fbpx
التوعية الديمقراطية

خطر الفساد السياسي على القيم الانسانية في الأنظمة الديكتاتورية

اعداد : محمد نبيل الشيمى

– المركز الديمقراطي العربي

تعد ظاهرة الفساد ظاهرة قديمة قدم المجتمعات الإنسانية فقد ارتبط وجود هذه الظاهرة بوجود الأنظمة السياسية والتنظيم السياسي وهي ظاهرة لا تقتصر على شعب دون آخر أو دولة أو ثقافة دون أخرى إلا أنها تتفاوت من حيث الحجم والدرجة بين مجتمع وآخر وبالرغم من وجود الفساد في معظم المجتمعات إلا أن البيئة التي ترافق بعض أنواع الأنظمة السياسية كالأنظمة الاستبدادية الديكتاتورية تشجع على بروز ظاهرة الفساد وتغلغلها أكثر من أي نظام آخر بينما تضعف هذه الظاهرة في الأنظمة الديمقراطية التي تقوم على أسس من احترام حقوق الإنسان وحرياته العامة وعلى الشفافية والمساءلة وسيادة القانون .

يقول الأستاذ عدنان الصالحي في دراسة له بعنوان ” الفساد وتهديد منظومة القيم الانسانية ” : الخطر في الفساد السياسي كبير كونه يؤسس لحالة تمتد إلي مشروع متبني من قبل جهات حزبية وكتل لها تأثيرها في توجيه الرأي العام من خلال مشروعها المطروح ويكون هدفه الأساس هو الوصول إلي مصلحة ذات الحزب أو التكتل في السلطة أو الحكم بعيداً عن المصلحة الوطنية وتتمثل مظاهره في الحكم الشمولي وفقدان الديموقراطية وعدم المشاركة في صنع القرار وفساد الوزراء ومن علي شاكلتهم وتفشي الفئوية والعشائرية والطائفية والعرقية وتولية الأقارب للمناصب كبديل عن اختيار الأكفأ والأكثر نزاهة وتفشي المحسوبية والمحاباة والوساطة والتدخل في أحكام القضاء ..

وهو ما يعتبره الكاتب مؤدياً لنتائج سلبية مدمرة وبالرغم من أن الأسباب الرئيسية لظهور الفساد وانتشاره متشابهة في معظم المجتمعات إلا أنه يمكن ملاحظة خصوصية في تفسير ظاهرة الفساد بين شعب وآخر تبعاً لاختلاف الثقافات والقيم السائدة، كما تختلف النظرة إلى هذه الظاهرة باختلاف الزاوية التي ينظر إليها من خلالها وذلك ما بين رؤية سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، وهو ما يبرر الاختلاف في تحديد مفهوم الفساد. إن مكافحة الفساد تستدعي تحديداً لهذا المفهوم كما تستدعي بياناً لأسباب انتشاره في المجتمع، وتوضيح أبرز صوره وأشكاله، والآثار السياسية والاقتصادية والاجتماعية المترتبة عليه، وسبل مكافحته، وبلورة رأي عام مضاد له وبناء إرادة سياسية لمواجهته، وتبني استراتيجيات لذلك تتناسب وطبيعة كل مجتمع , لذا وجب تحديد مفهوم الفساد فهنالك من يقول بأنه خروج عن القانون والنظام (عدم الالتزام بهما) أو استغلال غيابهما من أجل تحقيق مصالح سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية للفرد أو لجماعة معينة، بينما يعرفه آخرون بأنه قيام الموظف العام وبطرق غير سوية بارتكاب ما يعد إهداراً لواجبات وظيفته، فهو سلوك يخالف الواجبات الرسمية للمنصب العام تطلعاً إلى تحقيق مكاسب خاصة مادية أو معنوية.

ومع هذا هناك اتفاق دولي على تعريف الفساد كما حددته “منظمة الشفافية الدولية” بأنه ” كل عمل يتضمن سوء استخدام المنصب العام لتحقيق مصلحة خاصة ذاتية لنفسه أو جماعته “. وتتجلى ظاهرة الفساد بمجموعة من السلوكيات التي يقوم بها بعض من يتولون المناصب العامة، وبالرغم من التشابه أحياناً والتداخل فيما بينها إلا أنه يمكن إجمالها بالرشوة والمحسوبية والمحاباة ونهب المال العام والابتزاز ( حسين علي الحمداني : الإدارة السياسية في مكافحة الفساد ) – نسكو يمن ووفقاً للموسوعة الحرة ويكيبديا فإن الفساد :
مصطلح يشير إلى حالات انتهاك مبدأ النزاهة ولكن ليس هناك تعريف محدد للفساد بالمعنى الذي يستخدم فيه هذا المصطلح في الوقت الراهن ، لكن هناك ثمة اتجاهات متعددة تتفق في كون الفساد إساءة استعمال السلطة العامة أو الوظيفة العامة للكسب الخاص كذلك يشير إلى معانٍ أخرى كالشر ، والمرض ، وفقدان البراءة أو الطهارة .

أما تعريف الفساد على المستوى العالمي فوفقاً لتعريف البنك الدولي , بأنه استعمال الوظيفة العامة للكسب الخاص (الشخصي) غير المشروع (ليس له أي أساس قانوني),, وهذا التعريف يتداخل مع رأي صندوق النقد الدولي الذي ينظر إلى الفساد من حيث , إنه علاقة الأيدي الطويلة المتعمدة التي تهدف لاستنتاج الفوائد من هذا السلوك لشخص واحد أو لمجموعة ذات علاقة بالآخرين يصبح الفساد علاقة وسلوك اجتماعي يسعى رموزه إلى انتهاك قواعد السلوك الاجتماعي فيما يمثل عند المجتمع المصلحة العامة , لهذا يصنف المختصون في قضايا الفساد أنواعه إلى واسع وضيق .

فالفساد الواسع ينمو من خلال الحصول على تسهيلات خدمية تتوزع على شكل معلومات تراخيص أما الفساد الضيق فهو قبض الرشوة مقابل خدمة اعتيادية بسيطة أي عندما يقوم موظف بقبول أو طلب ابتزاز رشوة لتسهيل عقد أو إجراء طرح لمناقصة عامة مثلاً كما يمكن للفساد أن يحدث عن طريق استغلال الوظيفة العامة من دون اللجوء إلى الرشوة وذلك بتعيين الأقارب ضمن منطق (المحسوبية والمنسوبية) أو سرقة أموال الدولة المباشرة. وقد اختارت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد للعام 2003 ألا تعرف الفساد تعريفاً فلسفياً أو وصفياً بل انصرفت إلى تعريفه من خلال الإشارة إلى الحالات التي يترجم فيها الفساد إلى ممارسات فعلية على أرض الواقع ومن ثم القيام بتجريم هذه الممارسات وهي الرشوة بجميع وجوهها في القطاعين العام والخاص والاختلاس بجميع وجوهه والمتاجرة بالنقود وإساءة استغلال الوظيفة وتبييض الأموال والثراء غير المشروع وغيرها من أوجه الفساد الأخرى (مازن مرسول محمد – مفهوم الفساد ) ويقول الباحث ميشيل بنتو دشنكسي: “الفساد يشير إلي التخلي عن معايير السلوك المتوقعة من جانب من هم في موقع السلطة من أجل مصلحة شخصية غير مأذون بها” أما أرنولد ايه روجو وأتش دي لا سويل فيريان أن فعل الفساد ينتهك المسئولية تجاه أسلوب واحد علي الأقل لنظام عام أو نظام مدني وهو في الواقع لا يتفق مع(تدمير) أي نظام من هذا القبيل وأسلوب النظام العام أو المدني برفع المصلحة المشتركة علي المصلحة الخاصة وانتهاكات للمصلحة المشتركة من أجل النفع الخاص هي فساد… يعرف معجم أوكسفورد الإنجليزي الفساد بأنه “انحراف أو تدمير النزاهة في أداء الوظائف العامة من خلال الرشوة والمحاباة” وقد يعني الفساد : التلف إذا ارتبط المعنى بسلعة ما وهو لفظ شامل لكافة النواحي السلبية في الحياة وعندما يرتبط بالإنسان يعني انعدام الضمير وضعف الوازع الديني عند الشخص بما يجعل من نفسه بيئة صالحة لنمو الفساد .
المصطلح لغوياً :-
1. الفساد في معاجم اللغة هو في (فسد) ضد صلح (والفساد) لغة البطلان فيقال فسد الشيء أي بطل واضمحل ويأتي التعبير على معانٍ عدة بحسب موقعه ، والتعريف العام لمفهوم الفساد عربياً بأنه اللهو واللعب وأخذ المال ظلماً من دون وجه حق مما يجعل تلك التعابير المتعددة عن مفهوم الفساد توجه المصطلح نحو إفراز معنى يناقض المدلول السلبي للفساد فهو ضد الجد القائم على فعل الائتمان على ما هو تحت اليد (القدرة والتصرف) وقد تناول القرآن الكريم الفساد في العديد من الآيات وجاء في موقع الأضواء أن القرآن الكريم لا يستعمل مصطلح الفساد بمعناه الشرعي الخاص فقط فقد نقله على لسان العصاه والظالمين في تناولهم لحركة الأنبياء والصالحين كما وصف اتباع فرعون لدعوة موسى ومقاومته لفرعون بقولهم (أتنذر “تترك” موسى وقومه ليفسدوا في الأرض) (127) سورة الأعراف أووصف فرعون لدعوة موسى بقوله (ذروني (اتركوني) أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد) أو قول بلقيس ملكة سبأ عندما تحدثت عن الملوك بعد أن وصلتها رسالة النبي سليمان ( إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذله) (34) سورة النمل …

وتارة يأتي لفظ الفساد للتعبير عن رأي القرآن الكريم في الإشارة أو وصف الطغاه المستبدين والخارجين عن منهج الشريعة أو في التحذير من الطرق التي تؤدي إلى الفساد فيقول عز من قائل ( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لايريدون علواً في الأرض ولا فسادا) وقوله تعالى ( إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفسادٌ كبير وقوله أيضاً ( وإذا تولى سعي في الأرض ليفسد فيها) . ومن ثم فإن مصطلح الفساد في القرآن الكريم يصف حالة معينة , ينقل تارة علي لسان أهل التشريع وتارة عن عامة الناس وتارة أخري علي لسان المعارضين للرسالة..وقديكون لكل اتجاهه والنظر اليه من زوايا مختلفه حسب رؤية من يتناول ماهية هذا المصطلح وهكذا يصنف الفساد علي أنه ظاهرة ليست وليدة اليوم ولا مرتبطة بزمان أو مكان ففي العهد الفرعوني سجل في البرديات القديمة حوادث فساد سجل في إحداها تواطؤ حراس المقابر الفرعونية مع لصوص المقابر الذين كانوا قد سرقوا قطعاً وحلي ذهبية من مقابر الأسر الحاكمة الفرعونية. وفي حادثة أخرى عثر عالم الآثار الهولندي في أحد المواقع الأثرية السورية عام 1997 على ألواح مسمارية وعند تحليلها كشفت عن قضايا خاصة بالفساد من قبل العاملين في البلاط الملكي الأشوري قبل آلاف السنين .

وفي حالة مشابهة عثر على لوح من الحضارة الهندية ( حوالي 300 عام ق.م ) كتب عليه العبارة الآتية : يستحيل على المرء أن لا يذوق عسلا ً أوسما ًامتد إليه لسانه وعليه فإنه يستحيل أيضا ً على من يدير أموال الحكومة أن لا يذوق من ثروة الملك ولو نذرا ً قليلا (د. عبداللطيف الرعود – الفساد السياسي) وتؤكد الشواهد التاريخية أن أرض العراق ،

عرفت ظاهرة الفساد، وقد وجدت إشارات إلى جرائم الظاهرة في القوانين التي عرفتها (أوروك) و(أورنمو) في الألواح السومرية ومحاضر جلسات مجلس (أرك)، حسب آراء (السير كريمر) كما إن الوثائق التي عثر عليها تعود بتاريخها إلى الألف الثالث (ق.م) تبين أن (المحكمة الملكية) آنذاك كانت تنظر في قضايا الفساد، مثل (استغلال النفوذ، استغلال الوظيفة العامة، قبول الرشوة وإنكار العدالة) حتى إن قرارات الحكم في جرائم مثل هذه كانت تصل إلى حد الإعدام. ويلاحظ أن (حمو ـ رابي) ملك بابل صاحب التشريعات المهمة في التاريخ (شريعة حمورابي)، قد أشار في المادة السادسة من شريعته إلى جريمة الرشوة.حيث شدد على إحضار طالب الرشوة أمامه ليقاضيه بنفسه وتوليه أمر اجتثاثه، مما يدل على اهتمامه الكبير بمكافحة آفة الفساد . ومن الملاحظ أن لمصر الفرعونية إشارات ووصايا وتنبؤات في تنظيم الإدارة والعلاقات السليمة في الحكم والدولة، كما جاء في تشريع (حور ـ محب) كذلك لم يغفل الإغريق اهتمامهم بمشكلة الفساد فقد حدد (سولون) في تشريعاته التي أطلق عليها قانون (اتيكا) قواعد لإرشاد موظفي الدولة وضبط عملهم الإداري. وسعى لإدخال المثل الأعلى للمساواة الاجتماعية في بلاد مزقتها نزاعات الأغنياء والفقراء وقد سن تشريعاته إيماناً منه بتكريس سيادة القانون للحد من مظاهر الفساد التي بدت في ترف الأغنياء وبذخهم المثير للأحقاد. أما عن الصينيين القدماء فمعلوم أن كونفوشيوس شَخَّصَ ظاهرة الفساد، ففي كتابه (التعليم الأكبر) يرد أسباب الحروب إلى فساد الحكم والذي مرده إلى فساد الأسر وإغفال الأشخاص تقويم نفوسهم، أما في كتابه (عقيدة الوسط) فهو يرى أن الحكم لا يصلح إلا بالأشخاص الصالحين والوزارة الصالحة التي توزع الثروة بين الناس على أوسع نطاق، وهو يشير لأخطار الفساد عندما يتطرق إلى القول إن تركيز الثروة يؤدي إلى تشتت الشعب (عماد الشيخ داود ـ الفساد والإصلاح ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب) أما أفلاطون في كتابه (الجمهورية) فقد تطرق لظاهرة الفساد من خلال مناقشته لمشكلة العدالة الفردية والجماعية حيث أشار إلى أن اللجوء إلى العدالة يستبعد مسألة المنفعة أو المصلحة والتي هي الأساس في ظهور الفساد واستفحاله كما أنه ومن خلال معالجته للصيرورة السياسية للحكومات والتي هي في نظره صيرورة حتمية ودقيقة يرى فيها أن الحكومة تنتقل من (الارستقراطية) وهي باليونانية تعني سلطة خواص الناس وتعني من مفهوم علم السياسة طبقة اجتماعية مميزة ويطلق علي الحكم الأرستقراطي ,,حكومة الأخيار,, وهناك من يري فيها نظاماً طبقياً استبدادياً يتولي فيه الحكم طبقة النبلاء والأشراف إلى (التيموقراطية) وهي تعني حرفيا دولة الثروة والقوة العسكرية وقد ترجمت إلي العربية ب,,رئاسة الكرامة,,أو مدينة الغلبة,,لكون أصحابها يسعون إلي الكرامة بمعني المجد واليسار عن طريق الفتوحات العسكرية ثم (الأوليجاركية) وتعني حكم القلة أو حكم عدد قليل من الأفراد الذين يكونون عادة من الأغنياء والصفوة.وقد ترجمت الي العربيةب,,رئاسة القلة,,وبرئاسة الخسة,, وب,,رئاسة خدمة المال , د.محمد عابد الجابري,,…. فالديموقراطية لكي تنتهي بالاستبدادية ويتهم التيموقراطية بأنها تستغل الفرصة لتقاسم الثروات واضطهاد من كلفوا بحمايتها وفي ذلك تشخيص ضمني لمظهر من مظاهر الفساد في ذلك الوقت حيث أنه يفلسف الحب المتزايد للثروة التي منشؤها السلطة والبحث عن المجد والمطامح ويعده سبباً من أسباب انتقال السلطة بين صور صيرورتها وفي رأيه أن صاحب الثروة هو السيد المطاع والفقير هو الحقير المرتذل . ومن خلال كتابة القوانين استمر أفلاطون في محاربة الفساد في جميع صوره فهو يحارب الفساد الديني ويحث على الوحدة الأخلاقية لحاضرته المؤلفة من (خمسة آلاف وأربعين مواطناً) أيضاً يحاول الحد من الفساد الاقتصادي

والإداري بحيث لا يسمح للملاك بزيادة أموالهم إلا ضمن حد معين وإقرار إنشاء هيئة موظفين واجبها مراقبة تصرفات المواطن .
أرسطو حدد الفساد السياسي من خلال تصنيفه للدساتير حيث درس مع تلامذته دساتير لمدن وحواضر مختلفة فهو من خلال معالجاته يصنف المدينة التي يغويها هدف فاسد بأنها مدينة فاسدة بل قد تفشل في أن تكون دولة على الإطلاق في حين يرى أن الدولة الصالحة هي التي لا تكتفي بطلب الخير لها فحسب بل تطلب الخير العام ، ويحدد ذلك بأن الحكم السليم لا يقوم على مجرد طلب الخير ما لم يكن الخير عاماً ومشتركاً بين جميع المواطنين. لم يكن أرسطو مؤمناً بالحكم المطلق مهما كانت صفة الحاكم حتى لو كان فيلسوفاً لذا نراه يشخص ظاهرة الفساد لدى ذكره أنواعاً للحكم ثلاثاً تتضمنها الدساتير بحسب عدد الحكام والتي لكل منها شكله الفاسد على أن الضابط لديه الذي يفرق بين الصالح والفاسد هو أن الدساتير الصالحة تمارس الحكم لصالح المحكومين والفاسدة تمارس الحكم لصالح الفاسدين . وفي عهود المسيحية عالجت نصوص (الكتاب المقدس) ظاهرة الفساد أيضاً فهذه رسالة بولس الرسول الأول إلى أهل كورنثوس تورد ما نصه :
“لا تضلو: المعاشرة السيئة تفسد الأخلاق الحسنة”
ولاشك في اهتمام المسيحية بالخلق القويم الذي يؤدي إلى تكوين مجتمع خال من الضلالة والعشرة السيئة اللتين ينجم عنهما الكثير من المفاسد .
ويؤكد الكتاب المقدس في نص آخرأن :
(حب المال أصل كل شر وبعض الناس استسلموا إليه فضلوا عن الإيمان وأصابوا أنفسهم بأوجاع كثيرة )
أنواع الفســاد
يصنف الفساد في الأنواع التالية:
الفساد السياسي : إساءة استخدام السلطة العامة (الحكومة) من قبل النخب الحاكمة لأهداف غير
مشروعة كالرشوة، الابتزاز، المحسوبية، والاختلاس.
الفساد المالـي : يتمثل بمجمل الانحرافات المالية ومخالفة القواعد والأحكام المالية التي تنظم
سير العمل الإداري والمالي في الدولة ومؤسساتها.
الفساد الإداري : يتعلق بمظاهر الفساد والانحرافات الإدارية والوظيفية أو التنظيمية وتلك
المخالفات التي تصدرعن الموظف العام خلال تأديته لمهام وظيفته الرسمية
ضمن منظومة التشريعات والقوانين والضوابط ومنظومة القيم الفردية .

وتتعدد الأسباب الكامنة وراء بروز ظاهرة الفساد وتفشيها في المجتمعات بالرغم من وجود شبه إجماع على كون هذه الظاهرة سلوكاً إنساناً سلبياً تحركه المصلحة الذاتية ويمكن إجمال مجموعة من الأسباب العامة لهذه الظاهرة التي تشكل في مجملها ما يسمى بمنظومة الفساد إلا أنه ينبغي الملاحظة بأن هذه الأسباب وإن كانت متواجدة بشكل أو بآخر في كل المجتمعات إلا أنها تندرج وتختلف في الأهمية بين مجتمع وآخر فقد يكون لأحد الأسباب الأهمية الأولى في انتشار الفساد بينما يكون في مجتمع آخر سبب ثانوي وبشكل عام يمكن إجمال هذه الأسباب كما يلي/
أسباب داخلية:
1. انتشار الفقر والجهل ونقص المعرفة بالحقوق الفردية وسيادة القيم التقليدية والروابط القائمة على النسب والقرابة .
2. عدم الالتزام بمبدأ الفصل المتوازن بين السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية في النظام السياسي وطغيان السلطة التنفيذية على السلطةالتشريعية
وهو ما يؤدي إلى الإخلال بمبدأ الرقابة المتبادلة ، كما أن ضعف الجهاز القضائي وغياب استقلاليته ونزاهته يعتبر سبباً مشجعاً على الفساد .
3. ضعف أجهزة الرقابة في الدولة وعدم استقلاليتها .
4. وتزداد الفرص لممارسة الفساد في المراحل الانتقالية والفترات التي تشهد تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية كتلك التي مر بها الشعب العراقي عقب العدوان الأمريكي علي العراق (الانتقال من مرحلة الاحتلال إلى مرحلة الدولة وهو ما يمكن أن نطلق عليه العدالة الانتقالية) ويساعد ذلك حداثة أو عدم اكتمال البناء المؤسسي والإطار القانوني التي توفر بيئة مناسبة للفاسدين مستغلين ضعف الجهاز الرقابي على الوظائف العامة في هذه المراحل .
5. ضعف الإرادة لدى القيادة السياسية لمكافحة الفساد وذلك بعدم اتخاذ أية إجراءات وقائية أو عقابية ضد الضالعين في قضايا فساد.
6. ضعف دور مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الخاصة في الرقابة على الأداء الحكومي أو عدم تمتعها بالحيادية في عملها.
7. تحكم السلطة التنفيذية في كل ما يتعلق بالسياسات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
اسباب خارجية :
وهي تنتج عن وجود مصالح وعلاقات تجارية مع شركاء خارجيين أو منتجين من دول أخرى واستخدام وسائل غير قانونية من قبل شركات خارجية للحصول على امتيازات واحتكارات داخل الدولة أو قيامها بتصريف بضائع فاسدة أو الحصول على العمولات مقابل تسهيل حصول شركات ومؤسسات خارجية على هذه الامتيازات دون وجه حق خاصة مشاريع الإعمار والبني التحتية في ظل غياب النزاهة والشفافية في طرح العطاءات الحكومية كإحالة عطاءات بطرق غير شرعية على شركات ذات علاقة بالمسئولين أو أفراد عائلاتهم أو إحالة العطاءات الحكومية على شركات معينة دون اتباع الإجراءات القانونية المطلوبة كإعلان عنها أو فتح المجال للتنافس الحقيقي عليها أو ضمان تكافؤ الفرص للجميع والمحسوبية والمحاباة والوساطة في التعيينات الحكومية كقيام بعض المسئولين بتعيين أشخاص في الوظائف العامة على أسس القرابةأوالولاء السياسي أو بهدف تعزيز نفوذهم الشخصي وذلك على حساب الكفاءة والمساواة في الفرص أو قيام بعض المسئولين بتوزيع المساعدات العينية أو المبالغ المالية من المال العام على فئات معينة أو مناطق جغرافية محددة على أسس عشائرية أو مناطقية أو بهدف تحقيق مكاسب سياسية .
هناك أيضا الفساد الديني والفساد الأخلاقي ولكن سنقصر دراستنا حول الفساد السياسي
يعرف الفساد السياسي بمعناه الأوسع بأنه إساءة استخدام السلطة العامة (الحكومية) لأهداف غير مشروعة وعادة ما تكون سرية لتحقيق مكاسب شخصية. كل أنواع الأنظمة السياسية معرضة للفساد السياسي الذي تتنوع أشكاله إلا أن أكثرها شيوعاً المحسوبية والرشوة والابتزاز وممارسة النفوذ والاحتيال ومحاباة الأقارب. ورغم أن الفساد السياسي يسهل النشاطات الإجرامية من قبيل الإتجار بالمخدرات وغسيل الأموال والدعارة إلا أنه لا يقتصر على هذه النشاطات ولا يدعم أو يحمي بالضرورة الجرائم الأخرى.ويرى الكاتب محمد موسى شا طي في دراسته (الفساد السياسي الحوار المتمدن في 7/6/006 2 ) أن أخطر أنماط الفساد ومظاهره الفساد السياسي أو فساد النخبة السياسية ويضيف أن معظم الدراسات تأتي به على رأس أو هو على قمة الهرم بين أنماط الفساد الأخرى (الإداري / الاقتصادي) وسبباً لهذه الأنماط من الفساد فأحد عوامل استمرارية من هم على السلطة من الفاسدين هو انتشار ثقافة الفساد على حساب مفاهيم النزاهة والعفة والأخلاق … ويضيف الكاتب أن من علماء السياسة من عرف الفساد بأنه المرادف للقوة التعسفية بمعنى استخدام التعسف لتحقيق غرض يختلف عن الغرض الذي على أساسه تم منح هذه القوة ويرى أن هذا التعريف يحاكي الأنظمة الشمولية التي تقمع الحريات وغياب الديمقراطية وحقوق الإنسان وعدم الفصل بين السلطات الثلاث ومن ثم غياب المساءلة والرقابة وعدم الشفافية وتداول المعلومات مع إنكار حق المواطن في الاختيار الحر لمن يمثله في المجالس البرلمانية ويضيف الكاتب رأياً أو تعريفاً آخر قال به صموئيل هانفتون أن الفساد السياسي هو الوسيلة لقياس مدى غياب المؤسسات السياسية الفاعلة ويقصد بذلك التعريف أن في الدول الشمولية يحتكر حزب واحد العمل السياسي ولا يكون هناك تعددية حزبية حتى وإن وجدت فهي شكلية وغير فاعلة .
تختلف ماهية الفساد السياسي من بلد لآخر ومن سلطة قضائية لأخرى. فإجراءات التمويل السياسي التي تعد قانونية في بلد معين قد تعتبر غير قانونية في بلد آخر. وقد تكون لقوات الشرطة والمدعون العامون في بعض البلدان صلاحيات واسعة في توجيه الاتهامات وهو ما يجعل من الصعب حينها وضع حد فاصل بين ممارسة الصلاحيات والفساد كما هو الحال في قضايا التصنيف العنصري. وقد تتحول الممارسات التي تعد فساداً سياسياً في بعض البلدان الأخرى في البلدان إلى ممارسات مشروعة وقانونية في البلدان التي توجد فيها جماعات مصالح قوية تلبية لرغبة هذه الجماعات الرسمية.
وهناك من يري أسباب الفساد وفقالما يلي:
1- أسباب سياسية :ويقصد من ذلك غياب الحريات العامة وتحجيم مؤسسات المجتمع المدني وضعف الإعلام والرقابة .
2- أسباب اقتصادية : ويقصد بها ضعف الاستثمار وهروب رؤوس الأموال للخارج وقلة فرص العمل وزيادة مستويات البطالة والفقر .
3- أسباب اجتماعية : آثار الحروب ونتائجها والتدخلات الخارجية والتركيبات الطائفية والعشائرية والمحسوبيات والقلق الناجم عن عدم الاستقرار والعوز والفقر وتدني مستويات التعليم .
4- أسباب إدارية وتنظيمية تشمل الإجراءات المعقدة (البيروقراطية ) وغموض التشريعات وتعددها .
ويرى د. كمال المنوفي أن أهم أسباب الفساد هي :
1. غياب الديمقراطية مثل وجود برلمان قوي يستطيع مساءلة الحاكم ورئيس الحكومة والوزراء وأي من إداريي الدولة .
2. عدم احترام القانون وسيادة مقولة أن الشاطر هو من يستطيع الالتفاف على القانون ، والخاسر هو الذي ينصت للقانون وبالتالي عدم وجود شفافية ولا ثواب أو عقاب .
3. غياب آلية محاسبة الفاسد والمفسد مما يؤدي إلى الاستبداد فالفساد والاستبداد صنوان وهما وجهان لعملة واحدة .
4. عدم الخوف من العقاب ما دام المفسد له علاقات كثيرة مع الكثير من أجهزة الدولة حيث المحسوبية لها الدور الأكبر في حمايته من عقاب القانون .
(غزو محمد عبد القادر ـ الفساد السياسي والإداري وطرق استعادة الأموال المهربة ـ الحوار المتمدن 1/4/2011)
أدوات الفساد السياسي :
1-السلطة
تعد السلطة بيئة ملائمة لاحتضان الفساد ، وحماية الفاسدين وهي الراعية لبؤرة الفساد فمنها يستشري وينطلق ويتوسع ويصبح للمفسدين تنظيم يحتوي علي شبكات قوية وضاغطة تتمترس خلف لوائح وتشريعات قانونية قابلة للتأويل ليتوغل كبار الفاسدين في قلب النظام بل يصبحون قيمون على الدولة برمتها إلى درجة أنهم يستطيعون التحكم في التشريع والملاحقة والمساءلة وتحكمهم بالقوانين وفي مرحلة الانهيار السياسي والقيمي والوطني تنشأ مؤسسة الفساد التي يُستقطب في صفوفها ضعافُ النفوس وعديم الضمير من قدوة سيئة يتمتع رجالها من حكام و مسئولين وأصحاب جاه ونعيم ساعدتهم ظروف بيئية خاصة نشأ معها اهتزاز القيم والوعي والمعرفة وعم الفقر والجهل من الباحثين عن الثراء بشتى وسائله من سلب ونهب وتطاول وسرقة و رشى وغير ذلك من وسائل الكسب الحرام. ويعد توريث المناصب أمرا ً شائعا ً خصوصا ًفي دول العالم الثالث لتصبح العائلات المتنفذة جزءا ًمن النظام (تجربة وراثة بشار الأسد في حكم سوريا..ومحاولات توريث حسني مبارك لنجله) .
2-المال :
تعد الصفقات العمومية موطنا ً خصبا ً بكل أوجه الفساد من محسوبية وواسطة ورشوة ويتعدى الأمر بأن تتكون منظومة فساد قوية عندما يحدث التحالف بين رجل الأعمال ورجال السياسة وبداعي المصلحة المشتركة يخدم كل منهما الآخر وبما يسمى بظاهرة الفساد السياسي الذي يؤدي إلى تبعية القوة السياسية للقوة الاقتصادية لتصبح أداة بيد أصحاب الأموال والطبقات الغنية القادرة على الدفع لتحقيق المنافع الشخصية، ويعملون على استبعاد الفئات الأخرى التي تمثل المثقفين الحقيقيين والعلماء والمفكرين والمبدعين .
3-المنصب :
عندما يصبح المنصب تشريفاً وليس تكليفاً وعندما يتعطش الشخص الراغب في الوصول بأي طريقة وبأي ثمن إلى مركزٍ عال ٍ فإنه يسهل على الطبقة الحاكمة استعمال هذه الأصناف كدروع وخنادق تحتمي خلفها في تسيير أعمالهم ضمن أدوار محددة ومنسقة وعند انتهاء هذا الدور لسبب ما يستدعي التضحية بأحدهم ككبش فداء يضحى به عندما يلزم لتجميل الصورة محليا ً ودوليا ً و إرضاء ً للرأي العام و طوي صفحة قضية أصبحت مثارا ً للجدل .
4-فساد المنظومة الديمقراطية
عندما تصبح الديمقراطية رهينة للمتنفذين( أصحاب المناصب والمقربين) ورجال المال و الأموال تظهر معه ظاهرة المال السياسي الذي يعمل علي شراء الذمم واستغلال الفقراء وضعاف النفوس من أجل الوصول إلى البرلمان ، وتستغل الأحزاب الحاكمة هذه الطريقة لتصبح الديمقراطية عرجاء يسيرها المال السياسي وتحد من التعددية الحزبية والتناوب على الحكم وذلك باحتكاره أطول وقت ممكن ، و هناك ظاهرة معكوسة قلبها نواب البرلمان و هي ظاهرة التسول البرلماني عندما يستجدي النائب الطبقة الحاكمة لتنفيذ خدمات أو مشاريع عامة تخص النائب و قاعدته الانتخابية مؤثراً بذلك على دوره كسلطة رقابية ، والتداول لا يقصد به على سلطة الحكومة بل إنه يشمل التداول على المناصب والوظائف العامة لكي لا يصبح المنصب شأنا ً خاصا ً بالشخص أو ملحقا ً بشؤونه الخاصة والتناوب والتداول يعتبر ان ضمانة أساسية لتسيير أمور الشأن العام بطريقة صحيحة ومجدية .
5-وسائل الإعلام :
عندما تصبح هذه الوسائل كالطبل والمزمار للزمر الفاسدة من الحكام وأصفيائهم يصبح إعلاما ً منحطاً بكل المقاييس لأنها تصبح المسوق للأفكار والمشروعات الفاسدة وتضلل وتخدر العقول وتزيف الوعي وتروج لانتصارات وإنجازات وهمية وتدعو للالتفاف حول الفاسدين من أجل محاربة العدو ( الوهمي ) المتربص دائماً بوحدة البلد واستقلاله وبأنهم هم من يحافظ على البلد واستقلاله(د.عبد اللطيف الرعود-الفساد السياسي-نسكو يمن)
وعن صور الفساد السياسي يقول الأستاذ الدكتور كمال المنوفي في محاضرته أمام منتدى القانون الدولي بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في مارس 2011 :.
1. تزوير إرادة الشعب من خلال انتخابات مزورة غير شفافة وفيها الكثير ممن يسمون بالبلطجية رغم أن هذا النظام كان يغطي تلك الانتخابات بإشراف قضائي مزور وكان مبارك يعمل كل هذا من أجل أن تستمر الطبقة المستفيدة في ولائها له وبما يستمر بترغيبها بوصول نجله جمال إلى كرسي الرئاسة فيما بعد .
2. الاحتكار السياسي : وذلك بالتحكم بالقرار السياسي دون أي اهتمام برأي جميع فئات الشعب ، فتحكم المستفيدين بالقرارات السياسية بما يضمن تحقيق مصالحهم واستمرارهم في الحكم كان له الدور الأكبر في إهمال رأي الشعب والوقوف ضد مصالحه .
3. عدم تنفيذ أحكام القضاء والتحايل عليه وإضعافه وعسر تنفيذه وانعدام العدالة وتغول جهاز مباحث أمن الدولة في كل القرارات الإدارية والتعيينات في الدولة من أساتذة جامعات ومدرسين والهيئات القضائية …. إلخ ومتابعة أي آراء تعارض سياسة النظام والتنصت على الهاتف والإنترنت وإبعاد الكفاءات والمؤهلات الجيدة في أجهزة الدولة المختلفة بحيث لم يبق سوى المفسدين والمتخلفين من أبناء المسئولين المفسدين أنفسهم وهذا مما أثر على القرارات السياسية والإدارية في مختلف إدارات الدولة .
4. ظهور الفساد الإداري بين ضباط الشرطة والنيابة والقضاء بحث أصبح هؤلاء يقومون بعمل كمائن من أجل الحصول على الرشوة وظهور مبدأ المجاملة والمحسوبية في التعيينات .
آثار الفساد السياسي على المشهد السياسي :-
1. يؤثر انتشار الفساد على إجراءات العملية الانتخابية وعلى نزاهة نتائج الانتخابات مما يتيح الفرصة لوصول عناصر فاسدة الي المجالس النيابية والمحلية والجمعيات المهنية والتعاونية لأنه يقع على عاتق هذه المؤسسات التشريعية قرارات سياسية واقتصادية واجتماعية مصيرية ومن خلال دخول الفاسدين لهذه المؤسسات تتخذ القرارات تبعاً للمصالح الشخصية .
2. يؤدي عدم نزاهة الانتخابات إلى عزوف المواطنين عن عملية الاقتراع وبالتالي غيابهم عن المشاركة في الأمور السياسية وعدم الثقة في النظام السياسي برمته .
3. يؤدي الفساد السياسي إلى الظلم والغبن وعدم المساواة وعدم تكافؤ الفرص بين المواطنين ويتخلخل النظام الديمقراطي وبالتالي تتشوه سمعة الدولة في الخارج .
4. يؤدي الفساد إلى زيادة الصراعات والخلافات في جهاز الدولة وبين الأحزاب المختلفة وذلك من أجل تحقيق المصلحة الخاصة بدلاً من المصلحة العامة .
5. تأثير الفساد على وسائل الإعلام وتحقيرها وجعلها بعيدة عن دورها في التوعية ومحاربة الفساد وعدم إعطائه دوراً مستقلاً بعيداً عن التدخلات السياسية في شؤونه سواء كان ذلك في مجالات الحملات الانتخابية أو في المسيرة السياسية ككل .
6. الفساد ناتج عن حكومة ضعيفة وفي نفس الوقت يؤدي الفساد إلى إخفاق الحكومة في الداخل وإضعافها أيضاً في الخارج فنرى في الداخل عزوفاً للشرفاء وأصحاب الكفاءات وتهافتاً من الطامعين المتسلقين من أجل تحقيق المنافع وإن كان ذلك التنازل على حساب مصالح والتفريط بمقدرات الأمة .
7. مع تطور الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وانطوائها تحت مظلة العولمة برزت فئة جديدة أو نخبة من المهنيين ورجال الأعمال الليبراليرن الجدد تسير في ركب الهيئات والمؤسسات الدولية وفي مجال الخصخصة والاقتراض الخارجي والمعونة الخارجية وتحرير السوق والتجارة والسعي لدمج الاقتصاد الوطني بالاقتصاد العالمي الرأسمالي والشبكات المالية الدولية متناسين وقافزين عن الثوابت الوطنية والحاجات والمصالح الاقتصادية الوطنية وعدم إعطائها أي اعتبار .
8. يتم إعطاء النخب السياسية عن طريق الفئات المذكورة بمنحها التسهيلات عقوداً خاصة ومشاريع تنموية كبيرة ويتحد ثلاثي اخطبوطي كبير يمثل المؤسسة المختصة بالدولة والشركات الدولية والمحلية المتنفذه والبيروقراطية الحكومية ويترك الأمر للمكاتب الاستشارية بالشراكة مع النفوذ السياسي للحصول على العقود الاستثمارية الصحيحة وتسهيل مهمات رأس العابر .
9. تزايد عمليات النصب والاحتيال وتلاعب مستثمرين كبار بصفقات وهمية وشركات الأسهم والبورصات العالمية وقد تهاوت شركات عملاقة وأفلست بنوك خاصة في الولايات المتحدة بما يسمى أزمة الرهن العقاري والتي طالت نتائجها معظم المؤسسات المالية الدولية في جميع أرجاء العالم .
10. المزاوجة غير الشرعية بين السلطة والثروة وأن القاسم المشترك لهذين القطبين أصبح الفساد وهو عقد قران سري فيما بين رجال الأعمال والفئات البيروقراطية الحاكمة عن طريق الصفقات المشتركة ونهب المال العام
ويرى الأستاذ / محمد موسى شاطي في مقاله “الفساد السياسي” الحوار المتمدن 7/6/2010 عن التأثيرات السلبية للفساد السياسي وهو يوجز هذه التأثيرات فيما يلي :
1. إن انعدام الشراكة ما بين المواطن والدولة وفق آلية المواطنة والديموقراطية تؤدي إلى أن تكون سياسة الدولة غير ممثلة لآمال وتطلعات الشعب وهذا يؤدي بالنهاية إلى خلق نوع من عدم الارتياح لدى المواطن سوف ينعكس في الساحة الداخلية للدولة على شكل اضطرابات داخلية تنعكس على الأمن القومي للبلد .
2. إن الفساد السياسي متمثلاً بالمحسوبية والمحاباة والفئوية والعشائرية يؤدي إلى صعود وارتقاء أشخاص ليس لديهم أي كفاءة علمية إلى المناصب الإدارية والمناصب الحساسة في الدولة وبالتالي سوف يؤدي ذلك إلى حصول تشويه في الجهاز الإداري .
3. إن الفساد السياسي متمثلاً بانعدام الأخلاقية السياسية والتزوير في الانتخابات واستخدام القوة من أجل الوصول إلى السلطة يؤدي إلى ارتقاء أشخاص ليس لهم الحق في تسلم هذه المناصب وليس لهم سوى تحقيق مصالحهم وغاياتهم الشخصية فقط على حساب حقوق الشعب.
4. إن الفساد السياسي المتمثل بدفع الرشاوى لكبار المسئولين من أجل الفوز بالعطاءات والمتمثلة بالعقود الإنشائية الضخمة تؤدي إلى حصول تشويه كبير جداً في البنية التحتية للدولة .
إن ظاهرة الابتزاز التي يقوم بها كبار المسئولين متمثلة بالتعقيدات الإجرائية والروتين تؤدي إلى هروب رؤوس الأموال .
المثقفون والفساد السياسي /
تعد علاقة المثقفين بالسلطة أحد القضايا المحورية التي تتسم بالديناميكية نظراً لما تشهده من مد وجزر والتقاء في الرأي وأحياناً التنافر والصدام بين الطرفين …. وهى تمثل حالة فريدة من حالات الحراك الاجتماعي نظراً لأن علاقة المثقفين بالسلطة هى في واقع الأمر علاقة المصالح والطموحات ذلك أن من مصلحة السلطة أحياناً احتواء المثقفين وضمهم إلى صفوفها في مواجهة القوى المعارضة التي تقف في مواجهتها – كما أن من المثقفين من يرى في مهادنة السلطة تحقيقاً لطموحاتهم في الحصول على ما يبتغونه من جاه أو مال أو اتقاءً لغضب السلطة… والبعض يرى في معارضة السلطة والوقوف ضد التسلط والطغيان … طموحاً لا يرقي إليه أى مكسب آخر لأن هذا التوجه كثيراً ما يجعل من المثقف بطلاً قومياً تتغنى به الشعوب … فعندما يكون المثقف مفكراً متبنياً قضايا وطنه ويدافع عن حقوقه ويتعرض لكل حقوق الاضطهاد والإيذاء المعنوي والجسدي – كان حقاً له أن يذكره الجميع …. ستظل علاقة المثقفين بالسلطة وقفاً على ضمير المثقف وعلى طبيعة السلطة وحركة المجتمع
من هو المثقف ؟وما علاقته بظاهرة الفساد السياسي؟
المثقف هو الشخص الذي يمارس العمل الذهني والتفكير وينتج الآداب والعلوم والفنون ويخترع التكنولوجيا ويعرف المثقف بأنه ذلك الشخص الذي ينتج كل الدوال اللفظية والبصرية من شعراء وناثرين وكتاب وموسيقيين وفلاسفة وتشكيليين وسينمائيين ومسرحيين …. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على مدى تعدد فروع الثقافة وكثرة أقطابها ومسالكها وتعدد مزاوليها من البشر
المثقف رمز من رموز التغيير وهو رجل الاختيار ورسم البدائل لشعبه وأمته أو هو ذلك الفرد الواعي بما يدور حوله من أحداث وما يمتلكه من حصيلة معارفه ويعمل بموضوعيه على خلق حالة من الوعي لدى المواطنين للوصول إلى موقف معين يتفاعل معه في صياغة الوعي المجتمعي لإحداث تغيير في الأوضاع السائدة ومن أهم صفات المثقف الدور النقدي التنويرى والاندماج المجتمعي والمثقف عند سارتر ليس مسئولاً عن نفسه فقط بل مسئول عن كل الناس . وإن الدور المحوري للمثقف يتركز في النضال الواعي ضد السلطة المتسلطة وهو الذي يقدم رؤيته النقدية والتنويرية للمجتمع ويرى المفكر الأمريكى نعوم شوميسكى بأن المثقف هو من حمل الحقيقة في وجه القوة .
أما المفكر د. إدوارد سعيد فيرى ضرورة أن يكون المثقف مستقلاً عن أى جهة أو سلطة كيلا يرتبط بأي قيود تحد من تفكيره أو توجه مساره .
وعليه أن يبنى القيم والمثل العليا كقيمة العدالة والحرية له ولغيره وعدم
قبول الحلول الوسط فيما يخص هذه القيم و يشارك في الحياة العامة
وأن يتجاوز التوجيهات أو الإيديولوجيات الجذابة الخادعة وأن يتجاوز أي صفة حزبية أو فئوية متعصبة أو مذهبية متجمدة .
ويجب أن تكون ثقافة المثقف عامة تخاطب الناس بعقلانية ووعى ويكون دفاعه عن أفكاره وثقافته بهدف تغيير الواقع إلي الأحسن وعليه أن يسجل بكل جرأة ووضوح شهادته ورأيه .
وأن يكون صادقاً يفضح الفساد ويدافع عن المستضعفين وعندما يتخلى المثقف عن رسالته ويفرط فى مبادئه فهو مثقف خائن لأفكاره وشعبه .
النظم الاستبدادية تلجأ دائما إلى قمع المثقفين الممانعين وربما استئصالهم وترى فيهم السلطة أداة للبلبلة وعدم الاستقرار في المجتمع بل إنهم في نظرها مثيرون للمتاعب ومشاغبون .
ولا شك أن السلطة المستبدة تتوجس من المثقف وتعمل بإصرار على تحييد المثقفين أو احتوائهم رغبة في الهيمنة والسيطرة على الواقع الثقافي بل وجعله يميل إليها وعادة ما يكون سلاح السلطة فى هذا التوجه أن من بين المثقفين من لديه القابلية على تغيير وتبديل قناعاته وتوجهاته السياسية
وهناك من المثقفين من يهادن السلطة ويتكيف مع الواقع ويعقد من النظام الحاكم صفقات يتنازل من خلالها عن دوره التنويري بل يتحول إلى داعية للنظام ومدافع عن أطروحاته ويبشر بأفكار الحاكم ويروج لها كما أن هناك نمطاً أخر وهو المثقف المحايد الذي ينأى بنفسه عن الاصطدام بالسلطة وعندما يخاطب الناس يكون خطابه مجرد أفكار مبتسرة لا تحرك في العقل ساكناً وكماً .
والمثقف المحايد أخطر وأشد أثراً من مثقف السلطة – لأن مثقف السلطة مكشوف لدى الناس ومكروه منهم دائما ولا يثقون فيما يكتب أو يطرح من أفكار …. في حين أن المثقف المحايد دوره كالمخدر الذي لا يشفى من داء … وهكذا فإن من المثقفين من يلعب دوراً في غياب أدوات الحراك السياسي حيث لا يبقى عادة سوى المنحازين للسلطة أو الذين تم توجيههم وجعلهم جزءاً من النظم السلطوية الفاسدة – ومن هنا يصبح المثقف أحد أركان النظام و تنقلب على أفكاره وقناعاته ومقاومته ويتم تجنيده والملاحظ أن هذه الظاهرة تتضح بشدة خلال الأحوال التي يتصاعد فيها دور رأس المال السياسي أو في النظم الشمولية حيث يكون الهدف إخراج المثقفين من دائرة الداعيين للعدل الاجتماعي والرافضين لحالة التزاوج بين السلطة والثروة ..
ومع تفشى ظاهرة الفساد السياسي والإدارى تظهر فئة مثقفة مستقطبة تكون بمثابة وسائل مسوقة لأفكار المستبدين والفاسدين ويستخدمون أقلامهم لتضليل المواطنين وتخدير عقولهم وتزييف وعيهم والترويج لإنجازات من صنع الخيال ..
إن علاقة المثقفين بالسلطة ستظل موضع اهتمام الباحثين والمفكرين وصناع القرار السياسى وستبقى هذه العلاقة الجدلية محدداً هاماً لحركة التقدم أو التخلف فى المجتمع فالثقافة ستظل وسيله الهيمنة وأحد أدوات ترويض الشعوب كما أنها أيضاً ستبقى الدافع والمحرض على أحداث التغيير المجتمعى ومقاومة الاستبداد والطغيان والفساد السياسي .
الاقتصاد الريعي والفساد السياسي :-
يعرف الريع بأنه ذلك القدر من الدخل الناتج عن استغلال البيئة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تتواجد فيها مصادر الدخل دون أن ينتج ذلك عن نشاط اقتصادي أو ممارسة سوقية..والدولة الريعية إذن تعتمد علي دخل لا يتم كسبه عن طريق الإنتاج والعمل..وهناك نمطان للريع :- الدخل المتحقق من موارد طبيعية كالمعادن والثروات الغابية والنفط والغاز(ريع الموارد الطبيعية) .
-الدخل المتحقق عن ميزة ترتبط بموقع الدولة الجغرافي وهو ما يسمي بالريع الاستراتيجي
وجاء في موسوعة المقاتل (مختارات من المصطلحات الاقتصادية ) أن الريع في التعبير الدارج يعني ذلك المبلغ من النقود الذي يدفعه شخص ما نظير استخدام أصل يملكه شخص آخر كالأرض أو تأجير منزل أو مشاهدة فيلم سينمائي .. أما في التحليل الاقتصادي فإن هذا المصطلح يشير إلى الإيرادات التي يكسبها أي عنصر من عناصر الإنتاج المتخصصة التي لا يمكن زيادة أو إنقاص الكمية المعروضة منها في الأسواق وإن أمكن زيادتها أو إنقاصها بمقادير طفيفة جداً ولذا تعرف الموسوعة الريع “بأنه الفائض الذي يؤول إلى عنصر إنتاجي متخصص تكون الكمية المعروضة منه ثابتة” .
… ومن هذا فإن الدولة الريعية حسب الكاتب الإيراني حسين مهدي “الدولة التي تحصل على جزء جوهري من إيرادها من مصادر خارجية على شكل ريع .. ويشير الكاتب إلى أن تحديد المصادر الريعية مسألة تقديرية لم تتفق الآراء بشأنها إلا أنه من المتفق عليه أن غلبة العناصر الريعية الخارجية هي المحدد في اعتبار الدولة ريعية أم لا كما أن ظاهرة الريع عامة ليست قصراً على اقتصاد بعينه ففي كل اقتصاد توجد عناصر ريعية تختلف في كثافتها من بلد لآخر .. ويرى الكاتب أن بالدولة الريعية ثمة مظهر مهم وهو ذلك الذي يعبر عن حالة خاصة في الاقتصاد الريعي عندما يؤول الريع أو نسبة كبيرة منه إلى فئة صغيرة أو محددة تتمثل بالطبقة الحاكمة ومن ثم يتم توزيع أو استخدام هذه الثروة الريعية على غالبية السكان وحسب الكاتب أن إطلاق صفة الدولة الريعية ليس بالضرورة أن تكون ملازمة للدولة في كل الفترات وإنما في ضوء مقدار ما تسهم به العوائد الريعية الخارجية في الناتج المحلي الإجمالي..ومن ثم قد تتحول الدولة من ريعية إلي شبه ريعية أو العكس نتيجة الوضع الاقتصادي والسياسي الذي يحكم اقتصاد تلك الدولة. والدولة الريعية عادة ما تكون مناخاً خصباً للفساد بكل صنوفه وإن كان الفساد السياسي هو الظاهرة الأكثر وضوحاً من خلال:
سيطرة فئة بعينها على مراكز الثروة والتحكم في توزيعها وإعلاء ثقافة الاعتماد على الخارج في توفير الاحتياجات على حساب الإنتاج المحلي ومصر صورة لهذا النمط .
– سوء توزيع الدخل القومي وتمركز الثروات في مجموعات قليلة غالباً تحتكر السلطة والثروة بحكم قربها من النخبة الحاكمة وهذه الظاهرة أدت إلى نشوء قطاع خاص طفيلي يعتمد على انتهازية الفرص لتكوين أموال وثروات من مصادر غير مشروعة ويكون الاعتماد من جانب هذه الفئة على علاقات متميزة وتعد مصر قبل ثورة يناير المجيدة نموذجاً لهذه الظاهرة غير الأخلاقية ومن المؤكد وفقاً لبعض الاقتصاديين أن من اعقد المشكلات التي تفرزها سياسات الدولة الريعية ظهور أمراض اقتصادية يترتب أو ينشأ عليها خلل أخلاقي واجتماعي ويصبح المجتمع بيئة خصبة لاستشراء الفساد بكل صنوفه. .
– الطبقة السياسية الحاكمة والتي قد تكون من عائلة واحدة تمتد أفقياً وعادة ما تعتمد العلاقات الاجتماعية علي صلة القرابة والمصاهرة كما هو الحال في دول الخليج العربي حيث الحكام من أسر بعينها وهم الذين بيدهم الشأن السياسي والاقتصادي في حين في دولة أخرى كمصر فإن أسرة مبارك وأصهاره و مجموعة قليلة من المقربين له كانت قبل ثورة يناير هي المسيطرة على المال والسلطة وقد أسفر ذلك عن اعتماد العلاقات الاجتماعية على القرابة للأسرة والنخبة الحاكمة التي تفرض نفسها في اختيار كبار موظفي الدولة ومساعديهم كما أن الاقتصاد الريعي يقدم عادة الضمانات ضد المساءلة والمحاسبة ويقف إلى جانب الفساد وينشر ثقافة التواكل والخنوع .
ويرى الكاتب العراقي عادل حبة في ترجمته لدراسة تحت عنوان الاقتصاد الريعي ومعضلة الديموقراطية للكاتب د. أحمد علوي أن في الدولة الريعية يكون لمن ينبض (يسيطر) على الموارد الريعية العديد من المزايا فهناك المزايا الاقتصادية الناتجة عن الحصول على الأرباح عن طريق تقديم تسهيلات لتصاريح الاستيراد والتصدير وما شابه ذلك وهناك المزايا ا

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق