fbpx
مقالات

مثالية توماس مور..طريقه للخلود

بقلم: محمد نبيل الشيمي

توماس مور (1480-1535) هو أول من صاغ كلمة يوتوبيا أو أوتوبيا (النطق اليوناني) واشتقها من كلمتين ou ومعناها “لا” وTOPOS ومعناها “كان” والكلمة تعني “ليس في مكان” ثم أسقط توماس مور O وكتب الكلمة باللاتينية لتصبح UTOPIA ووضعها عنواناً لكتابة الذي يعده الفلاسفة أشهر يوتوبيا في العصر الحديث حيث تمثل وصفاً لمجتمع مثالي تسوده روح العدالة وقيم المساواة بين المواطنين .
كتب مور اليوتوبيا في فترة انتقالية كانت فيها حركة النهضة تؤذن بميلاد حركة الإصلاح الديني بكل ما شهدته هذه الفترة من اضطرابات اجتماعية وسياسية عميقة وكان مور على وعي تام بالمشكلات الاجتماعية والسياسية التي تتطلب من وجهةنظره حلولاً جذرية ويلاحظ أن مور كان من الرافضين تماماً لأفكار مارتن لوثرفيما يتعلق برؤيته في الاصلاح الديني وظل على إيمانه الشديد بالكاثوليكية .
…. حياته وأفكاره :-
كان مور نائباً في مجلس العموم البريطاني وتصدي بقوة الاستبداد هنري السابع ووقف مع نفر من أصدقائه لتحليل عيوب الطغيان والاستبداد … وأصبح فيما يعد أحد ضحايا ذلك …. بعد موت هنري السابع عمل مور مستشاراً لهنري الثامن ثم شغل منصب رئيس قضاه انجلترا من عام 1529 إلى 1532 … ظل على رأيه الناقد للأوضاع وكاشفاً لعيوب النظام الاجتماعي استقال من منصبه معترضاً على خطة الملك لتطليق زوجته كاثرين للتزوج بأخرى مخالفاً لتعاليم الكاثوليكية … ومن ثم رفض أن يكون الملك رئيساً للكنيسة الكاثوليكية في إنجلترا وظل على رأيه في أن سياسته ضد البابا سياسة غير لائقة … سجنه الملك بتهمة الخيانة العظمى وحبس في برج لندن حتى إعدامه بقطع الرأس عام 1535م … وتكريماً له فقد اعترفت به الكنيسة فيما بعد قديساً .. وفي الفترة التي كان فيها مور قريباً من البلاط الملكي المتمثل في كثرة عدد النبلاء .. قال “أنهم طفيليون بطالون يتغذون من عرق ومن عمل الغير” … أما الرهبان … فهم “شحاذون وطفيليون آخرون”
… تنقسم اليوتوبيا إلى كتابين تم وضعهما بفاصل زمني ولا يعرف أيهما كتب أولاً … ألا إننا سنتعرض للجزء المتعلق برؤيته في إصلاح حال المجتمع .
لقد أصبح مصطلح اليوتوبيا فيما بعد تعبيراً أو نموذجاً لمجتمع مثالي كامل وتعبيرا
أو نموذجاً لمجتمع خيالي مثالي كامل أو قريب من الكمال متحرر من كل من المشكلات والشرور التي تعاني منها البشرية وهذا المجتمع الذي تصوره يوتوبيا لا يوجد بالفعل في أي مكان على سطح الأرض ولكن في أماكن وجزر تخيلها مور في ذهنه .
أصبحت الكلمة فيما بعد في متناول المفكرين ورجال السياسة الذين ابتغوا الإصلاحات السياسية أو كل ما يتعلق بالتصورات الخيالية التي يمكن أن تتحقق في المستقبل أو أي إنجاز علمي قد يتحقق … ولكن تبقى اليوتوبيا تصوراً فلسفياً ينشد انسجام الإنسان مع نفسه ومع الآخرين ومع المجتمع ـ إنها معنية بخلق أفكار وتصورات للإنسجام الاجتماعي .
توماس مور كان عميقاً عندما يتحدث ويحلل الدول في عصره “الدولة هي عبارة عن مصالح الطبقة الحاكمة” والمجتمع العادل في نظره يختلف تماماً عما هو كائن فهو يرى أنه عندما تكون الملكية فرديةً وحيثما تقاس كل الأشياء بالنقود لا يمكن أبداً تنظيم العدالة والإزدهار الاجتماعي ”
… ويقدم توماس مور رؤيته حول مجتمع المساواة /
– كل الطوباويين يعملون من أجل الجميع .
– لا يمتلك أحد شيئاً خاصاً به.
– إن الجماعة توفر للكل الرخاء من خلال /
• اليد العاملة الكثيرة والإنتاج الزراعي والحرفي المنظم جداً .
• الراحة والانضباط
وهذا المجتمع العمل فيه وفقاً لساعات عمل محددة والطعام المشترك وفيه يخضع كل مواطن بدون إكراه لأن الجماعة تقدم له أقصى الرفاهية … وهذا المجتمع يتسم بأن القوانين فيه بسيطة وقليلة العدد والدولة هنا ينحصر دورها في إدارة الأمور وتوجيه الاقتصاد فهي تختص بنفسها حصر التجارة الخارجية … وفي هذا المجتمع كل القضاه ورجال الدين ينتخبون من بين أفضل المثقفين الذين هم مجموعة أرستقراطية فكرية متجددة متفتحة .
… ظل مور مؤمناً بأن الكنيسة في حاجة إلى إصلاح يقوم على الحرية من خلال بعد إنساني يرفض السلطة المستبدة لرجال الدين ونظام الحكم الملكي كما كان مؤمناً بأهمية تخلي الأنسان عن أنانيته وشهواته وتكبره قبل التفكير في إيجاد المجتمع الأفضل .
إدرك أن الطريق الوحيد الذي لا يوجد غيره لتحقيق الرفاهية “للجميع هو تحقيق المساواه في جميع الأمور وكان يشك في إمكانية تحقيق ذلك حيث أن الغنائم تقسم بين حفنة من الناس في حين يترك الباقون في فقر وعوز على الرغم من أنهم الأحق بالتمتع بالثراء الذي يتمتع به القلة المستغلة … الأغنياء عند مور جشعين لا ضمير لهم ولا فائدة منهم … في حين أن الفقراء يتمتعون بحسن السلوك وهم مهذبون وأكثر نفعاً للدولة بعملهم اليومي .
كان مور يؤكد بأنه ما لم يكن هناك تقسيم عادل ومتساو للسلع لن تتحقق السعادة في الحياة الإنسانية وفي ذلك السياق كان يرى ضرورة إلغاء الملكية الخاصة تماماً .
وأتساءل ماذا لو كان مور ما يزال حياً يرزق … ورأى بأم عينه وسمع بأذنيه ما يلاقيه الفقراء من عنف وكبد ومعاناه … فالثروة يستأثر بها حفنة من الناس الذين يجورون على حقوق الآخرين ، والسلطة فاسدة مفسدة وهناك ترابط عضوي بين السلطة والثروة .. قلة قليلة تملك كل شيء وتفعل ما يعن لها من احتكار وحبس للسلع وتقلد للوظائف بدون أهلية …. وانتخابات تزور … وكتاب ومثقفون مراءون ومنافقون للسلطة . ورجال دين أغرتهم الدنيا فباتوا يفتون بغير حق لتمرير تصرفات الحكام المستبدين .. هل كان مور يعتقد أن ما حارب من أجله في سبيل المساواة بين أفراد المجتمع أصبح أمراً صعب المنال ؟ هل كان مور يعتقد أن رجال القضاء والمثقفين الذين وضع عليهم آمالاً عريضة لإصلاح المجتمع أصبحوا في زمننا الحالي أحد القوى الداعمة للديكتاتورية والطغيان والاستبداد ؟… قد يكون مور في عالمه الآخر الآن أسعد حظاً لأنه لم يعش معنا هذا الزمن الرديء … وأتصور أنه وقد فقد حياتةدفاعاً عن قناعاته المثالية في إصلاح المجتمع والرعية .. فإنه أيضاً … لو خير في أن يعود الآن إلى الحياة لرفض حتى لا يموت قهراً وكمداً أكثر من مرة في اليوم الواحد .
المصادر/
المدينة الفاضلة عبر التاريخ/ماريا لويزا برتيري ترجمة دكتوره عطيات ابو السعود/عالم المعرفة العدد 225
تاريخ الفكر السياسي/جاك توشار واخرون /ترجمة دكتور علي مقلد

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى