الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

مستقبل العملية السياسية في تونس على ضوء الاستشارة الوطنية وتفاعلات النخبة السياسية والمدنية

اعداد : محمد العربي العياري/مركز الدراسات المتوسطية والدولية/تونس

  • المركز الديمقراطي العربي

 

أبانت الاستشارة الوطنية التي انتهت بتاريخ 20 مارس 2022، على جُملة من النتائج التي يعتبرها رئيس الدولة، لسان حال الشعب التونسي، والورقة المرجعيّة التي تُؤطر مشروعه السياسي. تزامنت الاستشارة الشعبية مع موجة فارقة من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي تُعبّر بصورة واضحة على حالة من “الستاتيكو” غير المعهود، في سيرورة السياسة في تونس، مما يفتح باب التأويل على مصراعيه، فيما يتعلق بما يمكن أن تؤول إليه الأحداث.

يُمكّن محتوى الاستشارة الشعبية من قراءة –ولو مبدئيّة- للمشروع السياسي لرئيس الدولة، حيث توزعت المحاور على النقاط التالية: الشأن الاجتماعي/ التنمية المستدامة / الشأن التعليمي والثقافي / الشأن السياسي والانتخابي / الشأن الاقتصادي / جودة الحياة.

توزعت الأسئلة على 30 سؤالا، حاولت من وجهة نظر القائمين على الاستشارة، التوقف عند أهم ما يمكن أن يكون هاجسا للمواطن التونسي، ومحور اهتماماته فيما يتعلق بالشأن العام، ومستقبل البلاد. للإشارة، فقد ترافقت الاستشارة الشعبية مع موجة من الدعم الإعلامي الرسمي من قبل رئيس الدولة بصفته، ومن المتحدثين باسم “المشروع” أو الحملات التفسيرية.

يُقدّم الرسم الموالي، توزيعا لمحاور الاستشارة:

تُكثّف هذه المحاور جزء من الأزمات الهيكليّة التي كبّلت الدولة التونسية منذ عقود، والتي لم يستطع الانتقال الديمقراطي، إيجاد مخارج أو حلول لتجاوزها. حيث تُحيل المسألة الاجتماعية والشأن الاقتصادي، ترجمة عملية لإخفاقات السياسة والاقتصاد ومنوال التنمية للدولة الوطنية، والذي تراكمت أزماته، ولم تُفلح معه أساليب الترقيع القانوني والاستثمار السياسي.  كما تُعتبر مسألتي التنمية المستدامة وجودة الحياة من الأهداف السبع عشر التي اعتمدتها الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة في قمة 2015، واللذان يندرجان ضمن التحديات التي تطرحها الدول في سياق التعاطي مع الواقع الاقتصادي والسياسي العالمي الجديد. بقدر ما تُمثّل هذه النقاط مُعرجا ثقافيا وسياسيا يهدف الى ادراج تونس ضمن منظومة الدول التي تسعى نحو تحقيق مُقوّمات جودة الحياة، أو الأهداف الإنسانية والحقوق الفردية والجماعية، غير أن هذه المسائل لا يمكن لها أن تُفهم في سياق ديمومة الأزمات، والتُخبُّط السياسي والاقتصادي والاجتماعي، بحيث تغدو هذه الأهداف بالنسبة الى السياق التونسي، مجرد اعلان نوايا فقط. أما عن الشأن التعليمي والثقافي، والمسألة المتعلقة بالشأن السياسي والانتخابي، فلا يمكن فصلهما عن المسألة السياسية، حيث من العبث أن نتحدث على إصلاحات تهم التعليم والثقافة دون مقاربة تشاركية، تُدمج كافة المتدخّلين والمعنيين برسم وصياغة السياسات الثقافية والتعليمية، من نخب وطلبة وشباب ومجتمع مدني وغيرهم من أضلاع عملية الإصلاح. في نفس السياق، تبدو مسألة الشأن السياسي والانتخابي، محسومة قبل إطلاق الاستشارة، حيث لم تكن الاستشارة فيما يخص هذه النقطة بالذات، سوى بحثا على شرعية من نوع خاص، تُمكّن رئيس الدولة من المُضي قُدُما في تطبيق رؤيته السياسية فيما يهم الشكل السياسي، والمنظومة الانتخابية، وطريقة الاقتراع.

في هذا السياق، تكشف الأرقام المتعلقة بالنتائج الأولية للاستشارة، على النتائج التالية:

دون الخوض في المعنى القانوني للاستشارة، رغم أهميته- فإن رئيس الدولة يُدرجها ضمن ما يعتبره، “صياغة تصوّر جديد يُمكّن الشعب التونسي، صاحب السيادة، من التعبير عن إرادته بكلّ حرية”. على أساس هذه الرؤية، تتجاوب نتائج الاستشارة مثلما يُبيّنه الرسم السابق، مع الطرح السياسي لرئيس الدولة، والذي يُعيد من خلاله تكرار نفس الخطأ الذي وقعت في مطبّاته النخبة السياسية التي تولت التفكير في ترتيب الانتقال الديمقراطي. يتمثّل ذلك في اختزال عملية التغيير والتحوّل في الشكل والنظام السياسي للدولة، حيث توافق الفاعلون حينها على النظام شبه البرلماني. يُعاد نفس الطرح مع رئيس الدولة، حيث يتحدث على نظام رئاسي يقول بأنه اختيار من قبل 86،4% من الذين تجاوبوا مع الاستشارة. كما تغاضت النخب السياسية في بدايات الانتقال الديمقراطي على التفكير الجدّي في سلبيات الاقتراع على القائمات مع اعتماد التمثيلية النسبية، مما أفرز مشهدا برلمانيا مُشتتا فرض صيغة هجينة من التحالفات التي لم تُفلح في ضمان استمرارية وديمومة الحكومات. على أنقاض هذا المشهد، عبّر 60،8% من المشاركين في الاستشارة على رغبتهم في تعديل القانون الانتخابي، وصرّح 44،4% بضرورة تعديل قانون الأحزاب. هذا بالإضافة إلى أن 60،8% منهم يرغبون في تعديل القانون الانتخابي.

ربما تكون هذه الرغبات السياسية عنوانا لرؤية جديدة لتفاصيل وترتيبات العملية السياسية. غير أن السياق العام الذي أفرز هذه الأُمنيات، لا يمكن له أن يكون تعبيرا على أطروحة شعبية واسعة ودليلا على مشاركة عددية معتبرة. حيث لا يمكن الاستناد الى نتائج استشارة شارك فيها 534915 مواطنا من اجمالي 12 مليون نسمة، بما يُمثل 4،69% من تعداد المواطنين التونسيين المقيمين. الى ذلك، وبالعودة الى السياق السياسي الذي يغلب عليه انفراد رئيس الدولة بالسلطة، وحل البرلمان وتجميد كل ممكنات المشاركة السياسية والمدنية، فإن نتائج الاستشارة، وخاصة النقاط المتعلقة بالشأن السياسي والانتخابي، لا تعدو سوى أن تكون رجع الصدى لمشروع رئيس الدولة الذي يبدو أنه قد هيّأ له الظروف والسياقات السياسية منذ 25 جويلية 2021 ليضمن سهولة تمريره عبر استشارة قيل عنها الكثير، ولا تتجاوز كونها إطارا صوريا لكسب شرعية للمشروع الرئاسي، هذا دون الاهتمام بالمشروعية التي يمكن التقاطها في سياق من الانفراد بالرأي والتمثيلية الضعيفة للمواطنين. من المهم أن نشير إلى التفاوت الواضح لحجم مشاركة المواطنين في الاستشارة الشعبية حسب الولايات، مما يدل على نوع من الرفض العام وكذلك، دور الأحزاب والمنظمات في الدفع نحو المقاطعة، وكذلك، التفاصيل التقنية المتعلقة بالنفاذ إلى شبكة الأنترنيت وغيرها من المعطيات.

يُقدم الرسم الموالي، توزيعا لمشاركة المواطنين في الاستشارة حسب الولايات:

الى ذلك، تبدو مسألة إعادة ترتيب العملية السياسية في تونس، مشُوبة بتناقضات الشرعية والمشروعية، والتمثيلية الشعبية، في ظل التصحّر السياسي في تونس. حيث لم تُفلح كل المبادرات التي لا زالت تطرحها المنظمات الوطنية على رأسها الاتحاد العام التونسي للشغل، في حثّ رئيس الدولة على النقاش في تفاصيل العناوين السياسية المقبلة.

هذا، ورغم تقلُّص الدعم السياسي من قبل الأطراف السياسية التي كانت داعمة لرئيس الدولة مثل حركة الشعب، وتقاطعات اللحظة السياسية مع بعض المنظمات مثل الهيئة الوطنية للمحامين، واستثمار غياب التعددية في علاقة بالمشاركة السياسية، في توقيع خارطة طريق سياسية مع رئيس الدولة. حيث تبدو ردود الفعل الوطنية بعيدة على حجم رهانات المحطات القادمة، اذ لا يزال الصراع بالنسبة لبعض الفاعلين، مُؤطرا بالصيغ القانونية دون المرور الى المبادرة السياسية. كما ظلّت صراعات التشتت التي تميّز النخب السياسية والمدنية في تونس، مُهيمنة على واقع التحرك والتكتيك السياسي. تبقى ردود الأفعال الدولية مُنسجمة مع خيارات الدعم للمسار الديمقراطي في تونس، غير انها لا تُخفي براغماتية التعاطي مع مسائل السياسة في تونس، خاصة مع السياقات الدولية الجديدة التي ربما تُفضّل التعامل مع السلطة القائمة بضمانات تخص المسائل الاقتصادية ومواضيع حقوق الانسان، دون البحث في العودة الى مربعات السياسية التي أصبحت من الماضي وربما قد تفتح باب الازمات الداخلية على مصراعيه. الى ذلك، تبدو الوضعية الداخلية للمنظمات الوطنية والأحزاب وبعض الشخصيات الفاعلة، غير جاهزة لصياغة بدائل تنظيمية وازنة من حيث استجابتها لشروط اللحظة السياسية، وقادرة على استقطاب أكثر ما يمكن من رأى عام لا زال مُختنقا بالأزمات الاجتماعية والاقتصادية.

5/5 - (1 صوت واحد)

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى