fbpx
مقالات

فلسفة الولع والبغض..مالك وماعليك

بقلم : د. إبراهيم حسن الغزاوي
خبير دولى في إدارة الانتقال والإصلاح المؤسسي

ليس لدي ولو قدر يسير من التشكك في أحقية الإنسان في تقدير الآخر، كيفما تراءى له أن يقدره…فإن شاء قبله، أو أحبه، أو لنقل اقتنع به، وإن شاء أبى…وعندما يأبى..فهو إما لا يقبله، ويرفضه إنسانيا، كصديق، أو كرفيق، أو كزميل، أو جار او شريك او حتى كند مكافئ ومنافس…
فالمشاعر لدينا، وإن كنا نستضيفها بين الجوانح، إلا أننا ربما لا نملك لها تصريفا… زيادة أو نقصانا..بل نحن فيها بلا حول ولا قوة ..إلا حول العقل في السيطرة عليها..فلا يبين منها إلا ما لا يريبنا أو يريب غيرنا أن يطلع الآخر عليه…
والمشاعر مثلها مثل الأعمال الإنسانية، منها الإيجابي ومنها ما هو غير ذلك….،والإيجابي منها، هو المحمود ابتداءا، ومثاله الميل بالمحبة أو الإعجاب أو استحسان القربى، وهي عادة ما تكون أمر محبب للنفوس..فلو بان وطفا..فعادة ما لا يعود على صاحبة منه إلا الخير… فما ضير المحبة والإعجاب بالآخر..طالما كانت في إطارها المقبول عرفا..والمسموح شرعا…والمعقول بداهة وفكرا…وطالما لم يكن فيها ما يكدر الغير…أو يعتدي على عالمه الخاص ….هذا إن جاوزت تلك المحبة إطار ما هو كامن في النفس، وتخطته إلى الظهور في السلوك والمشاعر والأنظار…
وهنا ثانية فلا تثريب علينا كبشر أن تحتوى جوانحنا ما تحتويه من حب أو ميل أو هوى .
ومن المشاعر ماهو غير ذلك، كالمشاعر التي تناقض مشاعر المحبة والقرب، مثل الكره أو النفور أو عدم المقبولية لدى النفس ، ولو لم يكن لذلك بالعقل سبيلا لتبريره، أو بالمنطق مدخلا لتسويغه..فالمشاعر في القلب، والقلب بصدر صاحبه، ولكنه لا يملك له أمرا ولا نهيا…ولعله الله الخالق ، هو مقلب القلوب والأبصار..والذي يملك القلب وما حوى…وإن لم يكن الله…. من منا يملك لقلبه وجهة أو منعة؟
والأمر في هذا المنوال ليس به مشقة أو عسر…اللهم إلا عسر الاحتفاظ بتلك المشاعر، والسيطرة عليها، وألا يبين منها إلا ما لا يضير.. وهو أمر يتقنه البعض، ويمارسه الكثيرون ببعض التوفيق ، أو جل العامة….
فطالما أننا احتفظنا بمشاعرنا داخلنا…فليس هناك ما يريبنا إن كانت إيجابية أو كانت غير ذلك…وحكمة ذلك التيسير فيما يختلج من المشاعر داخل النفس، أنها مازالت ملكية النفس الخالصة، فلم تختلط بها مشاعر الغير ، ولم تؤثر هي في تلك المشاعر… ولم يتسن لها أن تنتقل ، ولو بمجرد المعلومية إلى أي من البشر… …وطالما لم تخرج تلك المشاعر للعلن، فصاحبها في أمن ودعة ..لأنها إن خرجت…تعلقت بها تقديرات البشر …وارتبط بها حق كل من تناولته في ثناياها …
ولا يخفي صعوبة احتفاظنا كبشر بمشاعرنا ..وخاصة نحن العرب….ومشهور عنا أن عاطفتنا تسبق عقلنا عادة… وهي حقيقة مفزعة وتوابعها مخيفة، لأننا ندع العقل بإبداعاته وتبحره في مستقبل التنمية والتطور والإبداع، لنلتصق بالعاطفة، التي سرعان ما تقودنا للصدام والتشفي أو التصالح او التباغض و التنابذ أو التناجي أو التفاخر أو الفرح أو الألم..وجلها بغير منطق تقتضيه الضرورات غالبا…وكلها لا قيمة لها في ميزان الاستقرار والتنمية والتطور…
نعم ..من العسير أن نغلب عقلنا على هوانا..فنحتفظ بمشاعرنا تجاه الآخر بداخلنا….
ولذلك فالحق سبحانه وتعالى ، عندما أراد توصيف قدر من جلاله وتفرده، قال في محكم التنزيل” يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور” غافر (19) ، ليدلل على علمه المحيط، بأمرين جلالهما ظاهر ، أولهما أنه يعلم خائنة الأعين، أي لديه علم العين الخائنة، ولو أبدت الأمانة، التى ننخدع نحن البشر بها….وثانيهما، أنه يعلم ما تخفي الصدور، أي ما يحويه المرء في قلبه ومكنون نفسه، وهو أمر جليل، من الجليل ، لعلنا نستحي فلا نحفظ في خزائن أنفسنا ما نستحي أن يطلع عليه الخالق.. والشاهد هنا أن الله تعالى قد أبان لنا أن مافي الصدر لا يعمله إلا هو..وعلمه به مانع وقاطع…وليس لغيره… ..لأنه هو ..وهو وحده ، القادر على معرفته… ولذلك فلا تثريب علينا منه في شيء..فلم يتأذ أو حتى يستفد منه أحد بعد …
… ولكن تدق المسألة عندما لا يقف الأمر عند هذا الحد..ونحن بشر ..وفي وقتٍ قد لا ننشغل فيه بغيرنا ، قد نضعف، ويبين من محيانا ما يعتمل في داخلنا.. وننزلق لسرعة وعشوائية وهوائية إظهار العاطفة تجاه الآخر… أو ربما نطلقها بلا حفيظ من عقل أو رقيب من حكمة… وهنا تبدأ المشاكل الخاصة بالتقديرات للأشخاص المحيطين بنا…..فلا يقيم بعضُنا لبعضِنا بيننا شأنا.. وهؤلاء البعض ربما يسوغون هذا المسلك ..فيطلقون على ذلك بعض المسميات الساخرة، مثل، أن فلانا مثل القطار..يدوس ما في طريقه…. أو أنه على سجيته، أو أنه ساذج …وما في قلبه على لسانه..وغيرها من تعابير تفصح عن عدم وجود فلاتر تنقي مفردات القول، فيطلقون المشاعر على أعنتها ، لتنساب عشوائية ، من مخارج الكلم على الأفواه..وما قد يستتبع ذلك من مشاعر حنق أو غضب أو عداء ..وربما صدام وعنف…
وهنا تغير الوضع..وتعلق بالمشاعر حق أو حقوق للغير..وندخل انفسنا في متاهة التفسير والتبرير ..أو الاعتذار والإنكار…وجميعها لا حاجة لنا بها… لكننا عندما غلبنا العاطفة..أوقعنا أنفسنا مواقع الضعف ورضينا أن نكون في محل نزاع ومحط جدال من الآخر… وهذا أمر شديد الوطأة علينا…. يهدر طاقاتنا بلا منفعة حقيقية…
اللهم اجعلنا ممن يرشدون في مشاعرهم..ويتعقلون في كلامهم..ولا يرمون الناس بالباطل ….

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى