fbpx
الشرق الأوسطعاجل

النفط والحسابات القومية العراقية

اعداد : همام عبدالله السليم –  كاتب وباحث وخبير اقتصادي عراقي

تعرف المحاسبة القومية على انها تلك التي تعتمد على المستوى الكلي او التجميعي والتي تهدف إلى توفير احصائيات عن الناتج والدخل القوميين وغيرهما من المقاييس، فهي ترتبط بالتبويب الاحصائي لأنشطة الافراد والمنظمات بطرقة تساعد على تفهم عمليات الاقتصاد القومي ككل.

والحسابات القومية هي الصورة الرقمية التي تبين نشاط القطاعات المختلفة في الاقتصاد القومي والعلاقات التي تربطها، وتقيس تدفق السلع والخدمات بين بعضها البعض وداخل القطاع الواحد.

ولدراسة الحسابات القومية سيما الناتج والدخل القوميين اهمية كبيرة؛ لأنها تتناول تشريح الجسم الاقتصادي وبيان اجزاءه التي يتركب منها، وانها تكشف عن القوى التي تحدد مجموع الاستخدام والانتاج والدخل الحقيقي ومستوى الاسعار، كما تعد الحسابات القومية ضرورية للوقوف على المشاكل الاقتصادية ومعالجتها، فضلاً عن ذلك فأن هذه الحسابات تزود الباحث والمهتم بشؤون التحليل الاقتصادي والاجتماعي باطار عام شامل لمختلف المجاميع الاقتصادية وتعكس تفاعلاتها المختلفة من: انتاج واستهلاك وادخار واستثمار واستيراد وتصدير.

اذاً ينصب تركيز الحسابات القومية على الدخل القومي والناتج القومي ومكوناتهما الرئيسة والمختلفة، فهي تتعدد وتتنوع في الدول المتقدمة وتنحصر وتقل في الدول النامية والمتخلفة.

وفي العراق موضوع دراستنا يمثل تصدير النفط والايراد الناتج عن هذا التصدير المصدر الاساس بل الحاسم للدخل الوطني العراقي وبالتالي المكون الاساس لدخل الفرد العراقي، وهذه سمة الدول الريعية التي يعتمد اقتصادها على ريع واحد ليمصل موارد الموازنة.

فقد احتلت العوائد النفطية منذ اوائل الخمسينيات موقعاً مهماً في الاقتصاد العراقي، إذ شكلت العوائد النفطية عام 1956 23% من الدخل الوطني و 92% من الصادرات و 67% من موارد الدولة و 40% من اجمالي ايرادات الموازنة الحكومية، بينما خلال الاعوام 1974 – 1980 مثلت العوائد النفطية نسبة 55 % من الناتج المحلي الاجمالي، وقد شكلت ايرادات النفط نحو 92 % من ايرادات موازنة 2004 بسبب تعطيل وضعف المصدر الضريبية و توقف معظم المؤسسات الصناعية والانتاجية الحكومية عن العمل .

وخلال السنوات 2003 – 2016 ازدادت نسبة او مساهمة النفط في ايرادات الموازنة العامة للدولة وفي مجمل الناتج والدخل القوميين؛ بسبب تراجع مصادر الدخل و الايرادات الاخرى، وفي السياق تشير احصائيات رسمية إلى انه منذ بداية عام 2015 وحتى نهاية اب بلغت واردات العراق من صادرات النفط الخام عبر شركة سومو الوطنية نحو (3) مليار دولار رغم تصديره اكثر من نصف مليار برميل من الخام خلال المدة ذاتها، وتعتمد الحكومة العراقية على ايرادات النفط في بناء موازنتها المالية بنسبة تتجاوز 95 % .

وما غفل عنه ساسة العراق هو ان ارتباط دخل الدولة بتصدير النفط قد ربط مصير العراق بالسوق العالمية الرأسمالية من ناحية كميات التصدير وسعر البرميل، وهو ما يفسر التراجع الكبير في موارد العراق ضمن موازنات عامي 2015 – 2016؛ بسبب انخفاض اسعار النفط الخام في الاسواق العالمية إلى اكثر من نصف السعر لتبلغ اقل من 30 دولاراً خلال شباط الماضي بعد ان كانت اكثر من 110 دولار للبرميل الواحد .

ففي عام 2016 الراهن ووفقاً لتصريح المتحدث باسم وزارة النفط (عاصم جهاد) المنشور على الموقع الالكتروني للوزارة، قد ارتفعت الكميات المصدرة من النفط الخام والايرادات المتحققة عنها لشهر اذار الماضي حسب الاحصائية النهائية الصادرة عن شركة تسويق النفط العراقية سومو؛ إذ بلغت كميات الصادرات النفطية (101) مليون و(900) الف برميل ( مائة وواحد مليون وتسعمائة الف برميل) بإيرادات بلغت (2) مليار و(894) مليون دولار ( ملياران وثمانمائة واربعة وتسعون مليون دولار) ، وتم تصديرها من الموانئ الجنوبية والعوامات الاحادية، وبلغ معدل بيع البرميل الواحد (28.4) دولار، وتم تحميل الكميات المصدرة من قبل (33) شركة عالمية مختلفة الجنسيات من موانئ البصرة وخور العمية والعوامات الاحادية في الخليج العربي.

ومن خلال الاطلاع على موازنات العراق للأعوام 2010 – 2016 نجد تفوق العوائد النفطية على بقية مصادر الدخل وسائر الايرادات وان الايرادات النفطية تسهم في بناء الموازنة العامة للدولة بنسبة تتجاوز 95 % من مجمل الايرادات .

استنتاجات :

  • حصل العراق على عوائد وايرادات نفطية هائلة لم يستطيع الاستفادة منها، فبعد ان كان ينتج بمعدل (2.5) مليون برميل يومياً وبسعر (115) دولار للبرميل، اليوم اسعار النفط اقل من 45 دولار للبرميل، ولن يتمكن العراق من انتاج 3 مليون برميل يومياً، بسبب عودة ايران للسوق وتقارب نفطها من مواصفات النفط العراقي، ضلاً عن محاولة الاتفاق على تجميد كميات الانتاج بين دول الاوبك من اجل رفع الاسعار.
  • كان النفط ولا يزال يشكل المورد الأهم في العراق لتكوين وبناء موازنات البلد المالية، فهو المصدر الاهم للدخل والناتج القوميين وبالتالي هو ركيزة ومحمور الحسابات القومية.
  • لا يتصور في الافق المنظور (2018 – 2019) ان ترتفع اسعار النفط في الاسواق العالمية، وبالتالي فإننا قادمون على ازمةٍ ماليةٍ حادةٍ شئنا أم أبينا .
  • حتى وان حدثت زيادة قليلة في الاسعار فلن يتمكن العراق من الاستفادة من تلك الزيادة السعرية لأسباب كثيرة منها:
  • ضعف التنوع في الاقتصاد .
  • ضعف القطاع الخاص
  • توسع وترهل القطاع العام غير المنتج، إذ يقدر عدد العاملين في القطاع العام بنحو 8 مليون شخص، وهو ما ادى إلى التصارع على الريع .
  • فلسفة التعليم الفاشلة المبنية على عرض الشهادات، مما أدى إلى بطالة وتخلف قوة العمل، ففتحت كليات وجامعات دون الاخذ بنظرة الاعتبار حاجة الاقتصاد العراقي.
  • ولعل ابرز الاسباب هو ارتفاع تكاليف نفقات الحرب لتحرير الارض ونفقات اعادة الاعمار لمرحلة ما بعد التحرير، فهي تشكل نفقات طارئة وعاجلة وملحة تؤثر وبشكل كبير على الموازنة العامة للدولة

ولمعالجة كل ذلك وانقاذ البلد من الازمة المالية الحادة، ينبغي على الحكومة ان تعمل على تنويع وتعديد مصادر الدخل ودعم القطاع الخاص، وتقليل او ضغط النفقات العامة وسيما رواتب ومخصصات الرئاسات الثلاث والدرجات الخاصة وغيرها من الوسائل والاجراءات الكفيلة بمعالجة الازمة المالية فهل ستعمل عليها الحكومة العراقية ؟

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى