fbpx
التوعية الديمقراطية

الحصانة البرلمانية في المفهوم الدستوري

 

اعداد : الدكتور عادل عامر

إن المسؤولية الوطنية الملقاة على عاتق أعضاء مجلس الأمة هو المساهمة بفاعلية في بناء دولة القانون والمؤسسات من خلال سن قوانين عادلة، وترسيخ قواعد الديمقراطية الصحيحة والعمل الدءوب للقضاء على العنف المجتمعي بكل أشكاله كي يبقى هذا البلد واحة أمن واستقرار

الحصانة البرلمانية الإجرائية امتياز دستوري يتمتع به عضو البرلمان، لا لشخصه أو لذاته، وإنّما باعتباره ممثلاً للأمة، كي يباشر عمله البرلماني على أكمل وجه. والحصانة البرلمانية الإجرائية لا يجوز التنازل عنها من صاحب الشأن بإرادته المنفردة، وإلاّ حقت مساءلته أمام المجلس النيابي التابع له، كما لا يجوز لهؤلاء الأعضاء من ناحية أخرى، الاحتماء أو الاختفاء وراء هذه الحصانة لإتيان أفعال يحرمها القانون، أو لتحقيق مكاسب غير مشروعة، لأنها شرّعت للمصلحة العامة، وليس للمصلحة الخاصة.

ضمانا لاستقلال أعضاء البرلمان وحماية لهم ضد أنواع التهديد والانتقام سواء من جانب السلطات الأخرى في المجتمع أم من جانب الأفراد تتضمن دساتير معظم دول العالم نصوصها تكن لهم الطمأنينة التامة والثقة الكاملة عند مباشرة أعمالهم . وهذه النصوص تعرف باسم الحصانة البرلمانية وهي نوعان : حصانة موضوعية وحصانة إجرائية.

والحصانة الموضوعية تعني عدم مسئولية أعضاء البرلمان عن الأقوال أو الأفكار والآراء التي تصدر منهم أثناء ممارستهم لوظائفهم النيابية ولهذا يقال لها الحصانة ضد المسئولية البرلمانية .أما الحصانة الإجرائية فتعني عدم جواز اتخاذ أي إجراءات جنائية ضد أي من أعضاء البرلمان في غير حالة التلبس بالجريمة إلا بعد إذن المجلس التابع له ولهذا يطلق عليها الحصانة ضد الإجراءات الجنائية .

والحصانة البرلمانية سواء أكانت موضوعية تمثل استثناء من القانون العام اقتضته ضرورة جعل السلطة التشريعية بمنأى عن اعتداءات السلطات الأخرى وهي إن كانت في الظاهر تخل بمبدأ المساواة بين الأفراد إلا أن عدم المساواة هنا لم يقرر لمصلحة النائب بل لمصلحة سلطة الأمة ولحفظ كيان التمثيل النيابي وصيانة ضد أي اعتداء .

ولكن ليس معنى ذلك أن يصبح أعضاء البرلمان بهذه الحصانة فوق القانون لا حسيب عليهم ولا رقيب فالحصانة ليست طليقة من كل قيد أو حد فهي عندما تقررت إنما كان ذلك لهدف محدد وواضح لا يجوز تجاوزه أو الخروج عليه وإلا تعرض عضو البرلمان للمسئولية كاملة.أطلق البعض خلال الفترة الأخيرة دعوات لنزع الحصانة البرلمانية عن عضو مجلس النواب خارج البرلمان، حيث دعت حملة “امنع حصانة” المواطنين للتوقيع على استمارة في محاولة للضغط الشعبي ورفع الحصانة عن أعضاء مجلس النواب، خارج البرلمان، في المقابل وجدت هذه الدعوات رفضا تاما من الأحزاب والقوى السياسية، مؤكدة أن الدستور المصري ينص على ذلك، ولا يجب مخالفته من ناحية ومن ناحية أخرى فمن يحمى النائب إذا قدم استجوابا ضد الحكومة أو الرئيس من الانتقام.

ما معنى الحصانة البرلمانية:

الحصانة البرلمانية هي نوع من الحماية القانونية التي يعطيها الدستور لنواب الشعب في البرلمان كنوع من الحماية السياسية و القانونية حتى يستطيع النائب أن يؤدي وظيفته الدستورية كاملة ( كسلطة تشريعية) بعيدا عن تأثير السلطة التنفيذية على أعضاء البرلمان بالترغيب أو الترهيب ، وقد كفل الدستور لأعضاء المجلس حصانة خاصة في بعض الأحكام المقررة في التشريع الجنائي أساس الحصانة البرلمانية هو أن السيادة للشعب وحدة يمارسها على الوجه المبين في الدستور، وبناءً على ذلك فإن عضو البرلمان لا يعبر عن رأيه وإنما يعبر عن رأي الشعب كله، لذلك تعد الحصانة البرلمانية من أهم الضمانات التي تكفل لأعضاء البرلمان الحرية في التعبير عن آرائهم وأفكارهم دون خوف من تعرضهم لأي شكل من أشكال المسؤولية القانونية، وتمنع أي تأثير من السلطة التنفيذية عليهم بالترغيب أو الترهيب.

لذلك فقد منح الدستور المصري وبنصوص واضحة وقاطعة أعضاء النواب حصانة برلمانية كنوع من الحماية السياسية والقانونية لكي يتمكنوا من القيام بعملهم البرلماني في مراقبة أداء السلطة التنفيذية والإسهام في عملية التشريع بكل فاعلية وحرية، ولمنع أي جهة من أن تتخذ بحق عضو البرلمان إجراءات جزائية.

والحصانة البرلمانية كالحصانة الدبلوماسية والحصانة القضائية تمنح أعضاء البرلمان الإعفاء من التزامات معينة مفروضة عليهم كأفراد في المجتمع، وهذا يشكل إخلالاً بمبدأ المساواة بين الأفراد أمام القانون، إلا أن عدم المساواة هنا مبرر لأنها لم تقرر لمصلحة النائب الشخصية، وإنما لصفته الوظيفية باعتباره ممثلاً للشعب.

وهذا يعني أن الحصانة البرلمانية ما هي إلا امتياز بموجب الدستور لعضو البرلمان لكي يباشر وظيفته النيابية على أكمل وجه، فهي سبب قانوني يمنع عقاب عضو البرلمان عما يبديه من أقوال أو آراء في إطار وظيفته البرلمانية. لكن هل يعني ذلك أن النائب فوق القانون في جميع أقواله وتصرفاته؟ قطعيّاً لا.

جاء النظام الداخلي لمجلس النواب لتنظيم الحصانة البرلمانية ووضع ضوابط وقيود على النائب التقيد بها عند إبداء رأيه. فمثلاً لا يجوز للنائب استخدام الألفاظ النابية أو العبارات غير اللائقة التي فيها مساس بكرامة المجلس أو الأشخاص، والهيئات أو المساس بالنظام العام أو الآداب العامة. كما لا يجوز له أن يقوم بأي فعل يشكل إخلالاً بالنظام العام

النائب يتمتع بالحصانة للدفاع عن حقوق الشعب في إطار الدستور والقانون ويترتب على تمتعه بها أنه لا يجوز مؤاخذة عضو البرلمان بسبب أي تصويت أو رأي يبديه أو خطاب يلقيه أثناء جلسات المجلس. كما لا يجوز اتخاذ إجراءات جزائية ضد أي عضو من أعضاء البرلمان في غير حالة التلبس بالجريمة إلا بعد الحصول على إذن من المجلس التابع له. هذه الحصانة جاءت لحماية العمل النيابي خدمة للمصلحة العامة واحتراماً للشعب الذي يمثله النائب، ودفاعاً عن حقوقه والعمل على تلبية مطالبه المشروعة في حياة كريمة. ولا يتحقق ذلك إلا بإتباع أسلوب الحوار الحضاري وتقديم الحجة وقبول الرأي والرأي الآخر، وهجر أسلوب التخوين والسبّ والشتم. أما اللجوء إلى العنف والذي بدأ في مجلس النواب باستعمال الألفاظ النابية والعراك بالأيدي وقذف الأحذية والتهديد بالسلاح، وكانت الحلقة الأخيرة فيما بات يعرف بالعنف البرلماني مأساوية وهي استعمال سلاح الكلاشنكوف في حرم المجلس، فهذا السلوك الطائش من بعض النواب يعد خروجاً سافراً على كل القواعد القانونية والأعراف البرلمانية والتقاليد الوطنية والأخلاقية المستقرة منذ عهد أول برلمان مصري .

وهذه التصرفات تمثل اعتداءً على حرمة مجلس الأمة بيت الشعب وهيبة السلطة التشريعية في بلدنا العزيز، وتشويه لسمعتنا في العالم خاصة أنه تم نقل الخير فوراً عبر كل الفضائيات باعتباره حدثاُ غير مألوفاً في كل برلمانات العالم. لذلك على رئاسة المجلس أن تقوم بتفعيل نصوص النظام الداخلي وتضرب بيد من حديد على كل من يسيء باللفظ أو بالفعل لزملائه أو لأعضاء الحكومة أو لأي جهة كانت.

سلاح النائب القوي هو ممارسته حقوقه الدستورية في السؤال والاستجواب والمشاركة في لجان التحقيق البرلمانية للدفاع ن مصالح الشعب والإسهام بفاعلية في سن التشريع، ومراقبة المال العام وحراسته من الفاسدين. وهذا يتطلب من النائب الإطلاع على تجارب الدول العريقة في الديمقراطية وكيفية صياغة القوانين بطريقة تحقق المساواة والعدالة لجميع أفراد الشعب وخاصة الطبقات الفقيرة.

تهدف الحصانة البرلمانية الإجرائية منع السلطة التنفيذية من اتخاذ الإجراءات الجزائية ضد أعضاء البرلمان للتأثير عليهم إلاّ بعد الحصول على إذن البرلمان، أو بعد انقضاء مدة تمتعهم بالعضوية.

فالحصانة البرلمانية الإجرائية شخصية، وهي تبقى كذلك، وإن تبدلت الصفّة التي يتصف بها عضو البرلمان، بمعنى إذا كان لعضو البرلمان صفة القيّم أو الوصي على شخص محجوز عليه، وأرادت جهة من الجهات صاحبة الاختصاص اتخاذ إجراءات جزائية ضده بهذه الصفة، فإنها لا تستطيع القيام بذلك لتمتع عضو البرلمان

بالحصانة الإجرائية.

وتتمثل الغاية من كون الحصانة البرلمانية الإجرائية شخصية في أن الضرورة العملية في هذا المجال تحتم أن يكون عضو البرلمان وحده طليق اليدين، موفور الحرية، بعيداً عن الضغوط، حتى يؤدي رسالته البرلمانية على أكمل وجه وأتمّ صورة، محافظاً على حقوق الأمة ومصالحها الأساسية.

وإذا كانت الإجراءات الجزائية، هي محل الحصانة الإجرائية، فإن الدستور الأردني قد جاء بعبارات واضحة صريحة لا تحتمل اللبس أو التأويل في قصر هذه الحصانة على إجراءات التوقيف والمحاكمة التي تقيّد النائب أو العين دون غيرها من الإجراءات الجزائية.     فالأثر المترتب على هذه الحصانة إذن يقتصر على تأخير اتخاذ بعض الإجراءات الجزائية في غير حالة التلبس- وتعليق اتخاذها على إذن المجلس الذي ستتاح له الفرصة بذلك للتأكد من أحقية طلب رفع الحصانة، وعدم وجود أسباب كيديه أو انتقامية وراءه، دون أن يكون لهذه الحصانة أثر على الدعاوى المدنية، إذ يجوز مخاصمة أعضاء مجلس الأمة الأردني أمام المحاكم النظامية لتحصيل الديون أو المطالبة بالتعويض عن الضرر المترتب عن أعمال عضو مجلس الأمة وأفعاله غير الداخلة بنطاق الحصانة البرلمانية الموضوعية. وترفع الحصانة البرلمانية الإجرائية لعدة أسباب منها: حالة التلبس بالجرم المشهود وإسقاط العضوية، وفصل العضوية وحل البرلمان، وتقديم عضو البرلمان استقالته وانتهاء مدة المجلس، وفي حالة الطعن في صحة نيابته.

وخلاصة القول : تعتبر الحصانة البرلمانية إجراء استثنائي تقتضيه ضرورة جعل السلطة التشريعية بمنأى عن اعتداءات السلطات الأخرى وطغيانها , وهي وإن كانت في ظاهرها تخل بمبدأ المساواة بين الأفراد , إلا أن عدم المساواة هنا لم يقرر في حقيقة الأمر لمصلحة النائب الشخصية , بل لمصلحة سلطة الأمة ولحفظ كيان التمثيل النيابي وصيانته من كل اعتداء . ولكن هذا لا يعني أن يصبح أعضاء البرلمان دون بقية الأفراد – فوق القانون لا حسيب ولا رقيب عليهم – فالحصانة في الحقيقة ليست طليقة من كل قيد أو حد , بل هناك ضوابط وقيود عديدة تحد من نطاقها , فإذا ما تجاوز عضو البرلمان الحدود المسموح بها أو المشروعة لها تعرض للمسؤولية الكاملة . و تجدر الإشارة هنا إلى أن السياق الجديد الذي يعيش الغرب ظرفيته المتميزة , يدعو إلى اعتماد منظور جديد للحصانة البرلمانية يقوم على التمسك بالحصانة الموضوعية مقابل التقليص التدريجي من نطاق الحصانة الإجرائية , وذلك مع مراعاة الدور الحاسم الذي يمكن للقضاء أن يقوم به في تفعيل مفهوم و مضمون الديمقراطية و بناء دولة الحق بضمان سيادة القانون و مساواة الجميع أمامه في جميع الظروف و الأحوال. وعندئذ ستصبح المحاكمة العادلة, الحصانة الحقيقية ليس فقط للمنتخبين, بل للناخبين أيضا, تكريسا لمبدأ المساواة بين الأفراد.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق