fbpx
الشرق الأوسطتقدير الموقفعاجل

نمط العلاقة بين السلطة و المعارضة فى تركيا بعد محاولة الانقلاب الفاشلة

اعداد الباحثة : نهلة يحيي محمد نبيل – المركز الديمقراطي العربي

تابع العالم في ترقب الأنباء التي تواردت عن محاولة انقلاب عسكري في تركيا مساء 15 يوليو/تموز بعدما أعلن رئيس الوزراء التركي بن على يلدريم عن تحركات عسكرية غير شرعية تقوم بها مجموعة داخل الجيش التركي و أن الحكومة ستواجهها بحسم . و ما لبثت الحكومة أن أعلنت عن القضاء على هذه المحاولة. رافق ذلك تجمع شعبي كبير في ميدان” تقسيم” رفضا للانقلاب.

لم تكن هذه نهاية المطاف حيث بادر الرئيس التركي  ببدأ حملة ” تطهير ” لمؤسسات الدولة شملت التعليم و المالية و الجيش و القضاء والشرطة و المخابرات من “الفيروس المنتشر كالسرطان في أجهزة الدولة “-أي الكيان الموازي- علي حد تعبير أردوغان  و تم توجيه الاتهام للداعية التركي المستقر اختياريا في المنفي في بنسلفانيا “فتح الله كولن” و طالبت الحكومة التركية نظيرتها الأميركية بترحيل كولن.

حدث كل ذلك مع رفض الاحزاب السياسية الثلاثة المعارضة للانقلاب العسكري و إدانة رئيس حركة الخدمة فتح الله غولن ايضا لمحاولة الانقلاب العسكري لتشهد تركيا لحظة نادرة و قصيرة من الاتفاق بين القوي السياسية جميعا.

ركزت التحليلات بعد الأنقلاب أن من أهم العوامل التى حالت دون نجاح هذه المحاولة الإنقلابية هي أكثر ما قمع اردوغان و هنا نعني موقف المعارضة السياسية التي توحدت وراء رفض تدخل الجيش فى السياسة و دور مواقع التواصل الاجتماعي التى لطالما حجبها أردوغان .و عليه رأت أهمية أن يفطن أردوغان إلى هذا و أن يكون هذا الانقلاب الفاشل درسا له فى أهمية التعاون مع المعارضة فى إطار النظام الديمقراطي.

يبدو أن أردوغان يحاول استغلال هذه اللحظة النادرة بشكل جزئي،فنري أنه من ناحية العلاقة مع حزبي الشعب الجمهوري و الحركة القومية فهنالك تقارب بينهما و بين حزب العدالة و التنمية .ظهر هذا التقارب فى العديد من المناسبات مثل التضامن فى البرلمان[1] و الاجتماع الذي جمع بين اردوغان و رئيسي حزب الشعب الجمهوري و الحركة القومية[2] و إسقاط أردوغان الدعاوي الموجهة ضد خصومه و منهم رئيس حزب الشعب الذي بادله بالمثل[3].

و أخيرا ظهر هذا فى تجمع الديموقراطية و الشهداء و الذي شهد مشاركة حزبي المعارضة مع حزب العدالة و التنمية و تأييد خطوات ملاحقة الانقلابين[4].على أنه تجدر ملاحظة اختلاف درجة التأييد إذ رفض حزب الشعب اعلان الطوارئ فى البرلمان معللا ذلك بضرورة الرجوع للبرلمان ، كما أكد ضرورة محاربة الانقلابيين بالقانون مؤكدا أن استخدام التعذيب و القمع لا يفيد إلا الانقلابين[5] .

و يأتي هذا فى ظل تقارير منظمة العفو الدولية عن انتهاكات حقوق الانسان فى تركيا و استخدام التعذيب و الاغتصاب فى السجون[6].بيد أن زعيم حزب الحركة القومية لم يبد مثل هذا الحرص و انتهج خطابا مشابها للعدالة و التنمية فى التأكيد على محاربة الانقلابيين و الخونة كما أيد إعادة عقوبة الاعدام مرة أخري لمواجهة الإنقلابيين.[7]

علي صعيد آخر،نري أن الكل اصطف فى مواجهة ليس فقط حركة الخدمة- التى اتهمت رسميا بالوقوف وراء الانقلاب- و لكن كذلك ضد الأكراد سواء حزب العمال الكردستاني المسلح المصنف كإرهابي فى تركيا أو حزب الشعوب الديموقراطي الممثل فى البرلمان و هو ثاني أكبر أحزاب المعارضة بعد حزب الشعب و الذي رغم شجبه و ادانته للانقلاب و مشاركته لحزبي المعارضة الآخرين فى البيان المدين له إلا أنه تم استبعاده من كل الفعاليات التالية لمحاولة الانقلاب فلم تتم دعوته لا إلي لقاء الرئيس أردوغان و لا لفعاليات تجمع الديموقراطية و الشهداء و برر الرئيس التركي ذلك أن الحزب يدعم حزب العمال الكردستاني الإرهابي و” لا فرق بين الانقلاب و الارهاب”[8].

كما أدان رئيس الحزب إجراءات القمع التي انتهجت بعد الإنقلاب و الدعوة لتطبيق عقوبة الاعدام و أكد أن أردوغان يستغل محاولة الانقلاب  من أجل قمع معارضيه جملة.[9]

اتهامات رئيس حزب الشعوب الديموقراطي ديمرتاش لا يمكن غض النظر عنها ، فكل الشواهد تشير أنه بغض النظر عن النوايا فحكومة العدالة و التنمية و الرئيس التركي أردوغان يستغلان المناخ المصاحب لقمع العملية الانقلابية من أجل تبرير العصف الكلي بحركة الخدمة و الأكراد سواء تورطوا أم لا فى محاولة الانقلاب و هنا يتساوي المتعاطف مع المتورط. كما يبدو أن المناخ السياسي المشحون حاليا ضد الأكراد و حركة الخدمة إضافة إلي التربص بكل من يظهر حتى التعاطف مع الجماعات المغضوب عليها هو الأنسب للقيام بتعديل الدستور ، خاصة أن العملية ستتم من أجل تعديل وضع الجيش فى الدستور إضافة إلي الحديث عن وضع أجهزة عسكرية تحت إمرة الرئيس التركي مباشرة و هو ما سيعطيه قوة غير مسبوقة فى النظام السياسي التركي مهددا توازن القوي فيه[10].

كما يمكن من هذا السياق تفسير استمرار المظاهرات الرافضة للانقلاب الفاشل لأكثر من ثلاثة أسابيع ، إذ يمثل هذا رسالة للعالم و للمعارضة تؤكد أن أردوغان هو الفائز الوحيد من توابع هذه المحاولة الانقلابية و أن ثقله فى الشارع يتيح له فعل ما يريد.و فى حين امتنعت الأحزاب و منها العدالة و التنمية عن رفع شعارات حزبية فى تجمع الديموقراطية و الشهداء إلا أنه لوحظت الهتافات الداعمة للرئيس التركي و المستعدة للموت اذا ما طلب هو ذلك و تطالب بعودة عقوبة الإعدام على المتورطين فى المحاولة الإنقلابية[11].و عليه فموضع القوة الذي أصبح فيه الرئيس التركي جعل العديد من المحللين يتحدثون عن دور له فى المحاولة سواء ترتيبها أو السماح بحدوثها و هو ما قاله أيضا زعيم حركة الخدمة فتح الله كولن.[12] على أن التحقيق فى هوية  المتورطين فى هذه المحاولة أو مسئولية الرئيس التركي عنها ليس من أغراض هذه الورقة.

ما تهتم به هذه الورقة فى الأساس هو أسباب حالة الوفاق هذه بين العدالة و التنمية و حزبي الشعب و حركة القومية و توقع احتمالية استمرار هذه الحالة فى ظل طموحات الرئيس التركي و حالة القمع فى تركيا و التي يراها و يعلم بها رئيسي الحزبين.و كذلك تهدف إلي تفسير عدم انتهاج العدالة و التنمية سياسة تصفير المشاكل تلك مع الأكراد خاصة و أن الحزب كان قد قاد من قبل حملة تاريخية فى أجل التصالح مع الأكراد و بالتالي كانت حالة الوفاق ما بعد الانقلاب ستكون فرصة أكبر لتصفير المشاكل .

أسباب الهدنة

السؤال الرئيسي هنا هو أهداف الأحزاب الثلاثة -حزب الشعب الجمهوري و حزب الحركة القومية و حزب العدالة و التنمية – من حالة الهدنة و التقارب الحاصلين بعد محاولة الانقلاب الفاشلة.

حزب العدالة و التنمية

انقسمت أغلب الآراء مباشرة بعد الانقلاب بين متوقع لتفاهم طويل الأمد بين العدالة و التنمية و المعارضة مبني على تنازل من قبل الحزب الحاكم بعد رؤيته لمدي تعقد و احتقان الوضع فى البلاد و بالتالي الخوف على مكتسباته ،و بين من توقع ازدياد قمع المعارضة بالمطلق علي نحو غير مسبوق استفادة من الوضع الحرج فى البلاد و ازدياد شعبية الحزب.

يبدو أن ما يحصل حاليا مختلف عن كلا النموذجين؛ فقد سلم حزبا الشعب و الحركة القومية من حملات قمع تعرض الأكراد و حركة الخدمة لها. و شهدت الفترة الماضي تقاربا بين الحزبين المعارضين و الحزب الحاكم وصل إلي المشاركة فى فعاليات سوية ضد محاولة الانقلاب الفاشلة و اجتماعات للتوافق حول تعديل الدستور و حتى موافقة حزب الحركة القومية على اعلان حالة الطوارئ.و أعلن الرئيس التركي عن سحب الدعاوي المرفوعة من قبله على “الأشخاص الذين اساءوا له ” و تمت استضافة رئيس حزب الشعب الجمهوري لأول مرة علي التليفزيون الرسمي منذ ست سنوات [13].

بالرغم من هذه التنازلات البسيطة المقدمة من حزب العدالة و التنمية و الرئيس التركي اردوغان ، إلا أنها لا تمثل تنازلا عن أهداف الحزب المعلنة أو استراتيجيته المنتهجة منذ فترة طويلة .  فبعد الأحداث الأخيرة أصبح الرئيس يطالب بوضع بعض أجهزة الجيش تحت إمرته مباشرة . صحيح أن هذا قد يشكل ضمانة لعدم المغامرة بتكرار المحاولة الانقلابية مرة أخري ،إلا أنه يشكل جرس إنذار من زيادة صلاحيات الرئيس و سيطرته على الجهاز العسكري مما سيجعله أقوي بكثير و هو أمر غير محبذ بالنسبة لملف تركيا فى قضية الديموقراطية مع توالي الانتقادات الخاصة بسيطرة اردوغان على الحياة السياسية و قمع المعارضة ووسائل الإعلام.

و عليه يمكن تفسير مثل هذا التقارب بمحاولة تصفير المشاكل مع “المعارضة المأمونة ” التى لا تشكل خطرا على حزب العدالة و التنمية و تسخير الجهد للقضاء على حزب الشعوب و حزب العمال الكردستاني الكرديين خاصة بعد تجدد أعمال العنف ؛مما يهدد شعبية الحزب الحاكم و الإقتصاد التركي الذي كان و لا زال من أهم مدعمات شعبية حزب العدالة و التنمية .

رغم نفي حزب الشعوب تأييده للعنف إلا أنه تم اعتباره و الحديث عنه مرارا من قبل أردوغان و السلطات أنه يتعاون مع الارهاب و سواء صح هذا الزعم أو لم يصح فسيشكل نمط العلاقة بين الطرفين خاصة مع التهديد الذي أبرزه الحزب مع تمكنه من حصد عدد كبير فى المقاعد فى الانتخابات الأخيرة و تأثير ذلك على الاغلبية التى كان يحظي بها العدالة و التنمية فى انتخابات يوليو.أما السبب الثاني فيرجع للوضع الدولي ، فعلي الرغم من إظهار السلطة بعدم اهتمامها بما يقال فى عواصم اوروبية و الولايات المتحدة عن انتهاكات لحقوق الانسان  خاصة إذا ما تمت إعادة عقوبة الإعدام  و تأثير ذلك على ملف تركيا فى الاتحاد الأوروبي،فإن وصول رسالة للخارج مفادها أنه حتى أحزاب المعارضة العلمانية تؤيد ما يحدث و الإجراءات الاستثنائية و بالتالي عدم وجود قمع  و أن السلطة و المعارضة مجتمعتان على قلب رجل واحد سيكون أمرا ايجابيا و مفيدا  و هو أيضا هدف الفعاليات الشعبية المستمرة لأكثر من اسبوعين من المحاولة الانقلابية الفاشلة .

و بالتالي يتوقع أن تستمر هذه السياسة طالما أن المناخ السياسي مستمر على ماهو عليه ، فلا المعارضة تعترض على ما تقوم به الحكومة و الحكومة لا تزال فى سعيها للقضاء على المعارضة غير المأمونة و هى مهمة ستسغرق وقتا طويلا.

حزب الشعب الجمهوري و حزب الحركة القومية

استغرب بعض المراقبين موقف حزبي الشعب الجمهوري و الحركة القومية الداعم لسياسات الحكومة فى مرحلة ما بعد الانقلاب الفاشل ، خاصة و أنهما قد يتضرران من تقوية نفوذ و قوة أردوغان إضافة إلي اعتياد الحزبين المعارضة من أجل المعارضة و المناوشات الدائمة مع الحكومة.لهذا فهذا الجزء يهدف إلي وضع تفسيرات محتملة لنمط السلوك هذا.

1-العدو المشترك

تستهدف إجراءات أردوغان فى الأساس مجموعات الأكراد و حركة الخدمة ، الأولي بتهمة الإرهاب و الثانية بتهمة الانقلاب،لهذا فكلا الحزبان العلمانان القوميان لن يمانعوا في القضاء تماما على حركة اسلامية و مجموعات قومية كردية سواء سياسية أو عسكرية.خاصة أن مفاوضات المصالحة مع الأكراد التي قادها أردوغان قبل عام 2015  كانت من أهم اسباب الخلاف مع الحزبين و خاصة حزب الحركة القومية القومي التركي و الذي يجد أن التعامل مع الأكراد كقومية منفصلة يهدد النسيج القومي التركي . و لا يختلف موقف حزب الشعب عن هذا إلا فى إطار الدرجة .و كلا الحزبان علماني لن يهتم بالخلافات داخل المعسكر الاسلامي، بل على العكس سيأمل فى أن يؤثر هذا الخلاف على المعسكر الآخر.

2-ضعف الحزبين

يعاني حزب الشعب الجمهوري و حزب الحركة القومية من الضعف الشديد خاصة الأخير و يعاني من المشاكل الداخلية المؤسسية و هذا ما يضعف قدرة الحزبين على اتخاذ مواقف حاسمة أو معارضة السلطة إلي ما لا نهاية .

فبالنسبة لحزب الشعب الجمهوري ، فقد تناولته من قبل العديد من الدراسات على أنه غير قادر على تقديم بديل للعدالة و التنمية الحاكم إذ يفتقد الحزب إلي برنامج واضح قائم بذاته لا مجرد معارضة للحزب الحاكم أو تقديم الحزب فقط على أنه حزب علماني، و بالتالي لم يستطع الحزب تقديم برنامج متكامل لإدارة تركيا ، إضافة إلي تركز قاعدته الشعبية فى بعض مناطق العلويين فى غرب البلاد.و بالتالي فقد الحزب القدرة على تكون قاعدة شعبية كبيرة على مستوي البلاد و فشل فى توسيع إطار التجنيد السياسي،و يمكن التدليل على ذلك من خلال نتائج الانتخابات شبه الثابتة للحزب على مدار ثلاث دورات انتخابية.و فى الإطار المؤسسي،يفتقد الحزب إلي الديموقراطية الداخلية و إلي قيادة يمكن أن تجمع حولها الحزب ، و لهذا تحدث الكثير من الانشقاقات فى الحزب و لا تستطيع الإدارة الداخلية للحزب تسوية النزاعات داخلها، و هو أكبر مؤشرات فشل مؤسسية الحزب و التي لا تجعل الناخب يثق فى إدارة الحزب للبلاد طالما لا يقدر على تسوية النزاعات داخله.[14]

أما حزب الحركة القومية فوضعه أسوء،فإن كان حزب الشعب الجمهوري فشل فى عملية التجنيد السياسي فحزب الحركة القومية فشل حتى فى الحفاظ على كوادره السابقة و قاعدته الشعبية . فقد كان الحزب هو الخاسر الأكبر لصالح حزب العدالة و التنمية و هو ما مكنه من الحصول على الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة منفردا.إضافة إلي معاناة الحزب من المشاكل الداخلية ، فقد حاول الحزب مرارا تبديل رئيس الحزب دولت باهشجلي إذ يعتبرونه من أهم أسباب جمود الحزب و فشله فى مجاراة المناخ السياسي التركي ، إلا أن حكم المحكمة الدستورية مدعمة بقانون أحزاب تركي يدعم دائما رؤساء الأحزاب تسبب فى فشل كوادر الحزب  فى ذلك[15] و بالتالي افتقاد الحزب لآليات الديموقراطية الداخلية مما ساهم فى ضعف الحزب و عدم قدرته على المنافسة .

بالتالي مع ضعف هذين الحزبين ، من غير المتوقع أن يكونا مستعدين لخوض مواجهة صعبة كتلك أمام حزب العدالة و التنمية فى ذروة قوته و شعبيته . خاصة فى ظل السياق الحالي،يذهب ناعوم لوبو و راشيل رايدل أن الأحزاب فى ظل بيئة انعدام اليقين و المعرفة فى الدراسة على أنها” عدم دقة توقعات الفاعلين السياسين بشأن مستقبل التفاعلات بينهم ” و ذهبا أنه فى حين تعاني كل الدول والتفاعلات السياسية من انعدام اليقين إلا أنه يختلف فى الدرجة من حالة إلي أخري و يزداد فى الدول ذات الديموقراطيات غير المستقرة أو الراسخة ، ففى هذه الدول تكون هناك انتخابات إلا أنه يسود القلق دائما من إمكانية تحول العلاقة بين الفاعلين إثر العودة إلي السلطوية[16] .

و مع التطبيق على الحالة التركية فى سياق الإجراءات المتخذة فى طريق قمع المعارضة و إغلاق الصحف المعارضة ..إلخ ، و فى ظل المناخ السائد المطالب بأقصي عقوبة للانقلابين و استخدام السلطة لكل الوسائل الممكنة للقضاء عليهم ، تخشي الأحزاب الأخري من نتائج ما يحدث مع عدم القدرة على توقع ما قد يحدث،تذهب الدراسة أن الأحزاب فى هذا السياق تهتم أكتر بالمكاسب العاجلة عن المكاسب الآجلة  و بالتالي فمهما كان صغر حجم التنازلات التي يقدمها العدالة و التنمية فيري الحزبين أنه من الأفضل اقتناصها مقارنة بإي اجراءات أخري و مهما كان حجم المكاسب البعيدة التي قد تجني على إثر هذه السياسات.

3-الأحزاب بين الهيمنة و التعايش

فى تحليل سلوك الأحزاب السياسية ، يذهب بعض الدارسين مثل انجيلو بانيبانكو أن الأحزاب السياسية فى تأثرها بالبيئة المحيطة توازن بين نشاطين :

الأول هو محاولة التكيف و التعايش مع البيئة و الثاني هو الهيمنة على هذه البيئة.تحاول الأحزاب دائما فى حدود المتاح الموازنة بين الهدفين طبقا لوضع البيئة و مدي قوة الحزب [17]، اختبرت هذه الفرضية على الوضع التركي بالذات و لكن على الحزب الحاكم لتفسير اتجاهاته “المعتدلة ” فى سياق العلاقة بين الدين و الدولة ، و تري الباحثة أنه يمكن تطبيق نفس الفرضية على وضع حزب الشعب الجمهوري و حزب الحركة القومية فى الفترة الأخيرة فى تركيا .

فلم يعد المناخ السياسي يسمح لحزب الشعب الجمهوري بالهيمنة مثل السابق ، على العكس أصبح بمقدور حزب العدالة والتنمية  انتهاج سياسة الهيمنة أكثر مع زيادة الدعم الشعبي له و لسياساته.

و بالتالي صار لزاما على حزبي المعارضة الإنتقال مرة أخري إلي سياسات تميل أكتر إلي التكيف  و هو أمر قريب مما أشرنا إليه فى سياق النجاة السياسية .

فإذا كان الرأى العام التركي يميل أكتر إلي العدالة و التنمية فيجب وضع هذا فى عين الإعتبار ، و عليه فمعارضة الحزب الحاكم و خاصة من أجل أحزاب و كيانات منافسة بل و عدوة كالأكراد و حركة الخدمة خيار غير سليم .

و بالتالي الأفضل هو مجاراة الرأي العام على الأقل حتى تمر هذه اللحظات الحرجة ، و حتى مع إستقرار الأوضاع ، فمع تنامي نفوذ العدالة و التنمية و إتجاهه لقمع المعارضة فسيكون على الحزبين الاتجاه إلي التكيف أكثر من الهيمنة إلا إذا حدث تغير فى المناخ الشعبي التركي.

حزب الشعوب الديموقراطي و العدالة و التنمية :مصالحة غير ممكنة

علي عكس العلاقة بين العدالة و التنمية وحزبي الشعب و الحركة القومية ، لم تحدث إي مقاربة بين الحزب الحاكم و حزب الشعوب الديموقراطي التركي ،بل على العكس استبعد رئيس الحزب من مشاورات بين أردوغان و رئيسي حزب الشعب الجمهوري و حزب الحركة القومية من أجل التفاوض على تعديل الدستور .

كما قال الرئيس التركي أردوغان أنه لم تتم دعوة رئيس حزب الشعوب إلي تجمع الديموقراطية و الشهداء لأنه يؤيد حزب العمال الكردستاني المصنف كإرهابي فى تركيا و لأن الإرهاب و الإنقلاب لا يختلفان على حد تعبير الرئيس التركي .

بالمقابل ، رغم أن حزب الشعوب اشترك مع حزبي المعارضة الآخرين فى البيان الثلاثي المندد بالمحاولة الانقلابية ، إلا أنه لم يبد نفس القدرة على التجاوب مع حزب العدالة و التنمية مثل حزبي المعارضة الآخرين ،فأدان إجراءات التطهير المتبعة مؤكدا أنها ليست الحل ، و رفض كما حزب الشعب إعلان حالة الطوارئ،إلا أنه فى حين رفض حزب الشعب حالة الطوارئ للتأكيد أنه يمكن اتباع ذات الإجراءات تحت رقابة البرلمان كان حزب الشعوب معارضا للإجراءات ذاتها.

اتهم رئيس الحزب الرئيس التركي أنه المستفيد الأكبر من الانقلاب و أنه يمكن أن يكون قد عرف أنه هناك محاولة انقلابية قد تحدث و آثر الاستفادة منها . أكد بعد ذلك رئيس الحزب على موقفه متهما نوابا فى حزب العدالة و التنمية و حزبي المعارضة الآخرين أنهم كانوا يتفاهمون مع الانقلابيين الذي قاموا بالمحاولة كمحاولة استباقية بعد علمهم أن الرئيس التركي أعد قائمة تحمل أسماءهم و أنه كان يستعد لإلقاء القبض عليهم[18] .

و بالتالي مع حملة الهجوم تلك و مع اقتناع العدالة و التنمية و الرئيس التركي بوجود تعاون بين الحزب و حزب العمال الكردستاني ،فلا يمكن بإي حال من الأحوال اعتبار الحزب من “المعارضة المأمونة” و بالتالي لا يمكن توقع تقديم تنازلات كافية من قبله أو الاعتماد عليه من أجل تحسين صورة الوضع فى الخارج، و بالتالي كان الخيار المنطقي هو استغلال زيادة شعبية الحزب و الرئيس من أجل إلحاق أكبر قدر ممكن من الخسائر به و التأكيد على دعمه للإرهاب.

أما بالنسبة لحزب الشعوب الديموقراطي ، فالنظريات المستخدمة فى حالة الحزبين الأخريين لا يمكن أن تنطبق عليه لأنه لا يتوقع أصلا أن يحاول العدالة و التنمية عقد هدنة معه  بالتالي لم يكن هناك عرض ليرفض ، أما اشتراكه مع الحزبين الآخريين فى رفض الانقلاب فكان إدراكا أن الحل ليس فى يد الانقلاب؛ فمهما كانت هوية الانقلابين فالمؤكد أنهم لن يتساهلوا مع الحزب أو مع القضية التركية ، بل و يمكن أن يكونوا اسوء من أردوغان ، لذا فبمنطق السلوك فى حالة انعدام اليقين سيكون اختيار المعاناة من الاجراءات التى يتخذها ضده العدالة و التنمية حتى لو زادت بعد القضاء على المحاولة الانقلابية فى ظل نظام قضائي و دستور و برلمان يمثل هو فيه ثاني أحزاب المعارضة هو مكسب على المدي القصير أفضل بكثير من العودة إلي زمن الانقلابات العسكرية الذي شهدت فيه تركيا حملات قمع ممنهجة و شديدة القسوة لم تستثن أحدا.و عليه أختار الحزب تقليل الخسائر.

و فى نفس الوقت لا يملك الحزب أن يُهاجم و يُحارب ثم يبارك خطوات أردوغان فى ذلك و عليه فموقف الحزب المندد بما يسميه قمع الحريات و استغلال الأحداث من أجل إحكام العدالة و التنمية السيطرة على مفاصل الدولة منطقي جدا و من الصعب تصور تغيره على المدي القريب .

خاتمة

بناءا على ما ورد فى هذه الورقة بخصوص دوافع الأحزاب السياسية فى تركيا التي شكلت ردات فعلها على محاولة الانقلاب و ما تلاه من إجراءات وصفت بالقمعية من قبل المعارضة  أو تحديدا الأكراد و حركة الخدمة و ضرورية لتطهير الدولة من الانقلابيين على حد زعم السلطة يبدو أن أوراق اللعبة كلها فى يد حزب العدالة و التنمية و رؤيته لحجم التنازلات الممكن تقديمها للمعارضة ، ففي حين يتوقع أن تظل العلاقات سيئة بين الحزب الحاكم و حزب الشعوب الديموقراطي الكردي و أن تستمر سياسات التهميش و الهجوم المتبعة ضده حتى من قبل المحاولة الانقلابية ، فإنه يتوقع أن يحاول حزبي الشعب الجمهوري و الحركة القومية الاستفادة من الهدنة مع حزب العدالة والتنمية و أن يستمر حزب العدالة و التنمية فى تقديم بعض التنازلات البسيطة ليتفرغ لمعاركه الأخري و للاستفادة مما سيعنيه اتفاقه مع حزبي المعارضة للعالم و للداخل التركي .

و سيظل استمرار هذه الهدنة مرهونا بمدي رغبة العدالة والتنمية فى استمرارها بالدرجة الأولي .

[1] دويتشه فيلا ،”يلدريم يشيد بأحزاب المعارضة “لانتصارها للديموقراطية””،16-7-2016

[2] فرنسا 24 ،”تركيا: يلديريم يعلن أن حكومته ستعمل مع المعارضة لصياغة دستور جديد للبلاد”، 26-7-2016

[3] موقع ترك برس،”مظاهر اللحمة الوطنية التركية تتجلي فى قرار كليجدار اوغلو بسحب دعاويه القضائية ضد أردوغان “،1-8-2016

[4] الجزيرة ،”زعماء تركيا يخاطبون جماهير “الديموقراطية و الشهداء “”،7-8-2016

[5] الشرق الأوسط ،”رئيس “الشعب الجمهوري ” :لا يمكن التعامل مع  المحاولة الانقلابية بإزاحة الأشخاص “،23-7-2016

[6] بي بي سي العربية ،”منظمة العفو: “أدلة ذات مصداقية” على تعرض محتجزين للتعذيب في تركيا”،24-6-2016

[7] شبكة الإعلام العربية محيط ،”زعيم حزب تركي معارض يدعم إعادة تطبيق عقوبة الإعدام”،19-7-2016

[8] الجزيرة ،”زعماء تركيا يخاطبون جماهير “الديموقراطية و الشهداء “”،7-8-2016

[9] زمان عربي ،”ديمرتاش :أردوغان لا يستطيع العيش دون أعداء “،10-8-2016

[10] الشرق الأوسط ،”أردوغان يتأهب لمعركة الدستور “،6-8-2016

[11] العربية.نت،”أردوغان :سأصادق على عقوبة الإعدام إذا أقرها البرلمان ” ،7-8-2016

[12] روسيا اليوم ،”غولن :أردوغان اتخذ محاولة الانقلاب ذريعة للقضاء على حركتي “،3-8-2016

[13] ترك برس،”رئيس حزب الشعب يعاتب و أردوغان يعطيه الحق “،27-6-2016

[14] sinan ciddi and berk esen (2014) ,”turkey’s republican people’s party:politics of opposition under a dominant party system , turkish studies,15:3,419-441,doi:10.1080/14683849.2014.954745
[15] وكالة رويترز للأنباء ، “احتدام الصراع على زعامة حزب الحركة القومية التركي المعارض”،13 مايو 2016

[16] noam lupu and rachel beatty riedl (2012),”political parties and uncertainty in developing democracies” ,comparative political studies,46(11),1339-1365,doi:10.1177/0010414012453445

[17] dustin baker (2015), organizing islamists :retracing political moderation in Tunisia and turkey,(master thesis, university of south dakota ,united states of america ) ,,retrieved from proquest database

[18] الشرق الأوسط ، “أحزاب تركيا تجتمع الجمعة لمناقشة الدستور ..من دون الحزب الكردي”،10-8-2016

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى