الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

الأمن المجتمعي والأقليات في العراق: الواقع والتحديات

بقلم : سلام فيصل الجمل – باحثة في دراسات الشرق الأوسط، الجامعة العربية الأمريكية، فلسطين

  • المركز الديمقراطي العربي

 

المجتمع أحادي الدين واللغة والعِرق هو مجتمعٌ نادر الوجود؛ حيثُ عَرَفَتْ معظم دول العالم منذ الأزل وجود أقليات متنوعة على مستوى العِرق والدين واللغة، وقد سعتْ تلك الأقليات دومًا إلى الإبقاء على الشعور بشخصيتها الذاتية وكيانها الخاص، دون إغفال إندماجها اجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا في الدول التي تتواجد على إقليمها.

والعراق كغيره من دول العالم، يتواجد فيه العديد من الأقليات الدينية والإثنية والقومية ويعتبرون من السكان الأصليين، كالمسيحيين: كلدان، آشوريين، أرمن، سريان، الأيزيدية، الصابئة المندائيين، الشبك والتركمان، وهذه الأقليات تتواجد في شمال ووسط وجنوب العراق.

ومن حيث المبدأ، يعتبر ضمان حقوق وحريات الأقليات في بلدٍ ما ركيزةً محورية في تحقيق الاستقرار والأمن الوطني والإقليمي للعراق. ولكن تواجه تلك الأقليات في العراق الكثير من التحديات والتهميش، لاسيما بعد دخول تنظيم داعش الإرهابي للمناطق التي يتواجدون فيها، وهو ما يجعل من مسألة الحفاظ على الأمن والاستقرار في مناطق الأقليات ضرورًة ملحة، عبر مشاركة كافة الجهات المسؤولة محليًا ودوليًا.

ويُعْزى ذلك كله للدور الذي تلعبه الأقليات القومية والإثنية في العراق في كافة المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية من جهة، ومدى تأثير ذلك على الاستقرار وسيادة الأمن والنظام في العراق من جهة أخرى. أضف إلى ذلك، محاولة الحدّ من ظاهرة هجرة ونزوح تلك الأقليات إلى مختلف دول العالم، وما يترتب على ذلك من خسائر حضارية كبيرة للعراق.

مما سلف ذكره، تتجلى الإشكالية الرئيسية لهذه الدراسة في: ما مدى تأثير الوضع السياسي والاجتماعي على واقع الأقليات في العراق وأمنهم الاجتماعي واستقرارهم في مناطق الدولة كافة؟

ذات الأمر يقودنا لطرح الفرضية التالية: إنّ تحقيق الأمن المجتمعي في العراق مرتبط ارتباطًا وثيقًا بضمان أمن واستقرار الأقليات الموجودة فيه والعكس صحيح، وفقًا لما تم النصّ عليه في الدستور العراقي وتعديلاته.

وفي محاولة الإجابة على الإشكالة المُشار إليها، وإثبات الفرضية المطروحة آنفًا، سنتناول القضايا الرئيسية ذات العلاقة بموضوع الدراسة، على النحو الآتي بيانه:

أولًا: سكان العراق والأقليات

من حيث الديانة يشكل المسلمون من سنةٍ وشيعة الغالبية العظمى من ساكنة العراق، ومن حيث القومية تندرج الغالبية بين عربٍ وكرد. أما البقية فيتوزعون بين اليهود وهم قلةُ قليلة، ومسيحيون كالطوائف المُشار إليها في المقدمة، وقبائل القوقاز العراقية، مثل: الشركس والشيشان والداغستان، وغيرهم.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، يبلغ عدد مسيحيي العراق حوالي المليون ونصف المليون عراقي قبل الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وذات العدد من التركمان. ومن الجدير التنويه إليه، أنّ الغزو الأمريكي للعراق ساهم في هجرة أعداد كبيرة من تلك الأقليات خارج العراق، فمثلا: الصابئة المندائيون لم يتبقَّ منهم سوى خمسة آلاف شخص بعد أن كان عددهم لا يقل عن الثلاثين ألفًا قبل الغزو الأمريكي.

ثانيًا: مفهوم الأمن المجتمعي

الأمن بصفة عامة قيمة أساسية وركيزة محورية للحياة، فهو من حيث المعنى اللغوي يعكس الميل الفطري داخل كل إنسان، واصطلاحًا يعبر عن رغبة مُلحّة لدى كل مجتمعٍ سويّ، وغايًة نبيلًة لجميع الشعوب.

وقد تعددت واختلفت الآراء حول مفهوم الأمن المجتمعي، حسب الزاوية التي يُنظَرُ إليه منها؛ حيث عرّفه البعض بأنه “أحد أبعاد الأمن القومي الذي يهدف إلى حماية وسلامة المجتمع”. ومن وجهة نظر رواد حقل العلاقات الدولية جاء مفهوم الأمن المجتمعي مرتكزًا على الهوية المجتمعية، واعتبر هذا الاتجاه أنّ أهمّ مصادر تهديد الأمن المجتمعي تتلخص في: الهجرة والصراع.

حيث يلجأ أبناء الأقليات إلى الهجرة خوفًا من عواقب التغيّر المستقبلي في تركيبة السكان، أما الخطر الثاني والمتمثل في الصراع بين أبناء الإثنيات المختلفة فيأتي نابعًا من انعكاسات ذلك على تماسك المجتمع، وما يتبعه من زعزعة الأمن المجتمعي، وبالتالي يسود صراع الهويات ويتلاشى الهدوء والاستقرار والانسجام داخل المجتمع ذي التكوين الإثني والعرقي المتعدد.

ثالثًا: مقومات الأمن المجتمعي

سبقت الإشارة إلى كون الأمن المجتمعي يمثّلُ قطب الرحى لبناء المجتمعات الحديثة والحفاظ على الحضارات القديمة مستمرة؛ لما يوفره من بيئة آمنة للعمل والبناء ويخلقُ جوًا للإبداع والانطلاق نحو مستقبلٍ مزدهر. وذلك كله لا يتحقق إلاّ بوحدوية الإيمان بالثوابت الوطنية والحفاظ على الهوية، في سبيل توجيه الطاقات والمقدرات البشرية والمادية في بيئةٍ يسودها العدل والمساواة وتكافؤ الفرص وتكامل الأدوار.

ويقوم الأمن المجتمعي على العديد من المقومات في مختلف مناحي الحياة، هي:

  • سيادة القانون: حينما يسود القانون ينتشر الأمن والاستقرار، وترتدع النفوس عن القيام بما يلحق الضرر والأذى بالآخرين، خوفًا من العقاب الناجم عن مخالفته.

وبانتشار القيم التي تعتبر أحد روافد القانون الهامة يتحقق مقوم مهم من مقومات الأمن المجتمعي ألا وهو سيادة القانون، باعتباره -أيْ القانون- الترجمة الحقيقية لتلك القيم إلى أفعال وتروك، مما يوفر بالأخير الطمأنينة والشعور بالأمان لدى أفراد هذا المجتمع.

  • التكافل الاجتماعي: يعكس التكافل الاجتماعي حالة التعاطف والتوادّ بين أفراد مجتمعٍ ما، وهي صفةٌ أساسية لدى المجتمع الإسلامي. وذلك خلافًا للمجتمعات المادية التي يعيش فيها كلّ فردٍ في معزلٍ عن الآخر، ولكل واحدٍ كيانه وعالمه الخاص.

فنحن أمام مجتمعين: الأول يسود فيه الأمن والاستقرار، والثاني مجتمعٌ مفكك كل فردٍ فيه يعيش على حساب الآخر، وفيه ينعدم الأمن ويتبدد الاستقرار.

  • التعايش: الإنسان إجتماعيٌ بطبعه، إذ لا يمكن لأيّ عضو في المجتمع أنْ يعيش منعزلاً عن باقي أعضاء مجتمعه، ولهذا لابد من بناء قواعد سليمة عادلة لتلك العلاقات المجتمعية سمتها الأساسية العيش في حالة اجتماعية لا فردية، وأنْ يأخذ الفرد بأخلاق المجتمع وأن يمتثل لمبادئه وقيمه.
  • التسامح ونبذ العنف: لا شك بأنّ العنف يعتبر أخطر الظواهر التي تفتك باستقرار وأمن المجتمعات، وأكثر ما ينتشر العنف في المجتمعات التي يسود فيها الجهل والتطرف باعتبارهما أهم الأسباب التي تقود إلى سلب الآخرين حقوقهم عنوةً، حيث تتفشى ثقافة القوة وتغيب ثقافة الحقوق والحوار وتقبل الآخر، ولا وجود للحوار البناء ودحض الدليل بالدليل والحجة بالحجة.
  • التعاون الاقتصادي: إقتصاد أيّ بلد معيارُ تقدمه وازدهاره واستقراره وأحد أهم إن لم نقل أهم مكونات سيادة الأمن في كافة المجتمعات، ولتحقيق ذلك لابدّ من التعاون والتكاتف بين أعضاء المجتمع لبناء اقتصاد مزدهر ومتطور يكمل فيه كل فردٍ عمل الآخر، ولا يسلب أيّ منهم حقوق غيره، بل تجد الجميع بحركة نشيطة ومتصاعدة لبناء اقتصاد قويّ يحقق الأمن والاستقرار ويوفر العدالة والمساواة في المجتمع.
  • المشاركة: إنّ النظام السياسي الذي يقوم على اعتماد نهج مشاركة وإشراك أكبر شريحة من أبناء الوطن، سيساهم بكل تأكيد في تنمية الأمن المجتمعي. فالنظام الذي يعتمد في استراتيجيات حكمه على قاعدة الأكثرية المطلقة في المشاركة يعتبر النظام الأقرب إلى الاستقرار؛ لكونه أقرب إلى الشعب وإلى تحقيق تطلعاته وأهدافه في العيش الكريم والآمن.

رابعًا: أبعاد الأمن الاجتماعي

تتحق الحياة المستقرة داخل أي مجتمع إذا توافرت الأبعاد التالية:

  • البعد السياسي: يتجلى هذا البعد من خلال الحفاظ على الثوابت الوطنية المجمع عليها لدى أفراد المجتمع، واحترام الرموز الوطنية، وتجنب اللجوء إلى التدخلات الأجنبية والأجندة غير الوطنية مهما كانت الذرائع، للحفاظ على الأمن والاستقرار في المجتمع.
  • البعد الاقتصادي: يتجلى هذا البعد من خلال توفير الاحتياجات الأساسية لأفراد المجتمع على كافة المستويات وتحسين ظروف المعيشة، وخلق فرص عمل متكافئة بين أفراد المجتمع وفتح باب العمل الحر، وتدعيم ذلك كله بقوانين وتشريعات قادرة على مواكبة التطور المعاصر.
  • البعد الاجتماعي: يرمي هذا البعد إلى توفير الأمن للمواطنين، وتكثيف جهود المؤسسات لبث الروح المعنوية وزيادة الانتماء الوطني عبر الإنجازات، وتفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني كمساند للجهود الرسمية على كافة المستويات.
  • البعد المعنوي أو الاعتقادي: يتحقق هذا البعد من خلال احترام المعتقد باعتباره ركن أساسي في وحدة الأمة، دون إغفال حقوق الأقليات. واحترام الفكر والعادات والقيم والمبادئ المحمودة.
  • البعد البيئي: يهدف هذا البعد إلى الحفاظ على البيئة وحمايتها من كل الأخطار التي تهددها كالتلوث بكافة أنواعه؛ لكون البيئة تسهم بشكل مباشر وغير مباشر في مصادر الدخل الوطني لأيّ بلد.

وكخلاصة عامة لفحوى هذه الأبعاد فإنها تعالج على مستويات أربع: أمن الفرد من خلال زيادة الوعي ومنحه الحقوق والحريات، وأمن الدولة من خلال أداء أجهزتها لواجباتها ومسؤولياتها على أحسن صورة، وأمن إقليمي من خلال تعاون الدول التي ترتبط بوحدة إقليمية لحماية المصالح المشتركة بينها، وأمن دولي من خلال تظافر العالمية لحفظ الأمن والسلم الدوليين.

خامسًا: مفهوم الأقلية، والشعور بالمسؤولية والمواطنة

يعتبر مفهوم الأقلية من المفاهيم الصعبة والمعقدة في تحديد المقصود بها، نظراً لاختلاف تعريفها حسب الحقل المعرفي المرتبط بالمصطلح، ولكونه مرتبط بجوانب سياسية واجتماعية وثقافية مختلفة.

فالأقلية في معجم اللغة العربية تأتي بدلالة القلة في العدد عكس الكثرة، بينما اصطلاحًا عرفها الدكتور الشافعي بأنها “مجموعة من الأفراد داخل الدولة تختلف عن الأغلبية من حيث الجنس والعقيدة واللغة”.

وهناك تصنيفات كثيرة للأقليات اختلفت باختلاف المعيار المعتمد في التصنيف؛ مثل: معيار الهوية، ومعيار الوزن السياسي للأقلية، وكذا معيارٌ آخر هو الجغرافي، وآخرها المعيار الحركي لتلك الأقليات.

تقاس قوة نظامٍ سياسيّ ما بمدى قدرة هذا النظام على خلق شعور عام لدى رعاياه بالمسؤولية وحسّ المواطنة، وذلك لغايات شحن الطاقة الخلّاقة لدى الأفراد لتتمكن الدولة من تحقيق أهدافها على شتّى الأصعدة وفي مختلف المجالات.

وهذا الأمر يُسهِمُ في جعل كل مواطن عنصرًا فاعلًا ومنتجًا وأيجابيًا في مجتمعه، ناهيك عن أهمية المواطنة باعتبارها حجر الزاوية في الحياة المجتمعية، وركنًا أساسيًا في تربية الفرد على أنه جزءًا هامًا في الكل ويقع على عاتقه مسؤولية بناء وطنه والحفاظ على أمنه واستقراره.

سادسًا: حقوق الأقليات كما وردت في الدستور العراقي

وفّرَ الدستور العراقي لسنة 2005 حماية قوية للأقليات من تعرّضها للتمييز، حيث كفل لأفراد هذه الأقليات حقوقهم في كافة المجالات، ولهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات حالهم حال بقية العراقيين، وهو ما كرسه نص المادة (14) من الدستور العراقي التي نصت على المساواة بين جميع العراقيين بلا استثناء. وهو من الأهمية بمكان لغايات تحقيق الأمن والأمان، والاستقرار في الدولة وحفظ الأمن والنظام العام.

ففي المادتين (39-40) كفل الدستور العراقي لأتباع كافة الديانات والمذاهب المختلفة في العراق حرية العقيدة وممارسة الشعائر الدينية، وتكفلت الدولة بحماية أماكن العبادة وإدارة أوقافهم.

وفي مختلف بنود وفقرات المادة (4)، نص الدستور العراقي على حق العراقيين كافة باستخدام اللغة الأم سواء على مستوى التعليم، وفي الوحدات الإدارية التي تشكل فيها الأقليات النسبة الغالبة من السكان، بل وأعطى الحق لتلك الأقليات بجعل اللغة الأم لغةً رسمية إضافية.

ورغم كل ذلك، تعاني الأقليات في العراق لا سيما بعد الغزو الأمريكي عام 2003 من تهميشٍ سياسي وإداري وخطر التطرف والإرهاب، مما دفع الكثير منهم إلى الهجرة خارج الوطن.

سابعًا: واقع الأقليات في العراق

أشار التقرير الصادر عن المفوضية المستقلة لحقوق الإنسان في العراق سنة 2020 والمتعلق بحالة حقوق الإنسان في العراق، إلى مجموعة من النقاط الهامة فيما يتعلق بوضعية الأقليات العراقية، نذكر جزءاً منها:

  • استمرار الاضطرابات الأمنية في مناطق الأقليات بفعل نشاط عصابات داعش، كما هو الحال في مناطق التركمان، وتخلف الحكومة عن أداء واجبها في توفير الأمن.
  • استمرار انتهاك الحقوق العقائدية لبعض الطوائف بفعل قرارت مجلس الثورة المنحلّ، كما هو حال الطائفة البهائية، وما ما يتعارض مع الدستور.
  • تلكؤ الحكومة عن تحرير النساء الأيزيديات المختطفات.
  • لم تشرع الدولة إلى الآن ببدء تنفيذ مشاريع إعادة إعمار دور العبادة المدمرة في مناطق الأقليات بفعل عصابات داعش، وتهميش تلك المناطق عمومًا.
  • إغفال الحكومة العراقية عن أداء واجباتها تجاه أهالي قرى محافظة نينوى، مما أدى إلى تردي الأوضاع الاقتصادية في تلك المناطق وصعوبة الحركة منها وإليها.
  • استمرار التمييز العنصري ضدّ أبناء الأقليات من ذوي البشرة السمراء والغجر.
  • صعوبة عودة أبناء الأقليات النازحين إلأى مناطقهم بسبب تدمير البنى التحتية وقلة الخدمات، والقرار الحكومي القاضي بإغلاق جميع المخيمات مما تسبب بكاريقة إنسانية.

وفي الختام، يجب على الحكومة العراقية أن تقوم بأداء واجبها والاهتمام بقضايا وشؤون الأقليات على كافة المستويات الأمنية والسياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، لاسيما في ظلّ ما عانته ومازالت تعانيه تلك الأقليات من اضطهاد وقتل وتهجير بعد الغزو الأمريكي للعراق سنة 2003، وما آلت إليه أحوالهم في ظل احتلال داعش الإرهابي لمناطق الأقليات سنة 2014.

وذلك كله من أجل استعادة أبناء الأقليات لحقوقهم وحماية مناطقهم، لما يحققه ذلك من سيادة النظام والاستقرار والأمن المجتمعي لجميع أبناء الشعب العراقي بما فيهم الأقليات.

3/5 - (4 أصوات)

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى