إدارة البقاء الوطني: تحولات الأمن القومي المصري في عالم بلا يقين

بقلم : د. حمدي محمود – مدير المركز الديمقراطي العربي – القاهرة – مصر
يشهد الأمن القومي المصري في لحظته الراهنة انتقالًا جذريًا من منطق الدفاع عن الدولة بالمعنى التقليدي إلى منطق أوسع يتصل بإدارة الوجود الوطني في بيئة دولية وإقليمية تتسم باللايقين البنيوي، وتكثيف الصدمات، وتسارع التحولات التكنولوجية والاقتصادية والبيئية. ولم تعد التهديدات تُقاس فقط بقدرات الجيوش المعادية أو بنوايا الخصوم الإقليميين، بل باتت تتجسد في منظومات مركبة تُعيد تشكيل معنى السيادة ذاته، حيث تتقاطع المخاطر المائية والغذائية مع هشاشة الاقتصاد العالمي، وتداخل الأمن الداخلي مع شبكات التأثير العابرة للحدود، وتحول الفضاء الرقمي إلى ساحة اشتباك صامت لكنها شديدة الفاعلية.
في هذا السياق، تتحول النقاط الساخنة المحيطة بمصر من أزمات جغرافية محدودة إلى تعبيرات عن خلل أعمق في بنية النظام الإقليمي، ما يفرض على الدولة إعادة تعريف أولوياتها الأمنية ضمن منظور شمولي يتجاوز رد الفعل إلى بناء القدرة على التكيّف الاستراتيجي طويل المدى.
ويبرز البعد البيئي والمناخي كأحد أخطر الأبعاد الحديثة للأمن القومي المصري، إذ لم يعد التغير المناخي مجرد مسألة بيئية، بل أصبح عاملًا مضاعفًا للتهديدات التقليدية، من خلال تأثيره على الموارد المائية، وأنماط الزراعة، والهجرة الداخلية، واستقرار المدن الساحلية، وعلى رأسها دلتا النيل المهددة بارتفاع منسوب البحر. ويُضاف إلى ذلك أن الأزمات المناخية تُنتج ضغوطًا اجتماعية واقتصادية قد تتحول إلى توترات أمنية داخلية إذا لم تُدمج السياسات البيئية ضمن صميم التخطيط الأمني والاقتصادي للدولة.
وفي هذا الإطار، يغدو الأمن القومي المصري مرتبطًا بقدرته على الانتقال من إدارة المخاطر البيئية إلى استثمارها ضمن استراتيجيات الاستدامة، وتحويل التحدي المناخي إلى فرصة لإعادة هيكلة الاقتصاد والطاقة والزراعة، وتعزيز قدرة الدولة على الصمود أمام الصدمات الكوكبية المرتبطة بالتغير المناخي والجفاف والفيضانات المتكررة.
ومن الزوايا الحديثة شديدة الحساسية، يتقدّم الأمن المعرفي والذهني كأحد ميادين الصراع غير المرئي، حيث تتعرض المجتمعات إلى عمليات منظمة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي، وزعزعة الثقة في الدولة، وتفكيك الروابط الاجتماعية عبر منصات رقمية عابرة للسيادة. ولم تعد حروب المعلومات مجرد حملات دعائية، بل تحولت إلى أدوات لإضعاف المناعة الوطنية، وإنتاج الاستقطاب، وتآكل الشرعية الرمزية، بما يجعل حماية المجال المعرفي جزءًا لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي. وفي الحالة المصرية، تكتسب هذه الجبهة أهمية مضاعفة نظرًا للثقل الديموغرافي والثقافي والإعلامي للدولة، ما يجعلها هدفًا دائمًا لمحاولات التأثير الخارجي وإعادة توجيه السرديات الوطنية.
كما يفرض التحول التكنولوجي العميق، ولا سيما صعود الذكاء الاصطناعي والأنظمة الخوارزمية، إعادة صياغة شاملة لمفهوم القوة والأمن. فالدولة التي لا تمتلك قدرة سيادية على إدارة بياناتها، وبناء بنيتها الرقمية، وتطوير كوادرها في مجالات التحليل الخوارزمي والأمن السيبراني، تصبح عرضة لنمط جديد من التبعية غير المرئية.
ويأخذ هذا البعد في الحالة المصرية شكل تحدٍ مزدوج، يتمثل في ضرورة حماية البنية التحتية الحيوية من الهجمات السيبرانية، وفي الوقت ذاته توظيف التكنولوجيا المتقدمة لتعزيز القدرة على التنبؤ بالأزمات، وإدارة الموارد، وتحسين كفاءة القرار الاستراتيجي، بما ينقل الأمن القومي من منطق الحراسة إلى منطق الذكاء الاستباقي، ويخلق فرصًا لاستباق التحولات العالمية في مجالات التمويل الرقمي، والعملات المشفرة، والبيانات الكبرى.
ويتداخل مع ذلك بُعد الاقتصاد السياسي للأمن، حيث لم تعد الأسواق محايدة، ولا سلاسل الإمداد مجرد أدوات تجارية، بل أصبحت ساحات صراع مكتملة الأركان.
وتواجه مصر في هذا الإطار تحديات متعلقة بالاندماج غير المتكافئ في الاقتصاد العالمي، والتأثر بتقلبات التمويل الدولي، وضغوط الديون، ما يجعل الاستقلال النسبي للقرار الاقتصادي شرطًا أساسيًا لتعزيز الأمن القومي. ويبرز هنا مفهوم “المرونة الاقتصادية” بوصفه أحد أعمدة الأمن الحديث، أي قدرة الدولة على امتصاص الصدمات، وتنويع مصادر الدخل، وبناء قاعدة إنتاجية قادرة على تقليل الاعتماد الخارجي دون الانعزال عن العالم، مع استثمار الأبعاد الجيوستراتيجية للطاقة، والموانئ البحرية، والنقل الدولي، والمشروعات الكبرى مثل قناة السويس الجديدة، لتعظيم دور مصر كقاطرة اقتصادية إقليمية.
وفي قلب هذه المعادلة المعقدة، تظل القوة الديموغرافية المصرية سلاحًا ذا حدين؛ فهي من جهة مصدر محتمل للقوة والنفوذ الإقليمي، ومن جهة أخرى تمثل تحديًا أمنيًا صامتًا إذا لم تُدمج ضمن مشروع تنموي شامل يستثمر في التعليم، وبناء الإنسان، وتأهيل رأس المال البشري لعصر الاقتصاد المعرفي، مع التركيز على تطوير الكفاءات الرقمية، والبحث العلمي، ومجالات الفضاء، والتكنولوجيا الحيوية، بما يربط بين الأمن القومي والأمن الاقتصادي والتكنولوجي والسياسي في إطار رؤية استراتيجية شاملة.
ولا يمكن إغفال البعد الجيوسياسي المستقبلي، الذي يشمل الأمن الفضائي والأمن الإلكتروني العابر للقارات، خصوصًا في ظل تحوّل مصر إلى لاعب إقليمي في استراتيجيات الأقمار الصناعية، واستكشاف الفضاء، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في إدارة موارد الدولة والاستشراف الاستراتيجي للأزمات. فالأمن القومي الحديث لم يعد محصورًا في الأرض أو الحدود، بل يمتد إلى الأفق الفضائي والمجالات الرقمية المعقدة، حيث تتقاطع التحالفات الجديدة، والتهديدات العابرة للقارات، وسباقات التكنولوجيا مع المصالح الوطنية الجوهرية.
وهكذا، يتضح أن الأمن القومي المصري في القرن الحادي والعشرين لم يعد ملفًا مغلقًا تديره المؤسسات الأمنية وحدها، بل أصبح مشروعًا وطنيًا شاملًا يتقاطع فيه السياسي بالاقتصادي، والتكنولوجي بالبيئي، والداخلي بالإقليمي والدولي، والرقمي بالفضائي.
والتحدي الجوهري أمام الدولة المصرية لا يكمن فقط في احتواء النقاط الساخنة المحيطة بها، بل في قدرتها على الانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى بناء نموذج متكامل للأمن الشامل، قادر على حماية الدولة، وتعزيز مكانتها، وضمان استمراريتها في عالم تتآكل فيه اليقينيات وتُعاد فيه كتابة قواعد القوة والسيادة، وفي بيئة عالمية تتسم بالاضطراب الكوكبي، والصدمات متعددة المستويات، وتسارع التحولات الاستراتيجية.


