وسواس التلوث وغسل اليدين القهري لدى طفل الروضة

اعداد : د. هيفاء محمود الاشقر – جامعة الزهراء عليها السلام للبنات/ كلية التربية / العراق-كربلاء
- المركز الديمقراطي العربي
1-التعريف والسمات السريرية:
وفقاً للدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5-TR, 2022)، الصادر عن الجمعية الأمريكية للأطباء النفسيين، يتميز اضطراب الوسواس القهري بوجود أفكار وسواسية، أو أفعال قهرية، أو كليهما.
أ-الفكرة الوسواسية :
هي فكرة، صورة، أو شعور متكرر وداخلي يزعج الطفل.
تأتي بدون رغبة منه، وغالباً تسبب قلق أو خوف شديد.
الطفل يحاول عادة تجاهلها أو مقاومتها لكنه لا يقدر بسهولة.
مثال عند طفل الروضة:
“أنا لو لم أغسل يدي الآن سأمرض بشدة”
أو “الجراثيم موجودة في كل شيء!”
ب- الأفعال القهرية :
هي سلوكيات أو أفعال يقوم بها الطفل كرد فعل للفكرة الوسواسية لمحاولة تقليل القلق أو الخوف.
غالباً تكون متكررة، منظمة، وتستغرق وقتاً.
الطفل قد يشعر أنه يجب أن يقوم بها بشكل دقيق أو لن يحصل على الطمأنينة.
وتؤكد الدراسات الحديثة (Stein et al., 2023) أن وسواس التلوث هو النمط الأكثر شيوعاً لدى الأطفال الصغار، حيث ترتبط الأفكار بمخاوف مبالغ فيها من “الأوساخ غير المرئية”.
مثال عند طفل الروضة:
غسل اليدين عشرات المرات بعد لمس أي شيء
تكرار تنظيف اللعبة عدة مرات قبل اللعب بها
2-كيف يتجلى الوسواس القهري المتعلق بالتلوث لدى أطفال ما قبل المدرسة؟
يُظهر الأطفال في سن ما قبل المدرسة الوسواس القهري المتعلق بالتلوث بطرق تتناسب مع مرحلتهم النمائية. تشمل الأنماط الشائعة ما يلي:
غسل اليدين بشكل مفرط يتجاوز النظافة الروتينية
تجنب الأشياء أو الأسطح أو الأماكن التي يُنظر إليها على أنها “متسخة”
وتشير الأبحاث (Caporino et al., 2024) إلى أن الأطفال في هذه المرحلة يعتمدون على “الطقوس الحسية”، حيث يشعر الطفل أن يده لن تصبح نظيفة إلا إذا شعر بملمس الصابون لعدد مرات معين، مما يعكس عدم اكتمال المعالجة المعرفية لديهم.
3-أسباب الوسواس القهري المتعلق بالتلوث وغسل اليدين القهري لدى أطفال ما قبل المدرسة:
إن تطور هذه السلوكيات هو نتاج تفاعل معقد بين عدة عوامل:
أ-العوامل البيولوجية والوراثية:
تشير دراسات التصوير العصبي الحديثة (Apergis-Schoute et al., 2023) إلى وجود خلل في “دوائر المكافأة وتوقع الخطر” في الدماغ.
ب- العوامل النفسية والمعرفية:
يبالغ طفل الروضة في تقدير الخطر لعدم نضج فهمه للعلاقة بين السبب والنتيجة، فيصبح غسل اليدين استراتيجية لاستعادة الأمان. وقد أضافت الدراسات المعرفية المعاصرة مفهوم “فرط المسؤولية التضخيمي” حتى لدى الصغار، حيث يشعر الطفل أنه مسؤول شخصياً عن منع مرض عائلته من خلال تنظيف نفسه (Salkovskis & Young, 2021).
ج -التأثيرات البيئية والأسرية:
تلعب الأحداث الضاغطة دوراً كبيراً. كما أن “فخ الطمأنينة” الذي يقع فيه الوالدان عبر تقديم وعود متكررة للطفل بأن “كل شيء نظيف” قد يزيد من حدة الوسواس بدلاً من علاجه، لأنه يمنع الطفل من تطوير قدرته الذاتية على مواجهة القلق.
وتؤكد دراسات (Lebowitz, 2024) على دور “التكيف الأسري” حيث يؤدي رضوخ الأهل لطلبات الطفل بالتنظيف إلى تقوية المسارات العصبية للوسواس بدلاً من إضعافها.
4-التقييم والتشخيص:
يعتمد التقييم على مصادر متعددة نظراً لصعوبة التقرير الذاتي للطفل.
التمييز بين الوسواس والتطور الطبيعي : يعد هذا المحك هو الأصعب؛ فبينما تكون طقوس النمو الطبيعية وسيلة للعب والتعلم، تكون الطقوس الوسواسية “صلبة وتسبب تعطلاً واضحاً في جدول الطفل اليومي ونموه الاجتماعي (Muris & Merckelbach, 2022).
5- العلاجات القائمة على الأدلة:
أ-العلاج السلوكي المعرفي (CBT): وتحديداً تقنية “التعرض ومنع الاستجابة” (ERP)، والتي يتم تكييفها في هذا العمر لتكون من خلال اللعب التخيلي، حيث يتم تعريض الطفل لمثير “ملوث” بسيط تدريجياً مع تشجيعه على تأخير غسل اليدين.
وتشجع التوجهات الحديثة (2025) على دمج “العلاج باللعب الموجه بالتعرض”، حيث يتم تعريض الطفل لمواد (مثل الصلصال أو الألوان السائلة) لكسر حاجز الخوف من التلوث بطريقة ممتعة.
ب- تدريب الوالدين: وهو الركيزة الأساسية، حيث يتعلم الأهل كيفية الاستجابة لمخاوف الطفل دون تعزيز السلوك القهري.
برنامج (SPACE) الذي طوره ليتشفيتز (2020) يعد الآن من أقوى البرامج لتدريب الأهل على تقليل التكيف مع وسواس الطفل.
ما يميز هذا البرنامج عن العلاجات التقليدية هو أنه يستهدف الوالدين فقط، دون الحاجة لمشاركة الطفل مباشرة في الجلسات، مما يجعله مثالياً لأطفال الروضة الذين قد لا يستجيبون للعلاج الكلامي أو يرفضون العلاج.
-الركائز الأساسية لبرنامج SPACE:
1-فهم “التكيف الأسري :
يركز البرنامج على حقيقة أن الأهل، بدافع الحب والرحمة، يقومون بتغيير سلوكياتهم لتقليل ضيق طفلهم (مثل غسل يد الطفل بأنفسهم، أو الإجابة على أسئلته المتكررة لطمأنته).
وأثبتت دراسات ليبويتز (2020) أن هذا التكيف، رغم أنه يهدئ الطفل لحظياً، إلا أنه يعمل “كوقود” يستمر في تغذية الوسواس، لأنه يرسل رسالة غير مباشرة لعقل الطفل بأن “العالم خطر فعلاً وأنت لا تستطيع مواجهته وحدك”.
2- التحول من “الطمأنة” إلى “الدعم:
يعلم البرنامج الوالدين كيفية صياغة استجابات تجمع بين التعاطف مع مشاعر الطفل والثقة في قدرته على التحمل.
مثال: بدلاً من قول “يدك نظيفة لا تقلق”، يتعلم الأهل قول: “أنا أرى كم تشعر بالقلق الآن وهذا صعب عليك، ولكنني أعلم أنك بطل وقادر على تحمل هذا الشعور دون غسل يدك مجدداً”.
3- تقليل التكيف تدريجياً:
يضع الأهل خطة منظمة للتوقف عن المشاركة في طقوس الطفل الوسواسية.
يتم ذلك عبر اختيار “سلوك وسواسي واحد” في البداية، حيث يخبر الأهل الطفل بوضوح وحب: “ابتداءً من اليوم، لن نقوم بفتح صنبور الماء لك”، ويبدأ الأهل بالانسحاب من هذا السلوك مع الحفاظ على الدعم العاطفي.
ويعد برنامج SPACE فعالاً جداً لطفل الروضة لأن:
أ-أطفال الروضة غالباً لا يملكون البصيرة الكافية لرفض الوسواس، لكن تغيير بيئة الطفل (الوالدين) يجبر جهاز الطفل العصبي على التكيف مع الوضع الجديد.
ب-تقليل الصراعات الأسرية: أثبتت الأبحاث الحديثة (Lebowitz et al., 2024) أن البرنامج يقلل من مستوى “الجهد العائلي” والتوتر داخل المنزل، لأن الأهل يشعرون بأن لديهم خطة عمل واضحة بدلاً من الشعور بالعجز.
ج-نتائج تعادل العلاج الفردي: أظهرت التجارب السريرية أن نتائج برنامج SPACE في تقليل أعراض الوسواس القهري تعادل نتائج العلاج السلوكي المعرفي (CBT) المباشر مع الطفل.
ختاماً، يُعدّ وسواس التلوث لدى أطفال الروضة اضطراباً يتطلب وعياً أسرياً وتربوياً يتجاوز مجرد الحث على النظافة. إن فهم التفاعل بين الضعف البيولوجي والتكيف الأسري يُعد المفتاح الأساسي للتدخل المبكر. ومن خلال دمج الأساليب الحديثة مثل برنامج SPACE وتقنيات التعرض باللعب، يمكننا حماية الصحة النفسية للطفل ومنع ترسيخ الأنماط القهرية، مما يضمن له نمواً نفسياً سليماً قادراً على مواجهة قلق المستقبل بثبات.
References :
- American Psychiatric Association. (2022). Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders (5th ed., Text Revision – DSM-5-TR). Washington, DC: Author.
- Salkovskis, P. M., & Young, S. (2021). Cognitive-Behavioral Models of OCD Across the Lifespan: Moving Towards a Developmental Refinement. Annual Review of Clinical Psychology, 17, 311-338.
- Caporino, N. E., et al. (2024). Developmental Manifestations of Obsessive-Compulsive Disorder in Preschool-Aged Children: A Longitudinal Analysis. Journal of Child Psychology and Psychiatry, 65(2), 145-158.
- Muris, P., & Merckelbach, H. (2022). Ritualistic Behaviors vs. OCD in Early Childhood: A Diagnostic Challenge and Clinical Framework. Development and Psychopathology, 34(1), 89-102.
- Walitza, S., et al. (2021). Clinical Characteristics and Diagnostic Challenges of Early-Onset OCD in Preschoolers. European Child & Adolescent Psychiatry, 30, 421-435.
- Apergis-Schoute, A., et al. (2023). The Neurobiology of Pediatric OCD: Recent Advances in Neuroimaging and Circuitry Models. Journal of Psychiatric Research, 158, 210-224.
- Stein, D. J., et al. (2023). Obsessive-Compulsive Disorder: Nature and Treatment Update. Nature Reviews Disease Primers, 9(1), 1-22.
- Lebowitz, E. R. (2020). Breaking Free of Child Anxiety and OCD: A Guide to the SPACE Program. New York: Oxford University Press.
- Lebowitz, E. R., et al. (2022). Parent-based treatment (SPACE) as efficacious as cognitive-behavioral therapy for childhood anxiety and OCD: A randomized controlled trial. Journal of the American Academy of Child & Adolescent Psychiatry, 61(3), 332-345.
- Lebowitz, E. R. (2024). Addressing Family Accommodation in Pediatric OCD: Clinical Updates and Long-term Outcomes. Clinical Child and Family Psychology Review, 27, 45-60.
- Ginsburg, G. S., et al. (2023). Modified Exposure and Response Prevention for Preschool OCD: A Play-Based Approach. Journal of Clinical Child & Adolescent Psychology, 52(4), 512-526.


