fbpx
مقالات

الجزائر: دساتير تزول بزوال الرؤساء

بقلم : محمد الأمين بن عائشة *باحث دكتوراه – جامعة الجزائر
عرفت الجزائر منذ الاستقلال أربعة دساتير للجمهورية إلى جانب تعديلات جزئية كان آخرها في 2016 (مشروع دستور) الذي فتح العهدات الرئاسية إلى عهدتين لمدة 5 سنوات لكل واحدة،مع ارتقاب تعديل دستوري جديد في المستقبل و ذلك تماشيا مع المبدأ السائد في نظام الحكم الجزائري ” لكل رئيس دستوره الخاص ” ، بداية من الرئيس احمد بن بلة ووصولا إلى الرئيس بوتفليقة مرورا بكل من الرئيس الراحل هواري بومدين ثم الشاذلي بن جديد واليامين زروال ، وذلك إلى درجة أن رؤساء الجزائر المتعاقبين كانوا يتركون لمستهم الخاصة في القانون الأساسي للبلاد بناء على المعطيات السياسية ،الاجتماعية ،الاقتصادية وحتى الدولية السائدة وهو ما يدفع في كل مرة إلى طرح تساؤلات عن الظروف التي تنجب الدساتير الجزائرية ؟ وهل التعديلات كانت حتمية في مرحلة من المراحل أم أن مشاكل الجزائر ليس في محتوى دساتيرها كما يرى البعض ؟أم أن الدساتير هي نتيجة لرؤية كل رئيس؟

أول دستور عرفته الجزائر كان بعد الاستقلال مباشرة، وتحديدا في 1963، ودعا إليه الرئيس أحمد بن بلة آنذاك. ومن ميزاته أنه قرر الاشتراكية كخيار استراتجي ، واتخذ من التجربة الصينية والسوفياتية نموذج لذلك. ووضع دستور 1963 كل السلطات بين يدي رئيس الجمهورية الذي خرج من حرب التحرير متمتعا بـ«الشرعية الثورية» مكرسا بذلك الاحادية اللغوية و الحزبية، ثم جاء دستور عام 1976 بعد 11 سنة من الانقلاب العسكري الذي سمي ب التصحيح الثوري لذي قاد وزير الدفاع آنذاك هواري بومدين إلى الحكم. وقد كرس النص الجديد الخيار الاشتراكي، مع التأكيد على إحداث «ثورة صناعية وزراعية» وشعار وبناء دولة لا تزول بزوال الرجال. الا انه اعطي صلاحيات واسعة للرئيس وركز كل السلطات.

وفي 1989 أجرى الرئيس الشاذلي بن جديد استفتاء لتعديل الدستور، بعد «احداث اكتوبر 1988»حيث أسس للتعددية السياسية والانفتاح إلا أنه أننتج الأمية السياسية التي ما زالت تنشر ضلالها بين العقليات والأفكار المتحجرة التي أفرزها هذا الدستور المتضمن التعددية الحزبية، تاريخ ظهور الأمية السياسية في الجزائر، حيث أصبحت فيه السياسة وظيفة ومنصب عمل لمن لا عمل لهو وضع نهاية لعهد الحزب الواحد والاقتصاد الموجه. و بالتالي الانتقال من دستور له ايديولوجية الي دستور اطار عام والذي تم بموجبه استحداث منصب رئيس الحكومة وعاد المنصب لعبد الحميد براهيمي وتحديد صلاحياته التي كان جزء منها يعود في نص دستور 1976 إلى رئيس الجمهورية:

رغم هذا الدستور الجديد دخلت البلاد في أزمة أمنية مع وقف المسار الانتخابي عام 1992 و تصاعد العمل الإرهابي و بذلك تجميد العمل بدستور 1989 بعد إعلان حالة الطوارئ و إنشاء ما يسمي بالمؤسسات الانتقالية منها المجلس الأعلى للدولة الذي انتهت مهامه بتنظيم ندوة الوفاق الوطني في جانفي 1994، وفي 1995 تم اجراء انتخابات رئاسية تعددية فاز بها الجنرال ليامين زروال و كان يري أن دستور 1989 تسبب في انحراف المسار الديمقراطي، فقرر تعديله في العام الموالي. وكان أهم ما في مسودة التعديل منع تأسيس أحزاب على أساس ديني أو عرقي، وتم حل عدة أحزاب وقعت تحت طائلة هذه المحظورات. وكان أهم ما ميز دستور زروال أنه يمنع الرئيس من الترشح لأكثر من ولايتينتحديدها بولاية من خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحد.و إنشاء مجموعة من المؤسسات الدستورية منها مجلس الأمة ، المحكمة العليا ، ومجلس الدولة، كما كرس الرقابة الدستورية وذلك من خلال الدور الفعال للمجلس الدستوري.

و مع انتخاب مرشح الاجماع عبد العزيز بوتفليقة رئيسا للجمهورية سنة 1999 اعلن عدم رضاه عن محتوى دستور 1996 الذي بالفعل تم اجراء تعديلين علي الدستور، فكان تعديل سنة 2001 الذي طرح اللغة الامازيغية كلغة وطنية ثانية بعد اللغة العربية و بذلك تم الانتقال من الاحادية اللغوية الي الثنائية اللغوية ثم تلاه التعديل الدستوري في سنة 2008 و الذي الغي مبدا تحديد العهدات الرئاسية و الغاء منصب رئيس الحكومة و استبداله بمنصب الوزير الاول بدون صلاحيات و بذلك اصبحت السلطة التنفيذية برأس واحد .

لكل رئيس دستورÖ
يمكن القول أنه عندنا في الجزائر أعدّ الرئيس أحمد بن بلة بعد توليه حكم الجزائر، دستورا على مقاسه… ولأن حكم بن بلة لم يدم طويلا، فقد ألغى المطيح به، هواري بومدين، الدستور الذي تركه سلفه وحكم الجزائر بقبضة من حديد ودون دستور قرابة العشر سنوات، ثم اعتمد بعد أن دانت له الرقاب دستورا خاصا به سرعان ما ألغاه أو استبدله أو غيّره خليفته الشاذلي بن جديد، الذي أعدّ له معاونوه ومساعدوه دستورا خاصا بمرحلة حكمه أسوة باللذين سبقاه في حكم الجزائر، بن بلة وبومدين، وبطبيعة الحال ظل هذا الدستور معتمدا حتى رحيل بن جديد من السلطة في أعقاب الهزات الارتدادية لانتفاضة أكتوبر ثمانية وثمانين… بعدها جاءت الظروف وليس الحسابات السياسية والخطط الإستراتيجية… وبعد فترة تقلبات اختير السيد اليمين زروال رئيسا للدولة ثم رئيسا منتخبا للجمهورية، فأعدّ دستورا خاصا بمرحلته…

بعد رحيل زروال ، جاء بالرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي كثر في خطاباته الكثيرة التي كان يلقيها، ، رفض دستور زروال وكل المؤسسات القائمة، لكن مع ذلك لم يعدّ دستورا خاصا به، وإنما اكتفى بتعديل أسقط بموجبه المادة التي تحصر مدة حكمه في عهدتين وفتحها بما سمح له بالبقاء في السلطة لعهدات أخرى، من المفروض أن يكون الدستور في الجزائر دستور يتطابق مع الشريعة الإسلامية وكتاب الله عزّ وجّل باعتبار أن الجزائر دولة مسلمة و شعبها مسلم.

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى