعجال على ثمار الإصلاح وألا يتم التطلع الوصول إلى نماذج مثلى من دول معينة ولم يتحقق بالأصل الأولويات ، فمثلاً لا تطلع الدول الفقيرة إلى الرفاهية وأن تصبح غنية في أول مرحلة من مراحل الإصلاح فيها  وهي لم تحقق الاكتفاء بالأساس الاكتفاء الذاتي وألا تعتمد على التصدير ، فالإصلاح وفق ما تم استنباطه من القرآن الكريم عملية متكاملة تتحق بالانضباط الأخلاقي مع الانضباط العقيدي مع معالجة الأمر الشائع .

قائمة المراجع

أولاً : الكتب :

  • ويليام ستانلى جيفونس ، الاقتصاد السياسي ، 2014 ، القاهرة ، هنداوي للتعليم والثقافة .
  • منى عبد المنعم أبو الفضل ، نحو منهاجية للتعامل مع مصادر التنظير الإسلامي بين المقدمات والمقومات ،( القاهرة ، المعهد العالي للفكر الإسلامي ، 1996)
  • محمد الباقر الصدر ، التفسير الموضوعي والفلسفة الاجتماعية في المدرسة القرآنية ،(بيروت ، الناشر: الدار العالمية للطباعة والنشر والتوزيع ، 1989) .
  • محمد أبو رومان ، الإصلاح السياسي في الفكر الإسلامي ،( لبنان ، الشبكة العربية للأبحاث والنشر ، 2010)
  • محمد متولي الشعراوي ، تفسير القرآن الكريم ، (مصر ، أخبار اليوم ، 1991)
  • محمد علي الصابوني ، مختصر تفسير ابن كثير ، ، بيروت ، دار القرآن الكريم ، 1981 ، المجلد الثالث
  • محمد علي الصابوني ، مختصر تفسير ابن كثير ، ، بيروت ، دار القرآن الكريم ، 1981 ، المجلد الثاني
  • القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن ، مصر، مؤسسة رسالة ، 2006
  • حمدي غنيم سليمان السيد ، قصة موسى عليم السلام وفرعون مصر في القرآن الكريم ، مصر ، جامعة الأزهر ، 2003
  • محمد متولي الشعراوي ، قصص الأنبياء ومعها سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، (مصر ، الناشر :دار القدس\حسن محمود ، 2006) .
  • مونتسكيو ، روح الشرائع ، ترجمة عادل زعيتر ، (المملكة المتحدة ، مؤسسة هنداوي ، 2017 )
  • هشام علي حافظ و جودت سعيد و خالص جلبي، كيف تفقد الشعوب المناعة ضد الاستبداد ، بيروت-لبنان ، دار الرياض الريس للكتب والنشر ، 2002) .

ثانياً : الرسائل العلمية :

  • آيات حمدان ، فصل الدين عن السياسة دراسة في التجربة التاريخية للخلفاء الراشدين والأمويين ، ماجستير ، (جامعة بيرزيت ، اقتصاد وعلوم سياسية ، 2009 )
  • محمد تركي بني سلامة ، الإصلاح السياسي دراسة نظرية ، ماجستير ، (اليرموك ، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ، 2006 )
  • إبراهيم عطية عبدالسلام ، المجتمع المدني والإصلاح السياسي في ماليزيا في الفترة (2003:2015) ، ماجستير ، (جامعة القاهرة ، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ، 2017)
  • إسراء عمران أحمد عبد الكافي ، دور القيادة في الإصلاح السياسي في العلاقة ما بين الفكر والممارسة مع التطبيق على نموذج عمر بن عبدالعزيز ، ماجستير ، (جامعة القاهرة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ، 2011 )
  • فهد سعد الحسيني ، الإصلاح السياسي والشرعية فالمملكة العربية السعودية 2006-2013 ، ماجستير ، (جامعة القاهرة ، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ، 2016)

ثالثاً : الدوريات :

  • صباح جريبات ، الإطار المفاهيمي للاقتصاد السياسي الدولي ، الموسوعة السياسية .
  • فيان صالح علي ، أبعاد اقتصادية في قصة النبي يوسف عليه السلام ، مجلة كليةالعلوم الإسلامية ، المجلد السابع ، العدد 13

المراجع باللغة الإنجليزية :

Cambridge dictionary

[1] سورة هود ، القرآن الكريم ، الآية 88 ، ص231

[2] سورة الأعراف ، القرآن الكريم ، الآية 56 ، ص157

 منى عبد المنعم أبو الفضل ، نحو منهاجية للتعامل مع مصادر التنظير الإسلامي بين المقدمات والمقومات ،( القاهرة ، المعهد العالي للفكر الإسلامي ، 1996) ، ص49 : ص51[3]

[4] ويليام ستانلى جيفونس ، الاقتصاد السياسي ، 2014 ،( القاهرة ، هنداوي للتعليم والثقافة) ، ص10:ص18 .

[5] آيات حمدان ، فصل الدين عن السياسة دراسة في التجربة التاريخية للخلفاء الراشدين والأمويين ، ماجستير ، (جامعة بيرزيت ، اقتصاد وعلوم سياسية ، 2009 )، ص22 و ص23

[6] محمد تركي بني سلامة ، الإصلاح السياسي دراسة نظرية ، ماجستير ،( اليرموك ، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ، 2006) ، ص146 وص147

 محمد الباقر الصدر ، التفسير الموضوعي والفلسفة الاجتماعية في المدرسة القرآنية ، بيروت ، الناشر: الدار العالمية للطباعة والنشر والتوزيع ، 1989 ، ص13 : ص39[7]

8) إبراهيم عطية عبدالسلام ، المجتمع المدني والإصلاح السياسي في ماليزيا في الفترة (2003:2015) ، ماجستير ، (جامعة القاهرة ، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ، 2017) ، ص43

9) Cambridge dictionary , Date of sign in : 5/3/2020 , Available at : https://dictionary.cambridge.org/dictionary/english

[10]  إسراء عمران أحمد عبد الكافي ، دور القيادة في الإصلاح السياسي في العلاقة ما بين الفكر والممارسة مع التطبيق على نموذج عمر بن عبدالعزيز ، ماجستير ، جامعة القاهرة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ، 2011 ،  ص 11 و ص12

 فهد سعد الحسيني ، الإصلاح السياسي والشرعية فالمملكة العربية السعودية 2006-2013 ، ماجستير ، جامعة القاهرة ، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ،   2016 ، ص33 [11]

 فهد سعد الحسيني ، مرجع السابق ، ص 38[12]

 محمد أبو رومان ، الإصلاح السياسي في الفكر الإسلامي ،( لبنان ، الشبكة العربية للأبحاث والنشر ،  2010) ، ص 9 وص10 وص14  ،متاح على :

https://www.noor-book.com/-pdf[13]

 محمد متولي الشعراوي ، تفسير القرآن الكريم ، مصر ، أخبار اليوم ، 1991 ، ص4123 : ص4126 ، متاح على:  http://www.elsharawy.com/pdfs/Elsharawy_Kwater_007_033_037.pdf[14]

 محمد متولي الشعراوي ، مرجع سابق ، ص4138 : ص4141[15]

 محمدمتولي الشعراوي ، مرجع سابق ، ص4335 : ص4338[16]

 محمد متولى الشعراوي ، مرجع سابق ، ص4419 : ص4422[17]

 محمد متولي الشعراوي ، مرجع سابق ، ص4427 : ص4430[18]

 محمد متولي الشعراوي ، مرجع سابق ، ص4528 : ص4530[19]

 محمد متولي الشعراوي ، مرجع سابق ، ص7087 : ص7094[20]

 محمد متولي الشعراوي ، مرجع سابق ، ص 9333[21]

 محمد متولي الشعراوي ، مرجع سابق ، ص9350 : ص9352[22]

 محمد متولي الشعراوي ، مرجع سابق ، 9399 و ص9400[23]

 محمد متولي الشعراوي ، مرجع سابق ، ص10901[24]

 محمد متولي الشعراوي ، مرجع سابق ، ص10910[25]

 محمد متولي الشعراوي ، مرجع سابق ، ص10992[26]

 محمد متولى الشعراوي ، مرجع سابق ، ص4179 : ص4182[27]

 محمد متولي الشعراوي ، مرجع سابق ، ص4220[28]

 محمد متولي الشعراوي ، مرجع سابق ، ص4240 : ص4242[29]

 محمد متولي الشعراوي ، مرجع سابق ، 4304 : ص4306[30]

 محمد متولى الشعراوي ، مرجع سابق ، ص7025[31]

 محمد متولي الشعراوي ، مرجع سابق ، ص 10871 : ص10875[32]

 مختصر تفسير ابن كثير ، محمد علي الصابوني ، بيروت ، دار القرآن الكريم ، 1981 ، المجلد الثالث ص26[33]

 مختصر تفسير ابن كثير ، محمد علي الصابوني ، بيروت ، دار القرآن الكريم ، 1981 ، المجلد الثاني ص34 وص35[34]

 محمد متولي الشعراوي ، مرجع سابق ، ص4235 : ص4249 [35]

 34 محمد متولي الشعراوي ، تفسير القرآن الكريم ، مصر ، أخبار اليوم ، 1991 ، لسورة يوسف ، متاح على : http://www.elsharawy.com/Elsharawy_Kwater_Sora_12.html[36]

34 القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن ، مصر، مؤسسة رسالة ، 2006 ، متاح على : http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/qortobi/sura12-aya1.html#

 صباح جريبات ، الإطار المفاهيمي للاقتصاد السياسي الدولي ، الموسوعة السياسية ، متاح على : https://political-encyclopedia.org/dictionary/ .[37]  ، تاريخ الدخول 20\5\2020

 فيان صالح علي ، أبعاد اقتصادية في قصة النبي يوسف عليه السلام ، مجلة كلية العلوم الإسلامية ، المجلد السابع ، العدد 13 ، ص19 وص20 وص21 [38]

 حمدي غنيم سليمان السيد ، قصة موسى عليم السلام وفرعون مصر في القرآن الكريم ، مصر ، جامعة الأزهر ، 2003 ، ص6 : ص11[39]

 محمد متولي الشعراوي ، قصص الأنبياء ومعها سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، مصر ، الناشر :دار القدس\حسن محمود ، 2005 ، ص254:ص288[40]

 محمد متولي الشعراوي ، مرجع سابق(قصص الأنبياء مع سيرة الرسول) ، ص329 : ص242[41]

 مونتسكيو ، روح الشرائع ، ترجمة عادل زعيتر ، المملكة المتحدة ، مؤسسة هنداوي ، 2017 ،  ص58[42]

 مونتسكيو ، مرجع سابق ، ص84 و ص85[43]

 هشام علي حافظ و جودت سعيد و خالص جلبي، كيف تفقد الشعوب المناعة ضد الاستبداد ، بيروت-لبنان ، دار الرياض الريس للكتب والنشر ، 2002 ، ص158 : ص168 [44]

5/5 - (1 صوت واحد)

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى