الدراسات البحثيةالمتخصصة

قراءة في مفاوضات إيفيان: المسارات والنتائج

اعداد :

  • مايسة خليل حسن – باحثة دكتوراة في العلوم السياسية_كلية السياسة والاقتصاد_جامعة السويس.
  • اشراف الأستاذة الدكتورة  /إيمان نور الدين – أستاذ العلوم السياسية كلية السياسة والاقتصاد جامعة السويس

 المركز الديمقراطي العربي

المقدمة:

تعد مفاوضات إيفيان حلقة متصلة للنضال الجزائري, بل ومظهر من مظاهره ونتيجة من نتائجه, التي تم اقرارها بفعل ضغط الثورة الجزائرية التي تبنت استراتيجية تحررية متكاملة “عسكرية وسياسية ودبلوماسية”  كانت السبب الرئيسي للدخول في مفاوضات طويلة وشاقة جرت في الثامن عشر من مارس عام 1962 بين القادة الوطنيين الجزائريين من الحكومة الجزائرية المؤقتة وبين الوفد الفرنسي برئاسة لويس جوكس ووزير الشؤون الجزائرية في عهد الجنرال ديغول، حيث سمحت هذه الاتفاقيات باعلان وقف اطلاق النار ووضع حد لحرب الجزائر, منهية بذلك فصلا داميا بين البلدين معلنة عن بداية جديدة من العلاقات القائمة على أساس السلام والتعاون المتبادل واعلان استقلال الجزائر بعد احتلا دام لأكثر من قرن وثلاثين عاما.

لم تصل الثورة التحريرية الجزائرية (1954-1962) إلى ما وصلت إليه إلا بعد مراحل طويلة  من النضال منذ نوفمبر 1954 عندما فجر الجزائريون ثورتهم لنيل الاستقلال, وساهمت العديد من الظروف السياسية والتاريخية المحيطة بالصراع الجزائري الفرنسي إلى الضغط على ديغول بعد ان انقسمت فرنسا إلى قسم يناصر استقلال الجزائر, وقسم آخر يعارض حق الشعب الجزائري في نيل حريته, وبالرغم من توجيه إمكانات فرنسا العسكرية الضخمة التي لا تقارن بحجم إمكانيات الثوار الجزائريين لإجهاض الثورة وإبقاء الجزائر فرنسية، وكذا الدعم العسكري الذي وضعه الحلف الأطلسي تحت تصرف فرنسا، لكن كل ذلك لم ينفع أمام إصرار الشعب الجزائري على النصر وانتزاع استقلاله مهما بلغت حجم التضحيات.

لم تصل الثورة الجزائرية إلى وقف إطلاق النار إلا بعد مسار طويل من النضال وكذا من الاتصالات والمفاوضات السرية والعلنية التي جرت على مراحل مع الطرف الفرنسي في ظل تماسك وثبات المفاوضين الجزائريين أمام تلك الأوضاع, حتى تم توقيع إتفاقيات إيفيان في 18 مارس 1962 في إيفيان بين فرنسا وجبهة التحرير الوطنية الجزائرية لإنهاء حرب الجزائر بوقف إطلاق نار رسمي يسري من 19 مارس يجسد فكرة التبادل التعاوني بين البلدين.

الإشكالية البحثية:

تعتبر اتفاقيات ايفيان الموقعة بين الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية والحكومة الفرنسية في 18 مارس 1962 نقطة تحول حاسمة في تاريخ الجزائر, حيث سجلت نهاية للصراع الدموي بين فرنسا والثورة الجزائرية,  وبداية مرحلة أخرى من السلام والتعاون بين الجانبين, وبالرغم من تحقيق الاتفاقية أهدافها إلا أنها لاتزال موضع هام  لنقاشات الأكاديميين و السياسيين; لما تتضمنه نصوصها من أبعاد لها آثار ممتدة على مستقبل العلاقات الجزائرية الفرنسية.

تنبثق الإشكالية الرئيسية التالية لفهم وقراءة مفاوضات إيفيان 1961, 1962.

ما هي مسارات ونتائج مفاوضات إيفيان؟

وللإجابة عن التساؤل الرئيسي يلزم طرح التساؤلات الفرعية التالية:

  1. ما هي دوافع ومسببات قيام مفاوضات إيفيان؟
  2. ما هي مسارات المفاوضات التي أدت إلى توقيع اتفاقية إيفيان؟
  3. ما هي أهداف ونتائج مفاوضات إيفيان وآثارها على مستقبل العلاقات بين الجزائر وفرنسا؟

أهمية الدراسة.

تنبع أهمية الدراسات الأكاديمية لموضوعات التفاوض ونماذجها من أهمية الضرورة الحتمية للجوء إليها في واقعنا المعاصر, خاصة بعد تعقد حجم ومستوى التفاعلات بين الأطراف الدولية وتصاعد حدة النزاعات, مما يدعو إلى ضرورة البحث في النماذج التاريخية لمفاوضات أدت إلى إحلال السلام وإعاة بناء وتطوير وتعميق العلاقات بين أطراف النزاع وبداية مرحلة جديدة من التعاون الذي تطمح إليه الإنسانية.

أهداف الدراسة.

  • تسعى الدراسة لسرد وتحليل البيئة التاريخية والسياسية قبل الدخول في مفاوضات إيفيان الأولى والثانية, للوقوف على الأسباب الدافعة إلى اللجوء للتفاوض بين حكومة الجزائر المؤقتة وفرنسا آنذاك.
  • تهدف الدراسة إلى التركيز على مسارات التفاوض بين الحكومة الجزائرية الممثلة للشعب الجزائري وبين فرنسا حتى الوصول لتوقيع اتفاقيات إيفيان الأولى والثانية.
  • كما تهدف الدراسة إلى بحث أهداف ونتائج مفاوضات إيفيان 1962, وبحث انعكاساتها على العلاقات الفرنسية الجزائرية.

المدى الزماني والمكاني للدراسة.

تهتم الدراسة بالفترة الزمنية للثورة الجزائرية من عام 1956حتى توقيع اتفاقيات إيفيان الأولى 1961 والثانية 1962.

بالإضافة إلى التركيز على الأحداث التاريخية والسياسية في دولة الجزائر في الفترة الزمنية محل الدراسة.

منهج الدراسة.

يعد المنهج التاريخي من أنسب المناهج التي تسهل عملية البحث في مفاوضات إيفيان 1962; نظرا لكونه يعتمد على مراحل علمية تلائم تحليل الوصول للنتائج محل الدراسة من حيث اختيار إشكالية البحث والاعتماد على تجميع المعلومات والبيانات عبر جمع المادة التاريخية سواء من المصادر الأولية، والتي تتمثل في الآثار والوثائق والسجلات، أو من المصادر الثانوية مثل: المؤلفات السابقة، وسير الأعلام، والشهود على الوقائع، والمجلات، والصحف، والقصص والروايات، وفي تلك الفترة يمكن أن تكون المنصات الإلكترونية (مواقع شبكة الإنترنت) من بين المصادر المهمة في تجميع المعلومات ذات الصبغة التاريخية, بالإضافة إلى تحليل المعلومات من خلال عملية نقد موضوعي للأحداث والمصادر التي تم تجمع المعلومات منها, فضلا عن تسهيل عرض النتائج محل البحث.

يعرف ابن خلدون التاريخ بأنه “الفن الذي تتداوله الأمم والأجيال, وهو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأولى، وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وهو علم البحث في الوقائع وكيفيتها وأسبابها، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، جدير بأن يعد في علومها خليق”, والمعرفة التاريخية عند ابن خلدون تقررها مسألتان جوهريتان هما تحديد المسألة تحديدا واضحا ودقة الطريقة المتبعة في كشفها، من أجل الفهم الدقيق وتشكيل وبناء المعرفة التاريخية،والتي من خلالها يتكون وعي الباحث، وتتحقق الخبرة، وتتم فائدة الاقتداء, ويرى ابن خلدون أن الاكتفاء بحدود نقل وتسجيل الشواهد والأحداث فحسب ليس هو التاريخ, فمجرد تسجيل الأحداث هو الجانب السلبي في فلسفة المنهج التاريخي التي تذهب إلى معرفة لماذا وقع الحدث، وكيف جاءت الأخبار عنه، ولماذا تمت صياغة الخبر بهذا الشكل، وما هي النتائج التي تترتب على حركة التاريخ؟.([1])

تقسيم الدراسة.

أولا: دوافع اللجوء للتفاوض بين حكومة الجزائر المؤقتة وفرنسا عام 1961, 1962.

ثانيا: مسارات التفاوض الجزائرية الفرنسية بين الإخفاق والتقدم.

ثالثا: اتفاقيات إيفيان: الأهداف والنتائج والآثار الممتدة.

أولا: دوافع اللجوء للتفاوض بين حكومة الجزائر المؤقتة وفرنسا عام 1961, 1962.

احتلت فرنسا الجزائر عام 1830 عانى الشعب الجزائري جراءه سلوكا وحشيا ممنهجا وصف في بعض الكتابات بأعمال الإبادة الجماعية, التي خلفت ورائها أكثر من مليون ونصف شهيد في سبيل استقلال الجزائر, حيث أفقد سوء السلوك الفرنسي الذي ساهم في تصعيد الأحداث بصورة دموية إلى إفقاد فرنسا مصداقيتها أمام حلفاءها الدوليين على أساس القدرة في الحفاظ على سيادة القانون, والتمسك بالمباديء الداعية للحريات المدنية التي دعمتها الجمهورية الفرنسية وتعهدت بتنفيذها, وخضعت الجزائر من الناحية القانونية للحكم الفرنسي وحكمت بثلاث مقاطعات, وبالرغم من تجاوز نسبة السكان من غير الأوروبيين إلى 90% من إجمالي المستعمرة الفرنسية,  فقد أجمع المؤرخون على أن صور المجازر التي نفذت بحق الجزائريين  كان لابد من فتح تحقيقات دولية بشأنها; لفظاعتها وانتهاكها كل مباديء حقوق الأنسان, فعلى سبيل المثال لا الحصر صور النساء ورواياتهن حول عمليات الاغتصاب من قبل الجنود الفرنسيين، وحينما كانت ترفض الضحية يتم قتلها رميا بالرصاص, كما لا يمكن نسيان صور الجزائريين الذين كانوا يجمعون في حوض مائي ثم يرمون فيه حتى الموت ثم يلقى بهم, أيضا هناك الحفر الجماعية لكثير من الشهداء، وهذا دون الحديث عن قصف المنازل وحرقها ونفي المواطنين والاعتقال التعسفي والإعدامات الجماعية وغيرها من الأمثلة التي لا تمحى من الذاكرة.

كتب الجنرال دوفال إلى الحكومة الاستعمارية بعد مجازر عام 1945: “لقد ضمنت لكم السلام لمدة عشر سنوات، والأمر متروك لكم لاستخدامه في المصالحة بين المجموعتين”، وفي عام 2005، اعترف السفير الفرنسي بالجزائر رسمياً بأن هذه المجازر كانت “مأساة لا تغتفر”, وبعد عشر سنوات، في عام 2015، شارك وزير الدولة الفرنسي للمحاربين القدامى جان مارك توديشيني في إحياء ذكرى المجازر في الجزائر، ووضع إكليلا من الزهور عند النصب التذكاري لبوزيد سعال أول قتيل في الثامن من مايو 1945.([2])

ساهمت عدة عوامل في الدفع نحو إحلال السلام بين فرنسا والجزائر في الفترة ما بين 1956_ 1962 يمكن تلخيصها في العناصر التالية.

  • الثورة الجزائرية.

بدأت المقاومة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي مع انشاء حركة الجهاد التي أعلنها الأمير عبد القادر الجزائري في 1832، واستمرت خمسة عشر عامًا، استخدم فيها المارشال الفرنسي “بيجو”، وقواته التي وصل عددها (120) ألف جندي حرب إبادة ضد الجزائريين، والحيوانات، والمزارع، فوقع الذعر في قلوب الناس، واضطر الأمير عبد القادر إلى الاستسلام في 1847, إلا أن مقاومة الجزائريين  لم تهدأ بعد عبد القادر، فما تنطفئ ثورة حتى تشتعل أخرى، غير أنها كانت ثورات قبلية أو في جهة معينة، ولم تكن ثورة شاملة؛ لذا كانت فرنسا تقضي عليها، وضعفت المقاومة الجزائرية بعد ثورة أحمد بومرزاق سنة 1872, وقلت الثورات بسبب وحشية الفرنسيين، واتباعهم سياسة الإبادة التامة لتصفية المقاومة، وفقدان الشعب لقياداته التي استشهدت أو نفيت إلى الخارج، وسياسة الإفقار والإذلال التي كانت منهجا في السياسة الفرنسية.([3])

لقد أحدث المشروع الاستعماري الفرنسي في الجزائر شروخا عميقة في البناء المجتمعي للجزائر، حيث عملت فرنسا على إيقاف النمو الحضاري والمجتمعي للجزائر مائة واثنتين وثلاثين سنة، ومحاولات طمس هوية الجزائريين الوطنية، وتصفية الأسس المادية والمعنوية التي يقوم عليها هذا المجتمع، بضرب وحدته القبلية والأسرية، واتباع سياسة تهدف إلى القضاء على دينه ومعتقده الإسلامي, مما عجل باندلاع ثورة الفاتح من نوفمبر.

كان ميلاد ثورة الفاتح من نوفمبر 1954 بتأييد من الشعب الجزائري للمشاركة في تحقيق تطلعاته نحو الاستقلال, إيذانا ببدء منحى جديد نحو احتدام الأوضاع في الجزائر التي سببت ضغطا متزايدا نحوطرد فرنسا من الجزائر, وأعلنت جبهة التحرير أنها تقوم باستعمال كل الوسائل الممكنة التي تعتمد على الكفاح المسلح دون استبعاد الطرق السلمية لتحقيق الاستقلال الجزائري, ومن خلال مخاطبة الحكومة الفرنسية لتغليب منطق السلم, ان كانت النوايا الفرنسية حقيقية في الاعتراف بحق الشعب الجزائري في تقرير مصيره, وتلخصت مطالب الشعب الجزائري في نقاط حاسمة لا تقبل التنازل أهمها: الاعتراف بالجنسية الجزائرية, مما يلغي كل القوانين التي تعتبر الجزائر مستعمرة فرنسية, بالإضافة إلى فتح مفاوضات مع ممثلي الشعب الجزائري على أساس المساواة والاحترام المتبادل.

أصدرت جبهة التحرير الوطني أول تصريح رسمي لها فيما يعرف ب “بيان أول نوفمبر 1 “, وقد وجهت هذا النداء إلى الشعب الجزائري مساء 31 أكتوبر 1954 م ووزعته صباح أول نوفمبر وحددت فيه الثورة مبادئها ووسائلها ، ورسمت أهدافها المتمثلة في الحرية والاستقلال ووضع أسس إعادة بناء الدولة الجزائرية والقضاء على النظام الاستعماري، وأوضحت الجبهة في البيان الشروط السياسية التي تكفل تحقيق ذلك دون إراقة الدماء أو اللجوء إلى العنف، كماشرحت الظروف المأساوية للشعب الجزائري والتي دفعت به إلى حمل السلاح لتحقيق أهدافه الوطنية، مبرزة الأبعاد السياسية والتاريخية والحضارية لهذا القرار التاريخي. و لقد تضمن هذا البيان أهداف الثورة المسلحة ووسائل الكفاح كما حدد هويتها و مبادئها في تحقيق الاستقلال الوطني عبر إقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية ذات سيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية, بالإضافة إلى احترام جميع الحريات الأساسية بدون تمييز عرقي أو ديني.([4])

كان رد فرنسا على البيان بالرفض في نوفمبر 1954 على لسان فرانسوا ميتران بأن “الجزائر هي فرنسا, ومن ناحية فلاندر إلى الكونغو قانون واحد, أمة واحدة, برلمان واحد, هذا هو الدستور, وهذه هي ارادتنا فالتفاوض الوحيد هو الحرب”.([5])

كان رد فعل جبهة تحرير الجزائر سريعا بشن ضرباتها العسكرية لانتزاع الاستقلال الجزائري أمام التعنت الفرنسي المعلن ضد مطالب ثورة الفاتح من نوفمبر, فقامت الجبهة بعدة انتفاضات دامية خلال عام 1955, وبحلول 1956 هددت الجبهة باجتياح المدن الاستعمارية, حيث يقيم المستوطنون الأوربيون في الجزائر, وهو ما قابلته فرنسا بالقمع وتعزيز القوة العسكرية بإرسال 500 ألف جندي إلى الجزائر للقضاء على جبهة التحرير الوطنية الجزائرية.([6])

تعاقبت الحكومات الفرنسية الواحدة تلو الأخرى دون جدوى الإطاحة بطلبات الثورة الجزائرية, بدءا من سوستيل الذي أعلن  قانون الطواريء في 1955 مقيما العديد من الاجراءات التعسفية ضد الجزائريين الأصليين دون الأوربيين في الجزائر, حتى بعد انهاء مهام سوستيل والمجيء بجي مولي الذي أعلن نيته في التفاوض مع الجزائريين, لكنه كان ياتف ويناور على شيئين هما: عدم انفصال الجزائر عن فرنسا, وثانيهما اقصاء جبهة التحرير الوطنية من المشهد, وظهر ذلك في اجتماع القاهرة عام 1965, عندما اجتمع الوفد الفرنسي مع محمد خيضر الذي لم يقبله جي مولي كممثل للشعب الجزائري في تصريحاته أنه يود الاجتماع مع ممثلين آخرين, الأمر الذي رفضته الجبهة.([7])

وصرح مانديس فرانس في 32 نوفمبر بأن روح الإجرام المتأصلة في حفنة من الرجال يجب أن تقابل بقمع حاسم لا يعرف الهوادة لأن هذا الإجراء بريء من الظلم وأن المسألة مسألة اقتصادية.

وبمرور الأيام تزداد الثورة الجزائرية انتشارا عبر كامل البلاد ورغم محاولة السلطات الفرنسية القضاء عليها بواسطة المناورات والدعايات عن طريق الإذاعة والصحف والمنشورات وتخصيص برنامجا في إذاعة صوت البلاد يتكلم فيه العملاء باللغة العربية كنوع من الحرب النفسية ومحاولة تشويه الحقائق، بالإضافة إلى مصادرة الصحف والقبض على المناضلين وكل شخص مشبوه فيه حيث تمكنت من إلقاء القبض على (291) مناضل ووصفتهم بأنهم جماعات منبوذة ومعزولة من الجماهير التي لا ترغب إلا في أن تبقى الجزائر فرنسية كاملة الحقوق والواجبات، واتخذت السلطة الفرنسية عدة إجراءات ذات طابع قمعي وزجري وكان أخطر قرار اتخذته الحكومة الفرنسية هو سنها لقانون الطوارئ وبتنفيذ مجموعة من الإجراءات التي تعمل على خنق الثورة والقضاء عليها مثل النفي والإقامة الجبرية, تحديد تحرك الأشخاص و مداهمة المنازل في كل الأوقات وتفتيشها, تشديد الرقابة على الصحافة والمنشورات ومختلف وسائل الإعلام وحددت مدة تطبيقه بستة أشهر قابلة للتجديد.([8])

كانت النوايا الفرنسية واضحة نحو الرفض التام لاستقلال الجزائر, فمن ناحية كانت تقدم نفسها أمام حلفاءها بأنها تتبنى مباديء العدالة الانسانية وبالمقابل تتبنى منهج القضاء على الثورة الجزائرية فعزلت الثوار ومناطق عملياتهم عن طريق منح تونس والمغرب استقلالهما, وعسكرة الحدود المشتركة بينهما بالأسلاك الشائكة وحقول الألغام والمناطق المحرمة وعمليات الرصد والتدخل السريع والمحتشدات واستحداث إدارات أهلية موالية للقيادة العسكرية الفرنسية, وانشاء البلديات الريفية وسجنت قادة جبة التحرير الوطنية أثناء السفر إلى تونس عام 1965, واستخدمت منهج التعذيب والاغتيال لتدمير وجود الجبهة, مما دفع الثوار إلى النزوح للمناطق الريفية عام وتصاعدت حدة العمليات الدموية بين الجانبين 1957.([9])

  • استراتيجية ديجول في الجزائر بين المناورة والالتفاف.

أدى تبعثر أوراق الجمهورية الرابعة وانقلاب 13 مايو 1958 نتيجة الأزمات السياسية داخل فرنسا التي  سببتها تصاعد حدة الثورة الجزائرية, مما ساهم في عودة الجنرال ديجول لحكم الجمهورية الفرنسية الخامسة بعد غياب 12 عام, الذي تبنى اعلان اجراء استفتاء على حق الشعب الجزائري في تقرير مصيره في سبتمبرعام 1959,

وبالرغم من تلك النية في احلال السلام المعلن إلا أن حقيقة استراتيجية ديجول تكشفت لاحقا, فوصف “فرحات عباس” في كتابه “تشريح الحرب”: “ان الجزائر لم تعرف ثقل الحرب مثلما عرفت في عهد الجنرال ديجول”, وكانت المبادرة الحقيقية لبدء الحوار بين جبهة التحرير الوطنية وفرنسا كانت في نوفمبر 1959.([10])

اعتمدت استراتيجة ديجول عند اعادة انتخابه رئيسا للجمهورية الخامسة الالتفاف على مطالب الثورة الجزائرية, فعمد إلى المناورة من خلال خطة الجمع بين وسيلتين هما: تجزئة الجزائر, وتصعيد المواجهة العسكرية للقضاء على الثورة الجزائرية, فكانت مسألة حقول البترول والغاز بالنسبة لفرنسا حتمية تاريخية وأخلاقية لكي يفرط فيها أو يتنازل عن متكسبات فرنسا فيها.([11])

اراد ديجول كسب الوقت وزرع الشك من أجل خلق حلفاء جدد لخدمة سياساته التي راهنت على الوسائل العسكرية للقضاء على الثورة الجزائرية بالتصعيد ومضاعفة أعداد الجيوش الفرنسية, متبنيا منهجا واضحا جاء في خطابه أمام الجنود الفرنسيين عام 1960″ إنني أقولها لكم جميعا, ان مهمتكم لا تحتمل الغموض والتأويل, وعليكم بتصفية المتمردين الذين يريدون طرد فرنسا من الجزائر ويخضعوا هذا البلد لدكتاتورية البؤس والرعب”, وهو ما لاقى تأييدا واسعا لدى قادة الجيش الفرنسي وأوروبيي الجزائر دعما للحفاظ على الامتيازات السياسية والاقتصادية لفرنسا بالجزائر, واستخدم ديجول كل أوراق اللعبة السياسية للمناورة مع معارضيه ليستقر في الحكم بالطريقة الشرعية التقليدية.([12])

كما اتبع ديجول سياسات الاستمالة وسحب البساط من من تحت أقدام جبهة التحرير الوطنية, من خلال الاعلان عن مشروعات اقتصادية واجتماعية لمحاولة إفراغ الثورة الجزائرية من مضمونها وسحق مبادئها, بالإضافة إلى عرض ديجول”سلم الشجعان” الذي قدمه إلى الثوار الجزائريين في مؤتمر صحفي عقده يوم 23 أكتوبر1958 لإيجاد حل أمني لمسألة سياسية بعد رفضه الاعتراف بجبهة التحرير الوطنية وتجاوز الحكومة المؤقتة التي تم تشكيلها في المنفى 19 سبتمبر 1958, وقبل اللجوء لتقرير المصير كدعوى للاستسلام, وهو ما قوبل بالرفض القاطع, وباستمرار محاولات ديجول تفجير الثورة الجزائرية من الداخل لزرع الفتنة بين زعماء الثورة بالداخل والخارج, حين اجتمع ديجول في الإليزيه مع صالح زعموم, محمد بو نعام, ولخضر بوشامة عارضا اتفاقا لوقف اطلاق النار تم رفضه من المجتمعين الممثلين للجبهة كونهم غير مخولين بالصلاحيات لإجراء حوار مع فرنسا, وما ان عادوا حتى تم اعتقالهم واعدامهم بسبب تجاوز صلاحياتهم قيادة ولاية من بين الولايات الخمس وافقت على لقاء ديجول دون إذن من القيادة العامة السياسية أو العسكرية.([13])

  • التجارب النووية في الصحراء الجزائرية.

كانت الصحراء الجزائرية بمثابة حقل للتجارب النووية الفرنسية،  حيث أجرت فرنسا فيما ما بين عامي 1960 و1966 (17) تجربة نووية في الصحراء الجزائرية في موقعين هما رقان وإن كر، راح ضحيتها نحو 42 ألف جزائري بين قتيل ومصاب بأمراض سرطانية وتشوهات خلقية, وكان قد أوصى المؤرخ الفرنسي بنجامين ستورا في تقريره حول الاستعمار وحرب الجزائر (1954-1962)، “بمواصلة العمل المشترك بخصوص مواقع التجارب النووية في الجزائر وتداعياتها إضافة إلى مسألة زرع الألغام على الحدود”.([14])

كانت عملية “اليربوع الأزرق” في 13 فبراير عام 1960 أولى التجارب النووية التي نفذتها فرنسا تحت رئاسة شارل ديجول بمنطقة رقان بولاية أدرار التي كان يسكنها نحو 6 آلاف شخص, حيث بلغ وزن القنبلة 70 طنًا وفاقت قوتها قوة قنبلة هيروشيما باليابان بنحو 4 أضعاف وتجاوز تلوثها الإشعاعي المنطقة ليبلغ جنوب إفريقيا وحوض المتوسط، تبعتها بعد ذلك ثلاث تجارب أخرى في سماء الصحراء الجزائرية خلال نفس العام.([15])

وألقت عملية تفجير “الجربوع الأزرق” بظلالها على الدول المجاورة للجزائر, فاندلعت مظاهرات في العديد من المناطق جراء سقوط الغبار الملوث بالإشعاع النووي المتخلف من الانفجار الذي كان يمكن اكتشافه ضمن مسافات واسعة تصل إلى السنغال وساحل العاج وبوركينا فاسو والسودان, فخرجت مظاهرات في مدينة لايبزك في ما كان يعرف بألمانيا الشرقية، احتشد فيها الطلبة الماليون لشجب إجراء التجربة النووية على بعد بضع مئات من الكيلومترات عن بلادهم.

وبعد أن وقعت فرنسا على معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، قال تقرير لمجلس الشيوخ الفرنسي في عام 1998: “كانت الانفجارات الجوية الفرنسية موضع انتقادات متزايدة من الدول الأفريقية المحاذية للصحراء”, وأوضح التقرير”إنهم لا يفهمون لماذا سنواصل استخدام تقنية ملوثة بوضوح، على الرغم من كل الاحتياطات المتخذة لتقليل الغبار النووي الناجم عنها”، بيد أن التقرير لم يحدد ما هي هذه الاحتياطات.

وبعد أربع تجارب أجريت فوق الأرض في منطقة رقان، قررت السلطات الفرنسية في عام 1961، أن تجري تجارب تحت الأرض في منطقة عين إيكر الواقعة على في بعد نحو 700 كيلومترا داخل جبال الهقار المعروفة بمناظرها الخلابة.([16])

ثانيا: مسارات التفاوض الجزائرية الفرنسية بين الإخفاق والتقدم.

مرت المفاوضات بعدة مراحل، وطال أمدها بفعل عدم جدية فرنسا بل حاولت من خلال الادعاء بالتفاوض اضعاف الثورة لكن الإنتصارات الميدانية والتفاف الشعب حول ثورته هو الذي أرغم فرنسا على الإستجابة لمطالب الثورة في التفاوض على أساس الإستقلال الذي دعت إليه منذ أول نوفمبر 1954.

  • مرحلة المفاوضات بين الجدية والالتفاف.

بدأت المفاوضات بصورة سرية بين فرنسا وجبهة التحرير بعد اندلاع الثورة الجزائرية، بحيث جرت عدة لقاءات بين مبعوثي الحكومة الفرنسية وبعض قادة الثورة كانت المبادرة فيها من طرف فرنسا، غير أن تلك البداية لم تعكس نيتها الحسنة أو رغبتها الحقيقية في حل المشكلة الجزائرية وانهاء الحرب، بقدر ما كان محاولة منها لجس نبض قادة الثورة والبحث عن ثغرة تتسرب من خلالها لإحداث انشقاقات داخل قيادة الثورة, على الرغم من كثرة اللقاءات والمقابلات التي جرى فيها التفاوض بين الطرفين فيما بين سنتي 1955-1956م إلا أنها باءت في النهاية بالفشل وذلك لعدة أسباب أبرزها عدم جدية فرنسا التي لم تكن مستعدة للمضي في هذا المسعى، وفي المقابل تمسك جبهة التحرير بمبادئ بيان أول نوفمبر 1954م حول مسألة الاستقلال.([17])

لم تبدأ المفاوضات بشكل مباشر بين الطرفين فور وصول ديجول لرئاسة وزراء فرنسا فى يونيه ١٩٥٨ بل بدأت قبل ذلك عند وصول حكومة جى موليه للحكم فى فرنسا من فبراير ١٩٥٦؛ حيث جاء للحكم ومعه مشروع سياسى للتفاوض مع الجزائريين لكن بشرط ألا يكون هناك أى انفصال عن فرنسا، وكانت خطته تتمثل فى محاولة إنشاء مجلس تشريعى محلى فى الجزائر يقوم بإصدار قوانين لا تنطبق على الأوربيين وإنشاء نظام سياسى يتمتع بالاستقلال الذاتى فقط، وكان يحبذ فكرة عقد مفاوضات بشكل المائدة المستديرة يمثل فيها الشعب الجزائرى كافة الحركات السياسية بالإضافة لجبهة التحرير الجزائرية, الأمر الذى رفضته الجبهة جملة وتفصيلًا واعتبرت أنها فقط هى الممثلة لكافة أطياف الشعب الجزائري، وأخيرًا أراد جى موليه أن يحافظ على حكومته فأراد أن يكسب أصوات الأحزاب اليمينية الفرنسية فاتجه مرة أخرى لاستعمال القوة العسكرية للقضاء على الثورة الجزائرية, وزاد من تعقيد الموقف ما قامت به السلطات الفرنسية فى أكتوبر عام ١٩٥٦ والحصار العسكري، وفى هذا التوقيت برزت فكرة اتحاد مغاربى بين المغرب وتونس لمساندة الثورة الجزائرية أو احتوائها، وبالفعل سافر وفد من قادة جبهة التحرير الجزائرية إلى المغرب للاجتماع مع الملك محمد الخامس، وكان مقررًا بعد ذلك أن يغادر إلى تونس فى ٢٢ أكتوبر ١٩٥٦، ولكن قامت المخابرات الفرنسية باختطاف الطائرة التى كانت تقل الوفد الجزائرى ونقلتهم إلى باريس، مما اعتبر تصعيدًا فرنسيًا خطيرًا استلزم وقف المفاوضات من الجانب الجزائري، واستمر الوضع كذلك حتى جاءت حكومة ديجول للحكم فى فرنسا فى يونيه ١٩٥٨.([18])

لعبت الدبلوماسية الجزائرية دورا بارزا في تدويل القضية الجزائرية وإكسابها زخما وإطارا شرعيا فرض على فرنسا القبول بمبدأ التفاوض, ومن بين الوساطات السرية العديدة التي يجدور ذكرها ما سعى إليه “بومنجل” للتوصل إلى حل سلمي للقضية الجزائرية حين تم اختياره لربط الاتصال بين مندوب الحكومة الفرنسية جان-إيف غو-بريسونير(Jean-Yves Goëau-Brissonnière ) وقادة الثورة الجزائرية بتونس في صيف 1957 والتي أدت عرقلتها وإفشالها إلى مغادرته باريس تفاديا لإلقاء القبض عليه.

ثم بدأت مرحلة جديدة من المفاوضات في مدينة مولان بفرنسا واستمرت خلال الفترة الممتدة من 25 إلى 29 يونيو 1960، ضم الوفد الفرنسي كل من روجي موريس، الجنرال الهوميردي كاسين أما الوفد الجزائري فضم أحمد بومنجل ومحمد الصديق بن يحي وفشلت بعد أن اشترط الجانب الفرنسي وقفا لإطلاق النار أولا إستسلام المجاهدين وفصل الصحراء عن الجزائر، وهو ما رفضه الوفد الجزائري المفاوض.

أدرك ديغول حساسية الموقف وتيقن من استحالة الحل العسكري, فبدأت مرحلة تقديم التنازلات النسبية من جانب ديجول وتم استئناف المفاوضات بلقاءات جدية ظاهرها نية منح الجزائر استقلالها في مدينة لوسرن (LUCERNE) السويسرية فيما بين 20 و22 فبراير1961, شارك فيها عن الجانب الجزائري أحمد بومنجل والطيب بولحروف، وعن الجانب الفرنسي جورج بودبييرو وبرونو دولوس, مما أدى لاعتراف ديجول لاحقا بحق الجزائريين في إقامة دولتهم في 22 أبريل 1961، لكن نوايا فرنسا الحقيقية كانت تحوم وتناور حول إعطاء الجزائر الحكم الذاتي بدلا من الإستقلال, حصول المعمرين على إمتيازات خاصة في الجزائر, فصل الصحراء عن سائر القطر, بالإضافة إلى إشراك أطراف أخرى في المفاوضات بديلا عن التفاوض المقتصر على جبهة التحرير وحدها.([19])

بدا الخلاف واضحا بين الوفدين في مدينة”لوسرن” فيما يتعلق بنقطة الصحراء, فقد أكد رئيس الوفد الجزائري”جورج بومبيدو” أن مسألة الصحراء لا نقاش فيها, مما عمق الخلاف وفشل جولة أخرى من المفاوضات.

ثم تحولت المفاوضات بعد لقاءات سرية في نيو شاتيل بسويسرا سنة 1961 نحو الاتفاق على الاعتراف بممثلي جبهة التحرير كممثل وحيد للشعب الجزائري, على أن تكون المفاوضات علنية ورسمية تختص بمناقشة القضايا والمسائل العسكرية والسياسية, مع استمرار ثبات المفاوضين الجزائريين على مبادئهم في مسألة عدم التنازل والتفريط في وحدة الأرض والشعب الجزائري.([20])

  • المظاهرات الجزائرية ضد الالتفاف الفرنسي.

اعتقد ديجول أن فرنسا بإمكانها تحقيق نصرا عسكريا باعتبار أن ” الجزائر فرنسية” حسب سياسته التي تستند إلى هذا الإعتقاد ولكنه أمام الإنتصارات التي حققتها جبهة التحرير وجيش التحرير الوطني، اقتنع أن طريق النصر أصبح مسدودا وقد لمس هذه الحقيقة عندما زار الجزائر في ديسمبر 1960 ليشرح سياسته الجديدة فأستقبله الجزائريون يحملون العلم الجزائري وينادون بشعارات الجبهة وقد أكدت هذه المظاهرات  على تمسك الجزائريين بتمثيل جبهة التحرير الوطني للشعب الجزائري وتزكيتهم لقيادتها كونها الممثل الشرعي الوحيد للشعب.([21])

  • عقبة التنظيمات المتطرفة أمام المفاوضات.

حصل ديغول بعد استفتاء يناير 1691 على الضوء الأخضر لمواصلة سياستاته التي أعلنها في التزام فرنسا بمنح حق تقرير المصير بعد ضغوط الثورة الجزائرية عليه، وقابل ذلك محاولة انقلاب الجنرالات ((Putsch des Générau) المعارضين للمفاوضات السرية التي بدأتها حكومة رئيس الوزراء الفرنسي ميشال دوبريه مع جبهة التحرير الوطنية الجزائرية،  واعلنوا الإطاحة بـالرئيس الفرنسي شارل ديجول وتشكيل مجلس عسكري مكون من جنرالات الجيش الفرنسي المتقاعدون موريس شال ( قائد عام سابق في الجزائر تحت الاحتلال الفرنسي) وإدموند جوهوود ( مفتش عام سابق في القوات الجوية الفرنسية) وأندريه زيلر ( رئيس أركان سابق لـالقوات البرية الفرنسية) وراؤول سالان ( قائد عام سابق في الجزائر تحت الاحتلال الفرنسي)، ووقع الانقلاب مساء يوم 21 أبريل حتى 26 أبريل 1961, وكان من المقرر تنفيذ الانقلاب على مرحلتين: تأكيد فرض السيطرة على مدن الجزائر تحت الاحتلال الفرنسي الرئيسية الجزائر ووهران وقسنطينة، يتبعه الاستيلاء على باريس, ويقود العملية في المدن الكولونيل أنطوان أرغود، مع هبوط جنود المظلات في المطارات الإستراتيجية. ولكن، رفض قادة الجيش في وهران وقسنطينة تلبية طلب شال بالانضمام إلى الانقلاب. وفي الوقت ذاته، وصلت معلومات عن المرحلة الخاصة بالمدن إلى رئيس الوزراء دوبريه من إدارة المخابرات في 22 أبريل، تم حظر جميع الرحلات الجوية والإنزالات في مطارات باريس، وصدر الأمر للجيش بمقاومة الانقلاب بكل الطرق الممكنة.([22])

شكلت التنظيمات الارهابية المؤمنة بفكرة ” الجزائر فرنسية ” أخطر العقبات التي واجهت الثورة الجزائرية، وقد لاقت تلك التنظيمات تأييدا واسعا لدى غالبية الاوروبيين وبدى وكأنه القوة الوحيدة المسيطرة على المدن الجزائرية الكبرى، وحاولت بشتى الطرق تعطيل مسار المفاوضات, مما شجع ديجول على حل جبهة الجزائر الفرنسية وتطهير الجيش الفرنسي والأجهزة الأمنية من العناصر المتمردة، وعليه اتخذ قادة المعارضة من اسبانيا قاعدة خلفية لتنظيم صفوفهم والوقوف في وجه ديغول و سياسته حيث قاموا بتأسيس تنظيم (OAS)  وهو تنظيم” إرهابي جديد يحمل اسم “منظمة الجيش السري” الذي رأسه الجنرال راؤول سالا.([23])

ثالثا: اتفاقيات إيفيان: الأهداف والنتائج والآثار الممتدة.

كانت لدبلوماسية الحرب نتائج إيجابية خاصة بعد أن إتسعت رقعة التأييد الدولي لإجبار ديجول على التصريح “إن هذا الوضع لا يمكن أن يجلب لبلادنا سوى الخيبة والمآسي، وأنه حان الوقت للخلاص منه” و جلوسه إلى طاولة المفاوضات والاعتراف بجيش التحرير وجبهة التحرير الوطني كممثل وحيد شرعي للشعب الجزائري, بالإضافة إلى اعتراف الأمم المتحدة وأكثر من 20 دولة بالحكومة الجزائرية المؤقتة برئاسة فرحات عباس(*).

تعتبر اتفاقيات إيفيان نهاية للمرحلة الاستعمارية وبداية لمرحلة جديدة من تاريخ الجزائر، تميز من خلالها المفاوضون الجزائريون بالصلابة والالتزام بمبادئ الثورة التحريرية، حملوا على عاتقهم مصلحة الجزائر، وهو ما مكنهم من انتزاع الاستقلال، بعد التشبث بالمسائل الرئيسية المتعلقة بوحدة التراب الوطني وتحقيق الاستقلال الكامل, تعتبر الفترة الممتدة من 1960 إلى 1962، من أهم الفترات في تاريخ استقلال الجزائر، فهي مرحلة المفاوضات والاستقلال، وجاءت بعد تحقيق الثورة لعدة انتصارات على المستوى الدولي.

واستطاعت هذه الاتفاقيات أن تضع حدا لحرب إبادة تعرض لها الشعب الجزائري، وذلك بالرغم مما سجل عنها من سلبيات لا تقاس أبدا مع أهم إنجاز، وهو وقف إطلاق النار في 19 مارس 1962، وذلك رغم الصعوبات التي عرفتها المفاوضات في مراحلها الأولى، بسبب المناورات الفرنسية وتمسكها بوجهات نظر مخالفة تماما لثوابت الجبهة خاصة تلك المتعلقة بالوحدة الترابية للجزائر, لكن المفاوضين لم يتنازلوا عن أي شرط من الشروط التي أملوها لوقف إطلاق النار، وظلت الصحراء دائما السبب في تعليق المفاوضات، وموقف فرنسا المتشدد كان بسبب ظنها أن الحكومة المؤقتة الجزائرية ستتراجع عن تصلبها وتلين بعض الشيء.

  • مفاوضات إيفيان الأولى.

انطلقت مفاوضات إيفيان الأولى يوم 20 ماي 1961 حيث جرت في مدينة إيفيان الفرنسية عند الحدود مع سويسرا، بين الوفد الجزائري برئاسة كريم بلقاسم بالإضافة إلى السادة أحمد فرانسيس وزير المالية، سعد دحلب الأمين العام لوزارة الشؤون الخارجية، أمحمد يزيد مدير ديوان فرحات عباس، الطيب بولحروف، احمد بومنج مدير الشؤون السياسية لوزارة الإعلام، وضابطان من هيئة الأركان:الرائد سليمان قايد احمد، علي منجلي، رضا مالك الناطق الرسمي باسم الوفد، ومن الخبراء محمد حربي ومحمد بجاوي، والوفد الفرنسي برئاسة لوي جوكس يرافقه رولاند كادي فليب تييو، يوربي، والجنرال ، وبرونو دولوس ، برنارد تريكو، والعقيد سيغان بازيز.

استهدفت فرنسا إيهام الرأي العام العالمي بصدق نيتها وعزمها على التفاوض, فقامت بعدة اجراءات عند انطلاق المفاوضات, حيث عادت مجموعة من الطائرات إلى فرنسا وأفرج عن 6000 معتقل معظمهم من مناضلي جبهة التحرير، ونقل القادة الخمسة من جزيرة ايل ديس إلى قصر توركان، وصاحبتها مناورة فرنسية مكشوفة بإعلان الهدنة من جانب واحد نظرا لأهمية الموقف التفاوضي, لكن الحكومة المؤقتة واصلت الحرب ولم تقبل الهدنة، فتعمدت المساومة عليها بإيقاف التفاوض.([24])

بدأ الوفدان في التفاوض باستعراض جوكس في اليوم الأول موقف الحكومة الفرنسية، ليرد رئيس الوفد الجزائري يوم 23 مايو، وبين أيام 25 و 27 مايو ناقش الوفدان المشاكل التي تم عرضها سابقا، ويوم 29 مايو اجتازت عقبة مناورة وقف القتال المكشوفة من طرف واحد, ثم ظهرت مناورة فرنسية أخرى بإلحاح الطرف الفرنسي على ضمانات للأقلية الأوربية, وموضوع الجنسية المزدوجة واعتماد اللغة الفرنسية اللغة رسمية في الجزائر، والمحافظة على الحقوق المكتسبة, وضمان الملكيات، ونفس الحقوق مع المواطنين الجزائريين, بالإضافة إلى إصرار فرنسا على فصل الصحراء, وأن يشمل حق تقرير المصير ولايات الشمال الثلاثة عشر واحتفاظ فرنسا بالمرسى الكبير، لكن الوفد الجزائري رفض المساس بالسيادة الوطنية ووحدة التراب الوطني وتشبث بموقفه, فأوقفت فرنسا المحادثات في يوم 13 يونيو، وقال جوكس:” توقفت المحادثات لأنها تتطلب مهلة من التفكير فربما كانت فرنسا تبحث عن خلق طرف آخر أقل تشددا من جبهة التحرير لتستطيع تحقيق مطالبها، هذا ما أوقف المفاوضات”.([25])

  • مرحلة الضغط على ديجول.

بعد إيقاف فرنسا لمفاوضات ايفيان الأولى والتمسك بموقفها دعت جبهة التحرير الوطني الشعب الجزائري إلى تنظيم يوم احتجاجي ضد سياسة التقسيم وفصل الصحراء عن الجزائر، وهذا ما حدث بالفعل يوم 5 يوليو 1961 للضغط على ديجول من أجل استئناف المفاوضات والرغبة في الإستقلال، لتعلن الحكومة الفرنسية والحكومة المؤقتة بمدينة ايفيان يوم 17 يوليو عن استئناف المحادثات بقصر لوغران  لكن بدون جدوى،  وتم استئناف المحادثات ما بين 20, 28 يوليو بنفس الحاضرين في اللقاء السابق ما عدا ممثلي هيئة الأركان، التي رأى فيها رضا مالك سوى إعادة محتشمة لإيفيان الأولى ووساطة رسمية تركيزها الوحيد هو إبقاء المباحثات المنطلقة منذ شهرين سارية ، و قد افتتح لويس جوكس اللقاء بتصريح ركز على مواقف فرنسا حول العنف و كذا قضية الأوروبيين المقيمين في الجزائر بالإضافة إلى تطبيق تقرير المصير على 13 ولاية لا غير, حيث ظهر جلياً التعنت الفرنسي ورغبته في اقتطاع الصحراء والذي كان سبباً في فشل المحادثات وفي المقابل احتوت محادثات لوغران على  جلسات تم تخصيص لدراسة المسائل المتنازع عليها منها مشكلة الصحراء و التي كان لها النصيب الأوفر من النقاش.([26])

وشهدت لقاءا على حدا بين كريم بلقاسم ولويس جوكس في 26 يوليو، لتعلق المحادثات من جديد يوم 28 جويلية بسبب التعنت الفرنسي وعدم قبوله مبدأ التسليم في أطماعه إذ لم يتردد بالمطالبة بتقسيم الجزائر واقتطاع الجزء الصحراوي منها، ومنح الأقلية الفرنسية امتيازات، كما أن الحكومة الجزائرية أرادت أن تربح الوقت للتغلب على الأزمة مع أركان الجيش، وخلال هذه الفترة حاول بورقيبة استرجاع مطار القاعدة الجوية البحرية

لبتررت، وأمام هذه الحادثة عبرت جبهة التحرير الوطني عن تضامنها مع تونس واقترحت وضع قوات جيش التحرير الوطني تحت تصرفها، حيث طلب مقابلة ديغول يوم 28فبراير 1961 حول هذه القضية غير أن الموضوع الرئيسي لهذه الزيارة كان حول ضمان توسيع بلاده من ناحية الحدود الصحراوية، في الوقت الذي كانت فيه الجزائر على وشك الحصول عليها. ([27])

كانت الصحراء دوما هي السبب في تعليق المفاوضات بين التمسك الفرنسي وعدم التنازل الشرعي من جانب جبهة التحرير، وظنت فرنسا أن موقفها المتشدد قد يمكنها من الضغط على الحكومة المؤقتة الجزائرية لتتراجع عن تصلبها ويلين موقفها بعض الشيء, لكن انتهىت تلك الجولة بمبادرة الوفد الجزائري هذه المرة هو إلى تعليقها بسبب إصرار الحكومة الفرنسية على التنكر لسيادة الجزائر على صحرائها بالترويج لمغالطة تاريخية.([28])

   وفي منحى جديد شهدت باريس يوم 17 اكتوبر 1961  انتقال الثورة إلى فرنسا بقيام الجالية الجزائرية بمظاهرات احتجاجية بسبب تراخي ديجول عن تمكين المفاوضات من تحقيق الاستقلال التام التي تجري بين الطرفين وكذا تعينه موريس بابون Maurice Papon رئيسا على شرطة باريس وهو على دراية من كفاءة هذا الرجل التي اكتسبها خلال وجوده في الجزائر كوالي على قسنطينة، وقدرته على كسر شوكة جبهة التحرير الوطني في العاصمة الفرنسية, واعتبر باحثون أن المجازر التي اقترفتها الشرطة الفرنسية ضد المهاجرين الذين خرجوا في تلك التظاهرات السلمية بباريس, بمثابة “تطهير عرقي” في حق الجزائريين, وفي هذا الصدد, أبرز الأستاذ محمد بن جبور من قسم التاريخ بجامعة وهران “أحمد بن بلة”, لـ/وأج/, بمناسبة الذكرى الـ60 لهذه المجازر, أن الشرطة الفرنسية اثناء قمعها الوحشي للمظاهرات السلمية التي نظمها المهاجرون ارتكبت مذبحة حقيقية ترقى الى “جريمة دولية وجريمة ضد الانسانية”, وأوضح السيد بن جبور أن هذه المظاهرات كانت سلمية نظمتها فديرالية جبهة التحرير الوطني بفرنسا رفضا لحظر التجوال المجحف الذي فرضته السلطات الاستعمارية ابتداءً من تاريخ 6 يونيو 1961 للجزائريين دون سواهم, ولم يكن يتوقع منظموها أن تواجه مظاهرات سلمية بهذا العنف الهمجي.([29])

أكسبت هذه الأحداث القضية الجزائرية أنصارا كثيرين لدعم الثورة سياسيا وإعلاميا وماديا والدفاع عن المساجين

وفضح ممارسات المستعمر الفرنسي، وهو ما ساهم بالتعجيل في مفاوضات إيفيان الثانية التي وضعت حلا نهائيا للقضية الجزائرية.

  • مفاوضات إيفيان الثانية 1962 بين الأهداف والنتائج.

انطلقت مفاوضات إيفيان الثانية النهائية والحاسمة يوم 07 مارس حتى 18 مارس 1962 حيث ترأس كريم بلقاسم الوفد الجزائري الذي ضم: لخضر بن طوبال، عبد الحفيظ بوصوف، وسعد دحلب، ومحمد يزيد، محمد الصديق بن يحي، أحمد بومنجل، أحمد فرانسيس، و رضا مالك، مصطفاوي الصغير، والعقيد عمار بن عودة، و الطيب بولحروف, وفي المقابل ترأس لوي جوكس الوفد الفرنسي المكون من: روبير بيرون ، برونو دولوس ، كلود شايي, ورولان بيكار والجنرال دي كامس وجان دو برقلي وكلهم قد سبق لهم أن شاركوا في اللقاء السابق أضيف إليهم مستشار قانوني الشئون الجزائرية Vincent Labouret فانسان لبوري ، Bernard Tricot برنارد تريكو, والعقيد سقين دي بازيس مستشار عسكري، وفليب تيبو الناطق الرسمي باسم الوفد الفرنسي، و بليزان مستشار في الدولة، جاك لوقرا، جان مورن، جورج بومبيدو ، إنتهت بالتوقيع على إتفاقية وقف إطلاق النار وكان هناك اعتراض داخل فرنسا على الإتفاقية جعل ديغول يجري حولهااستفتاء أسفر في 08 أفريل 1962 عن موافقة 91 % من الفرنسيين عليها.

  • النتائج بين الإجابية والسلبية.

لا شك ان أعضاء الوفد الجزائري المفاوض في اتفاقيات إيفيان كانوا على “مستوى عال” من البراعة الدبلوماسية والحنكة والاصرار النابع من إيمانهم القوي بشرعية القضية الجزائرية وحق الشعب في الاستقلال والعيش الكريم, حيث وضعوا صوب أعينهم هدفا ساميا عندما قرروا خوض غمار المفاوضات مع فرنسا وإجبارها على قبول فكرة الاستقلال الكامل على الرغم من المناورات المتعددة التي مارسها المفاوض الفرنسي للاحتفاظ بالصحراء الجزائرية.

كما كانت الدراية الكبيرة التي كان يملكها المفاوض الجزائري بالداخل الفرنسي لاسيما فيما تعلق منها بالمشاكل الاقتصادية بالإضافة الى تمكن الدبلوماسية الجزائرية من عزل فرنسا دوليا من بين عوامل نجاح مفاوضات إيفيان التي كانت “أساسية في مسار استقلال الجزائر”  مما اضطر ديجول الى الرضوخ الى مطالب الجزائريين.

تضمنت اتفاقيات إيفيان ستة فصول، نصت على عدة نقاط رئيسية أهمها على الإطلاق إعلان وقف إطلاق النار والعفو العام, والاعتراف بوحدة الأرض الجزائرية، واجراء استفتاء يقرر فيه الشعب الجزائري مصيره في غضون مدة لا تزيد عن ستة أشهر, بالإضافة إلى تسيير البلاد خلال الفترة الإنتقالية حكومة مؤقتة من 3 فرنسيين و 9 جزائرين في انتظار نتيجة الاستفتاء مع احتفاظ المعمرين وعملائهم بالحقوق التي كانت لهم ثلاث سنوات قبل إختيارهم جنسيتهم النهائية، إما الجزائرية فيصبحون رعايا للجزائر أو الفرنسية فيعاملون كآجانب, بالإضافة إلى بند جلاء القوات الفرنسية عن الجزائر خلال ثلاث سنوات مع احتفاظ فرنسا ببعض القواعد العسكرية بالمرسى الكبير لمدة 15 سنة، ومطارات عسكرية في عنابة، وبوفاريك وبشار، وقاعدة رقان لمدة خمس سنوات.([30])

كما احتفظت فرنسا بحسب الاتفاقية ببعض المصالح الاقتصادية في قطاعات النفط والتعدين خاصة، وامتيازات ثقافية كحق فتح المدارس على سبيل المثال, كما تعهد الطرفان بالتعاون في مختلف المجالات الإقتصادية والثقافية، مقابل حصول الجزائر على معونات مالية فرنسية.([31])

دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في منتصف نهار 19 مارس 1962 وقد حاولت منظمة (OAS) القيام بعملياتها الإرهابية لدفع الثورة إلى إرتكاب الأخطاء من أجل عرقلة المسار الإستقلالي إلا أنها فشلت، وأجري استفتاء تقرير المصير يوم 1 يوليو 1962 وصوت فيه 97.3 %من الجزائريين لصالح الإستقلال وبعد يومين اعترفت فرنسا رسميا باستقلال الجزائر وفي 05 يوليو 1962 أعلنت الجزائر استقلالها رسميا وهكذا استرجعت الجزائر استقلالها بعد أن قدمت تضحيات جسام خلال ثورة التحرير الكبرى تمثلت في استشهاد 1,5 مليون شهيد زيادة عن الجرحى والمعطوبين ( حوالي 150 ألف مجاهد ) واليتامى والمشردين والمصابين بالأمراض النفسية والعقلية لهول ما ارتكبته فرنسا من جرائم لم يتم فتح تحقيقات بشأنها حتى الآن، أما القوات الفرنسية فقد خسرت حوالي 25 ألف قتيل و حوالي 63 الف جريح.([32])

اختلفت الآراء حول تلك الاتفاقيات بحيث رأى جمهور من الباحثين في تاريخ الجزائر أن ايفيان ماهي في الحقيقة إلا استعمار مقنع بالنظر إلى تلك الامتيازات الضمانات التي قدمت للجانب الفرنسي بحيث راح البعض إلى اعتبارها ربط دائم بالكيان الاستعماري، ومنهم من رأى أن تلك الاتفاقيات حققت الأهم وهو انتزاع السيادة الوطنية واعترفت بحق الشعب الجزائري في تقرير مصيره، لكن مما لا شك فيه أن اتفاقيات ايفيان قد حققت أمورا إيجابية بصفة عامة على الأقل من الشطر الخاص بالجزائر، إلا أن ذلك لا يستبعد وجود بعض السلبيات والتي كانت محل انتقادات.

يعد تحقيق الاستقلال للشعب الجزائري بعد استعمار دام قرابة القرن وثلث القرن، وكفاح دبلوماسي لمدة سبع سنوات وأربعة أشهر وسبعة عشر يوما حتى تاريخ وقف إطلاق النار هو انتصار للسلام , وأهم نقطة في إيفيان هو الحفاظ على وحدة التراب الجزائري.

فرضت اتفاقيات إيفيان وحدة الشعب الجزائري بقوة ونجحت في عدم تفرقته، إذ تخلت عن تصورها الذي يدعي انتساب اللجزائريين لخليط من الجماعات المختلفة، وقد تم الاعتراف الوطني بالشعب الجزائري المنتسب إلى الثقافة العربية الإسلامية، والذي انصهر في الكفاح من أجل الاستقلال.

وبالرغم من القيود التي تضمنتها اتفاقية إيفيات الثانية لكنها قابلة للمراجعة في ظل الاستقلال وهو ما حدث بالفعل عندما استرجعت الجزائر استقلالها رسميا بعد الاستفتاء في يوليو 1962 حيث قامت في إطار السيادة بجملة من الإجراءات تستكمل من خلالها الإستقلال تمثلت في تأميم أراضي المعمرين والبنك الجزائري في سنة 1963 والمناجم في سنة 1966، وأخلت قاعدة المرسى الكبير سنة 1968 وأممت قطاع المحروقات وهكذا تخلصت الجزائر من القيود العسكرية والاقتصادية الواردة في الاتفاقية عبر سياسة التأميم للثروة الجزائرية, وإجلاء القوات المسلحة الفرنسية بدءا من 1965 من رقان و 1968 من قاعدة المرسى الكبير قبل الموعد المحدد لها في ايفيان.([33])

يضاف إلى ذلك فقد تم بموجب النصوص المتفق عليها الإفراج عن المعتقلين بعد كل ما عانوه من ويلات التعذيب ومختلف الأساليب خاصة في عهد ديجول، وهناك إيجابية مهمة جاءت بمحور الضمانات الفرنسية بأن وضعت بندا مع فرنسا يخص المستوطنين، بأن لهم الخيار الحر في الحصول على الجنسية الجزائرية أو الفرنسية بعد انقضاء مدة ثلاث سنوات.

  • مستقبل العلاقات الجزائرية الفرنسية.

تتحكم في العلاقات الجزائرية-الفرنسية منذ 1962 عدة عوامل أساسية ومنها ملف الذاكرة بحكم الماضي الإستعماري والمصالح الجيو- إستراتيجية كأداة نفوذ عسكري وسياسي بحكم أن الجزائر مدخل إلى القارة الأفريقية، خاصة أفريقيا جنوب الصحراء أو غرب أفريقيا التي هي الحديقة الخلفية لفرنسا، وهو ما يظهر بجلاء اليوم في مالي، وكذلك إمكانية أن تكون الجزائر عمقا إستراتيجيا لفرنسا في حالة إندلاع حرب عالمية نووية في أوروبا الضيقة المساحة، وقد ظهر ذلك بجلاء أثناء الحرب العالمية الثانية حين اكتشفت فرنسا أهمية الجزائر لها،خاصة الصحراء الجزائرية، فقد كان ذلك في حرب كلاسيكية، وهو ما سيزيد هذه الأهمية في حرب نووية، ويعد العامل الإقتصادي عاملا مؤثرا في هذه العلاقات حيث تعمل فرنسا جاهدة على ابقاء الجزائر مرتبطة بفرنسا إقتصاديا كما كان في العهد الإستعماري لكن بشكل ناعم, بالإضافة إلى قضية المهاجرين الجزائريين بفرنسا التي تستخدمها قرنسا كأداة ضغط على الجزائر بتهديدها بطردهم وإعادتهم إليها، مما سيزيد عدد البطالين، ويضخم أكثر الأزمة الإقتصادية والإجتماعية في الجزائر، حيث تعيش الكثير من العائلات الجزائرية من منح التقاعد لأبائها المهاجرين في فرنسا في العقود الماضية.([34])

قدمت الجزائر مبادرتها حين بعث الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون برقية تهنئة لنظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، عقب فوزه بولاية رئاسية ثانية في أبريل 2022، تضمنت أيضا دعوة لزيارة الجزائر هي الأولى من نوعها لرئيس فرنسي في عهد تبون – إن تمت –بالإضافة إلى خارطة طريق لمستقبل العلاقات بين البلدين عدها مراقبون “شروطا جزائرية”، رغم مؤشرات التقارب و”الارتياح” الجزائري لإعادة انتخاب ماكرون – بحسب متابعين – حيث أكد تبون لماكرون أن بلديهما  “مقبلان على فرصة تاريخية”، حدد خارطة طريق مستقبل العلاقات بين الجزائر وباريس في 5 نقاط، تعلقت بـ”الرؤية الـمجددة الـمنطلقة من احترام السيادة، وتوازن الـمصالح التي نتقاسمها فيما يتعلق بالذاكرة وبالعلاقات الإنسانية، والـمشاورات السياسية، والاستشراف الاستراتيجي، والتعاون الاقتصادي والتفاعلات في كل مستويات العمل الـمشترك، من شأنها أن تفتح لبلدينا آفاقا واسعة من الصداقة والتعايش الـمتناغم في إطار الـمنافع الـمتبادلة”.([35])

([1])عبدالجبار السامرائي. ابن خلدون وفلسفة التاريخ: 600 عام على وفاته, مجلة القافلة.

متاح على الرابط: https;//qafila/ar/

([2]) أشنع جرائم الاستعمار وأفظعها .. طالت شعبا عربيا بهذا التاريخ, العربية.

على الرابط: al-Arabiya.nwt/north_africa/2021/05/07

[3])) بيرم كمال. الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسة في الحضنو الغربية: فترة الاحتلال الفرنسي( 1840_ 1954), رسالة دكتوراة في التاريخ الحديث والمعاصر, كلية الآداب والعلوم الاجتماعية,. جامعة منتوري, قسنطينة, الجزائر, 2010_2011.

[4])) زهير احدادن. المختصر في تاريخ الثورة الجزائرية 1954_1962, مؤسسة احدادن للنشر و التوزيع. الجزائر الطبعة الأولى 2007 . ص12.

[5])) شارل أنري فارفوود. الثورة الجزائرية, ترجمة( كابويه عبد الرحمن, مسالم محمد), طبعة خاصة, وزارة المجاهدين, منشورات دحلب_ الجزائر, 2010, ص 439.

[6])) Miquel Calcada. Analasis of the Algerian War of Independence: Les Evenement , a LOST Opportunity for Peace. Journal of Conflictology, Campuce for PEACE, Univeristee de Catalonya,2012.

http://journal_of_conflictolgy.uoc.edu.

([7]) Alistair Horne. A savage War of Peace, Algeria 1954_1962, London, Mac Millan 1977, p 108.

فتحي الديب. عبد الناصر وثورة الجزائر, دار المستقبل العربي, القاهرة, 1984, ص 197.

[8])) محمد العربي الزبيري،الثورة الجزائرية في عامها الأ ول،دار البعث،الجزائر، 1994 ،ص ص 55

1693 في ، 2115ص .

الغالي غربي، فرنسا والثورة الجزائرية 1691, دراسة السياسات والممارسات،غرناطة للنشر،الجزائر, 2009, ص 267_ 286.

[9])) French _ Algerian Truce_ History.

https://www.history.com/this_day_in_history/french_

([10]) سلامي هجيرة. مذكرات الراحل فرحات عباس ودورها في كتابة تاريخ الجزائر, مجلة تاريخ العلوم: جامعة زيان عاشور الجلفة – الجزائر, مجلد5, عدد3, 2020.

[11])) عرفها الجنرال بوفر في كتاب مدخل للاستراتيجية انطلاقا من وظيفتها فهي عبارة عن اختيار قوة تحاول مجموعة بشرية فرض إرادتها على أخرى. انظر: بوفر. الحرب الثورية, ترجمة الهيثم الأيوني واكرم ديري, الطبعة الثانية, المؤسسة العربية للدراسات والنشر, الجزائر, 1988, ص14.

[12])) عمار قليل. ملحمة الجزائر الجديدة, الطبعة الأولى, الجزء الأول, دار البعث, قسنطينة, الجزائر, 1991, ص135.

The internationalization of the Algerian problem and its iscription on the Agenda on the general Assembly of the United Nation from 1957_ 1959> Wilson Center, Digital Archive, International History.

.https://digitaarchive.wilsoncenter.org/document/121601l

3 خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الجزائر أو مشروع قسنطينة_1959_ 1963

هو برنامج اقتصادي صممته الحكومة الفرنسية في عام 1958 في ذروة الحرب في الجزائر وبعد وصول الجنرال ديغول إلى السلطة.

[13])) Alistar Horne,op,cit,p394

محسن لزغيدي. مؤتمر الصومام وتطور ثورة التحرير الجزائرية 1956_1962, دار هومة, الجزائر, ص248.

بورغدة رمضان. عرض الجنرال ديغول لسلم الشجعان وتقرير المصير وتأثيراتهما على الثورة الجزائرية, حوليات جامعة قالمة للعلوم الاجتماعية والإنسانية, Volume 2, Numéro 1, Pages 95-133, 2008-12-31

([14])طاهر حليسي. قيدوهم واختبروا الإشعاعات على أجسادهم.. هكذا يعاني ضحايا التجارب الفرنسية النووية في الجزائر, عربي بوست, 2022/02/24.

https://arabicpost.net/opinions/2022/02/24

[15])) Youcef O. Bounab. France’s Atomic Legacy in Algeria, France has Yet to Sufficiently, address  the fallout forms its botched nuclear testing in a former colony, New Line Magazine.

https://newlinemag.com/reporage/frances_atomic_legacy_in_algeria/

[16])) لوافي، سومية. التجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية 1960-1966 : تفجيرات رقان أنموذجا, المجلة المغاربية للدراسات التاريخية و الاجتماعية , جامعة جيلالي ليابس سيدي بلعباس مخبر, الجزائر , المجلد 13، العدد 1 (31 يوليو/تموز 2021)، ص ص. 40-54، 15.

[17])) عزيز خيثر. لاتصالات و المفاوضات السرية بين فرنسا و جبهة التحرير الوطني 1955-1956 م, الحوار المتوسطي

Volume 9, Numéro 3, Pages 371-393

2019-01-05

https://www.asjp.cerist.dz/en/article/73201

([18]) بن يوسف بن خدة. اتفاقيات إيفيان, ( الجزائر, ديوان المطبوعات الجزائرية, 2002), ص17.

[19])) ابن يوسف بن خدة, المصدر السابق, ص21, 22.

الذكرى ال60 لاتفاقيات إيفيان: أحمد بومنجل ودبلوماسية الحرب الجزائرية بين السرية والتدويل. مونت كارلو.

https://www.mc-doualiya.com/

([20]) بو علام بن حمودة. الثورة  الجزائرية, ثورة أول نوفمبر 1954: معالمها الأساسية, ( الجزائر, دار النعمان للنشر والتوزيع, 2014), ص536.

([21])Algerian Independence.  1959_ 1962,case outcome: coin loss_Justor.

https://www.justor.org/stable/10.7249/j.ctt5hhsjk.16

[22])) برهان هلاك. انقلاب الجنرالات الفرنسيين من أجل جزائر فرنسية, بوابة افريقيا الإخبارية, 01_06_2021.

متاح على:https://www.afrigatenews.net/article

[23])) عبير سعيدان. منظمة الجيش السري AOS ونشاطها الإرهابي في الجزائر (1961_ 1962), رسالة ماجستير, شعبة التاريخ, قسم العلوم الإنسانية, كلية العلوم الإنسانية و الاجتماعية _ قطب شتمة, جامعة محمد خيضر, بسكرة,  الجزائر, 2012_2013.

زعيم وطني ورجل سياسي جزائري، مؤسس الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، عضو جبهة التحرير الوطني إبان حرب التحرير الجزائرية، أول رئيس للحكومة الجزائرية المؤقتة للجمهورية الجزائرية من 1958 إلى 1961، تم إنتخابه عند استقلال الجزائر رئيسا للمجلس الوطني التشريعي ليكون أول رئيس دولة للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية ،.توفي 23 ديسمبر 1985.

[24])) Benjamin stora, histoire de la guerre d’Algérie1954-1962, éditions la découverte, nouvelle

édition, paris, 2002 :p110.

Gilbert Meynier, Histoire intérieure du F L N 1954-1962, Alger, casbah édition, 2003, p : 626.

[25]))  René gallissost, les accord d’évian, en conjoncture et en longue, DIR: Mustafa madi, édition

casbah, Alger,1997, p:16.

الجنيدي خليفة، حوار حول الثورة ،الجزء الثاني، إشراف:عبد القادر نور،المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، الجزائر، 2009 م،ص : 414

([26]) Mahfoud Kaddache, ET, l’Algérie se libéra1954-1962, ENAG, Algérie, 2010,

([27]) Agénor Charles robert, Genèse l’Algérie algérienne, ENAG, Algérie, 2010, p : 676.

[28])) Mohamed Harbi, une vie debout, mémoires politiques1945-1962, tome : 01, édition casbah,

Alger, 2001 ; p : 356.

([29])جريدة المجاهد، الجزء الرابع العدد 107 نوفمبر 1961 – ص122

مجازر 17 أكتوبر 1961 بباريس “تطهير عرقي” في حق الجزائريين. وكالة الانباء الجزائرية, لسبت, 16 أكتوير 2021.

متاح على: https://www.aps.dz/ar/algerie/114102-17-1961

[30])) بن يوسف بن خدة. كتاب نهاية حرب التحرير في الجزائرـ إتفاقية إيفيان, مرجع سابق.

[31])) Jérôme Hélie, les accords d’Évian, histoire de la paix ratée en Algeria, Olivier Orban, 1992,

كريم ولد النبية، مسالة البترول و الثورة الجزائرية، الأبعاد الحضارية للثورة الجزائرية، الملتقى المغاربي يومي 11 و 12 جوان 2003

. تحت اشراف د- محمد مجاود، دار الغرب للنشر و التوزيع مارس 2005.

[32])) يحي بوعزير، مغزى و أبعاد 19 مارس 1962 م، فرنسا تعذب في الجزائر، مجلة المصادر، المركز الوطني للدارسات والبحث في الحركة

. 2001 م ص 48 : الوطنية وثورة أول نوفمبر 1954 م، العدد 5

[33])) مقدم سيد احمد المفاوضات و المفاوضون في تاريخ استقلال الجزائر 1962-1960 وزارة التعليم العالي و البحث العلمي. جامعة جيلالي ليابس- سيدي بلعباس.كلية العلوم الإنسانية و الاجتماعية. قسم التاريخ, الجزائر, 2017-2016.

[34]))  رابح لونيسي .مستقبل العلاقات الجزائرية-الفرنسية بعد إعادة إنتخاب ماكرون. الحوار المتمدن, لعدد: 7244 – 2022 / 5 / 10.

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=755641

[35])) يونس بورنان 4 ملفات ثقيلة تنتظر علاقات الجزائر وفرنسا بولاية ماكرون الثانية – العين الإخبارية – الجزائرالثلاثاء 2022/4/26.

متاح على: https://al-ain.com/article/macron-s-election-future-of-relations-with-algeria

5/5 - (2 صوتين)

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى